سعاد أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام
للإمام الفَقِيه حَسَن الشُّرُنْبُلَاليّ الحَنَفي
(ت 1069هـ)
ويليه
ملحق: في مَدِّ يدِ النَّبيِّ لِوَلَدِه الغَوْثِ الرِّفَاعِيِّ الأعْظَم
حققه وعلق عليه
عزيز عبد العزيز عادل بيكوف القرغيزي
الإهداء
جارٍ تحميل الكتاب…
سعاد أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام
للإمام الفَقِيه حَسَن الشُّرُنْبُلَاليّ الحَنَفي
(ت 1069هـ)
ويليه
ملحق: في مَدِّ يدِ النَّبيِّ لِوَلَدِه الغَوْثِ الرِّفَاعِيِّ الأعْظَم
حققه وعلق عليه
عزيز عبد العزيز عادل بيكوف القرغيزي
الإهداء
إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلم البشرية الخير والصلاح،
وهاديها إلى الصراط المستقيم.
وإلى شيخي العارف بالله، المربي الكبير شيخنا الشيخ محمود مروح قَدَّس الله سِرَّه، ذي الأخلاق الحسنة، والمعاملة الطيبة.
وإلى أبوي في نسب الدم، والدي ـ رحمه الله ـ، ووالدتي ـ حفظها الله تعالى ـ اللذين ربياني صغيرا، وحرصت عليّ كبيراً ولم تقصر في بذل أو عطاء.
وصلى الله العظيم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون ...
الشكر والتقدير
أقدم الشكر والتقدير إلى دكاترة كلية الفقه الحنفي عموماً وإلى الدكتور عبد الملك السعدي خاصة الذي لم يتوانى لحظة عن المساعدة في تقديم هذه الرسالة لنضعها بين أيديكم
وإلى أساتذتنا الذين لم يقصروا معنا في التعليم والتدريس
سائلين المولى النفع بعلومهم الغزيرة الجمة فوائدها
وإخلاصهم في تبليغ هذا الدين،
وأسأل الله أن يتقبل منهم جميعاً
ويجعلهم من الفائزين الناجين
في الدنيا والآخرة،
فجزاهم الله عنا كل خير وبركة
إنَّه سميع قريب مجيب الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد:
معلوم أنَّ مسألة المصافحة من المسائل التي كثر فيها الكلام بحيث ظهر في هذا الزمان من يمنع من المصافحة بعد الصلاة، ويُبَدِّع من يفعلها، وهذه المسألة بُحِثَت من قِبل علمائنا السابقين، وبينوا إباحتها واستحبابها وأنَّها مماً يزيد الألفة والمحبة بين المسلمين، وممن أجاد وأفاد في هذا الباب الإمام الشرنبلالي _رحمه الله تعالى_ في رسالة خاصة به.
فجزاه الله خير الجزاء على خدمته للعلم، وإنَّ الأخ الفاضل والطالب النجيب المجتهد عزيز عبد العزيز القرغيزي قدم هنا هذه الخدمة العلمية بتحقيق هذا الكتاب ونشره فيبارك الله في جهوده.
ونسأل الله تعالى أن يكون عَمَله له سبحانه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
19/ 11/2022م
الأردن/عمان/صويلح
?
حمداً لمن رفع مكانة العلماء، وأعلى مقام الفقهاء، ومنَّ على المحبين فاصطفاهم وفضَّلهم على من يشاء، أحمده سبحانه حمداً يوافي نعمه، ويدفع نقمه، ويكافئ مزيده، وأشكره على آلائه كلها ما علمت منها وما لم أعلم.
وصلاةً وسلاماً على خير البشر ومنقذها، سيد ولد عدنان، من أنزل عليه القرآن، الرحمة المهداة، النبي الأوَّاه، الذي قام الليل مناجياً قانتاً حتى تورمت قدماه، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشفاعة الكبرى، ومن زاره في الدنيا، وحببت له الشفاعة في الأخرى.
وعلى آله الأطهار، وأصحابه الغر الميامين الأبرار، الذين شادوا الدين، ونشروا سنة سيد المرسلين، وحملوا النور عنه إلى العالمين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أحمد الله تعالى أن وفقني لتحقيق هذه الرسالة اللطيفة، في المصافحة بشكلٍ عام، والمصافحة بعد الصلاة بشكل خاص، وحكم تقبيل يد العلماء والصالحين والقيام لهم، وقد كنت أود أن أحقق في هذا الموضوع منذ زمن بسبب إنكار بعض طلبة العلم على هذا الأمر، والذي كان له الأثر في عدم احترام وتوقير المشايخ والأولياء والصالحين، والذي أدَّى إلى زوال البركة من حياة طالب العلم.
ومن مِنَّة الله تعالى على أمة الإسلام أن سخر لها علماء عباقرة موفقين ومحبين حفظوا هذا الدين، وبذلوا أنفس الأوقات في توضيح الأحكام والتشريعات، ودوَّنوا لنا الكنوز في شتى فنون العلم فبينوا المشكلات وشرحوا المسائل العويصات.
وأمثال هذه الرسائل فيها من العلم ما لا تجده في غيرها، فقد قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة _رحمه الله تعالى_: «ويكون بعض الأجزاء والرسائل أوفى بموضوعه فائدة من ذكره في الكتب الكبار المطولة، لجمعه كلَّ ما يتصل بالموضوع في صعيد واحد، ولعَرْضِ الآراء والاجتهادات فيه، فيغلط كثيراً من لا يهتم بالأجزاء والرسائل، ويكتفي عنها بما في الكتب الكبار، وقديماً قالوا: يوجد في الأنهار ما لا يوجد في البحار» (¬1).
وقد ثار الخلاف في حياة العلامة الشرنبلالي _رحمه الله تعالى_ بين مجيز ومانع، ومُحل ومحرم للمصافحة بعد السلام، وثار الجدال في الموضوع بين أئمة أهل العلم وأساطينه، وعاد ليثور اليوم من جديد، لكن ليس بين أهل الاختصاص، بل أثار القضية بعض طلاب العلم
¬
(¬1) في المقدمة ثلاث رسائل في استحباب الدعاء ص 5.
ممن يستند على ظاهر النص، دون فهم لما حواه، أو إعمالاً لروح النص أي دلالته وفحواه بما يسمى مفهوم الموافقة في أصول الفقه (¬1).
قال الشيخ العارف بالله عبد القادر عيسى _قدِّس سرَّه_: «كثر تساؤل الناس عن حكم تقبيل اليد، وخصوصاً في هذه الأيام التي كثر فيها اتباع الهوى والرأي، وضعف التحقيق العلمي السليم، لكن الذي يُمحصّ الحقائق، ويرجع إلى الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة الكرام، وأقوال الأئمة المحققين، يجد أن تقبيل يد العلماء والصالحين والأبوين جائز شرعاً، بل هو مظهر من مظاهر الآداب الإسلامية في احترام أهل الفضل والتقى» (¬2).
إنَّ تقبيل يد العلماء والصالحين والحاكم العادل مستحب وليس بدعة كما يقول البعض، ما لم تؤدِ إلى غرورٍ للشخص المقبَلَة يده، فالإثم يكون حينئذ عليه، وليس على المقبِّل؛ لأنه يقصد الاحترام والتقدير.
أما حكم القيام لذوي الفضل فجائز، وهو من الآداب الإسلامية المطلوبة وقد نصت كتب الفقه في مختلف المذاهب على جوازه.
ولقد أحسن أبو الوليد بن رشد عندما قسمه إلى أربعة أقسام:
الأول: محظور: وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبراً وتعاظماً على القائمين إليه.
الثاني: مكروه: وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر؛ ولما فيه من التشبه بالجبابرة.
¬
(¬1) الحلل المتاحة ص 232.
(¬2) حقائق عن التصوف ص141.
الثالث: جائز: وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة.
الرابع: مندوب: وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحاً بقومه ليسلم عليه، أو إلى من تجدد له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بها (¬1).
أحببت أن أقدم لطلاب العلم الشرعي نصيحة أنقلها من كتب مشايخنا في القيام للعلماء وأثرها في طلب العلم:
قال الإمام الزرنوجي الحنفي: «اعلم بأن طالب العلم لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله، وتعظيم الأستاذ وتوقيره، قيل: «ما وصل من وصل إلا بالحرمة، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة».
وقيل: «الحرمة خير من الطاعة»، ألا ترى أن الإنسان لا يكفر بالمعصية، وإنما يكفر باستخفافها، وبترك الحرمة (¬2).
قال الإمام القَرافيُّ في كتابه «الفُروق» _وهو يتحدث عن موقع الأدب، من عمل، وبيان أنه مقدَّمٌ في الرتبة عليه:_ «واعلم أن قليلَ الأدب، خيرٌ من كثير من العمل، ولذلك قال رُوَيْم_ العالم الصالح_ لابنه: يا بُنَيَّ اجعل عملَك ملحاً، وأدبَك دقيقاً. أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبتُهُ في الكثرة نسبةَ الدقيق إلى المِلح _في العجين_، وكثيرُ الأدب مع قليلٍ من العمل الصالح خيرٌ من العمل مع قلةِ الأدب» (¬3)
¬
(¬1) البدعة في المفهوم الإسلامي الدقيق لشيخ عبد الملك السعدي ص 180.
(¬2) تعليم المتعلم طريق التعلم ص 31 - 33.
(¬3) الفروق 3: 96. من أداب الإسلام ص 9.
ومن توقيره ـ المعلم ـ توقير أولاده ومن يتعلق به، وكان أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين صاحب الهداية _رحمه الله_ يحكي أنَّ واحداً من كبار أئمة بخارى كان يجلس مجلس الدرس، وكان يقوم في خلال الدرس أحياناً، فسألوه عن ذلك فقال: إن ابن أستاذي يلعب مع الصبيان في السكة، ويجيء أحياناً إلى باب المسجد، فإذا رأيته أقوم له تعظيماً لأستاذي (¬1) (¬2).
سبب ذهاب البركة في طلب العلم في زماننا، أن كثيراً من طلاب العلم تركوا وأهملوا واستخفوا في كثير من الآداب ولا سيما القيام للمعلم والشيخ (¬3).
وقد منع بعض المشايخ طلابهم القيام لهم تواضعًا لا تركًا لكراهيته، وبعضهم كان يحث طلابه على فعل هذا حتى يبقى هذا الأمر متوارثًا جيلاً بعد جيل ويكون للعلماء والمشايخ مكانه وهيبة بين الناس لأنهم هم حملة هذا الدين العظيم.
¬
(¬1) تفهيم المتفهم ص 106.
(¬2) وقال شيخنا العلامة أ. د. صلاح أبو الحاج حفظه الله تعالى في كتابه: «أن يقوم ـ أي لأستاذ ـ عند مجيئه وذهابه، وقد نقل عن القهستاني ـ رحمه الله ـ: القيام لغير المعلم إنما يكره إذا أحبه من يقام له.
قال الحبيشي رضي الله عنه:
وينهض التلميذ فوراً للقيام ... إذا أتى الشيخ ويدنو للسلام». ومضات النور ص 213.
(¬3) قال الشيخ محمد إبراهيم الهسنياني: «ويجلس بين يدي شيخه ـ أي الطالب ـ جلسة الأدب والوقار متربعا بتواضع وخضوع وسكون وخشوع ولا يعبث بلحيته أو يديه ولا يكثر من الالتفات إلا لحاجة، ولا يقطعه أثناء الدرس ولا يسابقه بل يصبر حتى ينتهي الشيخ من درسه عاد فيسأل ما أشكل عليه ولا يأنف من خدمة شيخه.
وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهم وإن كان أميراً: 1.قيامه من مجلسه لأبيه 2. وخدمته للعالم يتعلم منه 3. والسؤال عما لا يعلمه 4. وخدمته لضيفه». طلاب العلوم الشرعية ص 47.
وقد يؤدي تركها إلى ضياع وسقوط العلم بين الناس وذهاب هيبته، لذا يجب على طالب العلم أن يحافظ على جميع الآداب التي جاء بها الإسلام ويعلمها لجميع المسلمين، حتى تبقى راسخة (¬1).
أخيراً: هذا جهد المقل، نسأل الله أن نكون قد وفقنا لإخراج النص كما أراده المؤلف رحمه الله تعالى، وأن تشملنا العناية فنكون جميعاً تحت لواء سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والله سبحانه وتعالى أرجو وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - أتوسل أن يعفو عني وعن والدي، ويجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني الله به والمسلمين ويطهر القلوب ويغفر الذنوب ويستر العيوب ويحسن الختام، آمين والحمد لله رب العالمين.
