الجزء 1 · صفحة 1
رسالة سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام
تأليف أبي الإخلاص حسن الشرنبلالي
(994 - 1069هـ)
رقم الإيداع بالمكتبة العامة: 2525/ 99 الطبعة الأولى
تحقيق: الدكتور أحمد محمود إبراهيم آل محمود
كلية الآداب – جامعة البحرين
قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية
(1418هـ - 1997م)
شكر وتقدير
أتقدم بجزيل الشك والتقدير إلى أخي الأستاذ الفاضل الدكتور كمال لاشين الأستاذ بقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، بجامعة البحرين الذي تفضل مشكورا مأجورا إن شاء الله تعالى بقراءة هذا التحقيق المتواضع لرسالة (سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام) لمؤلفها الشيخ الإمام أبي الإخلاص حسن الشرنبلالي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.
وكم كنت مسرورا بتلك القراءة حيث أشار علي بإشارات قيمة وتوجيهات جليلة جعلت هذا التحقيق يخرج في هذا الثوب الطيب.
كما أتقدم بجزيل الشكر إلى فضيلة الشيخ عبد الرحمن ضرار الشاعر لقراءته أيضا وتوجيهاته القيمة.
كما أشكر جريدة الأيام وبالخصوص الأستاذ نبيل الحمر الذي وافق على أن تتولى جريدة الأيام طباعته وتوزيعه، جزى الله الجميع عني خير الجزاء إنه سميع مجيب.
المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم الدكتور: كمال لاشين
الحمد لله حمدا كثيرا يكافئ سحائب كرمه التي تتنزل على البلاد والعباد، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله أهدى رائد على طريق الرشاد، وعى آله الكرام، وصحبه الأخيار ... وبعد
فحين يضعف أمر أمة، وتخور عزيمتها تكره نفسها، وتزهد في العلم الذي ورثته، فإذا زاد ضعفها، وخورها اطمأنت إلى عدوها على قدر كراهيتها نفسها، ورغبت فيما عنده على مقدار زهدها فيما في يديها، ويوشك أن يكون هذا حال أمة الإسلام اليوم، ولكنها كما وصفت بحق – أمة تمرض ولا تموت، والله أعلم متى يبرأ المريض ويزول الداء.
الجزء 1 · صفحة 2
ولم يكن هذا حال المسلمين إبان قوتهم واستمساكهم، كانوا أمة عارفة بمقدار نعمة الله عليها، وما أورثها من الحكمة وفصل الخطاب، فاندفعت في سبيلي القوة والعزة، سبيل الجهاد وسبيل العلم اندفاعا لم تعرفه أمة كما عرفته.
وكان من مظاهر قوة المسلمين أن حَبْلَ العلم فيهم موصول، وأنهم يستشعرون شرف العلم الذي يحملونه، وأن كل طبقة من علمائهم تعرف الفضل لمن سبقها، ولا تضيع ما ورثته من العلم، هذا أبو الفتح أبن جني - رحمه الله تعالى – يصف العلماء الذين أصلوا اللغة والنحو، وضبطوا أقيستها فيقول:" إنهم القوم الذين لا نشك في أن الله سبحانه وتقدست أسماؤه، قد هداهم لهذا العلم الكريم، وأراهم وجه الحكمة في الترحيب له والتعظيم، وجعله ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم خادما للكتاب المنزل، وكلام نبيه المرسل، وعونا على فهمهما، ومعرفة ما أمر به أو نُهِيَ عنه الثقلان منهما " (¬1) وهذا الوصف أشبه بعلماء الفقه وأصوله وهم به أولى.
هذا يقوله ابن جني، وهو رجل رومي الأصل حبب الله إليه الإسلام وعلومه، وفتح له طريقا إلى معرفة أسرار اللسان العربي، ولن ترى كلاما في تعظيم العلماء الأسلاف وبيان فضلهم أشرف من هذا الكلام، وفينا اليوم من يقع في علماء المسلين، ويسرع إلى أعراضهم ويسقط ما خلفوا، فإذا فتشته لم تجده شيئا، وإذا هو سراب بقيعة ...
ومن طريف ما وقع لي في هذا الباب ما روي عن أبي مهدية الباهلي، وهو أعرابي محب للسان قومه، عارف بنعمة الله عليه فيه، فقد أرادوه على أن يترك لسان قومه اللسان العربي ويتعلم لسان الفرس ولغتهم، وقالوا له: قل (شونبذ) بدل قولك كيف؟ وقل (زود) بدل قولك أعجل، وقل (بستان) بدل قولك خذ، فأبى العربي العزيز أن يعطيهم من نفسه، وقال:
يقولون لي (شنبذ) ولست مشنبذا طوال الليالي ما أقام ثبير
ولا قائلا (زودا) لأعجل صاحبي (وبستان) في صدري علي كبير
¬
(¬1) - الخصائص: 1/ 190.
الجزء 1 · صفحة 3
ولا تاركا لحني لأحسن لحنهم ولو دار صرف الدهر حيث يدور (¬1)
فأنظر إلى قوله (وبستان في صدري علي كبير) وقوله (ولو دار صرف الدهر حيث يدور) هذا يقوله أبو مهدية الباهلي، وفينا اليوم الكاره للسان قومه، وأمته وقرأنه، الراغب في أَلْسِنْة غير أمته، يأكل من لسان العرب ويلحن إذا تكلم بلسان غيرهم، فهو كدجاجة السوء تأكل في بيت، وتبيض في بيت غيره، فهلا إذ لم تبض في البيت الذي أكلت فيه، أكلت من البيت الذي باضت فيه!!
-2 -
دارت في نفسي هذه المعاني وغيرها مما هو من بابها، حين طلب مني أخي الدكتور أحمد آل محمود أن أكتب مقدمة لعمله في هذه الرسالة التي بين يدي القارئ، وعجبت أمر أخي ألدكتور حين طلب مني ما طلب، فلست بأعلم منه بموضوع الرسالة فتقدمه إلى القراء زيادة علمي، ولا أنا بالمعروف إلى القراء فيعرفهم بي، وشهرتي فيهم، الأمر أن الدكتور أحمد أعطاني الرسالة بعد ما فرغ من تحقيقها لأقرأها فعلقت له تعليقات يسيرة، فحمله الوفاء على أ، يطلب مني ما طلب، وحملني الحياء، وحبي له على أن أجيبه إلى ما سأل، وإلا فإني لست بذاك، وغيري كان أولى بهذا مني.
-3 -
أما الرسالة فإنها صغيرة الحجم بادية النفع، وهي في مسألة مصافحة المسلم للمسلم عقب الصلوات، وعند كل لقاء ألفها قبل ثلاثة قرون من الزمان أو نحوه الفقيه الحنفي المصري، الأزهري، أبو الإخلاص حسن الشرنبلالي – رحمه الله – وينهض أخي الدكتور أحمد اليوم لتحقيقها، ونشرها على طلاب العلم، أما المؤلف فإن رسالته تدل على أنه كان - كما وُصِفَ – فقيها ذا حذق بالأصول، ومعرفة بالفروع، وضبط للنصوص، وبصر بوجوه الرأي والفتوى، كثير التصنيف، ندي التأليف، وأما المحقق فإني أعرفه رجلا من بيت علم، ومن ذرية بعضها من بعض، ولست أزكيه، وإنما عمله يزكيه ويحكم عليه.
¬
(¬1) - الخصائص: 1/ 239.
الجزء 1 · صفحة 4
وقد شرح الشرنبلالي موضوع رسالته، ومسائلها بقوله في المقدمة " هذه نبذة يسيرة في تجريد الكلام على سنة المصافحة، الحاصلة بعد الصلوات الخمس، والجمعة والعيدين وعند كل لقي، وبيان كيفيتها، وحكم حصولها فيما بين الرجال والنساء، وبيان السلام ومعناه، ورده على أهل الإسلام، وحكم ابتدائه وكيفية رده على أهل الذمة، والدعاء لهم بما ليس فيه
ضير، والتحية بمرحبا وأهلا وسهلا، وكيف أصبحتم، صباح الخير وكيفية السلام على أهل المقابر، وكراهة المشي بالنعال في المقابل لكل زائر، وحكم المعانقة والتقبيل، وبيان الجائز منها والمنهي عنه بالدليل، والقيام للمقبل على الجالس، وقارئ القرآن، والانحناء للكبراء والوزراء، والسلطان والسجود بين يديه للتحية أو التعظيم، وبيان شيء مما للمسلم على أخيه من وصف كريم ".
ومسائل الرسالة كما ترى من الفروع وفروع الفروع، وبعض من لا يمعن النظر إذا نظر إلى أمثال هذا الرسالة مما ألف في فروع المسائل، ورأى إلحاح العلماء عليها، وإيغاله فيها، قال: جهد في غير طائل، وخلاف عقيم، ولا يقول هذا إلا من خفي عليه الرأي والتدبير عند علماء الإسلام وبخاصة علماء الفقه فالقوم لم يخف عليهم ما بين الأصول والفروع في كل علم ولم يغب عنهم أن الأصول هي الأجلُّ والأشرف في كل علم وأن عليها بناء ذلك العلم، و بها قوامه، ولذا جدوا في استنباط الأصول من كل علمن واخلصوا في ذلك العلم إخلاصا نادرا، ولكنهم من وجه لآخر لما تيقنوا أن الأمر متصل بدين الله نظروا إلى العلم نظرة الشيخ الفاني إلى ولده الوحيد جاءه بعد يأس، فهو يجد في تحصينه من كبير الخطر وصغيره متحققه ومظنونه، وكذا علماؤنا - رحمهم الله – ألحوا على الفروع وفروع الفروع إلحاحهم على الأصول إذ كل ذلك متصل بدين الله وشريعته.
الجزء 1 · صفحة 5
وأمل آخر هو أن من الأصول المستقرة عند أهل الإسلام أن المسلمين إذا اختلفوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، فإذا قضى الله ورسوله أمرا قاطعا لم يبق للمسلمين خيرة من أمرهم، فلا يسع العالم المسلم إلا أن يفزع للصغير من المسائل فزعة للكبير منها حين يتصل الأمر بما أحل أو حرم عليه .. وذكر المؤلف أن الذي حمله على تأليف هذه الرسالة ((كثرة السؤال عنها ,وإنكار بعض الناس على فاعلها من غير استناد لحجة في
ذلك))، فهو لم يجمعها ترفا، ولم يؤلفها سراً، وهذا دليل على أن الأمر كما حكيته لك ..
وأخيراً فإن الرسالة على صغرها كثيرة النقول و النصوص، جمة الأعلام والأحكام مما يقضي محققها تفتيشاً شديداً، ومراجعة طويلة في كتب الأحكام والرجال والأحاديث، واللغة وغيرها، وقد فعل المحقق في هذا وسعه وأعطى ما عنده وأدع الحكم للقارئ بعد أن تراجع تعليقات التحقيق، وحواشيه المطولة، ستجد من القراء من يقول لك إن المحقق قد أطال حواشي في غير موضع إطالة، وقصرها في غير موضع تقصير، ووقع في خطأ هنا وخطأ هناك، ومن ألف فقد استهدف، ورضا الناس جميعا غاية لا تدرك، والتأليف في العلم عسير لا يعرفه إلا من كابده وحسب المحقق – عندي – إنه أخرج الرسالة للقراء، وبذل في هذا من الجهد ما بذل فجزاه الله خيرا وأجزل له المثوبة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
أبو حازم
الدكتور كمال عبد الباقي لاشين
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله أما بعد ..
الجزء 1 · صفحة 6
فإن هذا التحقيق للمخطوط الذي بين يدي أخي المسلم وأختي المسلمة تحت عنوان سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام للشيخ الإمام أبي الإخلاص حسن الشرنبلالي الحنفي، من المخطوطات النادرة التي بحثت في أمر قديم جديد، كما ثار الخلاف في حيات المؤلف بين مجيز ومانع، ومحل ومحرم، للمصافحة بعد السلام، وثار الجدال في الموضوع بين أئمة أهل العلم وأساطينه، عاد ليثور اليوم من جديد، لكن ليس بين أهل الاختصاص، بل أثار القضية بعض طلاب العلم ممن يستند على ظاهر النص، دون فهم لما حواه، أو إعمالا لروح النص أي دلالته وفحواه بما يسمى مفهوم الموافقة في أصول الفقه.
ولعل سبب ذلك عائد إلى إهمال دراسة الفقه وأصوله كما ينبغي للمسلم أن يتعلمه، كيف وقد قال سبحانه وتعالى في شأن الفقه آيات تتلى كما في قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (¬1).
فالتفقه في الدين أمر ضروري في شريعة الله سبحانه وتعالى، وإهمال هذا الجانب جهل بنصوص القرآن الكريم، وسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي يقول: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (¬2). وفي رواية أخرى: (الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (¬3) وقوله عليه الصلاة والسلام: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد) (¬4)
¬
(¬1) - التوبة: من الآية122.
(¬2) - صحيح رواه البخاري:1/ 39 ب: 13 من يرد الله به خيرا، ك: 3 العلم، ح:71.
(¬3) - صحيح ابن حبان: 2/ 8 ذكر الإخبار عما يجب على المرء من أعمال الخير، ح: 310.
(¬4) - رواه ابن ماجه: 1/ 80 - 81، ب17 فضل العلماء والحث على طلب العلم، ح:222. رواه الدارمي:1/ 139 - 140 المقدمة ب: 43 من رخص في كتابة العلم.
الجزء 1 · صفحة 7
وفي رواية عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أتاكم أهل اليمن أضف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان والحكمة يمانية) (¬1)
وفي رواية عند الدارمي قال صلى الله عليه وسلم: (إن الحياء والعفاف والعي عي اللسان لا عي القلب، والفقه من الإيمان، وهن مما يزدن في الآخرة، وينقصن من الدنيا، وما يزدن في الآخرة أكثر ...... ) (¬2)
هذا موقف الإسلام ورسول الإسلام عليه الصلاة والسلام من الفقه والتفقه في أمور الدين الحنيف.
أقول يعتبر الشيخ حسن الشرنبلالي أول من بحث حكم المصافحة بعد الصلاة والسلام بحثا متكاملا من جميع جوانبه وزواياه، حيث جمع في رسالته هذه آراء الفقهاء وأدلتهم في الجواز أو المنع، وفند آراء المخالفين، ثم رجح رأي الموافقين بما ترجح لديه من دليل نقلي وعقلي.
وقد اعتمد على نصوص السنة المطهرة الدالة بعمومها على سنية المصافحة على وجه العموم، كما استأنس بآراء سابقيه من الفقهاء المؤيدين لمذهبه.
ولم يسبق الشيخ الشرنبلالي إلى موضوع هذا البحث بهذه الصفة أحد من العلماء، إلا الفتاوى التي أصدرها مجموعة منهم كابن حجر الهيثمي وقطب الدين الحنفي، والإمام النووي الذي جمع ما ورد من نصوص القرآن والسنة في السلام والمصافحة وأشار بإيجاز لحكم المصافحة بعد الصلاة، وكذلك الشيخ الحانوتي والقهوشاني والكاساني في البدائع وأبي الحسن البكر وعلي بن غانم المقدسي ردا على سؤال أو فتوى.
قيمة الرسالة:
وتظهر قيمة هذه الرسالة علميا في:
أولا: الجهد المبذول، والعناية والتحري في النقل عن من سبقه من العلماء والفقهاء، إلى جانب جمعه للأحاديث الصحيحة أو الحسنة التي وردت في المصافحة، واستخدامها في المكان المناسب لها.
¬
(¬1) - رواه البخاري:4/ 1594، ك:67 المغازي ب:70 قدوم الأشعريين، ح: 4129.
(¬2) - رواه الدارمي:1/ 139 - 140 المقدمة ب: 43 من رخص في كتابة العلم، ح: 509.
الجزء 1 · صفحة 8
ثانيا: أن المصافحة بعد الصلاة لم تكن موجودة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شاع فعلها في كثير من أقطار العالم الإسلامي، وكثر الجدل في حِلِيتها أو بِدْعِيَتها مما اقتضى الحال بيان الحكم الشافي المعتمد على أصول التشريع الإسلامي في المصافحة بعد ختام الصلاة.
منهجه:
سلك المؤلف في تحرير هذه الرسالة طريقة السؤال والجواب، وبين أن السبب الذي دعاه إلى تحريرها كثرة السؤال عنها، وإنكار بعض الناس على فعلها، فأراد أن ببين حكم المصافحة بعد الصلاة عموما، والرد على المخالفين له بالأدلة النقلية والعقلية، وبالرغم من أن شيخنا حنفي المذهب إلا أنه لم يتعصب لمذهبه كما هي عادة الفقهاء الأعلام، بل اختار ما يؤيده الدليل، وأقوال العلماء سواء من الحنفية أو غيرهم.
وقد اعتمد فيما ذهب إليه على ما ورد من الأحاديث النبوية الصحيحة أو الحسنة إلى جانب آراء الفقهاء ممن سبقه، القائلين بجواز المصافحة بعد الصلاة، وبذلك فإنه أخذ بالرواية الحديثية واجتهادات الفقهاء واستنباطاتهم، ونظر لأن القرآن الكريم لم يرد فيه نص بخصوص المصافحة إلا فيما يتعلق بالتحية ووجوب ردها، فإن جل اعتماده كان على السنة النبوية المطهرة.
وأما الأحاديث فقد اختلفت درجاتها ما بين صحيح وحسن وضعيف، وبعضها لم أجد له أصلا، كقوله صلى الله عليه وسلم: (السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم).
وللشيخ الشرنبلالي رسائل كثيرة بلغت نيفا وستين رسالة مهمة في مسائل فقهية وغير فقهية، نفع الله به وبعلومه في الدارين آمين.
الجزء 1 · صفحة 9
ومما يجب التنويه عنه في هذه المقدمة، الجهد الذي بذله سلفنا الصالح من العلماء والفقهاء بالبحث والتدقيق، وكتابة الرسائل في مسائل الفروع، مثلما هو الحال عند شيخنا الشرنبلالي والسيوطي وغيرهما، وذلك بسبب كثرة الاختلاف وظهور الجدل حول تلك المسائل حلا وحمة أو كراهة، مما استلزم ظهور من يبين أحكام تلك الفروع مع الاستدلال العقلي أو الاستئناس بآراء الفقهاء والعلماء الاجتهادية في تلك المسائل.
فرحمهم الله رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه سميع مجيب.
ولما انتهى الشيخ الشرنبلالي من بيان حكم المصافحة، وتعرض لمسائل كثيرة تتعلق بالسلام وآدابه كما سوف أبينه في الفهرس إن شاء الله تعالى، لكن هنا ملاحظة يلزم ذكرها ألا وهي: أن من الناس من يعترض تماما على المصافحة بعد الصلاة، فيرى أنها بدعة وأن البدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
البدعة وأقسامها:
لكن ما أحسن ما ذهب إليه الإمام العز بن عبد السلام حينما قسم البدعة إلى خمسة أقسام بحسب تفريعات الحكم الشرعي حينما قال رحمه الله تعالى: البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة.
والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة, وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة, وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة, وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة, وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة.
وللبدع الواجبة أمثلة كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله, وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم, فذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب, ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (¬1).