عزيز عبد العزيز عادل بيكوف
عمان ــ الأردن
24/ 11/2022م
¬
(¬1) «وتعظيم العالم هو توقيره واحترامه كما كان السلف الصالح في احترامهم وإجلالهم لأهل العلم وبهذه الخصال يمكن نجاح طالب العلوم الشرعية في حياته ليكون عالماً ربانياً في المستقبل وبدونه لا يمكن أن يكون ربانياً فقد يكون عالما في العلوم كلها ولكنه ليس مربياً لأن كل مربًّ قد يكون عالماً، وليس كل عالم مربياً، فالعلماء هم أرفع منزلة من الآباء عند طلاب العلوم الشرعية؛ لأن الآباء يعلمونهم أمور الدنيا ويحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة ويحفظونهم من نار الآخرة». وفي هذا المعنى قال الحسن البصري ـ رضي الله عنه ـ: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم». طلاب العلوم الشرعية ص 49.
القسم الأول
الدِّراسة
وتحتوي على:
المبحث الأول: ترجمة الإمام الفقيه حسن الشرنبلالي.
المطلب الأول: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.
المطلب الثاني: منهج العمل في الكتاب.
المبحث الثاني: النص المُحَقَّق.
المبحث الثالث: ملحق: مد يد النبي لولده الغوث الرفاعي الأعظم.
تَرجمة الإمام العَلَّامة
حَسَن بن عمَّار بن عليّ أبو الإخْلَاص الشُّرُنْبُلَاليّ
_رحمه الله تعالى_
إنَّ معرفة عصر المؤلف وأحواله من أسرته وتلامذته وشيوخه وكتبه وكلام العلماء عنه، تساعد في فهم علمه واختياراته واجتهاداته؛ لذلك كانت لنا رغبة في كتابة ترجمة هذا الإمام العظيم، الذي انتشرت كتبه في الآفاق، وشاع صيته في البلاد (¬1).
كان العلامة الشرنبلالي _رحمه الله تعالى_ من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ممن سار ذكره، وانتشر أمره، وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه، وأعرفهم بنصوصه وقواعده، وأنداهم قلما في التحرير والتصنيف، وكان المعول عليه في الفتاوى في عصره (¬2).
اسمه ونسبه:
هو الشيخ العلامة حسن بن عمار بن علي، أبو الإخلاص المصري الشرنبلالي، الحنفي الوفائي (¬3). عرف مترجمنا بنسب له، منها ما يكون لبلده، ومنها ما يكون لاختياره العلمي والسلوكي، وهذه النسب هي: الشرنبلالي، المصري، الوفائي، الحنفي (¬4).
¬
(¬1) منة الفتاح على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح 1: 21.
(¬2) خلاصة الأثر، للمحبي 2: 38
(¬3) الأعلام، للزركلي 2/ 208، إمداد الفتاح للشرنبلالي ص 24.
(¬4) منة الفتاح 1: 22.
والشرنبلالي: بضم الشين المثلثة مع الراء وسكون النون وضم الباء الموحدة ثم لام وألف وبعدها لام، نسبة لشبرابلولة وهذه النسبة على غير قياس، والأصل شبرا بلولي، نسبة لبلدة تجاه منوف العليا بإقليم المنوفية بسواد مصر (¬1).
مصره، ومذهبه:
المصري؛ نسبة لمصر، وهي بلد المولد والنشأة والتدريس؛ إذ ولد ببلدة المنوفية، ونشأ في القاهرة، ودرس بالأزهر، فنسبته لها نسبة كاملة لقضاء كل حياته بها، فتأثر بثقافتها في علمه وسلوكه، وأثر في ثقافتها بعلمه وسبيله، فنعم البلد، فرج الله كربها، ونعم العالم الذي تشرفت به بلده وأهلها إلى يومنا.
والحنفي؛ وهي نسبة للمذهب الفقهي الذي اشتغل به عالمنا، وقضى عمره في تعلمه وتعليمه وتنقيحه وتحقيقه، فقد تخصص في هذا المذهب العظيم الذي عليه عامة المسلمين في بقاع الأرض، وكان له أثره الكبير بين علمائه وفي كتبه، وهذا واضح جلي لكل من ينظر في كتب الحنفية من معاصري إمامنا، كالحصكفي في «الدر المختار»، ومن جاء بعده كابن عابدين في «حاشيته» المشهورة، وغيره من علماء المذهب (¬2).
الوفائي، من الوفائية: وهي إحدى طرق التربية الصوفية، نسبة لسيدي علي وفا بن سيدي محمد وفا طريقة، وهي شعبة من الشاذلية (¬3).
¬
(¬1) خلاصة الأثر للمحبي 2: 39.
(¬2) منة الفتاح 1: 21.
(¬3) مختصر فتح رب الأرباب 1: 66. خلاصة الأثر 2: 39.
وتحدث المحبي عن التصوف إمامنا وكراماته، فقال: «وكان له في علم القوم _أي أهل التصوف_باع طويل، وكان معتقدا للصالحين والمجاذيب، وله معهم إشارات ووقائع أحوال» (¬1).
والذي يتدبر في مؤلفات هذا الإمام سيما في «مراقي الفلاح»؛ يجد تصوفه وسلوكه إلى الله، وتقواه وورعه، وحسن مسيرته إلى الله تعالى ظاهرة، ويلحظ في طيات سطورها فقيها كبيرا وصوفيا عظيما، نسأل الله تعالى أن يرزقنا طريقه وسبيله إليه (¬2).
كنيته ولقبه:
أبو الإخلاص، وهي ما توافقت عليه كتب ترجمته، وشذ سركيس فأضاف له كنية أخرى، وهي: أبو البركات، ولم يجعلها المؤلف لنفسه وإنما اقتصر على أبي الإخلاص، وكذلك كتب التراجم الأصلية له كـ: «خلاصة الأثر» (¬3)، وغيرها، والله أعلم بالصواب (¬4).
مولده ونشأته:
ولد العلامة الشرنبلالي في شبرا بلولة سنة (994هـ)، ثم جاء به والده إلى مصر وسنة يقرب من ست سنين، فحفظ القرآن وأخذ بالاشتغال فيه وبسائر العلوم، كما هو المعتاد عند أهل ذلك الزمان، وبدأ بطلب العلم والاشتغال بالعلم من صغره، فكانت نشأته بمصر (¬5).
وظيفته ورحلته:
¬
(¬1) خلاصة الأثر 2: 39.
(¬2) منة الفتاح 1: 29.
(¬3) 2: 38.
(¬4) منة الفتاح 1: 21.
(¬5) مقدمة منة الفتاح 1: 29. خلاصة الأثر للمحبي 2: 38، هدية العارفين 1: 292.
ودرّس في الجامع الأزهر، وتعين بالقاهرة، وتقدم عند أرباب الدولة، واشتغل عليه خلق كثيرون وانتفعوا به (¬1).
والبيئة العلمية لها أثر بالغ في التكوين العلمي لدى الطالب، وهذا ما توافر لإمامنا بانتقاله للقاهرة؛ إذ معلوم أن القاهرة كانت حاضرة للعلم، ففيها الأزهر منارة الشرق ومنبع الخيرات، ومحط نظر الطلبة والكملة، فكانت فرصة سانحة لترجمتنا أن يلتقي بأكابر فحول علماء زمانه ويصحبهم ويلازمهم ويطلب العلم على أيديهم (¬2).
عصر الإمام الشرنبلالي - رضي الله عنه -:
كانت مصر في زمنه تابعة للدولة العثمانية، وعاصر إمامنا مجموعة من السلاطين العثمانيين الذين كان لأحوالهم وأخبارهم أثر على حياة المسلمين وتفكير العلماء واتجاهاتهم، فإليك بيانهم ونبذة من سلوكياتهم، ويزداد بها وضوحا زمن مترجمنا، ويعرف منها أحد العناصر المؤثرة فيه:
1. السلطان مراد الثالث ابن سليم الثاني، اهتم بفنون العلم والأدب والشعر.
وكان يتقن اللغات الثلاث: التركية، والعربية، والفارسية.
وكان يميل إلى علم التصوف.
واشتهر بالتقوى واهتم بالعلماء.
2. السلطان محمد خان الثالث.
ولد عام 974هـ، كانت أمه إيطالية الأصل تسمى صفية.
¬
(¬1) التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 12.
(¬2) منة الفتاح 1: 29.
مما يخلد للسلطان الغازي محمد الثالث الذكر، ويجعله رصيفا لأجداده الأوائل؛ أنه لما تحقق أن هذا الانحلال ناشئ عن تحجبه عن الأعمال وعدم قيادته الجيوش، برز بنفسه وتقلد المركز الذي كان ترك مراد الثالث وسليم الثاني له من دواعي تقهقر الدولة أمام أعدائها، فسار إلى بلغراد ومنها إلى ميدان الحرب والنزال.
وكان هذا السلطان عندما يسمع اسم نبينا ? يقوم إجلالاً واحتراماً لسيد الكائنات (¬1).
3. السلطان أحمد الأول ابن محمد الثالث.
كانت أحوال الدولة مرتبكة جدا؛ لانشغالها بحروب النمسا في أوروبا، وحرب إيران، والثورات الداخلية في آسيا.
وكان _رحمه الله تعالى_ في غاية التقوى، وكان رجلا مثابرا على الطاعات. وكان يباشر أمور الدولة بنفسه، وكان متواضعا في ملابسه، وكان كثير الاستشارة لأهل العلم والمعرفة والقيادة، وكان شديد الحب للنبي ?.
4. تولى السلطة بعد وفاة أخيه عام 1026هـ، ومنذ عهده ظهر جليا أن يدا أجنبية كانت خلف تعيين وإزاحة الخلفاء، فهذا السلطان عزل بعد ثلاثة أشهر، وجيء بابن أخيه (عثمان الثاني) الذي لم يزد عمره على الثالثة عشرة.
5. السلطان عثمان الثاني.
أعلن الجهاد على بولونيا لتدخلها في شؤون إمارة البغدان، وتم الصلح بين الطرفين عام 1029هـ، بناء على طلب بولونيا.
¬
(¬1) ينظر: الدولة العثمانية 1: 295.
كان عالما فاضلا شجاعا شريفا، يدور بالسيف والسنان، ويحمي بطوقه وطوعه بيضة الإسلام والإيمان (¬1).
6. مراد الرابع، تولى أمر السلطنة بعد عزل عمه مصطفى الأول عام 1032هـ، وهو أخو عثمان الثاني، وكانت أحوال الدولة سيئة للغاية، فقام بإصلاح الأحوال الداخلية، فبدأ بالقضاء على طغاة العسكر الذين قتلوا أخاه.
ومنع في عهده الخمر والتدخين، وكان عاقلا شجاعا ثاقب الرأي، استأصل الفساد وقمع العصاة، ولقب بـ (مؤسس الدولة الثاني)؛ لأنه أحياه بعد السقوط (¬2).
7. السلطان إبراهيم بن أحمد. كانت الأحوال الداخلية شبه مستقرة بسبب إصلاحات أخيه نحو الانكشارية، وتجديد الجيش (¬3).
8. السلطان محمد الرابع. حاولت فرنسا التقرب من الدولة العثمانية في عهده، لكنه رفض ذلك، وللسلطان فتوحات لا تحصى، ومغازي لا تستقصى (¬4).
شيوخه:
1. الشيخ أحمد بن محمد بن العلامة أحمد بن يونس، السعودي، المصري، الحنفي، الشهير بابن الشلبي:
هو الإمام المحدث، رأس فقهاء زمانه ومحدثيه، كان سريع الفهم وافر الاطلاع، له حاشية على «كنز الدقائق»، طبعت بمصر سنة (1313هـ) على هامش «تبيين الحقائق»،
¬
(¬1) ينظر: سمط النجوم العوالي 4: 117.
(¬2) ينظر: الدولة العثمانية 1: 305.
(¬3) ينظر: الدولة العثمانية 1: 308.
(¬4) ينظر: سمط النجوم العوالي 4: 121. منة الفتاح 1: 20.
وله كتاب في المناسك، و «فتاوى» جمعها حفيده علي بن محمد، توفي ابن الشلبي بمصر سنة نيف وعشرين وألف (¬1).
2. الشيخ العلامة عبد الرحمن المسيري.
كان رئيس الحنفية في زمانه، المعروف بـ (ابن الذئب).
قال المحبيُّ: «قرأ في صباه على الشيخ عبد الرحمن المسيري» (¬2).
3. الإمام عبد الله بن محمد بن محيي الدين عبد القادر بن زين الدين بن ناصر الدين النحريري، شمس الدين الحنفي:
من أجل علماء الحنفية في عصره، أخذ الفقه عن والده، وعن العلامة محمد بن عبد الرحمن المسيري الشهير بابن الذئب، ومحمد بن أحمد الحموي، توفي سنة (1026هـ) (¬3).
4. الشيخ العلامة علي بن غانم بن علي المقدسي الأصل، الخزراجي السعدي العبادي، القاهري الحنفي، نور الدين.
قال المحبي: العالم الكبير الحجة الرحلة القدوة، رأس الحنفية في عصره، وإمام أئمة الدهر، على الإطلاق، وأحد أفراد العلم المجمع على جلالته وبراعته وتفوقه في كل فن من الفنون. سند إمامنا في الفقه عن الشيخ الإمام علي بن غانم المقدسي مشهور مستفيض.
¬
(¬1) التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 13.
(¬2) خلاصة الأثر للمحبي 2: 38، منة الفتاح 1: 36.
(¬3) التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 14. خلاصة الأثر، للمحبي 2: 38.
لكن (¬1) تاريخ وفاة المقدسي هو 1004هـ، وتاريخ ولادة الشرنبلالي - رضي الله عنه - هو 994هـ، كما سبق، حيث كان عمره (10) سنوات عند موت المقدسي.
وأيضا: قول الإمام الشرنبلالي - رضي الله عنه - في «التحقيقات السنية» عند الرسالة الرابعة والثلاثين (¬2): «لشيخ أستاذي العلامة علي المقدسي»، فهذا بيان أن المقدسي هو شيخ شيوخه، وليس شيخا له، الله تعالى أعلم (¬3).
5. الشيخ علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، نور الدين الشافعي القاهري:
هو الإمام الكبير صاحب «السيرة الحلبية»، كان إماما جليلا ذا مهابة، موطنه الأصل هو مدينة حلب، وولد بمصر سنة (975هـ)، ولازم علماء عصره، وفاق أقرانه في العلم والفضل، وصنف التصانيف التي لقيت القبول، توفي رحمه الله في القاهرة سنة (1044هـ) (¬4).
6. العلامة محمد المحبي المصري، الملقب بشمس الدين الحنفي:
¬
(¬1) تنبيه المهم: درج بعض من ترجم للعلامة الشرنبلالي - رضي الله عنه - على ذكر العلامة الشيخ نور الدين المقدسي ضمن شيوخه الذين أخذ عنهم، وهذا شيء مجانب للصواب، ويدل عليه ما قال الشرنبلالي - رضي الله عنه - نفسه عن العلامة المقدسي في "حاشيته على الدرر والغرر" ونصه:
(قوله: شملت أنواعا ... إلخ)؛ لدفع قول من قال: الكتاب اسم جنس تحته أنواع من الحكم كل نوع يسمى بابا كذا في شرح شيخ أستاذي العلامة نور الملة والدين علي المقدسي رحمه الله تعالى.
وقال أيضا في الرسالة السادسة والأربعين ما نصه: (منّ الله سبحانه بالاطلاع على رسالة شيخ مشايخنا العالم الإمام شيخ الإسلام نور الدين علي المقدسي - رضي الله عنه -). وهذا الذي سبق فيه دليل قطعي من كلام الشرنبلالي نفسه على أن شيخ الإسلام العلامة عليا المقدسي هو شيخ مشايخه لا شيخه المباشر. التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 13.
(¬2) في الرسالة الرابعة والثلاثين نصه: (قال شيخ الإسلام مفتي الأنام نور الدين علي المقدسي، شارح "نظم الكنز" شيخ مشائخي رحمهم الله تعالى). التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 13.
(¬3) منة الفتاح 1: 38.
(¬4) التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 15.
هو شيخ الإسلام، وأجل علماء الحنفية الكبار في المذهب والخلاف، وأوحد أفراد الدهر في اللغة، والحديث، أخذ الفقه عن شيخ الإسلام والحنفية النور علي بن غانم المقدسي، وعن الإمام الكبير السراج الحانوتي، والحديث عن الرحلة أبي النجا سالم السنهوري، وعلوم العربية عن الأستاذ الكبير أبي بكر الشنواني وغيره.
ولازم الإفادة والإقراء إلى حين انتقاله، وأخذ عنه جمع من أكابر العلماء، وكانت وفاته سنة (1041هـ) رحمه الله (¬1).
7. الشيخ العلامة يحيي بن عمر العلائي الرومي، الشهير بـ (منقاري زاده)، شيخ الإسلام.
قال المحبي: «علامة العلماء الأعلام، صاحب التقرير والتحرير الراقي، وحضر أكابر مصر دروسه، وأذعنوا له بالتحقيق الذي ليس له فيه مساو، ومدحه فضلاؤها باأشعار الرائقة، وخلدوا مآثره في صحف محامدهم الفائقة؛ منهم: المرحوم السيد أحمد بن محمد الحموي».
وملاحظ أنه جمع في أوصاف شيوخه أن يكون من كبار أئمة الحنفية، ومنهم شافعية، ومنهم أئمة الحديث، مما كان له الأثر البالغ في تكوين شخصيته العلمية، المتقنة للفقه الحنفي، والمتأثرة بالترجيح بالحديث والشافعية، كما بسطت ذلك في بحث اختياراته الفقهية.
¬
(¬1) التحقيقات القدسية 1: 15.
وسنده الفقهي:
طالما أن مقامنا في مقالنا الحديث عن شيوخه؛ فيحسن بنا ذكر سنده في الفقه إلى الإمام الأعظم أبي حنفية.
ووقفت على إجازة من ابن إمامنا حسن إلى تلميذه حسن بن إبراهيم الجبرتي، وهذه قصتها مع نصها الكامل:
«حين كان الشيخ حسن بن إبراهيم بن حسن الجبرتي في الثالثة عشرة من عمره، مر الشيخ به في طريق الأزهر، فنظر شيخا مقبلا منور الوجه والشيبة، وعليه جلالة ووقار، طاعنا في السن، والناس يزدحمون على تقبيل يده، ويتبركون به، فسأل عنه، وعرف أنه ابن الشيخ الشرنبلالي، فتقدم إليه ليقبل يده كغيره، فنظر إليه الشيخ وتوسمه وقبض على يده، وقال: من يكون هذا الغلام ومن أبوه؟ فعرفوه له، فتبسم وقال: عرفته بالشبه».
ثم وقف وقال: اسمع يا ولدي، أنا قرأت على جدك، وهو قرأ على والدي، وأحب أن تقرأ عليّ شيئا، وأجيزك وتتصل بيننا سلسلة الإسناد، وتلحق الأحفاد بالأجداد.
فامتثل إشارته ولازم الحضور عنده في كل يوم، وقرأ عليه متن «نور الإيضاح»، وكتب له الإجازة، ونصها:
الحمد لله الذي أنعم على عبده بتوفيقه، وأرشده إلى سواء طريقه، وأذاقه حلاوة التفقه في دينه وتمام تحقيقه.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المنعم بلطائف الإنعام وعظيمه ودقيقه. وأشهد أن سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله، الهادي إلى الخير الكامل، والجبر الشامل،
فأصبح كل أحد مغمورا في بحر فضله وجوده، محفوظا من كيد الشيطان وجنوده وتعويقه، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.
وبعد:
فقد حضر لدي الولد النجيب، الموفق اللبيب، الفطن الماهر، الذكي الباهر، سليل العلماء الأعلام، نتيجة الفضلاء العظام، نور الدين حسن بن برهان الدين إبراهيم ابن العلامة مفتي المسلمين وإمام المحققين الشيخ حسن الجبرتي الحنفي، رحم الله أسلافه وبارك فيه، وقرأ علي متن «نور الإيضاح» من أوله إلى آخره، تأليف والدي، المندرج إلى رحمة الله تعالى، سيدي وسندي الإمام العلامة الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي، وأجزته أن يروي ذلك عني وجميع ما يجوز لي روايته إجازة عامة كما أجازني به وبفقه أبي حنفية النعمان - رضي الله عنه -.
كما تلقى ذلك هو عن الشيخ علي المقدسي شارح «نظم الكنز».
عن العلامة الشلبي شارح «الكنز».
عن القاضي عبد البر ابن الشحنة.
عن المحقق الكمال بن الهمام.
عن سراج الدين قارئ «الهداية».
عن علاء الدين السيرامي.
عن السيد جلال الدين شارح «الهداية».
عن علاء الدين بن عبد العزيز البخاري.
عن حافظ الدين صاحب «الكنز».
عن شمس الأئمة الكردري.
عن برهان الدين صاحب «الهداية».
عن فخر الإسلام البزدوي.
عن شمس الأئمة السرخسي.
عن شمس الأئمة الحلواني.
عن القاضي ابن علي النسفي.
عن الإمام محمد بن الفضل البخاري.
عن عبد الله السبذموني.
عن الأمير عبد الله بن أبي حفص البخاري.
عن أبيه المذكور.
عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
عن الإمام أبي يوسف القاضي.
عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت - رضي الله عنه -
عن الإمام حماد بن سليمان - رضي الله عنه -.
عن الإمام إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -.
عن الإمام علقمة - رضي الله عنه -.
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن أمين الوحي جبريل - عليه السلام -، عن الله عز وجل.
قال ذلك الفقير إلى الله تعالى: حسن بن حسن الشرنبلالي - رضي الله عنه - الحنفي في ثالث ربيع الأول من سنة (1223) (¬1).
تلامذته:
إن الناظر في كتب التراجم والتاريخ في زمن المؤلف يلحظ المكانة الرفيعة التي تبوأها، والدرجة العالية التي وصل إليها فالنسبة إليه مكرمة، والدراسة عليه محسنة، فهو من محاسن ذلك الزمان.
ومن هؤلاء العظام الذين تلقوا العلم عليه:
الأول: الشيخ العلامة أحمد بن محمد المكي الحسيني الحموي المصري الحنفي.
الثاني: الشيخ العلامة أحمد بن أحمد بن محمد الشافعي الوفائي المصري، المعروف بالعجمي، شهاب الدين، الإمام المفنن اللوذعي.
الثالث: الشيخ العلامة إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الأصل، الدمشقي المولد، العلامة الفقيه الحنفي.
الرابع: الشيخ العلامة حسن بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الجبرتي الحنفي.
الخامس: الشيخ العلامة شاهين بن منصور بن عامر الأرمناوي الحنفي.
السادس: الشيخ العلامة صالح بن علي الصفدي الحنفي، مفتي الحنفية بصفد.
¬
(¬1) منة الفتاح 1: 41/ 43.
السابع: الشيخ العلامة عبد الباقي بن عبد الرحمن بن علي الخزرجي المقدسي المصري.
الثامن: الشيخ العلامة عبد الحي بن عبد الحق بن عبد الشافي الشرنبلالي الحنفي.
التاسع: الشيخ العلامة عبد الرحيم بن أبي اللطيف بن إسحاق الحسيني الحنفي المقدسي.
العاشر: الشيخ العلامة فخر الدين بن زكريا بن إبراهيم المقدسي، المعروف بـ (المعري الحنفي).
الحادي عشر: الشيخ العلامة محمد بن تاج الدين بن محمد الحنفي، المقدسي الأصل، الرملي المولد والمنشأ.
الثاني عشر: الشيخ العلامة محمد بن حافظ الدين غانم بن محمد المقدسي الحنفي البصير، المعروف بالسروري.
الثالث عشر: الشيخ العلامة محمد بن حسين الملا بن ناصر الأشقر العقيلي الحموي، الحنفي، القطب الرباني، شهاب الدين، الفاضل البارع المفنن.
الرابع عشر: الشيخ العلامة محمد بن صالح بن محمد الغزي التمرتاشي.
الخامس عشر: الشيخ العلامة يونس بن أحمد المحلي الأزهري الكفراوي الشافعي (¬1).
مؤلفاته:
1. أجلها حاشيته على كتاب «الدرر والغرر» لمنلا خسرو، واشتهرت في حياته وانتفع الناس بها.
¬
(¬1) منة الفتاح 1: 51/ 44.
2. «شرح منظومة ابن وهبان» في مجلدين.
3. و «نور الإيضاح».
4. «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح».
5. «التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية على السادة الحنفية».
6. «مراقي السعادات».
7. «غنية ذوي الأحكام» (¬1).
وثناء العلماء عليه:
قال عنه الحموي: واجتمع به والدي المرحوم في منصرفه إلى مصر، وذكره في رحلته فقال في حقه: والشيخ العمدة الحسن الشرنبلالي - رضي الله عنه - مصباح الأزهر وكوكبه المنير المتلالي، لو رآه صاحب السراج الوهاج لاقتبس من نوره، أو صاحب الظهيرة لاختفى عند ظهوره أو ابن الحسن لأحسن الثناء عليه، صاحب التحريرات والرسائل التي فاقت أنفع الوسائل، مبدي الفضائل بإيضاح تقريره، ومحيي ذوي الإفهام بدرر غرر تحريره، نقّال المسائل الدينية، وموضح المعضلات اليقينية، صاحب خلق حسن، وفصاحة ولسن، وكان أحسن فقهاء زمانه (¬2).
وقال عنه ابن عابدين: عمدة المحققين، فقيه النفس، ذو التآليف الشهيرة (¬3).
وقال عنه العلامة اللكنوي: صاحب التحريرات الفائقة والكتب النفيسة (¬4).
¬
(¬1) التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 21.