¬
(¬1) - العز بن عبد السلام – قواعد الأحكام:2/ 204، دار الجليل.
الجزء 1 · صفحة 10
أقول ومثل ذلك في العصر الحديث دراسة علوم الطب والكيمياء والفيزياء وعلم طبقات الأرض والهندسة وغيرها من العلوم لأننا يجب أن لا نؤمن للكافرين, والمجتمع الإسلامي في حاجة ماسة إلى هذه العلوم.
ثم يقول: وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذهب القدرية ومذهب الجبرية وغيرهما .... ومثلها ما يعاني منه المجتمع اليوم كالحفلات الماجنة, والموسيقى الصاخبة, واليانصيب, والهوزي هوزي, وكل ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
وللبدع المندوبة أمثلة: منها: إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر ... ومثلها في العصر الحاضر الجمعيات الخيرية والإسلامية, وغير ذلك من أعمال البر والخير الجماعية، وذلك لعدم وجود هيئة رسمية معتبرة تقوم بهذا الشأن في بعض البلاد.
وللبدع المباحة أمثل منها: المصافحة عقيب الصبح والعصر، ومنها: التوسع في اللذيذ من المأكل والمشارب والملابس والمساكن (¬1).
والإمام العز بن عبد السلام والشيخ الشرنبلالي وغيرهما من الفريق الذي يرى إباحتها، والدليل مع من قال بأنها مباحة، بل مندوب إليها استئناسا بالأصل وعموم الروايات لآثارها الطيبة ونتائجها في نفوس المؤمنين.
لكن مما يجب ملاحظته أنه انتشر في بعض البلاد العربية الفورية في المصافحة بعد السلام مباشرة، كأن المصافحة بعد السلام من تمام الصلاة، مع أن هناك أذكارا ومأثورات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للإتيان بها قبل محادثة أي أحد من الناس، فهذه لها الأولوية بعد السلام ثم تأتي بعد ذلك المصافحة.
¬
(¬1) - العز بن عبد السلام – قواعد الأحكام: 2/ 204.
الجزء 1 · صفحة 11
فمن الأذكار الواردة بعد الانتهاء من الصلاة: ما رواه الإمام مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ثم قال: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) (¬1).
وروى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (¬2).
ومنها: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك، واله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (¬3).
¬
(¬1) - صحيح مسلم: 1/ 414، ك: 5 المساجد ومواضع الصلاة ب23: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، ح:591.
(¬2) - صحيح مسلم: 1/ 414،، ك: 5 المساجد ومواضع الصلاة ب: 23 استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، ح:591.
(¬3) - صحيح مسلم: 1/ 418 ك: 5 المساجد ومواضع الصلاة ب:23 استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، ح:597.
الجزء 1 · صفحة 12
كما وردت أذكار خاصة بصلاتي الفجر والمغرب يمكن الرجوع إليها في كتب السنن لكن أخص منا ما رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات‘ وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله) قال هذا حديث حسن غريب صحيح (¬1)، قال الترمذي حديث حسن، وفي بعض النسخ صحيح (¬2).
وفي رواية أخرى: (من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل وكتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح) (¬3).
فينبغي للمسلم بعد الانتهاء من الصلاة أن يتلو الأذكار التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا انتهى من ذلك صافح إخوانه المسلمين، والله أعلم.
هذا ما أردت الإشارة إليه في هذه التقدمة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل مني عملي وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة أنه سميع مجيب، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
(وصف المخطوطتين):
عثرت لهذا المخطوط على نسختين تميزت الأولى بكتابتها بخط مشرقي في ثلاث عشرة ورقة، وعدد أسطر الصفحات خمسة وعشرون سطرا باستثناء الأولى والثانية، وكانت من ضمن مجموعة كبيرة من الرسائل للمؤلف بلغت ستين رسالة مختلفة الأحجام.
¬
(¬1) سنن الترمذي: 5/ 515. ك: 49 الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ب: 63،ح: 3494.
(¬2) - تحفة الأحوذي - شرح المبارك فوري:9/ 443.
(¬3) - سنن أبي داود: 4/ 319، ك: الأدب، ب: 110 ما يقول إذا أصبح، ح: 5077.
الجزء 1 · صفحة 13
وقد بلغ عدد ورقات تلك المجموعة سبعا وخمسين وثلاثمائة ورقة وكان ترتيبها بينها الخمسون.
بدأت هذه المجموعة برسالة التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية في مذهب السادة الحنفية، وآخرها نتيجة المعاوضة لبيان شرط المفاوضة.
وقد فرغ مؤلفها منها يوم الجمعة السادس عشر من شهر رجب الحرام سنة 1046هـ، وهي موجودة في مكتبة العطارين - بدار الكتب الوطنية - تحت رقم 7708 بقسم المخطوطات.
أما المخطوطة الثانية فقد تميزت بكتابتها بخط تونسي في أربع عشرة ورقة، احتوت كل ورقة على خمسة وعشرين سطرا، وكانت ضمن مجموعة أخرى من رسائل بلغت ثلاثين رسالة، وبلغ مجمل أوراقها اثنتين ومائتي ورقة وكان تريبها بينها الثانية.
وبدأت المجموعة الثانية برسالة إكرام أولي الألباب بشريف الخطاب، وانتهت برسالة الزهر النضير على الحوض المستدير، وقد أصاب هذه المجموعة بلل ماء.
قام بنسخ هذه المجموعة أحمد بن أحمد بن أبي القاسم عبد الهادي البكري رحمه الله، ولم أجده في مظانه.
هذه النسخة موجودة أيضا في مكتبة العطارين – دار الكتب الوطنية – بتونس، ولم يحدد الناسخ تاريخ كتابته لهذا المخطوط، ورقمها 7767 بقسم المخطوطات.
التناقض في ذكر التواريخ:
التناقض في التواريخ التي ذكرت فمرة ذكر المؤلف أنه انتهى من تأليفها في 16/ 7/1046هـ، وذكر في النسخ المعتمدة أنه قد انتهى منها في أوائل ربيع الأول سنة 1049هـ ثم ذكر تاريخ الانتهاء من نسخها في 20 ربيع الثاني 1061هـ، والظاهر أن المؤلف رحمه الله تعالى انتهى من تأليفها سنة 1046هـ وهو الأوفق، وأن التاريخين الآخرين هما تاريخ انتهاء النسخ لكل من المخطوطتين، حيث انتهى أحد الناسخين في سنة 1049هـ وانتهى الناسخ الآخر في سنة 1061هـ. فبهذا يتبين لي أن كلا النسختين ليستا من خطه والله أعلم (¬1).
¬
(¬1) - أرشدني بعض من قرأ هذه الرسالة بعد انتهائي من طباعتها شكر الله له عن هذا التناقض في التواريخ.
الجزء 1 · صفحة 14
أي النسختين أصح:
والظاهر أن النسخة رقم 1 التي كتبت بالخط المشرقي هي الأصل لأن الثانية كتبت بخط مغربي، والمؤلف رحمه الله تعالى كان مصريا، وبالتالي فإن هذه النسخة بخطه، والثانية ليست من خطه.
ولم تحمل كلا المخطوطتان شيئا من التعليقات أو الحواشي حتى يتبين أيهما الأصل ولكن الخط كاف للتحديد المطلوب، ولذلك فإني اعتمدت النسخة ذات الخط المشرقي على أنها الأصل لأنها الأقرب للصواب.
منهجي في تحقيق المخطوط:
سرت في تحقيق هذه المخطوطة على المقارنة بين المخطوطتين، واخترت النص المتفق عليه بينهما، وعند الاختلاف أذكر ما أظنه الصحيح الموافق للمعنى، مع الإشارة إلى اللفظ الوارد في المخطوطة بهامش التحقيق، وكذا ما سقط من إحداهما.
خرجت الأدلة التي اعتمدها المؤلف من الكتاب أو السنة، وقد جعلت النص القرآني بين قوسين معقوفين، وجعلت النص النبوي بين قوسين هلاليين كبيرين.
وفي تخريج الأحاديث اعتمدت ما ورد في أحد الصحيحين، فإذا ورد فيهما اكتفيت بأحدهما، وكذلك إذا ورد الحديث عند أحدهما.
ولقد وجدت بعض الكلمات التي قلبت فيها الهمزة إلى ياء مثل كلمة سيل بدل سئل، وغيبا بدل غائبا، وقايل بدل قائل وهكذا فقد اعتمدت الكتابة الصحيحة من غير إشارة إلى ذلك في التحقيق إذ لا ضرورة لذلك.
ترجمت للأعلام التي وردت في الرسالة ترجمة مختصرة مع الإحالة إلى المصادر التي تناولت الترجمة.
كتبت الكلمات على حسب قواعد الإملاء المعروفة والنطق السائد في اللغة العربية، وأشرت إلى نص المخطوطتين في الهامش.
ختمت الرسالة بفهارس للآيات القرآنية، والنصوص النبوية والأعلام، ووضعت فهرسا للأحكام التي وردت في الرسالة، والكتب الواردة في صلبها، والمصادر والمراجع التي اعتمدتها، وأخيرا فهرست لموضوعات الرسالة.
والله أسأل التوفيق والسداد وأن لا يضيع جهدي هباء فيرى النور في أقرب الآجال إنه ولي ذلك والقادر عليه إنه سميع مجيب.
ترجمة المؤلف:
الجزء 1 · صفحة 15
مؤلف هذه الرسالة الفقيه الفاضل أبوب الأمداد حسن بن عمار بن علي أبو الإخلاص المصري الشرنبلالي، الفقيه الحنفي الوفائي.
كان من أعيان الفقهاء، وفضلاء عصره، وممن ساد ذكره، فانتشر أمره، قال عنه المحبي صاحب خلاصة الأثر: وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه وأعرفهم بنصوصه وقواعده، وأنداهم قلما في التحرير والتصنيف، وكان المعول عليه في الفتاوى في عصره، درس بالجامع الأزهر، وتعين بالقاهرة، وتقدم عند أرباب الدولة وجلس إليه كثيرون، أخذوا عنه العلم وتتلمذوا على يديه.
قال عنه والد المحبي:
الشيخ العمدة الحسن الشرنبلالي مصباح الأزهر، وكوكبه المنير المتلألئ، لو رآه صاحب السراج الوهاج لاقتبس من نوره، أو صاحب الظهيرة لاختفى عند ظهوره، أو ابن الحسن أحسن الثناء عليه، أو أبو يوسف لأجله، ولم يأسف غيره، ولم يلتفت إليه عمدة أرباب الخلاف وعدة أصحاب الاختلاف.
صاحب التحريرات والرسائل التي فاقت أنفع الوسائل، مبين الفضائل بإيضاح تقريره، ومحيي ذوي الأفهام بدرر غرر تحريره، نقال المسائل الدينية، وموضح المعضلات اليقينية، صاحب خلق حسن، وفصاحة ولسن، كان أحسن فقهاء زمانه.
ولم يُقل في إمامنا الشرنبلالي إلا هذا لكفاه قدرا في العلم، وقدوة في العمل والاجتهاد، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا أمن آمين آمين.
مولده:
ولد مؤلفنا بشبرا بلولة سنة (994هـ = 1585م) والشرنبلالي نسبة لشبرا ملولة، وهي على غير القياس، والأصل شبرا بلولي نسبة لبلدة تجاه منوف العليا بإقليم المنوفية بسواد مصر، جاء به والده إلى مصر وسنه يقرب من ست سنين، فحفظ القرآن، وأخذا في الاشتغال بالعلم.
شيوخه:
تتلمذ مؤلفنا على يد مجموعة كبيرة من العلماء في شتى الفنون والعلوم، منهم على سبيل المثال لا الحصر:
1 – محمد الحموي (ت 1003هـ)
الجزء 1 · صفحة 16
وهو محمد بن محمد بن يوسف بن أحمد الملقب بشمس الدين، الحموي الأصل الدمشقي المولد، الميداني الشافعي، عالم الشام ومحدثها، وصدر علمائها، الحافظ المتقن.
كان بديع التقرير، متين التحقيق، غاية في دقة النظر، وكمال التدقيق، حافظا ضابطا، ذا ذهن ثاقب، وقريحة وقادة، وسرعة فهم، ونظر مستقيم، شديدا في الدين مهابا عند الناس، ومن مؤلفاته:
- زهر البانات المغروسة في فضل نيل مصر المحروسة.
- العقد المنظوم في رحلة الروم (¬1).
2 – علي بن غانم المقدسي: (920 – 1004هـ)
وهو علي بن محمد بن علي بن خليل، الخز رجي السعدي العبّادي، المقدسي الأصل القاهري المولد والسكن، الملقب بنور الدين، الحنفي.
أحد أفراد العلم المجمع على جلالته وبراعته وتفوقه في كل فن من الفنون بالجملة والتفصيل، نشأ بمصر، وحفظ القرآن الكريم وتلاه بالسبع، ولي المناصب الجليلة كإمامة الأشرفية ومشيخة مدرسة الوزير، ومشيخة الإقراء.
من كتبه:
- شرح نظم الكنز.
- شرح الأشباه والنظائر.
- الشمعة في أحكام الجمعة (¬2).
3 – محمد المحبي: (931 - 1030 هـ = 1525 – 1621م)
وهو محمد بن منصور بن إبراهيم بن سلامة محق الدين الملقب بشمس الدين، الشهير بالمحبي، الدمشقي، الحنفي.
فقيه، محدث، مقرئ، معمر، حفظ القرآن الكريم وجوّده وتعلم القراءات، وكان يغلب عليه التغفل والسلاح، من مؤلفاته:
شرح على الهداية (¬3).
4 - عبد الله المسيري
5 – عبد الله النحريري ولم أجدهما في مظانهما.
تلاميذه:
وتتلمذ على يد شيخنا الشرنبلالي مجموعة كبيرة من التلاميذ أشهرهم:
1 – أحمد العجمي: (1014 - 1086هـ = 1604 – 1675م)
¬
(¬1) - أنظر المحبي – خلاصة الأثر: 4/ 170 - 174، كحالة - معجم المؤلفين: 11/ 311.
(¬2) الزركلي -حبي – خلاصة الأثر: 3/ 180 – 185. الزركلي - الأعلام: 5/ 12.
(¬3) - أنظر المحبي – خلاصة الأثر: 4/ 231 - 233.
الجزء 1 · صفحة 17
وهو أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد، الشافعي الوفائي المصري (شهاب الدين) الإمام المفنن اللوذعي، كان من أجل علماء مصر، كان صدوقا حسن العشرة والمحاضرة، وإليه النهاية في معرفة التاريخ وأيام العرب وأنسابهم.
له من التآليف:
- شرح ثلاثيات البخاري.
- تنزيه المصطفى المختار عما لم يثبت من الأخبار والآثار.
- كرامات الأولياء (¬1).
2 - أحمد بن محمد الحسني الحموي الحنفي (شهاب الدين)
عالم مشارك في أنواع من العلوم, درس في القاهرة, من علماء الحنفية, حموي الأصل, كان مدرساً بالمدرسة السليمانية بالقاهرة وتولى إفتاء الحنفية, صنف كتباً كثيرة منها:
- العيون البصائر4ج.
- نفحات القرب والاتصال.
- الدر النفيس في مناقب الشافعي, وغيرها (¬2).
3_ شاهين الأرمناوي (1030 - 1100هـ).
وهو شاهين بن منصور بن عامر الأرمناوي الحنفي.
أفقه الحنفية في عصره بالقاهرة, اشتهر صيته وسارت فتاواه بالبلاد, حفظ القرآن والألفية والشاطبية والرحبية وغيرها, ورحل إلى الأزهر فقرأ بالروايات.
أجازه جُل شيوخه, وتصدر للإقراء في الأزهر في فنون عديدة كالفقه والفرائض والحساب والنحو وغيرها (¬3).
4 - إسماعيل النابلسي: (1017 - 1062هـ)
هو إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد النابلسي الأصل الدمشقي المولد والدار, العلامة الفقيه الحنفي.
كان عالماً متبحراً غواصاً على المعاني الدقيقة, قوي الحافظة, وهو أفضل أهل وقته في الفقه, وأعرفهم بطرقه.
صنف كتباً كثيرة منها:
- الأحكام شرح الدرر في 12مجلداً, وهو من أجل ما ألف, بيض منه أربعة مجلدات, اختص بترتيب ألفاظ القرآن الكريم على حروف المعجم.
¬
(¬1) - أنظر المحبي – خلاصة الأثر:1/ 175، كحالة – معجم المؤلفين: 1/ 152.
(¬2) - أنظر: هدية العارفين – البغدادي: 1/ 164 - 165. الزركلي- الأعلام: 1/ 239. كحالة – المعجم: 2/ 93.
(¬3) - أنظر المحبي – خلاصة الأثر: 2/ 221.
الجزء 1 · صفحة 18
- وله مجموع فيه أشياء كثيرة من إنشائه وشعره, ومقدمات دروسه في التفسير (¬1).
كتبه ومصنفاته:
للشيخ الشرنبلالي كتب ومصنفات كثيرة بلغت نحوا من سبعين مصنفاً, وهي على النحو الآتي:
1. الابتسام بأحكام الإفحام ونشق نسيم الشام.
2. إتحاف الأريب بجواز استتابة الخطيب.
3. إتحاف ذوي الإتقان بحكم الرهان.
4. الأحكام المخلصة في حكم ماء الحمصة.
5. إرشاد الأعلام لرتبة الجدة وذوي الأرحام في تزويج الأيتام.
6. الاستفادة من كتاب الشهادة.
7. إسعاد آل عثمان المكرم ببناء بيت الله المحرم.
8. إصابة الغرض الأهم في العتق المبهم.
9. الإقناع في الراهن والمرتهن.
10. إكرام أولي الألباب بشريف الخطاب.
11. إمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح.
12. إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر الإسلامية.
13. إيقاظ ذوي الدراية لوصف من كلف السعاية.
14. إيضاح الخفيات عند تعارض بينة النفي والإثبات.
15. البديعة المهمة المعلقة بنقض القسمة.
16. بديعة الهدى لما تيسر من الهدي.
17. بسط المقالة في تحقيق تأجيل الكفالة.
18. بلوغ الأرب لذوي القرب.
19. تجديد المسارات بالقسم بين الزوجات.
20. تحفة أعيان الفناء بصحة الجمعة والعيدين في الفناء.
21. تحفة الأكمل والهمام المصدر في بيان لبس الأحمر.
22. تحفة التحرير وإسعاف النادر الغني والفقير بالتخيير على الصحيح والتحرير.
23. تحقيق الأعلام الواقفين على مفاد عبارات الواقفين.
24. تحقيق السؤدد باشتراط البيع و السكنى في الوقف للولد.
25. التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية في مذهب السادة الحنفية.
تذكرة البلغاء النظّار بوجوه رد حجة الولاة النظّار.
26. تنقيح الأحكام في حكم الإبراء والإقرار الخاص والعام.
27. تيسير العليم لجواب التحكيم.
28. تيسير المقاصد من عقد الفرائد في شرح منظومة ابن وهبان.
¬
(¬1) - أنظر المحبي – خلاصة الأثر: 1/ 408 - 410، الزركلي- الأعلام: 1/ 317.