(¬2) خلاصة الأثر، للمحبي 2: 39. التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 21.
(¬3) أنظر: رسائل ابن عابدين 1: 54.
(¬4) انظر: طرب الأماثل ص 268.
وفاته:
توفي العلامة الشرنبلالي - رضي الله عنه - في القاهرة يوم الجمعة بعد صلاة العصر، حادي عشر شهر رمضان، سنة تسعة وستين وألف، عن نحو خمس وسبعين سنة، ودفن بتربة المجاورين (¬1).
فرحمه الله تعالى رحمة الأبرار، وقدَّس روحه، ونوّر ضريحه، وطيَّب ثراه، وجعل الجنَّة مثواه، وأدخله وإيَّانا الجنة بغير حساب.
¬
(¬1) خلاصة الأثر للمحبي 2: 39. التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية 1: 21. منة الفتاح 1: 53. وهدية العارفين 1: 294. وموسوعة الأعلام 1: 303.
وَصْفُ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ
- جاء عنوان المخطوط «سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام» مخطوطتان في مجموعة الرسائل للمؤلف، إلا نسخة واحدة وجدتها بمفردها، منسوبة للإمام الشرنبلالي.
- فهارس المكتبات التي فهرست للمخطوط اتفقت على التسمية بهذا الاسم، ونسبته للإمام الشرنبلالي.
- ذكر من ترجم للإمام الشرنبلالي عنوان المخطوط منسوبًا له.
اعتمدت في تصحيح «سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام» على ثلاث نسخ، وهي:
النسخة الأولى: (أ):
وهي في مكتبة جامعة الملك سعود، بخط جيد، تحتوي الصفحة على (21) سطرا، والسطر يحتوي على (8) كلمات، وعدد لوحاتها (25). كتبها محمد بن مصطفى الأشرفي سنة 1261هـ.
النسخة الثانية: (ب):
وهي في مكتبة راغب باشا، ضمن مجموع رسائل المؤلف، بخط جيد، تحتوي الصفحة على (23) سطرا، والسطر يحتوي على (11) كلمات، وعدد لوحاتها (16).
النسخة الثالثة: (د):
وهي في مكتبة آيا صوفيا، ضمن مجموع رسائل المؤلف، تحتوي الصفحة على (21) سطرا، والسطر يحتوي على (9) كلمات، وعدد لوحاتها (23).
صور المخطوطات المستعان بها
الورقة الأولى من نسخة جامعة الملك السعود (أ) ... الورقة الأخيرة من نسخة جامعة الملك السعود (أ)
الورقة الأولى من نسخة راغب باشا (ب) ... الورقة قبل الأخيرة من نسخة راغب باشا (ب)
الورقة الأولى من نسخة آيا صوفيا (د) ... الورقة الأخيرة من نسخة آيا صوفيا (د)
منهج العمل في الكتاب
تقوم الدراسة على المنهجين الآتيين:
1. المنهج الاستقرائي: تتبع المسائل الواردة في المخطوط، والتأكد من نسبتها وصحتها بالرجوع إلى مظانها في المصادر والمراجع.
2. المنهج التاريخي (الاستردادي): بالنظر في نسخ المخطوط، وضبطها، وتصحيحها، والمقابلة بينها.
وفق الخطوات الآتية:
- المقابلة بين النسخ المعتمدة في التحقيق، وإثبات الفروق المهمة، وهي قليلة، ماعدا صيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والترضي على الصحابة، والترحم على العلماء.
- إثبات النص الصحيح في المتن، وذكر النص المرجوح في الهامش.
- توضيح المسائل الغامضة في المخطوط، وشرح العبارات المبهمة.
- نسبة الآيات في المتن إلى اسم السورة ورقم الآية، وحصرنا الآيات القرآنية بين قوسين مزهرين {}.
- تخريج الأحاديث الواردة في المخطوط مع بيان قوتها.
- سرد بعض من أقوال الشافعية المتعقلة بهذه المسائل ووضع أدلة من السنة النبوية الشريفة.
- توثيق العبارة من المصادر التي نقل منها المصنف في المخطوط.
- الترجمة للأعلام غير المشهورة الوارد ذكرها في المخطوط.
القسم الثاني
سَعَادةُ أَهْلِ الإسْلَامِ
بالمُصَافَحَةِ عَقِبَ
الصَّلَاةِ والسَّلَامِ
للإمام الفَقِيه حَسَن الشُّرُنْبُلَاليّ الحَنَفي
(ت 1069هـ)
ويليه
ملحق: في مَدِّ يدِ النَّبيِّ لِوَلَدِه الغَوْثِ الرِّفَاعِيِّ الأعْظَم
حققه وعلق عليه
عزيز عبد العزيز عادل بيكوف القرغيزي
كتاب الحَظرِ والإباحةِ (¬1)
بسم الله الرحمن الرحيم
[وبالله الإعانة والتوكل] (¬2)
الحَمدُ للهِ المنعمِ بالإيجاد، المتفضِّلِ بالإمداد، الذي ألَّفَ (¬3) بينَ قُلوبِ المُؤمنينَ بالمحبَّةِ وصادِقِ (¬4) الوِداد، المُتكفِّل لطالبِ العلمِ بتيسيرِ الرِّزقِ بينَ العِباد، مُيسِّر أسبابِ السُعادةِ وبُلوغ دَرجاتِ السِّيادةِ بأيسرِ مُعتاد، جاعلِ مُكفراتِ الذُنوبِ أُموراً كَثيرةً صَالحةً؛ كَتسبيحٍ وتهليلٍ وتحميدٍ ومُصافحةٍ، وإزالةِ حَجَرٍ أو شَوْكةٍ عنِ
¬
(¬1) وقد يسمى كتاب الحظر والإباحة وقد يسمى كتاب الكراهية، والكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضعين: في بيان معنى اسم الكتاب، وفي بيان أنواع المحظورات والمباحات المجموعة فيه.
أما الأول: فالاستحسان يذكر ويراد به كون الشيء على صفة الحسن ويذكر ويراد به فعل المستحسن وهو رؤية الشيء حسنا يقال: استحسنت كذا أي رأيته حسنا فاحتمل تخصيص هذا الكتاب بالتسمية بالاستحسان لاختصاص عامة ما أورده فيه من الأحكام بحسن ليس في غيرها ولكونها على وجه يستحسنها العقل والشرع.
وأما التسمية بالحظر والإباحة فتسمية طابقت معناها وافقت مقتضاها لاختصاص ببيان جملة من المحظورات والمباحات، وكذا التسمية بالكراهة، لأن الغالب فيه بيان المحرمات وكل محرم مكروه في الشرع، لأن الكراهة ضد المحبة والرضا؛ قال الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216]، والشرع لا يحب الحرام ولا يرضى به إلا أن ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به من نص الكتاب العزيز أو غير ذلك، فعادة محمد أنه يسميه حراما على الإطلاق وما تثبت حرمته بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وأقاويل الصحابة الكرام رضي الله عنهم وغير ذلك يسميه مكروها، وربما يجمع بينهما فيقول: حرام مكروه إشعارا منه أن حرمته ثبتت بدليل ظاهر لا بدليل قاطع. بدائع الصنائع 4: 288.
ملاحظة: هذا المعنى للاستحسان يختلف عن الاستحسان الأصولي.
(¬2) لفظ (التوكل) ساقطة من: ب د.
(¬3) لفظ (ألَّف) ساقطة من: د.
(¬4) وفي أ: صدق.
الطَريقِ، وصَبِّ الماءِ من نهْرٍ وبئرٍ بدَلْوٍ للرَّفيقِ، وطَلاقةِ وَجْهٍ وبَشاشةٍ وليِن الكَلام، وإدخالِ السُّرورِ على المؤمنينَ وإفشاءِ السَّلام.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على الحبيبِ المُصطَفَى، والخَليلِ المُجتبَى ذَخيرِة الأنامِ، سيِّدنا ومَوْلانا مُحمدٍ صَاحب المَقامِ المَحمود، والحَوضِ المَورُود، والشَّفاعةِ العُظمَى في يَومِ الزِّحام، وعلى آلِه وأصْحابِه السَادة البَررةِ الكِرام.
وبعد:
فيقولُ العَبد الفَقيرُ إلى كَرَمِ مَوْلاهُ، الغَنيُّ به فلا يَرجُوا سِواهُ، أبو الإخلاص حَسَن الشُرُنْبُلَاليُّ الوَفائيُّ الحنفي دَام مَشمُولاً باللُّطْفِ الجليِّ والخفي، وبِر البَر المُحسِنِ الخَفيِّ:
هذه نُبذَةٌ يسيرةٌ في تحريرِ الكلامِ على سُنة المُصافحةِ الحَاصلةِ بعد الصَّلوات الخَمسِ، والجُمعة والعِيدينِ، وعند كل لُقيٍ، وبَيانِ كيفيِّتِها، وحُكمِ حُصولِها فيما بين الرِجال والنِساءِ، وبيانِ السَّلامِ ومعناهُ، ورَدِّه على أهلِ الإسلامِ، وحُكم ابتدائِه، وكيفيَّةِ رَدِّه على أَهل الذِّمَّة والدُّعاءِ لهم بما ليسَ فيه خَيْرٌ (¬1).
والتَّحيَّةُ بمَرْحباً وأهْلاً وسَهْلاً، وكيف أصْبَحتُم، وصَباحُ الخَيرِ، وكيفيَّةُ السَّلامِ على أهلِ المَقَابرِ، وكَراهةُ المَشيِ بالنِّعال في المَقابرِ لكل زَائرٍ، وحُكم المُعانقةِ والتَّقْبيلِ، وبيانُ الجائزِ منها والمنهيِّ عنه بالدليلِ، والقِيامُ للمُقبلِ على الَجالسِ
¬
(¬1) وفي ب د: ضير.
وقارئِ القُرآنِ، والانحِناءِ للكُبراءِ والوُزراءِ والسُلطانِ، والسُجودُ بينَ يديهِ للتَّحيةِ أو التَعْظيمِ، وبيانُ شيءٍ مما للمُسلمِ على أخيه من كلِّ وَصْف كريمٍ وسمَّيتُها:
«سَعادةَ أهلِ الإسلامِ بالمصافحةِ عقبَ الصَّلاة والسَّلامِ»
وسبَبُ جمعِها كَثْرة السؤالِ عنها، وإنْكارُ بعض النَاس على فاعلها من غيرِ استنادٍ لحُجَّةٍ له في ذلك، خُصوصاً وقد رأيتُ جَواباً مَنْسوباً لشيخِ الإسلامِ أحمد بن حَجرٍ (¬1) الشَّافعيِّ _رحمه اللهُ تعالى_ وقد سُئِل عن المُصافحةِ بعدَ الصَّلواتِ.
ونصُّه: «المُصافحةُ بعدَ الصَّلاةِ بِدعةٌ (¬2) غيرُ المشروعةٍ، لا أصلَ لها، فلا ينبغي لأحدٍ فِعلها»، كتبه أحمد بن حجر الشَّافعيُّ.
¬
(¬1) هو الشيخ العلامة الفقيه الإمام أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي الشافعي، سمي ب (ابن حجر) لأن جده كان ملازماً للصمت، ولد بمحلة أبي الهيتم في رجب أواخر سنة 909هـ، أخذ الإمام ابن حجر عن جمع من كبار علماء عصره، ولقي عدداً من كبار المعمرين والمسندين من العلماء، ولما كبرت سنه رحمه الله تعالى، ابتدأ به مرض ألجأه إلى ترك التدريس لمدة نيف وعشرين يوماً، وكتب وصيته في الحادي والعشرين من رجب 974هـ، وفي ضحوة الإثنين 23 من شهر المذكور لبى نداء ربه راضياً مرضياً. النور السافر ص 390. الأعلام 1: 234.
(¬2) قال الإمام اللكنوي: وأما الحادث بعد الأزمنة الثلاثة: فيعرض على أدلة الشرع، فإن وجد نظيره في العهود الثلاثة أو دخل في قاعدة من قواعد الشرع لم يكن بدعة، لأنها عبارة عما لا يوجد في القرون الثلاثة وليس له أصل من أصول الشرع، وإن أطلقت عليه: «البدعة» قيدته بـ «الحسنة».
وإن لم يوجد له أصل من أصول الشرع، صار بدعة ضلالة، وإن ارتكبه من يعد من أرباب الفضيلة أو من يشتهر بالمشيخة، فإن أفعال العلماء والعباد ليست بحجة ما لم تكن مطابقة للشرع. إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة ص 56. البدعة الإضافية 87.
ورأيتُ أيضاً جواباً لحنفي، ونصُّه: «المصافحة ثابتةٌ، واعتقادُ أنَّها سُنَّة في المحَالِّ المذكورةِ خطأٌ يجبُ الرجوع عنه، والله أعلم». كتبه قُطبُ الدينِ بن عَلاِء الدين (¬1) الحنفي، _عفا الله عنهما_.