الجزء 1 · صفحة 19
29. جداول الزلال الجارية لترتيب الفوائد بكل احتمال.
30. حسام الحكام المحققين لصد البغاة المعتدين عن أوقاف المسلمين.
31. حفظ الأصغرين عن اعتقاد من زعم أن الحرام لا يتعدى الذميين.
32. الحكم المسند بترجيح بيّنة ذي اليد.
33. الدر الثمين في اليمين.
34. در الكنوز لمن عمل بها بالسعادة يفوز.
35. الدرة الثمينة في حمل السفينة.
36. الدرة الفريدة بين الأعلام لتحقيق حكم ميراث من علق طلاقها بما قبل الموت بشهر وأيام.
37. الدرة اليتيمة في الغنيمة.
38. رق البيان في دية المفصل والبنان.
39. الزهر النضير على الحوض المستدير.
40. سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام.
41. سعادة الماجد بعمارة المساجد.
42. شرح نور الإيضاح المسمى بإمداد الفتاح.
43. العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جواز التقليد.
44. غاية المطلب في الرهن إذا ذهب.
45. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام.
46. فتح باب الألطاف بجدول طبقات مستحقي الأوقاف. الفوز بالمآل بالوصية بما جمع من مال.
47. الفوز بالمآل بالوصية بما جمع من مال.
48. قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية.
49. كشف القناع الرفيع عن مسألة التبرع بما يستحق الرضيع.
50. كشف المعضل فيمن عقل.
مراقي السعادة في علم الكلام.
51. مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح في الفروع.
52. المسائل البهية الزكية على الإثنا عشرية.
53. مفيدة الحسنى لدفع ظن الخلو بالسكنى.
54. منة الجليل في قبول قول الوكيل.
55. نتيجة المفاوضة لبيان شرط المعاوضة
56. نجاة الأرواح.
57. نزهة أيام الحرب بالنظر لمسائل الشرب.
58. النص المنقول لرد الإفتاء بالملول بدية المقتول.
59. النعمة المجددة بكفيل الوالدة.
60. نظر الحاذق النحرير في فكاك الرهن والرجوع على المستعير.
61. النظر المستطاب لبيان حكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب.
62. النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية.
الجزء 1 · صفحة 20
63. نفيس المتجر بشراء الدرر.
64. نهاية مراد الفرقين في اشتراء الملك لآخر الشرطين.
65. واضح المحجة للعدول عن خلل الحجة.
هذه مجموعة مؤلفات الشيخ حسن الشرنبلالي رحمه الله تعالى على نحو ما ذكره صاحب كتاب كشف الظنون والبغدادي في كتابه هدية العارفين.
وفاته:
كانت وفاته يوم الجمعة بعد صلاة العصر حادي عشر من شهر رمضان سنة (1069هـ= 1659م) عن نحو خمس وسبعين سنة، ودفن بتربة المجاورين رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسح جناته مع الذين أنعم الله عليم ممن النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا آمين آمين آمين.
رسالة
سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام
تأليف
أبي الإخلاص حسن الشرنبلالي
(994 - 1069هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الجزء 1 · صفحة 21
الحمد لله المنعم بالإيجاد (¬1)، المتفضل بالإمداد (¬2)، الذي ألف بين قلوب المؤمنين بالمحبة وصادق الوداد (¬3)، المتكفل لطالب العلم بتيسير الرزق بين العباد، ميسر أسباب السعادة، وبلوغ درجات السيادة بأيسر معتاد (¬4)، جاعل مكفرات الذنوب أمورا كثيرة صالحة كتسبيح وتهليل وتحميد (¬5)، ومصافحة وإزالة حجر أو شوك عن الطريق، وصب الماء من نهر وبئر بدلو للرقيق، وطلاقة وجه وبشاشة ولين الكلام، وإدخال السرور على المؤمنين وإفشاء السلام، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفي، والخليل المجتبى (¬6)، ذخيرة الأنام سيدنا ومولانا محمد صاحب المقام المحمود والحوض المورود، والشفاعة العظمى في يوم الزحام، وعلى آله وصحبه السادة البررة الكرام وبعد:
¬
(¬1) - الإيجاد: الخلق.
(¬2) - الإمداد: من مدد، المَدُّ: الجَذْب والمَطْلُ، ويقصد به العون. لان العرب: 3/ 389.
(¬3) - الوداد: من المودة وهي مرادفة للحب.
(¬4) - معتاد: لعله أراد به السبيل أو الطريق المألوف.
(¬5) - التحميد من الحمد والتحميد كثرة حمد اللَّه سبحانه بالمحامد الحسنة، ... والتحميد أَبلغ من الحمد. لسان العرب:3/ 156.
(¬6) - جبي: جَبَى الخراجَ والماء والحوضَ يَجْبَاهُ و يَجْبِيه: جَمَعَه. لسان العرب: 14/ 128بمعنى المصطفى أو المختار ..
الجزء 1 · صفحة 22
فيقول العبد المفتقر إلى كرم مولاه، الغني به فلا يرجو سواه، أبو الإخلاص حسن الشرنبلالي الوفائي الحنفي، دام مشمولا باللطف الجلي والخفي، وبر البر المحسن الحفي، هذه نبذة يسيرة في تجريد (¬1) الكلام على سنة المصافحة، الحاصلة بعد الصلوات الخمس والجمعة وعند لكل لقي، بيان كيفيتها، وحكم حصولها فيما بين الرجال والنساء، وبيان السلام ومعناه ورده على أهل الإسلام، وحكم ابتدائه وكيفية رده على أهل الذمة، والدعاء لهم بما ليس فيه ضير (¬2)، والتحية بمرحبا وأهلا وسهلا، وكيف أصبحتم وصباح الخير، وكيفية السلام على أهل المقابر، وكراهة المشي بالنعال في المقابر لكل زائر، وحكم المعانقة والتقبيل، وبيان الجائز منهما والمهني عنه بالجليل، القيام للمقبل على المجالس وقارئ القرآن والانحناء للكبراء (¬3)، والوزراء والسلطان، والسجود بين يديه للتحية أو التعظيم، وبيان شيء مما للمسلم على أخيه من كل وصف كريم، وسميتها سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام.
(سبب تأليف الرسالة):
¬
(¬1) - جَرَدَ الشيءَ يجردُهُ جَرْداً و جَرَّدَهُ: قشَره، فالتجريد البيان والإظهار، لسان العرب: 3/ 115.
(¬2) - الضير: من ضور، والضير والضرر بمعنى واحد أي لا ضرر أو لا بأس فيه، أنظر ابن منظور – لسان العرب ب: الضاد: 4/ 494.
(¬3) - الكبراء أي العظماء من الأكابر، قال ابن منظور: كبر: الكَبير في صفة الله تعالى: العظيم الجليل ... والمُتَكَبِّر الذي تَكَبَّرَ عن ظلم عباده، فالكِبْرِياء العَظَمَة، والأكابر العظماء، لسان العرب: 5/ 125.
الجزء 1 · صفحة 23
وسبب جمعها كثرة السؤال عنها، وإنكار بعض الناس على فاعلها من غير استناد لحجة في ذلك، خصوصا وقد رأيت جوابا منسوبا لشيخ الإسلام أحمد بن حجر الشافعي رحمه الله، وقد سئل عن المصافحة بعد الصلاة ونصه: المصافحة بعد الصلاة بدعة غير مشروعة لا أصل لها فلا ينبغي لأحد فعلها، كتبه أحمد بن حجر الشافعي (¬1) رحمه الله.
ورأيت أيضاً جوابا لحنفي ونصه: المصافحة ثابتة واعتقاد أنها سنة في المحال المذكورة خطأ يجب الرجوع عنه والله أعلم. كتبه قطب الدين بن علاء الدين الحنفي (¬2) عفا الله عنهما.
¬
(¬1) - أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي، الأنصاري، شهاب الدين، شيخ الإسلام (909 - 974هـ = 1504 - 1567 م) ولد في محلة أبي الهيتم من إقليم العربية مصر، وإليها نسبته، تلقى العلم بالأزهر، ومات بمكة, له تصانيف كثيرة منها: مبلغ الأرب في فضائل العرب، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج في فقه الشافعية، والفتاوى الهيتمية وغيرها كثير، عدّ له الزركلي في الأعلام نحوا من اثنين وعشرين مؤلفا، أنظر المحبي – خلاصة الأثر: 2/ 166، الزركلي- الأعلام: 1/ 234، كحالة – معجم المؤلفين: 2/ 152.
(¬2) - محمد بن أحمد بن محمد بن قاضي خان محمود النهرواني (قطب الدين) الحنفي، الهندي، ثم المكي (917 - 990هـ=1518 - 1582م) مؤرخ، فقيه مفسر، عالم بالعربية، ناظم، تعلم بمصر، ونصِّب مفتيا بمكة، ذكر له الزركلي تسعة مصنفات في التراجم والتاريخ، منها: الإعلام بأعلام بلد الله الحرام، والبرق اليماني في الفتح العثماني، والتمثيل والمحاضرة بالأبيات المفردة النادرة وغيرها، أنظر: ابن العماد – شذرات الذهب: 8/ 420 - 422، الزركلي- الأعلام: 6/ 6.7، كحالة – معجم المؤلفين: 7/ 180. .
الجزء 1 · صفحة 24
فلما رأيت ظاهرهما المنع من المصافحة عقب الصلوات, ولم يفصح جوابهما عن المراد بينت وجه الجواز، بل ثبوت سنية المصافحة عقبها، لأن القوم إذا قاموا عن مواضع صلاتهم فتصافحوا لا يمنعون, إذ لا قائل بالمنع من المصافحة في تلك الحالة, لأنها حالة لقي.
وفيها يسن السلام والمصافحة, لقول الإمام محي الدين النووي (¬1) المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي كما سنذكره, فلم يبقى لكلام هذين المجيبين إلا الحمل على حصول المصافحة عقب السلام من الصلاة قبل القيام والأخذ في عمل آخر وليس ذلك مسلماً, فقد قال الإمام النووي: لا بأس بها كما سنذكره بل هي سنة أو مستحبة عند كل لقي كما سنذكره عند النووي.
(المصافحة عند كل لقاء)
¬
(¬1) -.أنظر: ن شرف بن مري بن حسين النووي، الدمشقي، الشافعي، محي الدين، أبو زكرياء (631 - 677هـ= 1233 - 1278م) فقيه محدث، حافظ، لغوي، مشارك في بعض العلوم، ولد بنوى في 14رجب 677هـ ودفن بها، ذكر له ابن العماد الحنبلي أكثر من خمسة عشر مصنفا، وذكر له الزركلي ثلاثة وعشرين مصنفا. أنظر: ابن العماد – شذرات الذهب: 5/ 254 - 356، الزركلي – الأعلام: 8/ 149—150، كحالة – معجم المؤلفين: 13/ 212 - 213.
الجزء 1 · صفحة 25
مطلب: وحالة السلام من الصلاة حالة لقي بحسبه، لأن المصلي لما أحرم صار غائباً عن الناس مقبلاً على الله تعالى بعبادته, فلما أدى حقه قيل ارجع إلى مصالحك ومآربك، وسلم على إخوانك لعجزك واحتياجك وقدومك من غيبتك, ولذلك ينوي القوم بسلامه كما ينوي الحفظة, وإذا سلم يندب له المصافحة أو تسن كالسلام، فلا مانع من المصافحة لسنيتها في كل حال, كما أجاب بها شيخ الإسلام شيخ مشايخنا شمس الدين محمد بن سراج الدين الحانوتي (¬1) الحنفي رحمه الله ..
وقد رفع إليه سؤال فأجاب بأن المصافحة سنة في كل حال، فسطرته لينظر إليه أهل الكمال ويقتدي به السادة الحنفاء ويكون رداً على المانع بلا خفاء.
(فتوى شيخ الإسلام الحانوتي)
¬
(¬1) - محمد بن عمر الحانوتي المصري الحنفي، شمس الدين (928 - 1010هـ= 1521 - 1610م) فقيه أديب ولد في 19 صفر وتوفي بالقاهرة، من آثاره: إجابة السائلين بفتوى المتأخرين، ومناقب الشعراء .. انظر: المحبي – خلاصة الأثر: 4/ 76، الزركلي – الأعلام: 6/ 317، كحالة – معجم المؤلفين:12/ 78.
الجزء 1 · صفحة 26
وملخص السؤال: ما قولكم في من يصافح بعد أداء الصلوات الخمس والجمعة والعيدين ويقول أنها سنة؟ ويبغض من لا يصافح معه وهو ممن يقتدي به كالقضاة والمدرسين, والخطباء والأئمة والمشايخ, والحال أنها ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون ولا أحد من العلماء المعتمد عليهم, والفاعلون لها مصرون على فعلها فيكون فعلهم سبباً لاعتقاد العوام أنها سنة, وإذا سئل عن فعله يجيب بأنها بدعة حسنة, فإذ طلب منهم الدليل على ذلك يقيسونها بالمصافحة المسنونة, وبعضهم يستدل بقوله عليه السلام: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) (¬1) وهذا حديث وارد في حقنا ونحن أمته أجمعنا على فعلها، فمن الذي يرد فاعلها؟ وبعضهم يستدل بقوله عليه السلام: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله أحسن) (¬2) وهذا حديث وارد, فنحن مسلمون رأينا حسناً في الإسلام, وإظهار محبة ومودة خصوصاً في يوم الجمعة وهو عيد المسلمين, فإذا سمع العوام أقوالهم بهذه الدلائل يقتدون.
¬
(¬1) - (لا تجتمع أمتي على ضلالة) قال في عون المعبود: حديث ضعيف:7/ 117. وورد بروايات منها: عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة هكذا فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار)، وفي رواية: (إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد على ضلالة أبدا ويد الله مع الجماعة) رواهما الحاكم في المستدرك وصححهما: 1/ 201،ك العلم: 391. و4/ 552 ك: 50الملاحم والفتن ح:8545.
(¬2) - هذا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه انظر: أحمد: 1/ 379، الدارمي، مقدمة: 1/ 74 - 76 دار إحياء السنة النبوية.
الجزء 1 · صفحة 27
أما كان ينبغي إفشاء السلام كما ورد, وقد ترك بإرادة الركوع وبإرخاء الرأس وبصباح الخير, ومساء الخير, ومرحباً, ولم نر أحداً قاتلهم بسيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل لهم من الله أو من الرسول به نص بسكوتهم وإقامتهم وإجماعهم على هذه البدعة؟ بيّنوا لنا بالنقل الصريح حتى نعلم ما هو سنة وما هو مستحب وما هو بدعة؟ فنعلم المخطئ من المصيب {وَتَكْتُمُوا (¬1) الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (¬2).
فأجاب رحمه الله بقوله: نصت العلماء على أن المصافحة للمسلم لا الكافر من غير أن يقيدوها بوقت دون وقت، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبهما كما يتناثر الورق اليابس من الشجرة, ونزلت عليهما مائة رحمة, تسع وتسعون لأسبقهما وواحدة لصاحبه) (¬3).
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب (¬4).
¬
(¬1) - في المخطوطة ولا تكتمون والصواب ما ذكر.
(¬2) - البقرة: من الآية42.
(¬3) -حديث: (من صافح أخاه المسلم وحرك يديه000) لم أجده بهذا اللفظ، لكن وجدت قريبا من شطره الأول، كقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب، سنن الترمذي: 5/ 74 ك: 43 الاستئذان، ب: 31 ما جاء في المصافحة، ح: 2727.
(¬4) - سنن الترمذي: 5/ 74 ك: 43 الاستئذان، ب: 31 ما جاء في المصافحة، ح: 2727، أبو داوود – السنن: 4/ 354 ك:36 الأدب، ب: 153المصافحة ح:5212.
الجزء 1 · صفحة 28
فالحديث الأول يقتضي مشروعية المصافحة مطلقا، أعم من أن تكون بعد الصلوات الخمس والجمعة والعيدين أو غير ذلك (¬1)، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخصها بوقت دون وقت, فإذا فعلت في أي وقت كان, كانت من مقتضيات هذه الأدلة وداخلة تحت عمومات، ولا يشترط فعل النبي صلى الله عليه وسلم المصافحة، ولا أمره عليه السلام بالمصافحة، لأن من المقتضيات ما أفاده الدليل، وإلا لما كان يمكن العمل بعموم الأدلة, مع أن الدليل العام عند الحنفية حيث لم يقع فيه تخصيص هو من الأدلة الموجبة لحكمه قطعاً, كالدليل الخاص, حتى قالوا: أن الدليل العام يعارض الخاص لقوته، والدليل هنا عام لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (من صافح أخاه ... ) إلى آخر الحديث عام، لأن صيغة مَن من صيغ العموم وكذا صيغة ما, ويكفي هذا دليلاً على سنية المصافحة.
قلت: وكذلك نقل شيخ مشايخنا, الشيخ العلامة علي المقدسي (¬2)
¬
(¬1) - الدر المختار: 6/ 381.
(¬2) - هو علي بن محمد بن خليل بن محمد الحنفي، (920 - 1004هـ=1514 - 1596م) نزيل القاهرة، المعروف بابن غانم (نور الدين) فقيه، لغوي، محدث، ولد بمصر في أوائل ذي القعدة، وتوفي في جمادى الآخرة، من تصانيفه: أوضح رمز في شرح نظم كنز الدقائق في فروع الفقه الحنفي. حاشية على القاموس للفيروز أبادي. الفائق في اللفظ الرائق في الحديث. انظر: المحبي – خلاصة الأثر: 3/ 180، الزركلي- الأعلام: 5/ 12. كحالة – معجم المؤلفين: 7/ 195.
الجزء 1 · صفحة 29
رحمهم الله في أربعين حديثاً للحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري (¬1) الشرعي حديثا صيغته من صيغ العموم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من صافح مسلماً وقال عند مصافحته اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد لم يبقى من ذنوبهما شيء) (¬2)
¬
(¬1) - محمد بن محمد بن محمود البخاري الحنفي: (850هـ=1446م) المدعو بالشيخ البخاري (شمس الدين) فقيه، فرضي، متكلم، قطن الشام وتوفي بها قريبا من سنة 850هـ من آثاره: شرح درر البحار في فروع الفقه الحنفي. وشرح على نظم السراجية في الفرائض. وكتاب في أصول الدين. انظر: كحالة – معجم المؤلفين: 11/ 299.
(¬2) - الحديث من صافح مسلما، وقال عند مصافحته اللهم صل على محمد 000) لا أصل له بهذا اللفظ، وكان شيخ الإسلام الحانوتي يستطيع أن يستدل بحديث أخر أصح إسنادا مثل ما رواه الطبراني في الأوسط عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن النبي قال؛ (إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر) وقد علق عليه المبارك فوري بقوله: ورواته لا أعلم فيهم مجروحا. ومثله ما رواه الطبراني بإسناد حسن عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي قال: (إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في ريح يوم عاصف وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر) ونحوها من الأحاديث النبوية الشريفة. تحفة الأحوذي: 7/ 429 باب ما جاء في المصافحة، كما نقل النووي في كتابه (حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار) ما هو قريب منه، قال: (ما من عبدين متحابين في الله تعالى يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه فيصليان على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا لم يفترقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر) رواه أبو يعلى في مسنده:5/ 334، ح 2960 ..
الجزء 1 · صفحة 30
انتهى ثم قال الشيخ الحانوتي ولا حاجة للاستدلال بالحديثين المذكورين في السؤال لأنهما إنما المراد بهما المجتهدون, لأن الأصوليين استدلوا بهما على حجية الإجماع, وأهل الإجماع من كان مجتهداً لا عامة الناس.
وأما التحية مرحبا فهي سنة لأنهم جعلوا من السنة أن يقولوا عند (¬1) لقاء الأخوان: كيف أصبحتم, ومرحباً وأهلاً أو أهلاً وسهلاً فيقول صاحبه: في خير وعافية أحمد الله, و أما صباح الخير فهو في معنى هذه الألفاظ.
قلت: لعل المراد حصول ذلك بعد الابتداء بالسلام لما سنذكره انتهى.
ثم قال الشيخ الحانوتي: أما التحية بالركوع واسترخاء الرأس فمكروه لكل أحد مطلقا, ومثله السلام باليد كما نصت عليه علماء الحنفية لما روي عن أنس (¬2) رضي الله عنه قال رجل يا رسول الله: (الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له, قال: لا, قال: (أفيلثمه) (¬3) ويقبله؟ قال: لا، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم) (¬4) وهو حديث حسن.
وقالوا أنه لم يأت له معارض فلا مصير إلى مخالفته، ولا يغتر بكثرة من يفعل ممن ينسب إلى صلاح أو علم أو نحوهما من خصال الفضل، فإن الإقتداء إنما يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} (¬5)
¬
(¬1) - في خ 1 لقا بغير همزة بعد المد.
(¬2) - أنس بن مالك الصحابي الجليل المشهور.
(¬3) - الصحيح فيلتزمه بدل أفيلثمه.
(¬4) - (الرجل منا يلقى أخاه) رواه الترمذي:5/ 75، ك43:الاستئذان، ب: 31 ما جاء في المصافحة، ح 2728. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(¬5) - الحشر /7.
الجزء 1 · صفحة 31
وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (¬1). فيجب على من رأى شيئا من هذا أن يأمر بالمعروف، لأن الأمر بالمعروف من أعظم أمور الدين، لقوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (¬2) وقال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (¬3). إلى غير ذلك مما ورد من الأحاديث، وكلام السلف بما لا يسعه هذا المقام، وبالجملة فالأمر بالمعروف واجب إلا أن يكون هناك ما يرخص في عدم اعتماد الوجوب، كما لو علم أنه إن نهى عن المنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر، ونظر إليه بعين الاستهزاء، أو علم أنه يحصل له إيذاء على ذلك، وجعل بعضهم من ذلك خوف الاستيحاش إلى غير ذلك مما ورد. (¬4) انتهى كلام الشيخ الحانوتي رحمه الله.
(آراء بعض العلماء في المصافحة):
¬
(¬1) - النور/ 63.
(¬2) - آل عمران / 110.
(¬3) - لقمان/17.
(¬4) - أقول: لا تكفي هذه الأسباب شرعا للامتناع عن الأمر بالمعروف، بل الأمر فيها واجب إلا أن يعلم أن في أمره بالمعروف هلاك لنفسه فعندئذ يجوز له ترك ذلك الأمر. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 32
وقال في شرح مختصر الوقاية (¬1) للقهوشاني (¬2) رحمه الله: المصافحة لم تكره بل هي سنة قديمة متواترة (¬3)، قال عليه السلام: (من صافح أخاه المسلم وحرّك يديه تناثرت ذنوبه) (¬4) وهي: إلصاق (¬5) صفحة الكف بالكف وإقبال الوجه بالوجه ..
كما قال ابن الأثير (¬6):
¬
(¬1) - جامع الرموز في شرح النقاية مختصر الوقاية.
(¬2) - القهوشاني أو المويستاني خطا والصواب القهستاني: (ت 953أو 964 هـ 1546م) محمد القهستاني شمس الدين، فقي حنفي، كان مفتيا ببخارى له كتب منها: جامع الرموز في شرح النقاية مختصر الوقاية، كان إماما عالما زاهدا فقيها متبحرا جامعا، يقال أنه ما نسي قط ما طرق بسمعه. انظر: حاجي خليفة - كشف الظنون: 2/ 1971، وانظر: ابن ا لعماد- شذرات الذهب: 8/ 300، الزر كلي- الأعلام: 7/ 11.
(¬3) - الدر المختار – الحصكفي:6/ 381.
(¬4) - الدراية في تخريج أحاديث الهداية:2/ 233، كتاب الذبائح. نصب الراية 4/ 259، فصل في الاستبراء.
(¬5) - في خ 1 الصداق والصحيح ما ورد في خ: 2.
(¬6) - ابن الأثير (544 - 606هـ 1149 - 1210 م) المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الشافعي) مجد الدين، أبو السعادات (عالم، أديب، ناثر، مشارك في تفسير القرآن والنحو واللغة والحديث والفقه وغير ذلك، ولد بجزيرة ابن عمر، وتوفي بالموصل من تصانيفه:
النهاية في غريب الأثر، جامع الأصول في أحاديث الرسول، الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف، وغير ذلك، أنظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: 4/ 141 - 143، وانظر كحالة- معجم المؤلفين: 8/ 174.
الجزء 1 · صفحة 33
فأخذ الأصابع ليس مصافحة خلافا للروافض كما في صلاة المسعودي (¬1). والسنة فيها أن تكون بكلتي يديه. كما في المنية (¬2) وبغير حائل من ثوب له وغيره كما في الخزانة، وعند اللقاء بعد السلام كما في الشريعة (¬3)، وأن يأخذ الإبهام، قال عليه السلام: (إذا صافحتم فخذوا بالإبهام، فإن فيه عرقا يتشعب منه المحبة) (¬4) انتهى.
وفى البدائع (¬5) لا خلاف في أن المصافحة حلال (¬6) لقوله صلى الله عليه وسلم: (تصافحوا تحابوا) (¬7).
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا لقي أخاه فصافحه تناثرت ذنوبه) (¬8)، ولأن الناس يتصافحون في سائر الأعصار (¬9) في العهود والمواثيق فكانت سنّة متوارثة، انتهت عبارة البدائع (¬10).
وفي الجامع الصغير للسيوطي (¬11)
¬
(¬1) - وهي صلاة الممتار في الصلاة على النبي المختار. أنظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1081
(¬2) - أنظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1081.
(¬3) - في خ 1 كما في الشركة ...
(¬4) - حديث موضوع ليس له أصل.
(¬5) - بدائع الصنائع في تحفة الفقهاء ... يأتي إن شاء الله تعالي.
(¬6) - بدائع الصنائع – للكاساني: 5/ 124.
(¬7) - لم أجده بهذا اللفظ لكن المشهور هو قوله صلى الله عليه وسلم: (تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء (. انطر: يحيي بن يحيي الليثي- موطأ الإمام مالك: 653،ح:1642.
(¬8) - - لم أجده بهذا اللفظ لكن وجدت عند المنذري نحوه، عن حذيفة بن اليماني رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر)، قال المنذري: رواه الطبراني في الأوسط ورواته لا أعلم فيهم مجروحا، وفي رواية أخرى عن البزار من رواية مصعب بن ثابت. أنظر: الترغيب والترهيب:3/ 290،ك: الأدب، ب: الترغيب في المصافحة. ح: 4115.
(¬9) - في خ 4 الأعضاء و الصواب الأعصار.
(¬10) - بدائع الصنائع: 5/ 124، كتاب الاستحسان.
(¬11) - السيوطي: (ت 911 هـ)
جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي الشافعي: الحافظ، المسند، المحقق المدقق، صاحب المؤلفات الفائقة. ولد ليلة الأحد أول رجب سنة 849 هـ و توفي ليلة الجمعة 19 جمادى الأولى في منزله بروضة المقياس ودفن في حوش قوصون. انظر: ابن العماد الحنبلي- شذرات الذهب: 8/ 51 - 55.
الجزء 1 · صفحة 34
قي حرف العين قال صلى الله عليه وسلم: ... (وتمام محبتكم فيما بينكم المصافحة) (¬1).وفيه: (تصافحوا يذهب الغل من قلوبكم) (¬2). وفيه: (تهادوا تحابوا وتصافحوا يذهب الغل عنكم) (¬3).
(أول من صافح)
أول من صافح في الإسلام الأشعريون، وفيهم أبو موسى الأشعري (¬4) رضي الله عنه لما دنوا من المدينة المنوّرة جعلوا يرتجزون يقولون:
غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه
فلما تقدموا صافحوا من لقوا، فهو أول مصافحة في الإسلام، كذا في الأوائل (¬5) للسيوطي رحمه الله.
¬
(¬1) - لم يذكره السيوطي بهذا النص فرواية السيوطي: (و تمام محبتكم بينكم المصافحة. أنظر: الجامع الصغير: 2/ 57. ورواه أحمد: 5/ 26. وعند الترمذي: (تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته، أو قال على يده، فيسأله كيف هو؟ وتمام تحياتكم بينكم المصافحة):5/ 86، ك: الاستئذان ب: 30، ح:2726. قال أبو عيسى هذا إسناد ليس بالقوي.
(¬2) - الحديث أورده السيوطي في الجامع من رواية ابن عدي عن ابن عمر ورواه مالك في الموطأ، عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني مرفوعا معضلا، أنظر: يحيى بن يحيى الليثي- موطأ الإمام مالك: 653،ح:1642.
(¬3) - رواه مالك بنحوه، نفس المرجع.
(¬4) -. هو عبد الله بن قيس بن سليم بن الأشعر الصحابي المشهور رضي الله عنه.
(¬5) - الوسائل إلى معرفة الأوائل ... لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة 911 إحدى عشرة وتسعمائة. كشف الظنون:2/ 2007.
الجزء 1 · صفحة 35
وقال الإمام النووي رحمه الله: روي أن عليا رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست (¬1).
قلت: هذا المحل لم يصح فيه شيء، ولو قال إنسان لصاحبه على سبيل المودة واستجلاب الوداد: أدام الله لك النعيم ونحو ذلك من الدعاء فلا بأس به، وإذا ابتد المارّ الممرور عليه فقال: صبحك الله بالخير أو بالسعادة أو قواك الله، أو لا أوحش الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها الناس في العادة لم يستحق جوابا، لكن لو دعا له قبالة ذلك كان (¬2) حسنا، إلا أنه يترك جوابه بالكلية زجرا له في إهماله السلام، وتأديبا له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام. انتهى كلام ا لنووي (¬3).
قلت: فمراد الشيخ الحانوتي (¬4) رحمه الله بقوله: وأما التحية بمرحبا
فهي سنّة الخ لعله أراد بعد الابتداء بالسلام لما ذكرنا، ولما سنذكر (¬5) للحديث الذي أخرجه الترمذي (¬6)
¬
(¬1) - في خ 1 و 2 ونجسته. قال ابن علان الصديقي: قال المتولي والروياني: روي أن عليا رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست، و عند علي رجل يهودي فقال للرجل: هلا أجبت أمير المؤمنين قلت: سعدت ولا شقيت؟ فقال علي رضي الله عنه: الحكمة ضالة المؤمن خذوها ولو من أفواه المشركين. النووي- حلية الأبرار المسمى بالأذكار مع كتاب الفتوحات الإلهية: 5/ 377.المجموع: 4/ 510.
(¬2) - في خ 1 كانا.
(¬3) - انظر: حلية الأبرار مع كتاب الفتوحات الإلهية: 5/ 377.
(¬4) - سبق ترجمته، انظر ص:
(¬5) - في خ: 2 لما سنذكر من غير واو العطف.
(¬6) - الترمذي (210 – 279هـ= 825 - 802 م).
محمد بن عيسي بن سورة بن موسى، السلمي، الضرير، البوغي، (أبو عيسى) محدث، حافظ، مؤرخ، فقيه، تتلمذ لمحمد بن إسماعيل البخاري توفي بترمذ 13رجب. من تصانيفه: سنن الترمذي. الشمائل في شمائل النبي صلي الله عليه وسلم، العلل في الحديث، رسالة في الخلاف والجدل والتاريخ. انظر: كحالة- معجم المؤلفين: 11/ 104 - 105.
الجزء 1 · صفحة 36
رحمه الله، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (السلام قبل الكلام) (¬1).
(استحباب المصافحة عند كل لقاء).
وقال النووي رحمه الله: اعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، لكن لا بأس به فإن أصل المصافحة سنّة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها (¬2).
وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام (¬3)
¬
(¬1) - انظر: سنن الترمذي:5/ 59، ك: 43 الاستئذان ب: 11 ما جاء في السلام قبل الكلام، ح 2699. وأبو يعلي في مسنده: 4/ 48،ح:2059.
قال الترمذي قال أبو عيسى هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا وسمعت محمدا يقول عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب ومحمد بن زاذان منكر الحديث، وروى بعده حديثا آخر بنفس الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلم). وعلق عليه قائلا: هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والظاهر أنه يشمل الروايتين لأئه قال بعدهما: سمعت محمدا يقول: عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف، في الحديث ذاهب، ومحمد بن زااذان منكر الحديث، وهما من رواة السند. انظر الكامل في ضعفاء الرجال: 6/ 204، من اسمه محمد.
(¬2) - انظر النووي- حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار: 5/ 379 – 398.
(¬3) - أبو محمد بن عبد السلام (577 - 660هـ=1181 - 1262م)
هو عبد العزيز بن عبد السلام ابن أبي القاسم السلمي، الدمشقي الشافعي المعروف بابن عبد السلام، فقيه مشارك في الأصول والعربية والتفسير، ولد بدمشق وتوفي بالقاهرة من مصنفاته: القواعد الكبرى في أصول الفقه، الغاية في اختصار النهاية في فروع الفقه الشافعي، وتفسير القرآن. نظر: كحالة- معجم المؤلفين:5/ 294.
الجزء 1 · صفحة 37
رحمه الله في كتابه القواعد (¬1) أن البدع على خمسة أقسام، واجبة ومحرمة ومكروهة، ومستحبة، ومباحة، قال: ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر (¬2) انتهى كلام النووي رحمه الله (¬3).
وفي الإعلام (¬4) بتقسيم البدع والأحكام للشيخ أبي الحسن البكري (¬5) رحمه الله إباحة المصافحة عقب كل صلاة، فإنه قال فيه بعد نقله كلام الشيخ ابن عبد السلام (¬6) أقول: تقييده المصافحة بما بعد الصبح والعصر يحمل على عادة كانت في زمنه، وحاصل القضية أن المصافحة عقب الصلوات كلها كذلك (¬7)، انتهى كلام البكري.
¬
(¬1) -. وهو: قواعد الأحكام في مصالح الأنام. 2 ج، ط دار الجيل- بيروت، الطبعة الثانية، 1400هـ=1980م، راجعه وعلق عليه طه عبد الرءوف سعد.
(¬2) - انظر: عز الدين ابن عبد السلام- قواعد الأحكام: 2/ 204 - 205 ط دار الجيل، بيروت 1400هـ=1980م. ولو قال أنها من السنن الحسنة لما أخطأ الحقيقة، ذلك لأن السنة الحسنة هي ما كان لها أصل في التشريع، والمصافحة كذلك، والله أعلم.
(¬3) - انظر حلية الأبرار: 5/ 398.وانظر: إعانة الطالبين:1/ 271.
(¬4) - لم أجده في مظانه.
(¬5) - أبو الحسن البكري 0899 - 952هـ = 1493 - 1545م) هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد (أبو الحسن) البكري الصديقي، مفسر متصوف مصري، من علماء الشافعية، ومولده ووفاته بالقاهرة.
من كتبه: تسهيل السبيل في تفسير القرآن، وشرح العباب، وشرح منهاج النووي وغيرها. انظر: الزركلي - ا لأعلام: 7/ 57.
(¬6) - سبق ترجمته.
(¬7) - فيستحب المصافحة بعد الصلوات كلها، تجديدا للمحبة والألفة وتوثيقا للعرى خصوصا في هذه الأوقات التي انشغل الناس فيها بالدنيا عن الآخرة، وبالتجارة في الأموال عن التجارة مع الله سبحانه وتعالى، فنحن الآن في حاجة لها لمثل هذه الأغراض.
الجزء 1 · صفحة 38
وقال العلامة الشيخ علي المقدسي (¬1) رحمه الله في شرحه على الكنز (¬2) ما نصه: وفي الحاوي (¬3) للزاهدي (¬4) لا تكره المصافحة في المسجد على الأصح (¬5) انتهى.
فبهذا انتفت كراهة المصافحة مطلقا، وقد علمت أنها سنّة مطلقا لكلام الشيخ الحانوتي رحمه الله، وانتفت الكراهة أيضا، بل ثبت ندبيّّة المصافحة بما قدمناه لكن عن البدائع (¬6) من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تصافحوا تحابوا) (¬7) انتهى. وبما قدمناه من كلام الإمام (¬8)
¬
(¬1) - سبق ذكره. انظر ص 27 ..
(¬2) - كنز الدقائق في الفقه الحنفي.
(¬3) - حاوي مسائل الواقعات والمنية وما تركه في تدوينه من مسائل القنية وزاد فيه من الفتاوى لتتميم الفنية للزاهدي.
(¬4) - الزاهدي: (ت 658هـ-1260م)
مختار بن محمود بن محمد، أبو الرجاء، نجم الدين - الزاهدي، الغرميني.، فقيه، من أكابر الحنفية، من أهل غرمين () نجوا رزم) رحل إلي بغداد والروم، من مؤلفاته: المجتبي، الناصرية، زاد الأئمة. انظر: كحالة - معجم المؤلفين: 12/ 212.
(¬5) - بل الأصح جوازها واستحبابها لما ذكرت سابقا.
(¬6) - في خ 1،2 بدايع.
(¬7) - سبقت الإشارة إليه. انظر صفحة 30.
(¬8) - الإمام ساقطة من خ 2.
الجزء 1 · صفحة 39
النووي في الأذكار علمت قصور العبارة التي نقلها ابن الملك (¬1) في شارح المجمع (¬2) بقوله قال النووي في شرح صحيح مسلم (¬3): مصافحة الناس بعد الفجر ليس بشيء لأنه لا أصل لها في الشرع على هذا القبيل. ثم قال: ولكن لا بأس بها فإن أصل المصافحة سنة إلى آخر كلامه الذي قدمناه، وقيدنا قول الشيخ الحانوتي التحية بمرحبا سنة الخ بحصولها بعد الابتداء بالسلام لما قال العلامة ابن كمال باشا (¬4) رحمه الله في شرح الأربعين (¬5) (السلام قبل الكلام) (¬6) الحديث أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه مرفوعا.
(الاستئذان أولا ثم السلام)
¬
(¬1) - ابن الملك (800 هـ= 1399هـ) عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين الحنفي، فقيه أصولي محدث، صوفي، من مؤلفاته: شرح المنار للنسفي في أصول الفقه، بدر الواعظين وذخر العابدين، انظر: كحالة- معجم المؤلفين: 6/ 11
(¬2) -. معجم البحرين لابن الساعاتي في فروع الفقه الحنفي (694 هـ)
(¬3) - الصواب في كتاب الأذكار كما ذكره محمد شمس الحق العظيم أبادي في عون المعبود والأحوذي في التحفة أنظر: عون المعبود: 14/ 81، والتحفة: 7/ 426.