فلمَّا رأيتُ ظاهرهما المَنعَ من المُصافحةِ عَقِبَ الصَّلواتِ، ولم (¬2) يُفصِح جوابُهما عن المُرادِ، بيَّنتُ وَجْهَ الجوازِ، بل ثُبوتَ سُنِّيةِ المصافحةِ عقبَها؛ لأن القَوم إذا قَاموا عن مواضعِ صلاتِهم فتصافحوا، لا يمنعُون؛ إذ لا قائل بالمنعِ من المُصافحةِ في تلك الحالِ؛ لأنَّها حالة لقيٍّ،
¬
(¬1) لم أعثر على ترجمة له.
(¬2) لفظ (لم) ساقطة من: أ.
وفيها يسنُّ السَّلام والمُصافحةُ؛ لقولِ الإمامِ محيي الدِّينِ النوويِّ (¬1): المصافحةُ سنَّةٌ مجمعٌ عليها عند التَلاقي (¬2)، كما سنذكُرُهُ.
فلم يبقَ لكلامِ هذَينِ المُجيبَينِ إلَّا الحَمْلُ على حُصولِ المصافحةِ عقِبَ السَّلامِ من الصَّلاةِ قَبلَ القِيامِ، والأخذِ في عملٍ آخرَ، وليسَ ذلك مسلما، فقد قال الإمام النوويُّ: لا بأسَ بهما (¬3)، كما سنذكره.
بل هي سُنَّةٌ أو مُستحبَّة عند كلِّ لُقيٍّ، كما سَنذكُرُهُ عن النوويِّ وحَالةُ السَّلامِ من الصَّلاةِ حالةُ لُقيٍّ بحسبهِ؛ لأنَّ المُصلِّي لمَّا أحرَمَ صَارَ غَائباً عن النَّاسِ مُقبلاً على
¬
(¬1) هو الشيخ محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الحزامي، كان محررا للمذهب ومنقحه، ذا التصانيف المشهورة المفيدة المباركة، ولد في العشر الأول من المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمئة (بنوى)، قرية من الشام من أعمال دمشق ونشأ بها وقرأ القرآن، ثم قدم دمشق وقرأ التنبيه في أربعة أشهر، وحفظ ربع المهذب في بقية السنة، ومكث قريبا من السنتين لايضع جنبه على الأرض، وكان يقرأ في يوم وليلة اثنى عشر درسا على المشايخ في عدة من العلوم، وتفقه على جماعة: منهم الكمال الأربلي، وأبو المعاني إسحاق المغربي. فيجد في طلب العلم حتى فاق على أقرانه وأهل زمانه، وكان على جانب كثير من العمل والصبر على خشونة، وكان لا يدخل الحمام وكان لا يأكل من فواكه دمشق لما في ضمانها من الحيلة والشبهة، وكان يتقوت بما يأتي من بلده من عند أبويه، وكان لا يأكل إلا أكلة واحدة بعد العشاء، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، ولم يتزوج، وكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر يواجه الملوك، وحج مرتين، وولي دار الحديث الأشرفية، ولم يأخذ من معلومها شيئا، وكان ذا وقار في البحث مع العلماء، وكان صغير العمامة عظيم الشأن، ولم يزل على ذلك إلى أن سافر إلى بلده، فمرض عند أبويه وتوفي رحمه الله ليلة الأربعاء رابع عشر من شهر رجب المرجب سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن ببلده، وقبره يزار هناك، طبقات الفقهاء لشيرازي ص 268.
(¬2) قال النووي: المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، قال بعد ذكر الروايات الواردة في المصافحة: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن. وهكذا ذكر استثناءهما العيني، وحكى القاري عن النووي: وينبغي أن يحترز عن مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظر إليه حرام، وقال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل مسه أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي حال البيع والشراء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، الكوكب الدري على جامع الترمذي 6: 310، الأذكار للنووي ص 384.
(¬3) الأذكار للنووي ص 385.
الله تعالى بعبادتهِ، فلمَّا أدَّى حقَّه قيل لهُ: ارجعْ إلى مَصالحكَ ومَآربِكَ وسلَّم على إخْوانِكَ؛ لعجزِكَ واحتِياجِكَ وقدُومكَ من غَيبتِك، ولذلك ينوي القَومَ بسلامِه، كما ينوِي الحفَظَةَ.
وإذا سلَّمَ يُندَبُ له المُصافَحةُ، أو تُسَنَّ كالسَّلامِ، فلا مَانعَ من المصافحةِ لسُنِّيَّتِها في كلِّ حال كما أجابَ به شيخ مشايخنا، شيخُ الإسلامِ شمسُ الدِّين محمد (¬1) بن سراج الدِّين الحَانُوتيُّ (¬2) الحنفي _رحمه الله تعالى_، وقد رُفِعَ إليه سؤالٌ فأجابَ بأنَّ المصافحةَ سُنَّةٌ في كلِّ حالٍ، فسَطَّرتُه لينظُرَ إليه أهلُ الكمالِ، ويقتدِيَ به السَّادةُ الحُنفاءُ، ويكون رداً على المانعِ بلا خفاءٍ.
ومُلخَّصُ السؤالِ: ما قولكم فِيمن يُصافِحُ بعدَ الصَّلواتِ الخمسِ والجمعةِ والعيدينِ؟ ويقول: أنها سُنة، ويَبغضُ من لا يُصافِحُ معه، وهو ممن يُقتدَى به كالقُضاةِ والمدرسينَ والخُطباءِ والأئمةِ والمشايخِ، والحالُ أنها ما فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا الصحابة، ولا التابعين، ولا أحد من العُلماءِ المُعتمدِ عليهم، والفاعلونَ بها مصرُّونَ على فعلها، فيكونُ فِعلهُم سبباً لاعتقادِ العوامِّ أنها سُنَّةٌ، وإذا سُئِلَ عن
¬
(¬1) كلمة (محمد) ثابتة من: ب د.
(¬2) هو محمد بن عمر الملقب بشمس الدين بن سراج الدين الحانوتي المصري الفقيه الحنفي، كان رأس عصره في المذهب في القاهرة، له «الفتاوى» المشهورة في مجلد كبير يعتمدها الفقهاء في زماننا ولوالده أخرى نافعة سائرة، تفقه على والده وعلى قاضي القضاة نور الدين الطرابلسي والشهاب أحمد الشلبي صاحب «الفتاوى»، وأخذ عن الشهاب الرملي والشمس محمد الدلجي شارح «الشفا»، والشمس محمد الشامي صاحب السيرة وغيره. وأخذ عنه جماعة منهم خير الدين الرملي، ولادته ليلة الجمعة تاسع عشر صفر سنة 938 ووفاته سنة 1010، طرب الأماثل بتراجم الأفاضل ص 564. خلاصة الأثر للمحبي 4: 76.
فعلهِ يجيبُ بأنَّها ِبدعةٌ حَسنةٌ (¬1)، فإذا طُلبَ منهم الدليلُ على ذلك يُقيسونها بالمُصافحةِ المسنونةِ.
وبَعضهم يَستدلُّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجتَمِعُ أُمَّتي على الضَّلالةِ» (¬2)، وهذا حديث واردٌ في حقِّنا، ونَحن أُمَّتهُ أجْمَعْنا على فِعلِها، فَمِن الذي يرُّدُ فاعِلها؟
وبعضهم يَستدلُّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا رآه المُسلِمونَ حسناً فهُو عِند الله حَسَنٌ» (¬3)، وهذا حديث وَارِدٌ فِينا، فنَحنُ مُسْلمونَ رَأينا حَسنا في الإسلامِ، وإظهارَ محبَّةِ ومَودَّةٍ
¬
(¬1) وقولهم إنه بدعة: أي: مباحة حسنة كما أفاده النووي في أذكاره وغيره. تنوير الأبصار 9: 628. الأذكار ص 385. عن حرملة بن يحيى قال: سمعت الإمام الشافعي - رضي الله عنه - يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة مذموم. فتح الباري 17: 10. والحاصل: أن البدع الحسنة متفق على ندبها، وهي: ما وافق شيئا من أصل الشرع، ولم يلزم من فعله محذور شرعي، والبدع السيئة: ما خالف شيئا من ذلك صريحا أو التزاما. رفع اللوم ص 41.
(¬2) رواه ابن ماجه (3950)، 2: 1303. وأخرجه الترمذي (2166)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لا يجمع أمتي – أو قال: أمة محمد-على ضلالة، ويد الله على الجماعة». هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان. الكوكب الدري على جامع الترمذي 5: 362 - 363. قال الملا علي القاري الحنفي: «الحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء، ولا عبرة بإجماع العوام؛ لأنه لا يكون عن علم». مرقاة المفاتيح 2: 61.
(¬3) في موطأ محمد 3: 80، وقال الشيخ شعيب: إسناده حسن لغيره، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (3600) من قول ابن مسعود رضي الله عنه، والأصح أنه موقوف على ابن مسعود، فهو أثر وليس حديثا. كان عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه من أجل الصحابة علما، وأرفعهم قدرا، وقد ملأ الله قلبه بنور العلم والإيمان، فكانت له آراء واجتهادات وأقوال تعد من الحكم البينات التي ألقاها الله سبحانه على قلبه ولسانه كما في هذا الأثر. أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي وأحمد بن منيع، قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: «ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء، وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه» هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهد أصح منه إلا أن فيه إرسالا. المستدرك على الصحيحين 3: 83.
خُصوصا في يومِ الجُمعةِ، وهو عِيدُ المُسلمينَ، فإذا سَمِعَ العوامُ أقوالهم بهذه الدَلائلِ يقتدونَ بهم (¬1).
أمَا كان يَنْبغي إفشاءُ السَّلامِ كما ورَدَ؟ وقد تُرِكَ بإرادةِ الرُّكوعِ وإرخاءِ الرأسِ، وبصَباحِ الخَيرِ، ومساءِ الخيرِ، ومَرْحباً، ولم نَر أحداً قاتلهم بسيفِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ، فهل لهم منَ الله أو من رَسولِه نَصٌّ بسكوتِهم وإقامتهم وإجماعِهم على هذه البدعةِ؟
يَأتوا (¬2) لنا بالنَقْلِ الصَريحِ حتَّى نَعلمَ ما هو سنَّةٌ، وما هو مُستحبٌ، وما هو بِدعةٌ، فنَعْلمَ (¬3) المُخطئَ منَ المُصيبِ، ولا تَكْتمُوا الحقَّ وأنتهم تَعلمُونَ.
فأجابَ [بحمدِ لله تعالى] (¬4) رحمه اللهُ بقولهِ:
نَصَّتِ العُلَماءُ - رضي الله عنهم - على أنَّ المُصافَحَةَ للمُسْلم لا للكُفَّار مَسْنُونَةٌ من غَيْرِ أنْ يُقَيِّدُوها بوقْتٍ دون وَقْتٍ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَافحَ أَخَاهُ المُسلمَ وحَرَّك يدَه تنَاثَرَت ذُنوبهُما كما يَتنَاثَرُ الوَرقُ اليَابسُ مِنْ الشَجْرةِ، ونَزلتْ عليهما مئةُ رَحْمةٍ، تسعةٌ وتسعونَ لأَسْبقهما، وواحدةٌ لصاحبهِ» (¬5).
¬
(¬1) لفظة (بهم) ساقطة من: ب.
(¬2) وفي ب د: بينوا.
(¬3) وفي د: فيعلم.
(¬4) ما بين المعقوفين ساقطة من: ب د.
(¬5) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» فيه مصعب ابن ثابت، وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور 8: 37.
وقالَ أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسلمينَ يَلتقيانِ فيتَصافَحانِ إلا غُفِرَ لهما قبل أن يَفْترقا» (¬1).
فالحديث الأوَّل: يَقتَضي مَشْروعيَّةَ المصافحةِ مُطْلقاً (¬2)، أعمَّ مِنْ أَنْ تكونَ عَقِبَ الصَّلواتِ الخَمسِ والجُمعةِ والعيدينِ أو غَيْر ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخصُّهَا بِوقتٍ دونَ الوَقتٍ، فإذا فُعلَتْ في أيِّ وقتٍ كانَ، كانتْ مِنْ مُقتضياتِ هذه الأدلةِ، ودَاخلةً تَحْتَ عُموماتِها، ولا يُشْترطُ فِعلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - المُصافحةِ، ولا أَمْرهُ - صلى الله عليه وسلم - بالمصافحةِ؛ لأَنَّ منَ المُقتضياتِ مَا أَفَادهُ الدَليلُ، وإلَّا لمَا كانَ يُمكنُ العَملُ بعموماتِ الأدلَّةِ، مع أَنَّ الدَليلَ العَامَّ عند الحنفيَّةِ حَيثُ لم يَقعْ فيه تَخصيصٌ هو مِنْ الأدلَّةِ المُوجبةِ لحكمهِ قطعاً، كالدَليل الخَاصِّ، حتَّى قالوا: أّنَّ الدَليلَ العامِّ يُعارضُ الخَاصَّ لقوَّتهِ، والدليلُ هُنا عامٌّ؛ لأنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَافحَ أخاه ... » إلى آخر الحديث عامٌّ؛ لأنَّ صيغةُ «مَن» مِن صِيَغِ العُمومِ، وكذا صِيغة «مَا»، ويَكْفيِ هذا دَليلاً على سُنِّيَّةِ المُصافحةِ (¬3).
¬
(¬1) سنن الترمذي (2731) في باب ما جاء في المصافحة، وهذا حديث حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، الكوكب الدري 6: 311. وقال الإمام الشعراني قدس سره: ومن حق الأخ على الأخ: أن يصافحه كلما لقيه بنية التبرك وامتثال الأمر. الأنوار في آداب الصحبة عند الأخيار ص 45.
(¬2) إطلق المصنف تبعا لدرر والكنز والوقاية والنقاية والمجمع والملتقى وغيرها يفيد جوازها مطلقا. تنوير الأبصار 9: 628.
(¬3) مذهب أصحابنا في العموم إذا ورد عاريا من التخصيص في الأخبار والأوامر: يجب حمله على جميع ما يصلح له اللفظ، وهو قول جمهور الفقهاء. مسائل الخلاف لصيمري الحنفي ص 103. وقال الملا جيون: فعندنا: العام قطعي، فيكون مساويا للخاص. نور الأنوار 1: 309. وأما العام: اعلم أن حكم العام عند عامة الأشاعرة بالتوقف حتى يقوم الدليل عموم وخصوص، وعند جمهور العلماء إثبات الحكم فيما يتناوله من الأفراد قطعا ويقينا عند مشايخ العراق وعامة المتأخرين وظنا عند جمهور الفقهاء والمتكلمين وهو مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - والمختار عند مشايخ سمرقند حتى يفيد وجوب العمل دون الاعتقاد ويصح تخصيص العام من الكتاب بخبر الواحد والقياس هذا مستمسكات كل فريق في المطولات. عمدة الحواشي شرح أصول الشاشي ص 18. ومن، وما، يحتملان العموم والخصوص، وأصلهما العموم، يعني: أنهما في أصل الوضع للعموم، ويستعملان في الخصوص بعارض القرائن، سواء استعملا في الاستفهام، أو الشرط، أو الخبر. نور الأنوار 1: 329.
قلتُ: وكذا نَقَلَ شيخُ مشايخنا الشيخُ العَلَّامةُ عليٌّ المَقْدسيُّ (¬1) _رحمه اللهُ تعالى_ في أربعينَ حديثاً للحافظ محمد بن محمد بن محمد (¬2) البُخاريِّ الشَّرعِّي (¬3) حديثاً صيغتُه مِنْ صِيَغِ العُمومِ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَافحَ مُسلماً وقال عند مصافحتِه: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آلِ محمدٍ، لم يَبْقَ مِنْ ذنوبهما (¬4) شيءٌ» (¬5)، انتهى.
ثمَّ قال الشيخُ الحَانُوتيُّ _رحمه الله تعالى_: ولا حَاجةَ إلى الاستِدلالِ بالحديثَينِ المذْكورينِ في السُؤالِ؛ لأنَّهما إَّنما المُراد بهما المُجْتهدونَ؛ لأنَّ الأصُوليِّينَ استدَلُّوا بهما على حُجِّيَّةِ الإجماعِ، وأهْلُ الإجماعِ من كان مجتهداً لا عامَّة الناسِ (¬6).
¬
(¬1) هو علي بن محمد بن خليل بن محمد بن إبراهيم بن موسى المعروف بابن غانم المقدسي الحنفي نزيل القاهرة الملقب نور الدين الحنفي، رأس الحنفية في عصره. قال عنه المحبي في رسالته: العالم الكبير الحجة الرحلة، القدوة رأس الحنفية في عصره، وإمام الدهر على الإطلاق، وأحد أفراد العلم المجمع على جلالته وبراعته وتفوقه في كل فن من الفنون، وبالجملة والتفصيل فهو أعلم علماء هذا التاريخ ... وكان يلقب في زمانه بشيخ الإسلام، وشيخ الحنفية، وعلامة عصره، وشيخ المذهب، وشيخ الفقهاء في وقته، ومفتي الديار المصرية. ولد سنة 920هـ وتوفي سنة 1004هـ. لآلي المحار 1: 485 - 486. خلاصة الأثر 3: 180.
(¬2) وفي ب: محمود.
(¬3) لم أعثر على ترجمة له.
(¬4) وفي د: ذنوبه.
(¬5) لم أقف على من خرجه أو ذكره.
(¬6) وأجمعوا: على أنه لا بأس بالمصافحة وأنها سبب لتناثر الذنوب. الفتاوى البزازية 3: 197.
وأمَّا التَّحيَّة بـ «مَرْحَباً» (¬1): فإنَّها سُنَّةٌ؛ لأنَّهم جعَلوا من السُّنَّةِ أَنْ يقولَ عند لقاءِ الإخوانِ: كيفَ أَصْبحتمْ؟ ومَرْحباً، أو أَهلاً وسَهلاً (¬2)، فيقول صاحبُه: في خَيرٍ وعَافيةٍ، أَحْمدُ الله تعالى (¬3).
وأَمَّا «صَباح الخَيْرِ»: فهُو في مَعنى هذه الألفَاظِ.
قلتُ: لعلَّ المُرادَ حُصولُ ذلك بعدَ الابتداءِ بالسَّلامِ؛ كما سنذكُرهُ، انتهى.
ثُمَّ قال الشيخُ الحُانوتيُّ _رحمه الله تعالى_: وأَمَّا التَّحيَّةُ بالرُكوعِ، واستِرخاءِ الرَّأسِ، فمَكْروهٌ لكلِّ أحدٍ مُطلقاً، ومِثْلهُ السَّلامُ باليدِ كما نصَّتْ عليه العُلماءُ الحَنفيةِ؛ لما رُويَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - عنه قال: رَجُلُ يا رسول الله، الرَّجلُ منَّا يَلْقىَ أخاه
¬
(¬1) مرحبا مرحبا: لفظان ملازمان للنصب على المصدرية يقولهما الشخص للقادم عليه، مشتقان من الترحيب، وهو قول: مرحبا، أي أتيت سعة وأهلا للإكرام، الفيوضات الإحسانية ص 116.
(¬2) عن عائشة رضي الله عنها في مجيء فاطمة رضي الله عنها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه، وقوله لها: «مرحبا بابنتي»، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. عن ابن أبي جحيفة عن أبيه: أن نفرا من بني عامر أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم: «مرحبا»، حديث صحيح. عن ابن بريدة عن أبيه: أن عليا رضي الله عنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: «مرحبا وأهلا»، إسناده حسن. عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لفاطمة: «مرحبا». عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال للأنصار: «مرحبا»، إسناده صحيح على شرط الشيخين. قال أبو جعفر: فسأل سائل عن معنى هاتين الكلمتين –يريد: «مرحبا وأهلا» - ما هو؟ فكان جوابنا له في ذلك: أن الرحب من الأماكن هو الواسع منها، ومنه قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَت} [التوبة: 118]. وأما الأهل: فالمراد به إذا نزلت منزلة الرجل في أهله الذي يكون في نزوله عندهم راحته، شرح مشكل الآثار15: 198 - 200.
(¬3) شرعة الإسلام ص 226.
أو صديقَه أينحَنِي له؟ قال: «لا»، قال: أيلثمُه ويُقبِّلهُ؟ قال «لا»، قال: فيأخذُ بيدِه ويصافحُه؟ قال: (نَعم)، وهو حَديثٌ حَسَنٌ (¬1).
وقال: أنَّه لم يأتِ له مُعَارضٌ، فلا مَصيرَ إلى مُخالفتِه، ولا يغْتَرُّ بكثرةِ مَن يَفعلُه مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى صلاحِ أو علمٍ أو نحوهما مِن خِصالِ الفَضْل؛ فإنَّ الاقتِداءَ إنَّما يَكونُ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7].
وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور 63].
فيجبُ على مَن رأى شيئاً مِن هذا أن يأمُرَ بالمَعروفِ؛ لأنَّ الأمْرَ بالمَعروفِ مِنْ أعْظَمِ أُمورِ الدِّينِ؛ لقوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران 110]، قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا ورَدَ مِن الأحَاديثِ وكَلامِ السَلفِ بِما لا يسَعُه هذا المقامُ.
وبالجُمْلةِ فالأمرُ بالمعروفِ وَاجبٌ، إلَّا أنْ يَكونَ هناكَ ما يُرخِّصُ في عَدَمِ عِقَابِ الوُجوبِ، كما لو عَلِمَ أنَّه لو نهى عَنْ المُنْكرِ لم يُلْتفتْ إليهِ، ولم يُتْرك المُنْكر، ونُظِرَ إليهِ بعينِ الاستِهزاءِ، أو علِمَ أنَّه يَحصُلُ له إيذاءٌ على ذلكَ (¬2).
¬
(¬1) أخرجه الترمذي في جامعه 6: 308 كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في المصافحة، حديث (2727)، وهذا حديث حسن.
(¬2) عن أبي سعيد –رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكرا، فليغير بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، وهذا الحديث نص في كون الوجوب على هذا الترتيب، على كل شخص مكلف قادر. وقال بعض العلماء: التغيير باليد: على الأمراء والحكام، وباللسان: على العلماء، وبالقلب: على العوام، وهو المروي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، الدرر المباحة ص490: 491. جاء في «دليل الفالحين»: وقد كان سيدي إبراهيم المتولي يقول: تغير المنكر باليد للولاة ومن قاربهم، وبالقول للعلماء العاملين، وتغييره بالقلب لأرباب القلوب. 1: 397.
وجعلَ بعضهم مِن ذلك خَوفَ الاستِيحاشِ، إلى غيرِ ذلك ممَّا ورَدَ، انتهى كلام الشَّيخ الحَانوتي رحمه الله تعالى.
وقالَ في شَرح «مُختصرِ الوِقايةِ» (¬1) للقُهُسْتَانيِّ (¬2) _رحمه الله تعالى_: المصافحة لم تُكْرَهُ، بَلْ هي سُنَّةٌ قَدِيمةٌ مُتواتِرةٌ، قالَ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَافحَ أخَاهُ المُسلمَ وحَرَّكَ يدَهُ تَنَاثَرتْ ذُنوبهُ» (¬3)، هي إلصاق صَفْحةِ الكَفِّ بالكفِّ (¬4)، وإقبَالُ الوَجْهِ بالوجهِ (¬5)، كما
¬
(¬1) ينظر: جامع الرموز للكهستاني ص 535.
(¬2) هو شمس الدين محمد بن حسام الدين الخرساني القهستاني شمس الدين الحنفي، نزيل بخارى، توفي رحمه الله تعالى سنة 962هـ. قال ابن العماد في شذؤات الذهب: شمس الدين محمد القهستاني الحنفي المفتي ببخارى، وهو من شركاء المولى عصام الدين. وكان إماما، عالما، زاهدا، فقيها، متبحرا، جامعا، يقال: إنه ما نسي قطّ ما طرق به سمعه، وله شرح لطيف على «الوقاية»، والكتاب غير معتمد لعدم معرفة صاحبه، وقد صرح بذلك غير واحد منهم: ابن عابدين في مقدمة حاشيته نقلا عن شرح الأشباه للمحقق هبة الله البعلي. واللكنوي في النافع حيث قال: ومنها عدم الاطلاع على حال مؤلفه هل كان فقيها معتمدا أم كان جامعا بين الغث والسمين، وإن عرف اسمه واشتهر رسمه كجامع الرموز للقهستاني. ونقل كلام العصام علي القاري في رسالته شم العوارض في ذم الروافض. قلت: في عدم اعتماد المؤلف وكتابه نظر، حيث نقل عنه أجلة الفقهاء من أهل المذهب آلاف المسائل في كتبهم، ووجود مسائل ضعيفة لا تعني رد الكتاب جملة وتفصيلا. فلا بد من تحرير لمكانة الإمام القهستاني، فكل ما نقلناه عنه إنما هو متابعة أحدهم للآخر دون مؤيدات أو حجج لكلامهم، فليحرر. لآلي المحار 2: 959 - 962. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 291.
(¬3) قال الدهلوي: السر في المصافحة، وقوله: مرحبا لفلان، ومعانقة القادم، ونحوها: أنها زيادة في المودة، والتبشبش، ورفع الوحشة والتدابر. وذلك لأن التبشبش فيما بين المسلمين، وتوادهم، وتلاطفهم، وإشاعة ذكر الله فيما بينهم: يرضى بها رب العالمين. حجة الله البالغة 2: 590.