(¬4) - ابن كمال باشا (940هـ=1534م) هو أحمد بن كمال باشا (شمس الدين) قاضي، من العلماء بالحديث ورجاله، تركي الأصل، من تصانيفه: طبقات الفقهاء، طبقات المجتهدين. انظر: الزركلي- الأعلام1/ 133.
(¬5) - الأربعين كتاب لابن كمال باشا المذكور آنفا، جمع أربعينات وشرحها واختار ما جزل لفظه وحسن فقراته، وليس كل منها أربعين حديثا بل بعضها عشرون. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 1/ 54.
(¬6) - سبقت الإشارة إليه.
الجزء 1 · صفحة 40
قال صاحب الهداية (¬1) في التجنيس (¬2) والمزيد (¬3) إذا أتى إلى باب دار إنسان يجب أن يستأذن ثم إذا (¬4) دخل سلم عليه لقوله تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (¬5) أمر بالاستئناس (¬6) قبل السلام هذا في البيوت، أما في الفضاء يسلّم أولا ثم يتكلم لقوله عليه السلام: (من كلّم قبل السلام فلا تجيبوه) (¬7) وقال عليه الصلاة والسلام: (السلام قبل الكلام) (¬8).
¬
(¬1) - صاحب الهداية هو: علي بن أبي بكر المرغيناني (ت539هـ) ـ انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 2031، و الهداية كتاب في فروع الفقه الحنفي.
(¬2) - التجنيس والمزيد وهو لأهل الفتوى غير عتيد، في الفتاوى لعلي بن أبي بكر المرغيناني أنظر: حاجي خليفة- كشف الظنون 2/ 352
(¬3) - ساقطة من خ 1 وفي خ 2 والمزيد والتصحيح من عندي.
(¬4) - إذا ساقطة من خ 1.
(¬5) - النور/27
(¬6) - في خ1و2 بالاستيناس بالياء بدل الهمز.
(¬7) - لا أصل له. وفي رواية: عن ابن عمر مرفوعا (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) ورواه ابن النجار عن عمر بلفظ السلام قبل السؤال فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام قلا تجيبوه. كشف الخفاء ومزيل الإلباس: 1/ 551. وعند الطبراني في المعجم الأوسط عن بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدأ بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه) 1/ 136. والحديث ضعيف حيث ورد في سنده عبد العزيز بن أبي رواد، انظر: الكامل في الضعفاء: 5/ 291.
(¬8) - سبق الإشارة إليه. انظر: ص 33.
الجزء 1 · صفحة 41
وروي عن عبد الله بن سلام (¬1) أنه قال: أول ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلّم: (يا أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنّة بسلام) (¬2). قال لقمان (¬3) لابنه: (يا بني إذا مررت بقوم فارمهم بسهم الإسلام، وهو السلام) (¬4).
(أنواع التحية)
قالوا تحية النصارى: وضع اليد على الفم، وتحية اليهود: الإشارة بالإصبع، وتحية المجوس: الانحناء وتحية العرب: حيّاك الله، ويقولون للملوك: أنعم صباحا. وتحية المسلمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهي أشرف التحيات وأكرمها (¬5).
عن أبي أمامة (¬6)
¬
(¬1) - عبد الله بن سلام (ت 43هـ) هو عبد الله بن سلاّم- بفتحتين- بن الحارث أبو يوسف، من ذرية نبي الله يوسف عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام، كان يهوديا ثم أسلم، اشتهر بأنه حليف القوافل من الخزرج (الأنصاري). كان اسمه الحصين وسماه الرسول صلي الله عليه وسلم عبد الله، أسلم أول ما قدم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ودفن بها. انظر: ابن حجر- الإصابة: 4/ 118 - 120.
(¬2) - المستدرك: 4/ 176، ح: 7277. وانظر: الدارمي: 2/ 275، ك: الصلاة، ب: 156 فضل صلاة الليل ح:1460. يلاحظ أن المؤلف قدّم وأخر فالحديث: يقول: (يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام).
(¬3) - لقمان الحكيم الذي ورد ذكره في كتاب الله تعالي: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه}. لقمان/ 12 - 19.
(¬4) - فيض القدير: 1/ 442
(¬5) - فيض القدير: 6/ 402.
(¬6) - أبو أمامة (ت86هـ) هو صدى ابن عجلان بن الحارث، و يقال ابن وهب ويقال ابن عمرو بن وهب بن عريب الباهلي، مشهور بكنيته (أبو أمامة) صحابي. كان مع علي بصفين وكان يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وثلاثين سنة، وكان ممن بايع تحت الشجرة- انظر: ابن حجر- الإصابة:3/ 420 - 421، ترجمة 4063.
كان مع علي بصفين وكان يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وثلاثين سنة، وكان ممن بايع تحت الشجرة- انظر: ابن حجر- الإصابة:3/ 420 - 421، ترجمة 4063.
الجزء 1 · صفحة 42
رضي الله عنه (¬1) قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالإصبع وتسليم النصارى الإشارة بالكف) (¬2).
نقل عن أفلاطون: إذا دخلتم على الكرام فعليكم بالسلام وتقليل الكلام وتعجيل القيام، انتهى كلام ابن الكمال باشا رحمه الله تعالى.
فقد علمت جواز المصافحة مطلقا بل سنّيتها مطلقا وجواز غيرها من نحو صباح الخير مطلقا أو بعد البداءة بالسلام، لما قدمناه من الحديث.
(فضل السلام):
وقد نصّ على فضل السلام الشيخ محيي الدين النووي فقال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الإسلام خير، قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) (¬3). وفي الصحيحين: (لمّا خلق الله آدم قال له: اذهب فسلّم على أولئك، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فزادوه ورحمة الله) (¬4).
وفي الصحيحين: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: عيادة
¬
(¬1) - عنه ساقطة من خ 1.
(¬2) - كنز العمال: ح 25333، سنن الترمذي: ك:43 الاستئذان، ب: 7 ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام ح: 2695، قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف.
(¬3) - - حديث: (أي الإسلام خير ... ) رواه مسلم: 1/ 65 ك:1 الإيمان،: 14بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل. ح:39.
(¬4) - رواه البخاري:3/ 1210، ك 64 كتاب الأنبياء: ب: 1 خلق آدم صلوات الله عليه، ح: 3148. مسلم: 4/ 2841، ك:51 الجّئة وصفة نعميها، ب:11 يدخل الجنة أقوام، ح: 028/ 2841.
الجزء 1 · صفحة 43
(¬1) المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وعون الضعيف (¬2) ونصر المظلوم وإفشاء السلام وإبرار القسم) (¬3) وفي صحيح البخاري قال عمّار (¬4) رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: (الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار) (¬5) وروينا هذا في غير البخاري مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (¬6).
قال النووي رحمه الله تعالى (¬7) وقد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدنيا فإن الإنصاف يقتضي أن يؤدي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أمر به ويجتنب جميع ما نهاه عنه وأن يؤدي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضا من نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلا، وأما بذل السلام للعالم فمعناه لجميع الناس، يقتضي أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه، فأما الإنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى، والتوكل عليه، والشفقة على المسلمين، وغير ذلك نسأل الله الكريم التوفيق لجميعه (¬8) إنه على كل شيء قدير.
(كيفية السلام وفضله):
¬
(¬1) - في خ 2 بعيادة بزيادة الباء.
(¬2) - "- في خ 1 الضيف والصحيح الضعيف كما في خ 2، لأن الرواية في صحيح البخاري (ونصر الضعيف، وعون المظلوم) بدلا من عون الضعيف ونصر المظلوم.
(¬3) - انظر: صحيح البخاري: 2/ 368، ك:51 المظالم ب:6 نصر المظلوم، ح: 2313.
(¬4) - عمّار بن ياسر (ت 37 هـ) الصحابي الجليل أبو اليقظإن، اسشتهد يوم صفين وهو ابن أربع وتسعين، و قيل ثلاث وتسعون، و قيل إحدى وتسعون، والله أعلم. انظر: الجزري- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 4/ 129 - 135.
(¬5) - ... صحيح البخاري: 1/ 19 ك:2 الإيمان ب: 18 إفشاء السلام.
(¬6) - هذا من كلام النووي رحمه الله تعالي، أنظر: ابن. علان- الفتوحات الربانية: 5/ 284.
(¬7) - (رحمه الله تعالي) ساقطة من خ 1.
(¬8) - أنظر: النووي- حلية الأبرار في كتاب الفتوحات لابن علان: 5/ 284 - 285.الأذكار: 1/ 191.
الجزء 1 · صفحة 44
تنبيه: حيث قدمنا حديث السلام ناسب أن نذكر كيفية السلام وفضله ومعناه:
اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بضمير الجمع، وإن سلم على واحد لأن معه ملائكة كراما. ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويأتي بواو العطف في قوله وعليكم ويرد على الفور ويرفع كل صوته بحيث يسمع صاحبه (¬1).
روينا (¬2) في مسند الدارمي (¬3) وسنن أبي داود (¬4) عن عمران بن الحصين (¬5)
¬
(¬1) - نعم يرفع صوته إلا أن يكون في المسجد أو الجامع من أجل أن لا يشوش على المصلين، أو الذاكرين أو التالين لكتاب الله تعالى، فهذه بيوت الرحمن ينبغي مراعاة خفض الصوت فيها ولو بالسلام، فيكفي أن يسمعه واحد من المسلمين أو نحوه ويرد عليه واحد، والله أعلم.
(¬2) - الضمير يعود للإمام النووي لأنها من عبارته. أنظر: حلية الأبرار مع كتاب الفتوحات الإلهية لابن علان:5/ 289.
(¬3) - الدارمي (181 - 255 هـ= 797 - 869) (عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي (أبو محمد) توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة يوم الجمعة، أنظر ترجمته في كتابه سنن الدارمي: 81/ 5 - 8،ط: الريان للتراث- القاهرة، تحقيق وتخريج فؤاد زمزلي وخالد العلمي.
(¬4) - أبو داود (202 - 275 هـ) سليمان بن الأشعث السجستاني الأردي، الإمام الورع الناسك، الزهد، الحافظ، العلم، احد أئمة الحديث المتقنين، توفي بالبصرة. انظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 268 - 269، ابن كثير- البداية والنهاية: 11/ 54 - 56.
(¬5) - عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف الخزاعي (52 هـ)
يكني أبا جنيد، صحابي من قدماء من أسلم، بعثه عمر بن الخطاب ليفقه أهل البصرة، كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، كان ممن اعتزل الفتنة فلم يقاتل فيها. أنظر: ابن حجر- الإصابة: 4/ 706.
الجزء 1 · صفحة 45
رضي الله عنهما قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس، فقال صلى الله عليه وسلم: عشر، ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه وجلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلاثون) (¬1).
قال الترمذي حديث حسن (¬2) وفي رواية لأبي داود زيادة على هذا: (ثم أتى آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال: أربعون، وقال هكذا تكون الفضائل) (¬3).
وفي الجامع الصغير (¬4) قال صلى الله عليه وسلم: (من الصدقة أن
تسلم على الناس وأنت طلق الوجه) (¬5).
(معنى السلام)
¬
(¬1) - انظر سنن أبي داود: 4/ 350،. ك: 36 الأدب، ب: 143 كيف السلام، ح:5195. وقال حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث عمران بن حصين. سنن الترمذي:5/ 52. ك: 43 الاستئذان، ب:2 ما ذكر في فضل السلام، ح: 2689. الدارمي:2/ 360 ك: 19 الاستنذان ب: فضل التسليم ورده، ح 2640.
(¬2) - سنن الترمذي: 5/ 51 وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه).
(¬3) - سنن أبي داود:4/ 350، ك:36 الأدب، ب: 143 كيف السلام ح: 5196، وقال المنذري في إسناده أبو مرحوم وسهل بن معاذ لا يحتج بهما. أنظر عون المعبود شرح سنن أبي داود14/ 70 .. ك: الآداب، ب- كيف السلام.
(¬4) - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير لجلال الدين السيوطي (911هـ). كشف الظنونك 1/ 560.
(¬5) - انظر نفس المرجع: 2/ 541، ح 8218. رواه البيهقي في شعب الإيمان:6/ 253 ... (حديث ضعيف). طلاقة الوجه عند السلام أمر ضروري لأنه ليس المقصود إلقاء السلام فقط ولكن المقصود إشعار المسلم عليه بالأمان، فعن أبي ذر قال، قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق) الجمع بين الصحيحين: 1/ 267.
الجزء 1 · صفحة 46
وأما معناه (¬1): فقد اختلف فيه فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله تعالى، وهو نص الإمام أحمد. وفي رواية أبي داود ومعناه: اسم الله عليكم، أي أنت في حفظه، كما يقال الله يصحبك، الله معك، فقال بعضهم: السلام بمعنى السلامة أي السلامة ملازمة لك، كذا في الآداب.
وقال علي السمهودي (¬2) في كتابه المسمى طيب الكلام في فوائد السلام (¬3) والمعتمد أنه دعاء بالسلامة مخلوط فيه التأمين، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، (¬4) وكل اسم من أسمائه تعالى يبلغك رتبة من المراتب بدعائك به، وحقيقته لغة السلام والأمان انتهى، وقال في البدائع التسليم لكل بر وخير، انتهى.
¬
(¬1) - أي معنى السلام.
(¬2) - السمهودي (844 - 911=1440 - 1505م) علي بن عبد الله بن أحمد الحسني، الشافعي، (نور الدين أبو الحسن) مؤرخ فقيه، ولد بسمهود في مصر ونشا بها، وتوفي بها من تصانيفه: خلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى، جواهر العقدين في فضائل الشرفين شرف العلم الجلي والنسب العلي، و غيرهم. انظر كحالة:- معجم المؤلفين: 7/ 129 - 130.
(¬3) - كتاب طيب الكلام بفوائد السلام للسمهودي عبارة عن ثلاثين سؤالا تتعلق بالسلام جمعها شيخه قاسم بن قطلوبغا توفي ولم يجب عليها، فأجاب عليها السمهودي رحمه الله، وفرغ من تبييضها في العشر الأول من جمادى الآخرة سنة 892 هـ أنظر: حاجي خليفة- كشف الظنون 2/ 1119.
(¬4) - الأعراف/ 180.
الجزء 1 · صفحة 47
تنبيه: محل كراهة الإشارة باليد إذا اقتصر عليها لما ورد (¬1) عن أسماء بنت يزيد (¬2): (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود فأشار بيده بالتسليم) (¬3) قال الترمذي (¬4) حديث حسن، فهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة، يدل هذا على أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: (فسلم علينا) (¬5).
(البدء بالسلام سنّة)
واعلم أن البدء بالسلام سنّة كفاية وهي أفضل من رده وان كان الرد فرضا على الكفاية، روى الطبري (¬6)
¬
(¬1) - ورد ساقطة من خ 1، 2 والتصويب من عندي.
(¬2) - أسماء بنت يزيد الأنصارية، ذكرها المؤلف أسماء بنت زيد والصحيح يزيد. انظر: ابن حجر- الإصابة: 7/ 533 رقم الترجمة 80903.
(¬3) - سنن الترمذي ك:43الاستئذان ب 9: التسليم على النساء ح: 2697. ونصه حدثنا سويد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عبد الحميد بن بهرام أنه سمع شهر بن حوشب يقول: سمعت أسماء بنت يزيد تحدث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود، وأشار عبد الحميد بيده بالتسليم). وفي هذا لحديث دلالة على جواز تسليم الرجل على النساء إذا أمنت الفتنة.
(¬4) - نفس المرجع: 5/ 55 - 56.
(¬5) - انظر أبو داود- السنن: 4/ 352، ك: الأدب ب: السلام على النساء ح:5204.
(¬6) - الطبري (224 - 310هـ=839 - 923).
محمد بن جرير بن يزيد الطبري (أبو جعفر)، مفسر، مقرئ، محدث، مؤرخ، فقيه، أصولي، مجتهد. ولد بآمل طبرستان، وتوفي ببغداد، من مؤلماته: جامع البيان في تأويل القرآن، تاريخ الأمم والملوك، تهذيب الآثار وغيرها. انظر: كحالة- معجم المؤلفين: 9/ 147.
الجزء 1 · صفحة 48
وغيره عن أبي هريرة (¬1) رضي الله عنه مرفوعا: (السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم) (¬2) وعن عبد الله بن مسعود (¬3) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مرّ بقوم فسلم عليهم فردوا عليه السلام كان له عليهم فضل درجة لتذكيره إياهم السلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم) (¬4). وهذا وجه فضيلة البداءة به على رده.
¬
(¬1) - صحابي مشهور وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه.
(¬2) - مجمع الزوائد: 8/ 29، ك: الأدب، ب: ما جاء في إفشاء السلام، قال الهيتمي: رواه البزار بإسنادين والطبراني بأسانيد وأحدهما رجاله رجال الصحيح.
(¬3) - عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل.
(¬4) - هذا الحديث ورد كما يلي: (السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فافشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مرّ بقوم فسلم عليهم فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم، وإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم أو أطيب منهم) رواه البزار والطبراني في الكبير10/ 182، كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد8/ 29، وقال: رواه البزار بإسنادين والطبراني بأسانيد، وأحدهما رجاله رجال الصحيح عند البزار والطبراني. انظر: مجمع الزوائد: 8/ 29، ورواه البيهقي في شعب الإيمان رقم 8782، 8783 بطريقين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود مرفوعا. ويستفاد من هذا الحديث: أن إفشاء السلام شعار الإسلام، وأن على الآخرين رد السلام عليه، وأن البادئ بالتسليم على الآخرين له زيادة درجة عليهم لبدئه، وأنهم إذا لم يردوا عليه ردت على تحيته الملائكة.
الجزء 1 · صفحة 49
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام) (¬1) وقد ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يذهب إلى السوق يسلم على من لقيه.
وحيث علمت أن البداءة سنّة كفاية فإذا قدم جماعة فسلم واحد منهم كفى
عنهم ولو سلموا كلهم كان أفضل.
(وجوب رد السلام)
وأما رد السلام فإن كان المسلّم عليه واحدا تعين عليه الرد، وان كانوا جماعة كان رد السلام فرض كفاية عليهم، فإذا ردّ واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإلا أثموا وإن ردوا كلهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة، وان ردّ غيرهم لم يسقط عنهم ...
(إرسال السلام)
واعلم أنه يستحب إرسال السلام إلى من غاب عنه، وإذا بلغ الرسول يجب
أن يرد عليه فورا، ويستحب أن يرد على المبلغ أيضا- فيقول وعليك وعليه السلام.
روينا (¬2) في سنن أبي داود عن رجل قال حدثني أبي عن جدي قال: ... (بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائته فأقرئه السلام، فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام، فقال: عليك وعلى أبيك السلام) (¬3).