(¬4) لفظ بالكف ثابتة من ب.
(¬5) لفظ بالوجه ثابتة من ب.
قالَ ابنُ الأثيرِ، فأخذُ الأصَابعِ ليسَ بمصافحةٍ، خِلافاً للرَّوافضِ، كما في «الصلاةِ المسعوديَّةِ» (¬1).
والسُّنَّةُ فيها: أنْ تكونَ بكِلتا يَديهِ (¬2)، كما في «الُمنيةِ»، وبِغيرِ حَائلٍ مِنْ ثوبٍ له وغَيرِه (¬3) كما في «الخِزانةِ»، وعِندَ اللقاءِ بعدَ السَّلامِ كما في «الشرعة» (¬4) وأنْ يأخذَ الإبهامَ، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صَافحتُم فخُذوا الإبهام، فإنَّ فيه عِرقاً يَتشَعَّبُ منه المَحَبَّةُ» (¬5)، انتهى.
وفي «البَدائع» (¬6): لا خِلافَ في أنَّ المُصافحةَ حلالٌ؛ [لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَافَحُوا تحابُّوا»] (¬7) (¬8).
¬
(¬1) لم أعثر على هذا الكتاب.
(¬2) عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تمام التحية الأخذ باليد» (2729)، قوله: (الأخذ باليد) اللام فيه للجنس، فلا الوحدة، والحق فيه مصافحة - صلى الله عليه وسلم - ثابتة باليد وباليدين، وهذا حديث غريب. الكوكب الدري على جامع الترمذي 6: 310.
(¬3) وتجوز المصافحة، والسنة فيها: أن يضع يديه على يديه من غير حائل من ثوب أو غيره، نقلا عن خزانة المفتين، الفتاوى الهندية 5: 426. ولا يصافح من وراء الثياب، فإنه من الجفاء. شرعة الإسلام ص 225.
(¬4) ويصافح بعد السلام من لقي من الإخوان، فإنها من تمام التحية، وتزيد في المحبة. شرعة الإسلام ص 225.
(¬5) حاشية ابن عابدين 9: 629.
(¬6) بدائع الصنائع 4: 298.
(¬7) ما بين المعقوفين ساقطة من: د.
(¬8) أخرجه الإمام مالك (694) عن عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصافحوا يذهب الغل. وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء»، وأخرجه أحمد في المسند 3: 198.
ورُويَ عَنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قالَ: «المُؤمنُ إذا لقيَ أخاهُ فصافحَهُ تنَاثرتْ ذنُوبَهُ» (¬1)، ولأنَّ النَّاس يتصافحوا في سَائرِ الأَعصَارِ (¬2) في العُهودِ والمَواثيقِ، فكانَتْ سُّنَّةً مُتوارثةً (¬3). انتهى عِبارةُ «البدائع» (¬4).
وفي «الجَامعِ الصَّغيرِ» للسُّيوطيِّ (¬5) في حَرْفِ العَينِ: قال - صلى الله عليه وسلم -: «وتمَامِ محبَّتِكم فيما بينكم المُصافحةُ»، وفيه: تَصافَحُوا يذهَبِ الغِلُّ عَنْ قلُوبِكم. وفيه: «تَهادَوا تحابوا، وتصافحوا يذهَبِ الغِلُّ عنكم» (¬6)، وسنذكر مثله عن العيني.
أوَّلُ مَنْ صَافحَ في الإسلامِ الأشْعَريونَ، فيهم أبو مُوسى الأشْعريُّ - رضي الله عنه -، لما دَنَوا مِنْ المدِينَة المُنورةِ جَعَلُوا يَرْتجِزُونَ يقُولُونَ:
غداً نلقى الأحبّة ... محمداً وحِزْبَه (¬7)
¬
(¬1) أخرجه بمعناه: أبو داود في «سنن» كتاب الأدب، باب المصافحة (5211)، قال المنذري في «مختصر السنن» في إسناده اضطراب 8: 79.
(¬2) وفي ب: الأعضا.
(¬3) ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصافح الرجال في المبايعة دون النساء، ففي إباحة المصافحة آثارٌ كثيرة، وهي سنَّة متوارثة. شرح الجامع الصغير لقاضي خان 3: 1303.
(¬4) بدائع الصنائع 4: 298.
(¬5) هو عبد الرحمن بن أبي بكر ابن محمد السيوطي الطولوني الشافعي، أبو الفضل، جلال الدين، من مؤلفاته: «الإعلام بحكم عيسى عليه السلام»، «الإكليل في استنباط التنزيل»، و «أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب»، ت 911هـ. الضوء اللامع 3: 65.
(¬6) تقدم تخريجه.
(¬7) وفي أ: حرزبه.
«فلمَّا تقدَّمُوا صافَحُوا مَن لقُوا، فهو أوَّلُ المُصافحةِ في الإسلامِ»، كذا في «الأوائلِ» (¬1) للسُّيوطيِّ _رحمه الله تعالى_.
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ: رُوي أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - قالَ لرجلٍ خرجَ مِنْ الحَمَّامِ: طَهرْتَ فلا نَجِسْتَ (¬2) (¬3).
قلتُ: هذا المَحلُّ لم يَصحَّ فيه شيءٌ، ولو قالَ إنسانٌ لصَاحبه على سبيلِ المَودَّةِ واستِجلابِ الوُدِّ: أدامَ الله لكَ النَعِيمَ، ونحوَ ذلك من الدُّعاءِ، فلا بأسَ به (¬4).
وإذا ابتدأ المارُّ المَمْرُورَ عليه فقَالَ: صبَّحَكَ الله بالخَيرِ أو بالسَّعادةِ، أو قَوَّاكَ اللهُ، أو لا أَوْحَشَ الله مِنكَ، أو غيرَ ذلك مِن الألفَاظِ التي يَستعمِلُها النَّاسُ في العَادةِ، لم يستحِقَّ جواباً، لكنْ لو دَعا له قبالةً ذلك، كان حسناً، إلَّا أنْ يَتْرُك جَوابَه بالكُلِّيَّةِ؛ زَجْراً له في اهمالِه السَّلامَ، وتأديباً له ولغَيرِه في الاعتِناءِ بالابتداءِ بالسَّلامِ، انتهى كلام النَّوويِّ _رحمه الله تعالى (¬5) _.
¬
(¬1) لم أعثر على هذا الكتاب.
(¬2) وفي ب: انجست.
(¬3) مما جاء في كتاب: «كشف الخفاء» 2: 43، رواه الديلمي بلا سند عن ابن عمر مرفوعا، لكن قال أبو سعيد المتولي: التحية عند الخروج من الحمام بأن يقول له طاب حمامك لا أصل له، نعم روي أن علي رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام طرهت فلا نجست، وقال النووي في الأذكار: هذا المحل لم يصح فيه شيء.
(¬4) جرت سنة السلف في كل طائفة بتحية حسبما أدى إليه رأيهم، ثم صارت شعارا لملتهم، وأمارة لكون الرجل منهم، فكان المشركون يقولون: أنعم الله بك عينا، وأنعم الله بك صباحا، وكان قانون الشرع يقتضي أن يذهب في ذلك إلى ما جرت به سنة الأنبياء عليهم السلام، وتلقوها عن الملائكة، وكان من قبيل الدعاء والذكر، دون الاطمئنان بالحياة الدنيا، كتمني طول الحياة، وزيادة الثروة، ودون الإفراط في التعظيم، حجة الله البالغة 2: 587.
(¬5) الأذكار للنووي ص 380.
قلتُ: فمُرادُ الشيخ الحَانُوتي _رحمه الله تعالى_ بقوله: وأمَّا التَّحِيَّةُ بـ: «مَرْحَباً» فهي سُنَّةٌ ... إلى آخرهِ، لعلَّهُ أرادَ بعدَ الابتداءِ بالسَّلامِ؛ لما ذكَرْنا، ولما سنذكره مِنْ الحَديثِ الذي أخْرَجهُ التِّرمذيُّ _رحمه الله تعالى_، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «السَّلامُ قبلَ الكلامِ» (¬1).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ _رحمه الله تعالى_: اعلَمْ أَنَّ المُصافحةَ مُسْتحبَّةٌ عند كلِّ لقاءٍ، وأمَّا ما اعْتَادَهُ النَّاسُ منَ المُصافحةِ بعدَ صَلاةِ الصُّبْحِ والعَصرِ (¬2)، فَلا أصْلَ لهُ في الشَّرعِ على هذا الوجهِ، ولكنْ لا بأسَ بهِ؛ فإنَّ أصْلَ المُصافحةِ سُّنَّةٌ، وكَوْنهم حَافِظوا عليها في بَعْضِ الأحْوَالِ وفرَّطُوا فيها في كثيرٍ منَ الأحْوَال أو أكْثرِها لا يُخرجُ ذلك البعضَ عن كَوْنِه منَ المُصافحةِ التي ورَدَ الشَّرع ُبأصْلِها (¬3).
¬
(¬1) أخرجه الترمذي (2699) في باب السلام قبل الكلام، هذا الحديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(¬2) قال الإمام الشيخ سيدي عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى عند ذكر (الفتنة)، وهي من الأخلاق المذمومة في كتابه: الحديقة الندية، شرح الطريقة المحمدية بعد أن ذكر أمثلة لها قال (2: 150): ومن هذا القبيل: نهي العوام عن المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر، فإن بعض المتأخرين من الحنفية صرح بالكراهية في ذلك ادعاء بأنه بدعة، مع أنه داخل في عموم سنة المصافحة مطلقا، فلا يبقى إلا مجرد التخصيص بالوقتين المذكورتين فيقتضي ابتداع ذلك.
وصرح النووي في كتابه الأذكار، وغيره من الشافعية: بأنها في هذين الوقتين بدعة مباحة فلا ينبغي للواعظ أو المدرس أن ينهى العوام عما أفتى بجوازه بعض أئمة الإسلام ولو كان في مذهب الغير، خصوصا وأن العوام لا مذهب لهم، والتقليد للمذاهب الأربعة جائز لكل أحد كما بسطناه في رسالتنا: خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق. كما في الدرر المباحة ص 232.
(¬3) الأذكار ص 385.
وقد ذكرَ الشَّيخُ الإمامُ أبو محمَّد بنُ عبدِ السَّلامِ (¬1) _رحمه الله تعالى_ في كِتابِه «القَواعِدِ»: أنَّ البِدَعَ على خَمْسةِ أقْسَامٍ (¬2): وَاجبةٌ ومحرَّمةٌ ومَكْروهةٌ ومُستحبةٌ
¬
(¬1) هو الشيخ عز الدين عبد السلام الدمشقي السلمي الشافعي، كان شيخا للإسلام عالما ورعا زاهدا، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، قرأ الفقه على ابن عساكر، والأصول على الشيخ الآمدي، ووليّ خطابة دمشق فتعرض على سلطان في خطبته لأمر كان، فحصل له تشويش انتقل بسببه إلى مصر فأكرمه ملك مصر وولاه خطابة الجامع العتيق والقضاء بها، واستقر بتدريس الصالحية بالقاهرة، وكان الحافظ زكي الدين مدرسا بالكاملية فامتنع من الفتوى مع وجوده، وكان كل منهما يأتي مجلس الآخر، واستفاد منه ولم يزل مدرسا بالصالحية إلى أن مات في عاشر جمادي الأولى سنة ستين وستمئة. طبقات الفقهاء لشيرازي ص 267.
(¬2) والحق التفصيل، وأنها خمسة أقسام:
القسم الأول: واجب، وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع، كتدوين القرآن والشرائع إذ خيف عليها الضياع، فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا وإهمال ذلك حرام إجماعا، فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في وجوبه.
القسم الثاني: محرم، وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة: كالمكوس، والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة: كتقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريعة لمن لا يصلح لها بطريق التوارث وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس أهلا لها.
القسم الثالث: مندوب إليه، وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته من الشريعة: كالاجتماع على صلاة التراويح، وإقامة هيئة لائقة للقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه الصحابة –رضوان الله عليهم- بسبب أن مقاصد والمصالح الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس.
القسم الرابع: مكروه، وهو ما تناولتها أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها، كتخصيص الأيام الفاضلة، أو غيرها بنوع من العبادات.
القسم الخامس: مباحة، وهو ما تناولتها أدلة الإباحة وقواعدها من الشريعة، كاتخاذ المناخل للدقيق، ففي الآثار: أول شيء أحدثه الناس بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - اتخاذ المناخل؛ لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله مباحة.
من كل هذا عرفنا أن ليس كل ما يطلق عليه بدعة أنه ضلالة؛ لأن قسما من البدع تدخل تحت قواعد شرعية معتد بها فليس فعلها ضلالة، وإطلاق البدعة عليها يراد به البدعة لغة لا شرعا. بل البدعة هي المحرمة أو المكروهة، والأمور التي لا تدخل تحت الأصول والقواعد العامة للشريعة. البدعة في مفهوم الإسلامي الدقيق ص 19 - 20.