وفي السيرة النبوية للعلامة عبد الملك بن هشام (¬4)
¬
(¬1) - انظر: الهيثمي- مجمع الزوائد: 2/ 120، ك: الأدعية ب: فيمن عجز عن الدعاء، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله ثقات، المعجم الصغير: 1/ 209، والأوسط: 3/ 355، قال: رواه أبو يعلى: 12/ 5، موقوفا في آخر حديث، ورجاله وجال الصحيح. والسبب في ذلك أن إلقاء السلام لا يكلف المسلم شيئا من المال، فإذا بخل به فلا شك أنه من أبخل الناس.
(¬2) - انظر: النووي- حلية الأبرار: 5/ 312.
(¬3) - أبو داود: 5/ 398 - 399، ك: 35 الأدب، ب: 166 في الرجل يقول: فلان يقرئك السلام. ح:5231 و نصه: عن غالب بن خطاف البصري قال: إنا لجلوس بباب الحسن إذ جاء رجل فقال: حدثني أبي عن جدي، قال بعثني أبي .... الحديث.
(¬4) - عبد الملك بن هشام (ت 313 هـ= 828 م)
هو عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، الذهلي، السدوسي، المعافري، البصري (أبو محمد). إخباري نسابة، أديب، لغوي، نحوي، قدم مصر، و حدث بها و توفي بها.
من آثاره: تهذيب السيرة النبوية، مصنف في أنساب حمير و ملوكها، شرح ما وقع في أشعار السير من ا لغريب. انظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 365، كحالة- معجم المؤلفين: 6/ 192.
الجزء 1 · صفحة 50
أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أقرئ خديجة السلام من ربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك، فقالت خديجة: الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام) (¬1).
وروى السيد السمهودي حديثا في سلام جبريل عليه السلام على عائشة رضي الله عنها وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (يا عائشة هذا جبريل يقرئك (¬2) السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، وذهبت تزيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى هذا انتهى (¬3) السلام) (¬4) فقال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) ورجاله رجال الصحيح انتهى.
(السلام عند كل لقاء)
¬
(¬1) - ابن هشام- السيرة النبوية: وفيها، قال حدثني من أثق به أن جبريل: 1/ 257، تحقيق وضبط وشرح السقا والأبياري وشلبي، مطبعة مصطفى الحلبي، 1355 هـ 6=1936م القاهرة.
(¬2) - في خ 1 و 2 يقريك بالتخفيف.
(¬3) - في خ 1 انتهى بالألف الممدودة.
(¬4) - ورد بروايات مختلفة، ففي البخاري: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم:11/ 33، ك: 79 الاستنذان ب: 16، تسليم الرجال علي النساء. ح 6249، وانظر: الترمذي: 5/ 662، ك: 50المناقب، ب: 63 فضل عائشة، ح 3881،3882.
ولكن لا يعني هذا أنه لو زاد في التحية إكراما للقادم فليس بمنكر ولا إثم عليه، لأن اللفظ القرآني يحتمل ذلك لقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} النساء / 86.
الجزء 1 · صفحة 51
واعلم أنه يسن السلام عند كل لقي، روينا في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حال بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه) (¬1).
روينا في كتاب ابن السني عن أنس رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة فنفروا يمينا أو شمالا ثم التقوا من ورائها سلّم بعضهم على بعض). كذا نقله النووي رحمه الله (¬2).
قلت: ولا يشترط أن يحول بينهما شيء، بل إذا اشتغل عنه بعمل آخر ثم واجهه سلم عليه لحديث المسيء صلاته (¬3) فإنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وفي كل مرة يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، ولم يشتغل إلا بتلك الصلاة بمرأى من النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى.
(صيغة السلام)
¬
(¬1) - أبو داود: 5/ 984 ك:35، الأدب، ب: 146، ب: الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه ح 5200. ذكر هذ الحديث في الكامل لضعفاء الرجل:6/ 405. والمجروحين:2/ 147، ب العين.
(¬2) - ابن السني- عمل اليوم والليلة: 82 - 83، ب: تسليم الرجل على أخيه إذا فرق بينهما الشجر ثم التقيا. ح: 241.
(¬3) - صحيح البخاري:1/ 263، ك: 16 صفة الصلاة ب: 13 وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها ح: 724.
الجزء 1 · صفحة 52
تنبيه: لا يبتدئ بقوله عليك السلام ولا بعليكم السلام وإنما يبتدئ بقوله السلام الخ، لما في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن جابر بن سليم (¬1) رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام، يريد رسول الله قال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى) (¬2). قال الترمذي حديث حسن صحيح انتهى (¬3).
قلت: يؤخذ من مفاد هذا الحديث أنه لا يجب رد السلام على المبتدئ بهذه الصيغة فإنه ما ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام على المسلم بهذه الصيغة بل نهاه النبي عنها بقوله لا تقل عليك السلام الحديث، وهو أحد احتمالات ثلاثة ذكرها النووي، فيترجح كونه ليس سلاما ملزما الرد، إذ لو لزم الرد لرد النبي صلى الله عليه وسلم عليم المبتدئ بقوله عليك السلام، ثم علّمه، كما ردّ النبي صلى الله عليه وسلم على المسيء صلاته ثم علمه حين قال ذلك ثلاثا انتهى.
واعلم أنه لو زاد واوا فابتدى بقوله وعليكم السلام لا يستحق جوابا لأن هذه الصيغة لا تصلح للابتداء فلم يكن سلاما، قاله المتولي (¬4) من أئمة الشافعية رحمهم الله.
¬
(¬1) - هو أبو جري التميمي الهجيمي، من بلهجيم بن عمر بن تميم، سكن البصرة له حديث واحد. أنظر: الجزري- أسد ا لغابة: 1/ 303.
(¬2) - أبو داود: 5/ 387، ك: 35، الأدب، ب: 151، كراهية أن يقول: عليك السلام ح: 5209. وانظر: الترمذي:5/ 67 - 68. ك: 43 الاستئذان ب: 28 ما جاء في كراهية أن يقول: عليك السلام مبتدئا، ح: 2721 - 2723.
(¬3) - سنن الترمذي: 5/ 68. نفس الكتاب والباب.
(¬4) - المتولي (426 - 478 هـ 1035 - 1086م)
عبد الرحمن بن مأمون بن علي، الشافعي المعروف بالمتولي (أبو سعد وقيل أبو سعيد).
فقيه، فرضي. أصولي، معصم، ولد بنيسابور، و تفقه بمرو. توفي ببغداد. من تصانيفه: تتمة الإبانة، مختصر الفرائض، انظر: ا لذهبي- سير أعلام النبلاء: 11/ 282، كحالة - معجم المؤلفين: 5/ 166.
الجزء 1 · صفحة 53
(السلام على الأموات):
يشير قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن عليك السلام تحية الموتى) إلى أن الموتى تختص هذه الصيغة بهم، وأما السلام عليكم فهو للأموات كالأحياء، غير أنه يزيد الدعاء له وللأموات، ووجهه أن الإمام النووي ذكر بعد هذا قوله: وقدّمنا في كتاب الجنائز كيفية السلام على الموتى (¬1)، ونصه في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬2) يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (¬3).
وبالأسانيد الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (¬4)
وروينا في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كيف أقول يا رسول الله- تعني في زيارة القبور- فقال: قولي: (السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) (¬5).
¬
(¬1) - حلية الأبرار: 5/ 322
(¬2) - العبارة بين القوسين ساقطة من خ 2.
(¬3) - صحيح مسلم: 2/ 669. ك: 11، الجنائز، ب: 35 ما يقال عند دخول القبور ح:102 - 104/ 974.
(¬4) - صحيح مسلم: 2/ 669. ك: 11، الجنائز، ب: 35 ما يقال عند دخول القبور ح:102 - 104/ 974.
(¬5) - انظر: صحيح مسلم 2/ 671. ك: 11 الجنائز، ب: 35، ما يقال عند دخول القبور: ح 103/ 974.
الجزء 1 · صفحة 54
وبالأسانيد الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) (¬1) انتهى. فيجوز في السلام على الموتى تقديم لفظ السلام وتأخيره لأنهم لا يردون، والحي ليس فيه إلا تقديم السلام ..
(المشي بالنعال في المقابر)
تنبيه مهم يعتني به ويهتم بشأنه في كراهة المشي بالنعال بين القبور:
روينا في سنن أبي داود (¬2) والنسائي (¬3) وابن ماجه (¬4) بإسناد حسن عن بشير (¬5) رضي الله عنه قال: بينما أنا أماشي النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا فإذا رجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: (يا صاحب السبتين (¬6) ويحك ألق سبتيك (¬7)، فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرمى بهما) (¬8)
¬
(¬1) - نفس المرجع. ح 104/ 975.
(¬2) - سنن أبي داود:3/ 217
(¬3) - السنن النسائي:4/ 96.
(¬4) - سنن ابن ماجه: 1/ 499.
(¬5) - بشير بن معبد أبو معشر الأسلمي مولى رسول الله صلى الله طيه وسلم من أصحاب بيعة الرضوان تحت الشجرة. روى عنه ابنه بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أكل من هذه البقلة يعني الثوم فلا يناجينا).
انظر: العسقلاني- الإصابة: 1/ 314 - 315 والجزري- أسد الغابة: 1/ 235، ترجمة 471، سنن أبي داود: 3/ 554. ط: دار الحديث- سوريا.
(¬6) - في خ في السبتية.
(¬7) - في خ 2 سبتيتك.
(¬8) - سنن أبي داود: 3/ 217، ك: 15 الجنائز، ب: 78 المشي في النعل بين القبور، ح 3230. رواه بلفظ: بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بقبور المشركين فقال: (لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا (ثلاثا، ثم مرّ بقبور المسلمين فقال: (لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا، وحانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: (يا صاحب السبتتين .. ويحك! ألق سبتتيك) فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرمى بهما.
وفي رواية النسائي: فرأى رجلا يمشي بين القبور في نعليه فقال:) يا صاحب السبتتين ألقهم) ك: الجنائز، ب: 107 كراهية المشي بين القبور. ح: 2048، و مثله ما رواه ابن ماجه: 1/ 499 - 500، ك: 6، الجنائز، ب: 46: خلع النعلين في المقابر، ح: 1586. ط دار الفكر- بيروت، تحقيق عبد الباقي.
الجزء 1 · صفحة 55
وهو- بكسر السين المهملة وإسكان الموحدة- النعل التي لا شعر عليها (¬1).
وإنما قيدنا بكون المشي بين القبور إشارة إلى كراهة المشي على القبور مطلقا لما قال في السراجية (¬2): إذا مرّ بقبر وقرأ شيئا بنيته من غير أن يمرّ عليه لا بأس به.
وفي اليتيمة (¬3) سئل الخجندي (¬4) عن رجل قَبَرَ والديه بين القبور هل يجوز له أن يمرّ بين قبور المسلمين بالدعاء والتسبيح ويزورهما؟ فقال: ذلك إن أمكنه ذلك من غير وطء القبور (¬5). وأخبرني (¬6) شيخي العلامة محمد الحموي (¬7)
¬
(¬1) - وإنما أمره بالخلع احتراما للمقابر لأنه كان يمشي بينها، وقيل لأنها كان بها قذر أو لاختياله في مشيه، هذا يدل على إقامة الحرمة وتعظيم شأن المسلم أن يمشي المرء على أعظم مدفونة قد اختبأها الرب عز وجل، إلا خوف نحو نجاسة وشوك وحرارة أرض وبرودتها فلا يكره للعذر، والنهي هنا ليس للتحريم بل للكراهة، والله أعلم.
(¬2) - - السراجية: لعلها الفتاوى السراجية لسراج الدين الأوشى، كشف الظنون: 2/ 1224.
(¬3) - اليتيمة: يتيمة الدهر في فتاوى العصر للإمام الترجماني علاء الدين محمد الحنفي المتوفى سنة 645 هـ انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1292م ..
(¬4) - الخجندي: (629 - 691 هـ= 1232 - 1292 م). عمر بن محمد بن عمر الخبازي، الخجندي الحنفي (أبو محمد) فقيه أصولي، من بلاد ما وراء النهر، توفي بدمشق من تصانيفه: المغني في أصول الفقه، حواشي على الهداية في فروع الفقه الحنفي.
انظر: ابن العماد- شذرات الذهب: 5/ 419، كحالة- معجم المؤلفين: 7/ 315.
(¬5) - الفتاوى الهندية: 5/ 351.
(¬6) - في خ 1 وقال وأخبرني، والصحيح ما ذكر في النص.
(¬7) - محمد الحموي: (ت 1017 هـ= 1608 م).
محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحموي الحنفي (شمس الدين). عالم بالفقه والتفسير والحديث والقراءات والأصول والنحو، توفي بمصر من تآليفه: حاشية علي شرح قواعد الإعراب لابن هشام، وحاشية على مغني اللبيب، البديعية. انظر: المحبي- خلاصة الأثر 3/ 488 - 4904، كحالة معجم المؤلفين: 10/ 151
الجزء 1 · صفحة 56
رحمه الله أن الموتى يتأذون بخفق النعال على قبورهم (¬1).
(تحية أهل الذمة والكفار)
نرجع إلى ما كنا بصدده: قدمنا أن البداءة بالسلام ثم يعقبها بالمصافحة والكلام وهذا في حق أهل الإسلام، أما أهل الذمة فلا يبدأون بالسلام ولا يصافحون. واختلف العلماء في جواز ابتدائهم به. فقطع أكثر الشافعية بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون منهم: ليس بحرام بل هو مكروه (¬2).
وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه) (¬3).
وروينا في صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم) (¬4).
¬
(¬1) - لم أجد لهذا القول شاهد من الكتاب أو السنة أو قول أحد من الصحابة.
(¬2) - أنظر النووي- حلية الأبرار مع الفتوحات الربانية: 5/ 337 - 338. ابن علان- الفتوحات الربانية: 5/ 338. النووي- شرح صحيح مسلم: 14/ 398 ط: دار القلم- بيروت، 1407هـ/1987م.
(¬3) - صحيح مسلم: 4/ 1707،ك: 39السلام، ب:4 النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ح:13/ 2167.
(¬4) - صحيح البخاري: 5/ 2309 ك: 79 - الاستئذان ب 22 كيف الرد على أهل الذمة بالسلام ح: 5309. صحيح مسلم:4/ 1705، ك: 39 السلام ب:4 النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ح: 6/ 2163.
الجزء 1 · صفحة 57
وروينا في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سّلم عليكم اليهود فإنما. يقول أحدهم السام عليك، فقل وعليك) (¬1) وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرناه والله أعلم (¬2).
قال أبو سعد المتولي (¬3): ولو سلّم على رجل ظنّه مسلما فبان كافرا يستحب أن يسترد سلامه فيقول له، ردّ عليّ سلامي. والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهر له أنه ليس بينهما ألفة (¬4).
وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما سلّم على رجل فقيل له: إنه يهودي،
فتبعه وقال له: ردّ عليّ سلامي (¬5).
وقال الإمام مالك (¬6)
¬
(¬1) - صحيح البخاري:5/ 2309 ك:79 - الاستئذان ب: 22 كيف الرد علي أهل الذمة بالسلام ح 5257.
(¬2) - لا شك أن مبادأتهم بتحية الإسلام ممنوعة شرعا لما ذكر من النصوص الصحيحة، ولكن لا يمنع من تحيتهم بغيرها خصوصا وأن المسلم في حاجة إلى دعوتهم للإسلام فبدون التعارف والتحية قد يصعب على الداعية أن يبلغ الدعوة، كما أن على المسلم أن يظهر أخلاق الإسلام لمثل هؤلاء حتى يجعل من ذلك سبيلا إلى دعوتهم للإسلام فبدون التعارف والتحية قد يصعب على الداعية أن يقيم معهم علاقة وأن يبلغ الدعوة إليهم، والله أعلم.
(¬3) - سبقت ترجمته. انظر ص:43.
(¬4) - راجع الأذكار للنووي: 288.إعانة الطالبين: 4/ 189.حاشية البيجرمي:4/ 248.
(¬5) - النووي- حلية الأبرار: 5/ 344، من الفتوحات الربانية. والأذكار: 288.عمدة القارئ: 22/ 236، وقد أخذ بهذا فقهاء الشافعية والحنابلة، أنظر: إعانة الطالبين: 4/ 189 ومن كتب الحنابلة المبدع:3/ 418، وغيرها. لكن لم أجد لهذا دليلا إلا أن يريه عزة الإسلام، لكن لا يجب أن يطلب من غير المسلم أن يرد عليه سلامه، ولا يستحب لعدم وجود الدليل، والله أعلم.
(¬6) - الإمام مالك (93 - 173 هـ/712 - 795 م)
مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري (أبو عبد الله) إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة. وإليه تنسب المالكية. ولد وتوفي بالمدينة.
له: الموطأ، الوعظ، الرد علي ا لقدرية، وغيرها.
انظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 439. الزر كلي- الأعلام: 5/ 257 - 258.
الجزء 1 · صفحة 58
رحمه الله: لا يستقيل (¬1). وقال أبو سعد: لو أراد تحية ذمي فعلها بغير السلام بأن يقول هداك الله أو أنعم الله صباحك (¬2). قال الإمام النووي: هذا الذي قال أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه فيقول: صبحت بالخير أو بالسعادة أو بالعافية أو صبحك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرة أو ما أشبه ذ لك أما إذا لم يحتج إليه فالاختيار أن لا يقول له شيئا، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا نظهره (¬3) والله أعلم انتهى كلام النووي رحمه الله.
¬
(¬1) - الموطأ: 2/ 960. وشرح ا لزرقاني: 4/ 184.
(¬2) - إعانة الطالبين: 4/ 189.
(¬3) - - الأذكار ر- للنووي: 288، حلية الأبرار: 5/ 345 مع الفتوحات24. إعانة الطالبين: 4/ 189.
الجزء 1 · صفحة 59
وقال في المحيط (¬1) من كتب (¬2) أئمتنا الحنفية: وأما السلام على أهل الذمة فقالوا: يكره لما فيه من التعظيم والتكريم، وتعظيمهم مكروه، أما رد السلام لا بأس به لأن الامتناع عنه يؤذيهم (¬3). فالرد إحسان في حقهم، وإيذاؤهم مكروه والإحسان لهم مندوب، ولكن لا ينبغي أن يزيد على قوله وعليكم لأنه قيل أنهم يقولون السام عليكم، وأنه شتم عندهم فيجازون بقوله وعليكم بطريق المجازاة، وهكذا روي أن يهوديا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: السام عليك، فقال صلى الله عليه وسلم وعليك) وقد سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك فقالت وعليك السام واللعنة والسخط. فلما خرج اليهودي قال عليه السلام لعائشة: (لا تكوني فحاشة) (¬4) انتهى.
وقال في التجنيس والمزيد لا بأس برد السلام على أهل الذمة. فالنهى عن البداءة دليل إباحة الرد لكن لا يزيد على قوله وعليك. هكذا قال الإمام الاسبيجابي (¬5) في شرح الطحاوي (¬6).
¬
(¬1) - المحيط البرهاني في الفقه النّعماني- لبرهان الدين محمود بن تاج الدين أحمد بن الصدر عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري الحنفي المتوفى سنة 616 هـ وذكر كحالة أن وفاته في 570 هـ. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1619. كحالة- معجم المؤلفين:12/ 146.
(¬2) - في خ 8، 2 أيمتنا
(¬3) - تحفة الفقهاء:3/ 344.
(¬4) - صحيح البخاري: ك: 79 الاستئذان، ب: 22 كيف الرد على أهل الذمة ح: 6356.
(¬5) - في خ 2 الاسبيحابي. وفي كشف الظنون: الاسبيجابي: وهو أبو النصر أحمد بن منصور المتوفى سنة 500هـ تقريبا .. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 1/ 563
(¬6) - الطحاوي: (229 - 321هـ= 853 - 933 م)
أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الحجري الطحاوي، المصري الحنفي فقيه، مجتهد، محدث، حافظ، مؤرخ، توفي بمصر.
من مؤلفاته: أحكام القرآن، المختصر في الفقه/ الاختلاف بين الفقهاء.
انظر: الذهبي- سير أعلام النبلاء: 10/ 6 - 8. ابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 71 ترجمة 25، كحالة- معجم المؤلفين: 2/ 106.
الجزء 1 · صفحة 60
انتهى قلت: وقدمنا النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى- ومنهم من لم ير (¬1) بأسا بالسلام على أهل الذمة والمختار هو الأول، وكذا قال قاضي خان (¬2) الصحيح الأول وهو كراهة السلام عليهم ابتداء انتهى. وذلك لما قدمناه عن البدائع (¬3) من أن التسليم اسم لكل بر وخير ولا يجوز مثل هذا الدعاء للكافر إلا أنه إذا سلم لا بأس بالرد عليه مجازاة. انتهى عبارة البدائع.
(مصافحة الذمي والدعاء له)
¬
(¬1) - في خ 1 يرد.
(¬2) - - قاضي خان (ت 592هـ= 1196م)
الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الحنفي (فخر الدين أبو المفاخر، أبو المحاسن) فقيه، مجتهد في المسائل، من تصانيفه، الفتاوى، المحاضر، شرح أدب القاضي. غيرها. انظر ابن العماد- شذرات الذهب: 4/ 308. كحالة- المعجم: 3/ 297.
(¬3) -! - في خ 1، 2 البدايع.
البدائع: بدائع الصنائع في شرح تحفة الفقهاء .. تأليف أبو بكر بن مسعود الكاشاني الحنفي (ت 587) ويسمى بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 1/ 230و371.
الجزء 1 · صفحة 61
ثم قال في التجنيس: وهذا إذا لم يكن للمسلم إليه حاجة، فإن كان، لا بأس بالسلام عليه لأن النهي كان لتوقير الذمي، والسلام إذا كان لحاجة فليس فيه توقير للذمّي، وتكره مصافحته لأن فيها توقير للذمّي، ولا يدعو له بالمغفرة، ولو دعا له بالهدى جاز لأنه عليه السلام قال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) (¬1). ولو دعا له بطول العمر قيل: لا يجوز فيه التمادي على الكفر وقيل: يجوز لأن في طول عمره نفعا للمسلمين بأداء الجزية فيكون دعاء لهم، وعلى هذا الخلاف الدعاء له بالعافية انتهى، كذا في العناية (¬2) من غير نظر للنّية، وقد قال في التجنيس: مسلم قال لذمي أطال الله بقاءك (¬3) فهذا على ثلاثة أوجه: إما أنه نوى بقلبه أن الله يطيل بقاه لعله يسلم أو نوى بقلبه ليؤدي الجزية عن ذل وصغار ولم ينو شيئا. ففي الوجه الأول لا بأس به لأنه دعا له بالإسلام، وفي الوجه الثاني كذلك لأن فيه منفعة للمسلمين. وفي الوجه الثالث لا يجوز.
(عيادة المجوس)
¬
(¬1) - الزبيدي- إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين: 8/ 258، ط دار. الفكر. السيوطي- الدر المنثور: 3/ 94، قال أخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير ... وقال شقيق: قال عبد الله: لقد رأيت النبي صلي الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يحكي نبيا من الأنبياء وهو يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
(¬2) - العناية في شرح الوقاية لعلاء الدين علي بن عمر الأسود المتوفى سنة (800هـ) انظر: حاجي خليفة كشف الظنون: 2/ 2020 – 2021.
(¬3) - في خ 1 بقاك.
الجزء 1 · صفحة 62
وتجوز عيادة الذمّي (¬1) ولو مجوسيا، وقيل إن كان مجوسيا لا يعوده لأنه أبعد عن الإسلام من أهل الكتاب. وجه الجواز ما فيه من إظهار محاسن الإسلام وترغيبه وتأليفه وقد ندبنا إليه .. واختلفوا في عيادة الفاسق المسلم، والأصح أنه لا بأس لأنه مسلم والعيادة من حقوق المسلمين كما في العناية، ثم قال في التجنيس: وإذا اجتمع المسلمون والكفار يسلم عليهم، ويقال السلام عليكم، وينوي به المسلمين دون الكفار، ولو قال: السلام على من اتبع الهدى يجوز. انتهى عبارة التجنيس والمزيد.
(معانقة المسلم وتقبيله)
وأما معانقة المسلم وتقبيله فقال صاحب الهداية (¬2): ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئا منه أو يعانقه (¬3) في إزار واحد. أما إذا كان عليه قميص أو جبة لا بأس به بالإجماع وهو الصحيح لأنه حينئذ يكون على وجه البر والكرامة وهو أمر ممدوح بين الناس.
قال شارحها الإمام العيني (¬4)
¬
(¬1) - روى أبو داود في سننه عن أنس أن غلاما من اليهود كان مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: (أسلم فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له أبوه أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) 3/ 185، ك: 5 كتاب الجنائز ب: 5 في عيادة الذمي، ح:3095. فهذا الحديث الشريف يدل على جواز عيادة الذمي ومن يرجى له الخير.
(¬2) - الهداية في الفروع. لبرهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي (ت 593هـ) وهو شرح علي متن له سماه بداية المبتدئ. والله أعلم. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 2031و2032.
(¬3) - الهداية شرح البداية:4/ 90، وانظر: حاشية ابن عابدين:6/ 380.
(¬4) - العيني:) 762 - 855هـ= 1361 – 1451م) محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العينتابي، الحلبي ثم القاهري، الحنفي (بدر الدين، أبو الثناء، أبو محمد) فقيه، أصولي، مفسر، محدث، مؤرخ، لغوي، نحوي، بياني، ناظم. من تصانيفه:
شرح سنن الترمذي للبخاري، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق، وغيرها، انظر كحالة- معجم المؤلفين: 12/ 150.
الجزء 1 · صفحة 63
رحمه الله لما روى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عانق جعفرا حين قدم من الحبشة وقبّل بين عينيه) (¬1). قال الحاكم (¬2): إسناده صحيح. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أدري بأيّهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (¬3)، وهاجر نعيم إلى المدينة في أربعين نفرا من أهله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقه وقبله، انتهى.
¬
(¬1) - الحديث عند أبي داوود: 5/ 302، ونصه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبّل ما بين عينيه) قال المنذري حديث مرسل. أنظر: ك: 35 الأدب، ب:157 قبلة ما بين العينين ح: 5220.وانظر: الهداية شرح البداية:4/ 90، وانظر: حاشية ابن عابدين:6/ 380.
(¬2) - - الحاكم: (321 - 405هـ- 933 - 10148 م) محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، النيسابوري، الحاكم، الشافعي المعروف بابن البيع (أبو عبد الله) محدث، حافظ، مؤرخ، ولد بنيسابور وتوفى بها. من تصانيفه: تاريخ نيسابور، الإكليل في الحديث، تراجم الشيوخ وغيرها.
انظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: 1/ 613 - 614. كحالة- معجم المؤلفين، 10/ 238.
(¬3) - المستدرك:2/ 624، ك: التاريخ، ذكر البيعة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال هنا حديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
الجزء 1 · صفحة 64
وفي العناية (¬1) قال: وعن عطاء سئل (¬2) ابن عباس (¬3) رضي الله عنهما عن المعانقة فقال: أول من عانق إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه، كان بمكة فأقبل إليها ذو القرنين، فلما وصل بالأبطح قيل له: في هذه البلدة خليل الرحمن فقال ذو القرنين ما ينبغي لي أن اركب في بلدة وفيها خليل الرحمن، فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم فسلم عليه واعتنقه وكان أول من عانق (¬4).
وقد ورد أحاديث في النهي عن المعانقة وتجويزها (¬5). والشيخ أبو منصور الماتريدي (¬6)
¬
(¬1) - العناية في شرح الوقاية، للسيد حسين بن السيد علي القومناتي توفي بعد (832هـ) انظر: حاجي خليفة - كشف الظنون: 3/ 2031.
(¬2) - عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمى البحر لسعة علمه، ويسمى حبر الأمة، ولد والنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته بالشعب من مكة مقاطعون.: ا نظر: الجزري- أسد الغابة: ... 3/ 290 - 294، ترجمة: 3035.
(¬3) - في خ 1 سيل.
(¬4) - البحر الرائق: 8/ 226،تبيين الحقائق: 6/ 25.
(¬5) - غريب ما يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في النهي عن المعانقة حيث إن النصوص تدل على جوازها وأنه عليه الصلاة والسلام فعلها، فمن ذلك ما رواه الترمذي في سننه عن عائشة قالت قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فأعتنقه وقبله) قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب.5/ 76، ك: 43 كتاب الاستئذان ب: 32 باب ما جاء في المعانقة والقبلة، ح: 2732. وهناك روايات أخرى في سنن أبي داود وغيره تدل على فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، مما يدل على مشروعيتها والله أعلم.
(¬6) - أبو منصور الماتريدي: (ت 333 هـ- 944م)
محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي. متكلم أصولي توفي بسمرقند من تصانيفه: شرح الفقه الأكبر، تأويلات أهل السنة، بيان وهم المعتزلة. انظر كحالة- معجم المؤلفين: 11/ 300.
الجزء 1 · صفحة 65
وفق بينهما فقال: المكروه منها ما كان على وجه الشهوة، وأما على وجه البر والكرامة فجائز انتهى (¬1). نرجع لما نحن بصدده
(سنة المصافحة)
ثم قال في الهداية قال: لا بأس بالمصافحة لأنه هوا لمتوارث، أراد أنه سنة قديمة في البيعة وغيرها. قال عليه السلام: (من صافح أخاه المسلم وحرّك يديه تناثرت ذنوبه) (¬2) وقال الشارح العيني رحمه الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه فأخذه بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر) (¬3) رواه الطبراني (¬4).
¬
(¬1) - عمدة القارئ:2/ 167. تبيين الحقائق: 6/ 25.
(¬2) - كنز العمال: 9/ 57 ح: 25364.الدراية في تخريج أحاديث الهداية:2/ 233.
(¬3) - الدراية في تخريج أحاديث الهداية:2/ 233.، المعجم الأوسط1/ 84. قال الهيثمي في المجمع: 8/ 37، رجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان وهو ثقة.
(¬4) - الطبراني: (260 - 360هـ=873 - 971م)
سليمان بن أحمد بن أيوب مطير اللخمي الطبراني (أبو القاسم) محدث، حافظ، ولد بطبرية بالشام رحل في طلب الحديث إلى الشام والعراق والحجاز واليمن ومصر وبلا د الجزيرة الفراتية، وتوفي بإصبهان.
من مؤلفاته: المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير: الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة. وغيرها.، انظر الذهبي- سير أعلام ا لنبلاء16/ 119ترجمة 86، ط: الرسالة. ابن خلكان- وفيات الأعيان: 2/ 402
الجزء 1 · صفحة 66
وأخرج البيهقي (¬1) عن البراء بن عازب قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فرحب بي وأخذ بيدي ثم قال لي: (يا براء أتدري لم أخذت بيدك؟ قال: خيرا يا رسول الله، قال: (لا يلتقي مسلم مسلما فيرحب به ويأخذ بيده إلا تناثرت الذنوب بينهما كما يتناثر ورق الشجر) (¬2) انتهى.
قلت: ففي قول الهداية لا بأس تسامح لأن نفي البأس يقتضي الإباحة لا السنة، وقد استدل على المصافحة بالسنة فكان ينبغي أن يقول وندبت سنة المصافحة. ولذا قال الشارح العيني: أراد أنه سنة قديمة الخ.
وفي الحديث الذي ذكره الشارح بيان لما ذكرناه من أن المصافحة ونحوها تكون بعد السلام. انتهى. ثم قال العيني (¬3) رحمه الله: وأخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته، رمن تمام التحية المصافحة).
وعند البخاري عن قتادة قال: قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم) (¬4) انتهى.
قلت وهذه تشمل أوقات الصلاة. انتهى.
(التقبيل في الإسلام)
ثم قال الشارح العيني رحمه الله ثم اعلم أن الكلام في هذا الباب على فصول
¬
(¬1) - أحمد بن الحسين البيهقي الإمام، توفي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي بنيسابور وحمل تابوته إلى بيهق في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة من مؤلفاته: السنن الكبرى، السنن والآثار، الأسماء والصفات وغيرها كثير. التقييد: 1/ 139. ترجمة: مقتنى في سرد الكنى:1/ 124.ترجمة: 852 كحالة- معجم المؤلفين: 1/ 206.
(¬2) - مجمع الزوائد: 8/ 37. المعجم الأوسط: 7/ 324.
(¬3) --- سنن الترمذي: 5/ 71 - 72، ك:43 - الاستئذان، ب: 31 المصافحة ح: 2731. قال أبو عيسى هذا إسناد ليس بالقوي، وقال: علي بن يزيد ضعيف. عمدة القارئ:8/ 9.
(¬4) - صحيح البخاري: ك: الاستنذان ب 27 المصافحة ح 6263. سنن الترمذي: 78/ 6، ك: 43 الاستئذان ب:31 المصافحة ح: 2729
الجزء 1 · صفحة 67
الأول: من أنواع التقبيل، قال الفقيه أبو الليث (¬1) في شرح الجامع الصغير (¬2) يقال القبلة على خمسة أوجه: قبلة تحية- قلت: وهي تنقسم إلى خمسة أقسام سنذكرها إن شاء الله تعالى- وقبلة شفقة، وقبلة رحمة، وقبلة مودة، وقبلة شهوة- قلت وهي قسمان سنذكرهما. فأما قبلة التحية فكالمؤمنين يقبل بعضهم بعضا على اليد.
وقبلة الرحمة: قبلة الوالد لولده والوالدة لولدها يقبل على الخد.
وقبلة الشفقة: قبلة الولد لوالده أو لوالدته وتكون علي الرأس.
أما قبلة المودة فهي تقبيله أخاه أو أخته على الخد.
وقبلة الشهوة: قبلة الزوج لزوجته على الفم.
وفي الكفاية لتاج الشريعة وزاد بعضهم قبلة ديانة وهي القبلة على الحجر الأسود (¬3). عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قصة قال: فدنونا من النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده (¬4).
¬
(¬1) - أبو الليث (ت 373 هـ- 983 م) نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (أبو الليث) من أئمة الحنفية الزهاد المتصوفين له تصانيف منها:-
تفسير القرآن، شرح الجامع الصغير، عمدة العقائد، بستان الواعظين، وغيرها. انظر: الزر كلي- الأعلام: 8/ 27.
(¬2) - الجامع الصغير في الفروع- لمحمد بن الحسن الشيباني الحنفي (ت 187) كتاب، يشتمل علي ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين مسألة. انظر- حاجي خليفة: كشف الظنون: 1/ 561.
(¬3) - عمدة القارئ: 11/ 241.
(¬4) - صحيح البخاري: 5/ 2311 ك: 82 الاستئذان ب:27 المصافحة، ح: 5908.
الجزء 1 · صفحة 68
وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة ابنته رضي الله عنها قالت: (وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت إليه فتقبله وتجلسه في مجلسها) (¬1) قال الترمذي حديث حسن، وفي بعض النسخ حسن صحيح (¬2).
¬
(¬1) - سنن أبي داود: 5/ 391، ك: 35 الأدب، ب: 155 ما جاء في القيام، ح:5217، ورد بلفظ سمتا وهديا ودلا) وهو الصواب.
(¬2) - سنن الترمذي: 5/ 700. ك:50 المناقب ب: 61فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وتمام الحديث عن عائشة أم المؤمنين ثم قالت ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا= وهديا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها فلما مرض النبي صلى الله عليه وسلم دخلت فاطمة فأكبت عليه فقبلته ثم رفعت رأسها فبكت ثم أكبت عليه ثم رفعت رأسها فضحكت فقلت إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا فإذا هي من النساء فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قلت لها أرأيت حين أكببت على النبي صلى الله عليه وسلم فرفعت رأسك فبكيت ثم أكببت عليه فرفعت رأسك فضحكت ما حملك على ذلك قالت إني إذا لبذرة أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقا به فذاك حين ضحكت قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب.
الجزء 1 · صفحة 69
وأخرج الترمذي: (إن قوما من اليهود قبلوا يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجليه) (¬1) وأخرج أبو داود عن الزارع بن عامر (¬2) قال: (فجعلنا نتبادر (¬3) من رواحلنا ونقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله) (¬4).
(تقبيل الميت)
وأخرج الترمذي وابن ماجه في الجنائز عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون (¬5) وهو ميت فأكب عليه
¬
(¬1) - أنظر نفس المرجع: 5/ 394، ب: 161ما جاء في قبلة الرجل، ح: 5225، والترمذي: 5/ 75، ك: الاستئذان، ب: 33 ما جاء في قبلة اليد والرجل ح: 2733.
(¬2) - الزارع بن عامر العبدي، أبو الوازع بن عبد القيس من أعراب البصرة، انظر: ابن حجر العسقلاني – الإصابة: 2/ 546.
(¬3) - في خ 1 نتنادر، والصواب ما ذكر.
(¬4) - سنن أبي داود: 5/ 395، ك: 35 الأدب، ب: 160، في قبلة الرجل، ح: 5225.
(¬5) - عثمان بن مظعون: (ت 2هـ) وهو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي ... (أبو السائب) أمه سخيلة بنت العنبسي، أسلم أول الإسلام بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرا، وكان مجتهدا في العبادة، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الاختصاء فنهاه، انظر ابن الأثير – أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/ 398، ترجمة 3588، ط: الشعب، مصر.
الجزء 1 · صفحة 70
وقبّله ثم بكى حتى رأيت دموعه تسيل على وجنتيه) (¬1). وحديث ابن عباس وجابر (¬2) وعائشة رضي الله عنهم أن الصديق رضي الله عنه قبّل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت (¬3).
(تقبيل الجسد)
وأخرج أبو داود عن أسيد بن حضير (¬4) قال: (بينما هو يحدث القوم يضحكهم وكان فيه مزاح إذ طعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود فقال: اصبرني يا رسول الله، قال اصطبر، قال: إن عليك قميصا وليس علي قميص، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه فأحتضنه وأخذ يقبل كشحه، وقال: إنما أردت هذا يا رسول الله) (¬5) قوله اصبرني أي أقدني، قوله (¬6) اصطبر استقد.
¬
(¬1) - ابن ماجه:1/ 468. ك 6 - الجنائز، ب: 7 - تقبيل الميت ح 1457.
(¬2) - لعله جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري السلمي، شهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أول من أسلم من الأنصار قبل العقبة الأولي. ولم يذكروا تاريخ وفاته. انظر: ابن الأثير- أسد الغابة:1/ 306 - 307 ترجمة: 646. ابن حجر العسقلاني- الإصابة: 1/ 433، ترجمة: 1026.
(¬3) - سنن ابن ماجه: 1/ 468، ك: 6 - الجنائز، ب: 7 - تقبيل الميت ح 1457 أخرجه أحمد: 6/ 43. سنن البيهقي الكبرى: 7/ 102.
(¬4) - أسيد بن خضير بن كمال بن عتيك الأنصاري الأوسي الأشهلي. (أبو يحيى) (ت 20 هـ) أسلم على يد مصعب بن عمير بعد العقبة الأولي وقبل الثانية آخي رسول الله صلي الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن ومن العقلاء وأهل الرأي شهد فتح بيت المقدس. انظر: ابن الأثير - أسد الغابة: 1/ 113، ترجمة: 171.
(¬5) -- سنن أبي داود:5/ 394، ك:35 الأدب، ب: 160قبلة الجسد، ح 5224، الحديث صحيح.
(¬6) - في خ 1: اصبر.
الجزء 1 · صفحة 71
وأخرج الحاكم أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علّمني (¬1) شيئا أزداد به يقينا، فقال: (اذهب إلى تلك الشجرة فادعها فذهب إليهاِ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فجاءت حتى سلّمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ارجعي فرجعت، قال: ثم أذن له فقبل رأسه ورجليه، وقال لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) (¬2) وقال صحيح الإسناد.
وصنّف الحافظ ابن مقري (¬3) جزءا في الرّخصة في تقبيل اليد ذكر فيه أحاديث وآثارا عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.
قال الإمام العيني رحمه الله: فعلم من مجموع ما ذكرنا إباحة تقبيل اليد والرجل والرأس والكشح، كما علم من الأحاديث المتقدمة إباحتها على الجبهة وبين العينين وعلى الشفتين (¬4) إذا كان على وجه المودة والإكرام، وأما إذا كان على وجه الشهوة فلا يجوز إلا في حق الزوجين أو السيد وأمته (¬5).
¬
(¬1) - ورد في المخطوط رني أي ارني والصواب علّمني.
(¬2) - الحاكم- المستدرك على الصحيحين: 4/ 172 ك: البر والصلة، ب: حق الزوج علي زوجته، ح: 2763. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: بل حديث واه وفي إسناده صالح بن حيان متروك. سنن الترمذي:3/ 465، ك 10 الرضاع، ب: 10 ما جاء في حق الزوج على المرأة، ح: 1159 قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن غريب.
(¬3) - ابن مقري: (285 - 381 هـ= 808 - 991 م) لعله: محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الاصبهاني (أبو بكر). عالم بالحديث. له الفوائد، والمعجم الكبير في الحديث، ثمانية أجزاء ومسند أبي حنيفة. انظر: الزركلي- ا لأعلام: 5/ 295.
(¬4) - من خلال الأحاديث التي بين أيدينا لا يوجد حديث يذكر فيه جواز التقبيل على الشفتين
(¬5) - حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: 1/ 216.
الجزء 1 · صفحة 72
وذكر في الواقعات: تقبيل يد العالم والسلطان العادل جائز لما روى عن سفيان (¬1) أنه قال: تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنّة، فقام عبد الله بن المبارك (¬2) وقبل رأسه وقال: من يحسن هذا غيرك (¬3).
(تقبيل يد الآخرين)
¬
(¬1) - سفيان الثوري (97 - 161 هـ=716 - 778 م (سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي (أبو عبدالله) محدث، فقيه، توفى بالبصرة. من كتبه: الجامع الكبير، الجامع الصغير، الفرائض انظر: كحالة- معجم المؤلفين: 4/ 234.
(¬2) - ابن المبارك: (118 - 181هـ=736 - 797م) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم المروزي الخوارزمي (أبو عبد الرحمن) عالم فقيه، محدث، مفسر، مؤرخ، نحوي، لغوي، صوفي، توفى بهيت. من تصانيفه: كتاب الزهد، السفن في الفقه، كتاب التفسير. نظر: كحالة- معجم المؤلفين: 6/ 106.
(¬3) - انظر: تبيين الحقائق: 6/ 25، البحر الرائق: 8/ 221،226.فصل في النظر واللمس.
الجزء 1 · صفحة 73
وأما تقبيل يد غيرهم فقد تكلموا فيه فمنهم من قال: إذا كان الرجل يأمن على نفسه وينوي حسبة وهو تعظيم المسلم وإكرامه لا بأس به. ثم قال في الواقعات والمختار: أنه لا رخصه فيه عن المتقدمين، قال الإمام العيني رحمه الله، قلت: هذا خلاف ما في الأحاديث (¬1). وفي الغاية (¬2) وأما تقبيل الأرض بين يدي العلماء وغيرهم قالوا إنه حرام لا إشكال فيه والفاعل والراضي بذلك إنما لأنه يشبه عبادة الوثن (¬3).
وفي شرح الطحاوي (¬4) وأما ما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره فهو مكروه، فلا رخصة فيه (¬5).
¬
(¬1) - روى الببيهقي في سننه عن تميم بن سلمة قال لما قدم عمر رضي الله عنه الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فقبل يده ثم خلوا يبكيان قال فكان يقول تميم تقبيل اليد سنة. سنن البيهقي الكبرى:7/ 101، ب: ما جاء في قبلة اليد، ح: 13363. وروي عن عمر أنهم لما رجعوا من الغزو حيث فروا قالوا: نحن الفرارون! فقال: بل أنتم العكارون أنا فئة المؤمنين قال: فقبلنا يده، قال: وقبل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليهم. فتح الباري:11/ 56، باب الأخذ باليد. وبهذا يتبين لنا جواز تقبيل اليد والله أعلم.
(¬2) - لعله الغاية القصوى في دراية الفتوى للقاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي ... (ت 658 هـ). انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1192.
(¬3) - شرح سنن ابن ماجه: 1/ 263. الفتاوى الهندية: 5/ 369.
(¬4) - ويقصد بشرحه والله أعلم شرح معاني الآثار جمع فيه كثيرا من أحاديث المصطفي صلي الله عليه وسلم. في أربعة أجزاء. حققه محمد سيد جاد الحق ط: الأنوار المحمدية- القاهرة.
(¬5) - البحر الرائق: 8/ 226، الدر المختار: 6/ 383، الفتاوى الهندية:5/ 369
الجزء 1 · صفحة 74
وفي الكافي (¬1) رخص بعض المتأخرين تقبيل يد العالم (¬2) أو المتورع، قال في الدرر والغرر (¬3) هذا على سبيل التبرك، وقال العيني رحمه الله: وكذلك يد الوالدين والأستاذ وكل من يستحق التعظيم والإكرام انتهى.
فحاصل الأمر اختلاف العلماء في تقبيل الرجل يد غيره وأصله كما قال في الهداية: ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل ويده أو شيئا منه (¬4)، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وقالا (¬5) رحمهما الله: لا بأس بالتقبيل والمعانقة انتهى (¬6).
وقال قاضي خان: لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان، وتكلموا في تقبيل يد غيرهما، قال بعضهم: إن أراد تعظيم المسلم لإسلامه فلا بأس به والأولى أن لا (¬7) يقبل انتهى (¬8).
فقد استفيد من هذا خمسة أقوال في قبلة التحية:
¬
(¬1) - الكافي في فروع الحنفية- محمد بن محمد الحنفي (ت 334هـ) جمع فيه كتب محمد بن الحسن المبسوط وما في جوامعه، وشرحه جماعة من العلماء كالرضي، الاسبيجابي، والأنباري. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1387.
(¬2) - البحر الرائق: 8/ 221، تبيين الحقائق: 6/ 25،حاشية ابن عابدين 6/ 383.
(¬3) - الدرر والغرر وجدت مؤلفين بهذا الاسم لكن ليسا مختصين بهذا الفن. أنظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 21/ 748.
(¬4) - البداية شرح الهداية: 4/ 90. أما تقبيل الفم فكراهته لا خلاف فيها كما أظن لأنه مظنة الشهوة، وأما تقبيل اليد فقد بينت حكمه أنظر ص 70 بالهامش (1).
(¬5) - أي الصاحبين أبو محمد وأبو يوسف.
(¬6) - الفتاوى الهندية: 5/ 369.
(¬7) - كانت ساقطة من خ 1 و 2.
(¬8) - الفتاوى الهندية: 5/ 369.البحر الرائق: 8/ 221.
الجزء 1 · صفحة 75
أحدها: كراهة التقبيل مطلقا وهو قول الإمام، والثاني: قول الصاحبين أنه لا بأس به، والثالث: التقبيل إن كانت القبلة للتبرك كتقبيل يد العالم والمتورع والسلطان العادل فقد رخصه بعض المتأخرين، وعلمت من مفاد الأحاديث سنّيتها أو ندبها، كما أشار إليه العيني رحمه الله، والرابع: تقبيل من لا يتبرك به وإنما أراد فاعلها شيئا آخر من غرض الدنيا فهو مكروه، والخامس: إن أراد فاعلها تعظيم المسلم وإكرامه فلا بأس بها أي القبلة كما في السراج الوهّاج (¬1) انتهى. وقيدنا بقبلة التحية إشارة إلى أن قبلة الشهوة خارجة عن هذه الأقسام وقدمنا أنها أي قبلة الشهوة تنقسم إلى قسمين، وتقدم الجائز منها وهي قبلة الزوجين على الفم أو المولى سريته بل هو مستحب. والقسم الثاني: (¬2)
غير مستحب (¬3) كالتقبيل في (¬4) محل لا يجوز كقبلة غير الزوجة والمملوكة بشهوة سواء كان على الفم أو غيره.
ومنه ما نقله العلامة الشيخ علي المقدسي (¬5) رحمه الله عن القنية (¬6) ونصه: ويكره تقبيل امرأة فم امرأة أخرى أو يدها عند اللقاء أو الوداع انتهى (¬7).
(القيام للرجل والمرأة)
¬
(¬1) - لعله السراج الوهاج في ازدواج المعراج للشيخ الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الله بن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة 842 اثنتين وأربعين وثمانمائة، انظر: كشف الظنون: 2/ 984.
(¬2) - في خ 3 الثالث بدل الثاني
(¬3) - هو مستحب ساقطة من خ1. في خ 2 التقبيل.
(¬4) - الكاف ساقطة من خ 1 (كقبلة).
(¬5) - سبقت ترجمته ص 27.
(¬6) - قنية المنية علي مذهب أبي حنيفة. لأبي الرجاء نجم الدين مختار بن محمود الزاهدي. الحنفي (ت 658 هـ) انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1357
(¬7) - الفتاوى الهندية5/ 369.
الجزء 1 · صفحة 76
الفصل الثاني في القيام للرجل والمرأة: اختلفوا فيه فمنهم من منع ذلك روى أبو داود بإسناده إلى أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوكأ على عصى فقمنا إليه، وقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم (¬1) بعضهم بعضا) (¬2).
¬
(¬1) - يعظم ساقطة من خ1 و2.
(¬2) - الحديث كما رواه أبو داود: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضها بعضا) سنن أبي داود 5/ 397، ك 35 الأدب، ب: 165 قيام الرجل للرجل. الحديث إسناده ضعيف.، والصحيح ما رواه مسلم في صحيحه قوله صلي الله عليه وسلم: (إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا) وهذا يدل على أن المنهي عنه هو أن يبقي الناس قياما وكبراؤهم قعود. 1/ 309.
الجزء 1 · صفحة 77
ومنهم من أباحه استدلالا بقيام النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله عنها، وهو الذي ذكرناه عن قريب. ومنهم من فصّل. على ما قال قاضي خان: قوم يقرءون القرآن أو واحد فدخل عليه واحد من الأشراف قالوا: إن دخل عليه عالم أو أبوه أو أستاذه جاز أن يقوم لأجله، وفي سوى ذلك لا يجوز (¬1) انتهى. قلت: وفي مجمع الفتاوى (¬2) للأنطاكي (¬3) قيام القارئ جائز إذا جاء أعلم منه أو أستاذه الذي علّمه القرآن أو العلم أو أبوه أو أمه، لا يجوز القيام لغيرهم، وان كان الجائي من الأجلّة والأشراف. وفي مشكل الآثار (¬4): القيام لغيره ليس بمكروه لعينها إنما المكروه تحية القيام لمن لا يقام له، فإن قام لمن يقام له لا يكره انتهى. قال ابن هبان (¬5) رحمه الله تعالى:
ومن قام إجلالا لشخص فجائز وفي غير أهل العلم بعض يقرر (¬6)
¬
(¬1) - الفتاوى الهندية: 5/ 369.
(¬2) - مجمع الفتاوى- جمع فيه مؤلفه غرائب المسائل، جمع فيه من كتب العلماء الفتاوى. الكبرى والصغرى للصدر، وفتاوى أبي بكر البخاري، وفتاوى محمد بن الوليد السمرقندي، وفتاوى أبي الحسن الرستغفني، وفتاوى عطاء بن حمزة، وغيرها. انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1603.
(¬3) - أحمد بن محمد بن أبي بكر الحنفي، انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1603
(¬4) - مشكل الآثار- للطحاوي: أحمد بن محمد بن سلامة أو سلمة الأزدي المصري الحنفي: (ت 321هـ) دائرة المعارف النظامية- الهند. 1333هـ 4ج.
(¬5) - ابن وهبان: (726 - 768 هـ=1326 - 1367م) عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي الحنفي (أمين الدين، أبو محمد) فقيه مقرئ، أديب، عروضي، عالم بالعربية، من تصانيفه: نهاية الاختصار في أوزان الشعر، كشف الأستار فيما اختاره البزار في القراءة، عقد القلائد في حل قيد الشدائد في فروع الفقه الحنفي. انظر: كحالة- معجم المؤلفين: 6/ 220.
(¬6) - هذا البيت من بحر الطويل. فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن، انظر الدار المختار: 6/ 428.
الجزء 1 · صفحة 78
أي قال بعضهم: ولا يجوز ذلك إلا لأهل العلم، وفي القنية: لا يكره قيام الجالس في المسجد لمن دخل عليه تعظيما له. ثم حكى ما قدمناه عن مشكل الآثار، ثم عقبه بقوله أقول في عصرنا ينبغي أن يستحب ذلك أي القيام، لما يورث تركه من الحقد والبغضاء في العداوة، ولا سيّما إذا كان ذلك في مكان أعتيد فيه القيام، وما ورد من التوعد عليه إنما هو في حق من يحب القيام بين يديه كما يفعله الترك (¬1) والأعاجم، وعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على كراهته لأنه لم يكن من عاداتهم، وقد ورد: (قوموا لسيدكم) (¬2) انتهى. أي قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم قوموا لسيدكم حين قدم عليهم سعد بن معاذ (¬3) رضي الله عنهم أجمعين (¬4)، وقدمنا قيامه صلى الله عليه وسلم لبنته فاطمة رضي الله عنها.
¬
(¬1) - في خ 1 الأعجام.
(¬2) - - رواه البخاري عن أبي سعيد أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجاء فقال: (قوموا إلي سيدكم أو قال خيركم، فقعد عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك). انظر: العسقلاني- فتح الباري: 8 د/9ء، ك 79 الاستئذان ب 26 - قول النبي صلي الله عليه وسلم قوموا إلي سيدكم. ح 6363.
(¬3) - في خ 8 و 3: سعد بن أبي وقاص وهو خطا. وهو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن الأوس الأنصاري سيد الأوس (أبو عمرو)، شهد بدرا، رمي بسهم يوم الخندق مات بعده بشهر، لما دخل في الإسلام قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا، فاسلموا. فكان من أعظم الناس بركة على الإسلام. انظر: ابن حجر العسقلاني- الإصابة: 3/ 48 ترجمة 3206.
(¬4) - أجمعين ساقطة من خ 1.
الجزء 1 · صفحة 79
ثم قال العيني: ومنهم من قال: إن كان الداخل على قوم أو على أحد ممن يتوقع القيام له ينبغي أن يقوم حتى لا يتضرر بتركة، وان فله تركه (¬1) كما حكى عن الشيخ أبو القاسم السمرقندي (¬2) الحكيم أنه كان إذا دخل عليه أحد من الأغنياء يقوم له ويعظمه، ولا يقوم للفقراء وطلبة العلم، فقيل له ذلك فقال: لأن الأغنياء يتوقعون مني التعظيم، فلو تركت تعظيمهم تضرروا، والفقراء وطلبة العلم لا يطمعون في ذلك، وإنما يطمعون في جواب السلام والتكلم معهم في العلم ونحوه، فلا يتضررون بترك القيام (¬3) انتهى.
¬
(¬1) - أبو القاسم السمرقندي (ت 556هـ=1661م) محمد بن يوسف بن محمد بن علي، المدني، الحنفي (ناصر الدين، أبو القاسم) فقيه متكلم مفسر، واعظ، مشارك في بعض العلوم. من تصانيفه: الجامع الكبير في الفتاوى، الفقه النافع، رياضة الأخلاق. انظر: الزركلي الأعلام: 2/ 22 - 32. كحالة - معجم المؤلفين: 12/ 137.
(¬3) - تبيين الحقائق: 6/ 25.
الجزء 1 · صفحة 80
وفي مواهب الرحمن (¬1): ويكره الانحناء للسلطان أو غيره. قيل والقيام للتعظيم انتهى. فقد ضعف القول بكراهة القيام انتهى، وهذا في غير حالة قراءة القرآن. فقد قال قبل هذا: ويحرم قيام التالي (¬2) للداخل عليه إلا لأستاذه أو أبيه انتهى. ونقل العلامة الشيخ علي المقدسي رحمه الله في شرحه عن القنية ما نصه: لا يكره قيام الجالس في المسجد لمن دخل تعظيما له انتهى (¬3).
(السجود لغير الله):
ثم قال العيني رحمه الله: الفصل الثالث في السجود لغير الله سبحانه وتعالى.
¬
(¬1) - مواهب الرحمن في مذهب النعمان- لإبراهيم بن موسي الطرابلسي نزيل القاهرة (ت 9232 هـ). انظر: حاجي خليفة- كشف الظنون: 2/ 1895.
(¬2) - التالي: أي قارئ القرآن.
(¬3) - في هذا الفصل ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل كثيرة وهي على النحو الآتي: 1 - القيام للرجل والمرأة. 2 – قيام قارئ القرآن.3 – القيام لمن لا يقام له.4 - القيام لمن يستحق القيام. 5 – لمن يصح القيام ولمن لا يصح القيام 6 - قيام الجالس في المسجد. والحاصل أن القيام يقع على أربعة أوجه الأول: محظور وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه. والثاني: مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ولما فيه من التشبه بالجبابرة. والثالث: جائز وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة. والرابع: مندوب وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له. فتح البارئ: 11/ 51.