ومُباحةٌ، قالَ: ومَن أمْثلةِ البِدَعِ المُباحةِ المُصافحةِ عَقِبَ الصُّبْحِ والعصرِ، انتهى كلام النَّوويُّ _رحمه الله تعالى_ (¬1).
وفي «الإِعلامِ بتقسيمِ البِدعِ والأحْكَامِ» للشيخ أبي الحَسَنِ البَكْريِّ (¬2) _رحمه الله تعالى_ إباحةُ المُصافحةِ عَقِبَ كلِّ صلاةٍ؛ فإنَّه قالَ فيهِ بعدَ نقلِه كلام الشَّيخ ابنِ عبدِ السَّلام:
أقولُ: تقييدُه المُصافحةَ بما بعدَ الصُّبْحِ والعَصرِ يُحمَلُ على عَادةٍ كانتْ في زمنهِ، وحَاصِلُ القضيَّةِ أنَّ المُصافحةِ عقِبَ الصَّلواتِ كلِّهَا كذلك (¬3)، انتهى كلام البَكْري.
وقالَ العَلَّامةُ الشيخُ عليٌّ المقْدِسيُّ _رحمه اللهُ تعالى_ في «شرحِه على الكَنْز» ما نصّه: وفي «الحَاوي الزَاهِدي»: لا تُكرهُ المُصافحةُ في المَسْجدِ على الأصحِّ، انتهى.
فبهذا انْتَفَتْ كَرَاهةُ المصافحةِ مطلقاً، وقدْ عَلِمْتَ أنَّها سُنَّةٌ مطلقاً بكلاِم الشيخ الحَانوتي _رحمه الله تعالى_.
¬
(¬1) الأذكار للنووي ص 385.
(¬2) هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن عوض بن عبد الخالق، أبو الحسن البكري الصديقي: مفسر، متصوف، مصري، من علماء الشافعية. مولده ووفاته بالقاهرة. كان يقيم عاما بمصر وعاما بمكة. ويقال: إنه أول من حج من علماء مصر في محفة، ثم تبعه الناس. شاع ذكره في أقطار الأرض مع صغر سنة. المتوفى سنة 952هـ. كتاب الأعلام للزركلي 7: 57.
(¬3) حاشية ابن عابدين 9: 628.
وانتَفتِ الكَراهةُ أيضاً، بَلْ ثَبَتتْ نَدْبِيَّةُ المُصافحةِ بما قدمناه عن «البدائع» (¬1) من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَافَحُوا تَحَابُوا» (¬2)، انتهى.
وبما قَدَّمناه مِنْ كلامِ الإمامِ النَّوويِّ _رحمه الله تعالى_ في «الأذكارِ» عَلِمْتَ قصُور العِبارةِ التي نَقَلها ابنُ الملكِ (¬3) شَارحُ «المجمَعِ» بقولِه: قالَ النَّوويُّ في «شَرح صحيح مسلمٍ»: مُصافحةِ النَّاسِ بعدَ الفَجْرِ والعَصْرِ ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّه لا أصْلَ لهُ، (¬4) انتهى.
لأنَّه يُوهِمُ المَنْعَ مِنْها، وقَدْ بيَّنَ النَّوويُّ نفيَ الأصْلِ من ذلك القَبيلِ؛ أي: لا أصْلَ لها في الشَّرعِ على هذا القَبيلِ، ثمَّ قالَ: ولكنْ لا بأسَ بها؛ فإنَّ به أصل المُصافحةِ سُنَّةٌ ... إلى آخر كلامهِ الذي قدَّمنَاه.
وقيَّدنَا قولَ الشيخِ الحَانُوتيِّ _رحمه الله تعالى_: التَّحيِّةُ بـ: «مَرْحَباً» سُنَّةٌ ... إلى آخره بحُصُولها بعدَ الابتداءِ بالسلامِ؛ لما قالَ العلَّامةُ ابنُ الكَمالِ باشا (¬5) _رحمه
¬
(¬1) بدائع الصنائع 4: 298.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) هو المولى الفاضل، والعالم الكامل، حاوي الفضائل، وقدوة الأفاضل، عز الدين المولى عبد اللطيف بن عبد العزيز بن زين الدين، الشهير بابن الملك. كان أوحد المشتهرين بالحظ الوافر من أكثر العلوم، وأوحد المبرزين في عويصات الفنون في المعقول والمفهوم، وله القبول التام عند الخاص والعام. وله «شرح المنار» في الأصول أيضا، قال في «الشقائق النعمانية»: ورأيت له رسالة لطيفة في علم التصوف تدل تلك الرسالة على أن له حظا عظيما من معارف الصوفية المتشرعة، المتوفى سنة سبع وتسعين وسبع مئة على مار رواه طاهر من الحجر المنقوش فوق قبره، كتائب أعلام الأخيار 4: 125. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 75.
(¬4) الأذكار للنووي ص 385.
(¬5) هو شمس الدين أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا الرومي الحنفي، الإمام العالم العلامة، أستاذ الفضلاء المشاهير، إسناد العلماء النحارير، إمام الفروع والأصول، علامة المعقول والمنقول، مفتي الثقلين، لسان الفريقين، شيخ الإسلام والمسلمين، الرحالة الفهامة، أوحد أهل عصره، وجمال أهل مصره، من لم يخلف بعده مثله، ولم تر العيون من جمع كماله وفضله. كان جده كمال أمير الأمراء، وأبوه سليمان من رؤوس الجند الإسلامية، وأمه بنت المولى محيي الدين. كان بارعا في التفسير والفقه والحديث والنحو والتصوف والمعاني والبيان والكلام والمنطق والأصول، وتفرد في إتقان كل علم من هذه العلوم، وقلما يوجد فن من الفنون إلا وله مصنف أو مصنفات، وكل مؤلفاته مقبولة مرغوب فيها متنافس في تحصيلها متفاخر بتملك الأكثر منها، توفي 940هـ. كتائب أعلام الأخيار 4: 383. لآلي المحار 1: 164. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 76: 77.
الله تعالى_ في «شرحِ الأربعينَ» (¬1): «السَّلامُ قبلَ الكلامِ» .. الحَديثُ أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه مَرفُوعاً (¬2).
قالَ صَاحبُ «الهِدايةِ» في «التَّجنيسِ» (¬3): إذا أتى إلى بابِ دارِ إنسانٍ يجبُ أن يستأذِنَ، ثمَّ إذا دَخَلَ، سلَّمَ عليه؛ لقوله تعالى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27] أمَرَ بالاستئناس قبلَ السَّلامِ، هذا في البُيوتِ.
وأمَّا في الفَضَاءِ يُسلِّم أولاً، ثمَّ يَتكلمُ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كلَّمَ قبلَ السَّلامِ فلا تُجِيبُوهُ» (¬4).
قال - صلى الله عليه وسلم -: «السَّلامُ قبل الكلامِ» (¬5).
¬
(¬1) الأربعينيات في الحديث النبوي الشريف ص 30.
(¬2) تقدم تخريجه.
(¬3) «التجنيس والمزيد» في الفتاوى، للإمام برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي المتوفى سنة (593هـ). ينظر: «كشف الظنون» 1: 352.
(¬4) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ص 429، ولفظه: «من بدأ بالسؤال قبل السلام ... ». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» 8: 32، فيه هارون بن محمد، أبو طيب وهو كذاب.
(¬5) سبق تخريجه.
رَوى عبدُ الله بنُ سلَّام أنَّه قالَ: أوَّلُ ما سمِعْتَ مِن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيُّها النَّاسُ أطْعِمُوا الطَّعَامَ، وأفْشُوا السَّلامَ (¬1)، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وصلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نِيامٌ، تدخُلُوا الجنَّةَ بسَلامِ» (¬2).
قال لُقْمانُ لابنِه: يا بُنيَّ إذا مَرَرْتَ بقَومٍ، فارمهِم بسَهْمِ الإسلامِ، وهو السَّلامُ (¬3).
قالوا: تحيَّةُ النَّصَارى وَضعُ اليدِ على الفَمِ، وتحيَّةُ اليَهودِ الإشارةُ بالإصْبعِ، وتحيَّةُ المَجوسِ الانحِناءُ، وتحيَّةُ العَربِ: حيَّاكَ اللهُ، ويقولُون للمُلوكِ: أَنْعِمْ صباحاً، وتحيَّةُ المسلمينَ: السَّلامُ عليكُم ورحمة الله وبركاتُه، وهي أشرَفُ التَّحيَّاتِ وأكرَمُها (¬4).
¬
(¬1) قال الدهلوي: بين النبي - صلى الله عليه وسلم - فائدة السلام، وسبب مشروعيته، فإن التحابب في الناس خصلة يرضاها الله تعالى، وإفشاء السلام آلة صالحة لإنشاء المحبة، وكذلك المصافحة، وتقبيل اليد، ونحو ذلك. حجة الله البالغة 2: 588.
(¬2) رواه الترمذي (2485) هذا حديث صحيح.
(¬3) الأربعينيات في الحديث النبوي الشريف ص 31. وقد اختيرا هذا اللفظ دون غيره؛ لأن معناه الدعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس؛ ولأن في تحية المسلمين بعضهم لبعض بهذا اللفظ عهدا بينهم على صيانة دمائهم وأعراضهم وأموالهم. ليس منا ص 46.
(¬4) الأربعينيات في الحديث النبوي الشريف ص 31. ويطلق السلام عند الفقهاء على أمور، منها: التحية التي يحيي بها المسلمون بعضهم بعضا، والتي أمر الله سبحانه وتعالى بها في كتابه حيث قال: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]، وقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، وذلك أن للعرب وغيرهم تحيات خاصة بهم، فلما جاء الإسلام دعا المؤمنين إلى التحية الخاصة، وهي قول: «السلام عليكم»، وقصرهم عليه، وأمرهم بإفشائه. ليس منا ص 45.
عن أبي أمامةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منَّا من تشبَّه بغيرنا، لا تتشبَّهوا باليهودِ والنصارى؛ فإنَّ تسليم اليهودِ الإشارةُ بالأصبعِ، وتسليم النصارى الإشارة بالكفِ» (¬1).
نُقل عن أفلاطون (¬2): إذا دخلتم على الكِرام فعليكم بالسَّلام، وتقليل الكلام، وتعجيل القيام، انتهى كلام ابن كمال باشا _رحمه الله تعالى_ (¬3).
فقد علمتَ جواز المصافحة مطلقاً، بل سنِّيتها مطلقاً، وجواز غيرها من نحو: «صباح الخير» مطلقاً، أو بعد البداءة بالسَّلام؛ لما قدمناه من الحديث، وقد نص على فضل السَّلام الشيخ محيي الدين النووي _رحمه الله تعالى_، فقال: سأل
¬
(¬1) وفي الترمذي: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف»، (2695)، هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة، فلم يرفعه. أي: مكتفيا بها مقتصرا عليها، فأما إذا كان التلفظ بلفظ التسليم أيضا فلا، وبذلك يعلم أن التصرف في شيء بالنقص والزيادة يخرجه عن التشبه، الكوكب الدري على جامع الترمذي 6: 280.
(¬2) أفلاطون بن أرسطن بن أرسطوقليس: من «أثينية»، وهو آخر المتقدمين الأوائل الأساطين، معروف «بالتوحيد» و «الحكمة». ولد في زمن «أردشير بن دارا» في سنة ست عشرة من ملكه، وفي سنة ست وعشرين من ملكه كان حدثا متعلما يتلمذ «لسقراط»، ولما اغتيل «سقراط» بالسم ومات، قام مقامه، وجلس على كرسيه. وقد أخذ العلم من «سقراط» و «طيماوس» والغريبين: «غريب أثينية» و «غريب الناطس»؛ وضم إليه «العلوم الطبيعية» و «الرياضية»، الملل والنحل ص 242:243.
(¬3) الأربعينيات في الحديث النبوي الشريف ص: 31.
رجل النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الإسلام (¬1) خيرٌ؟ قال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السَّلام على من عرفتَ ومن لم تعرِف (¬2)» (¬3).
وفي «الصحيحين»: «لمَّا خلَق الله آدم قال له: اذهب فسلِّم على أولئك، نفر من الملائكة جلوسٌ فاستمع ما يجيبونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيِّة ذريتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزاده: رحمة الله» (¬4).
وفي «الصحيحين»: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع: بعِيادة المريضِ، وإتباعِ الجنائزِ، وتشميت العاطس، وعَوْن الضعيف (¬5)، ونصرِ المظلومِ، وإفشاء السَّلامِ، وإِبرارِ القسَم» (¬6).
وفي «صحيح البخاري»: قال عمَّار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهنَّ فقد جمعَ الإيمان: الإنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالمِ، والإنفاقُ من الإقتارِ (¬7).
¬
(¬1) وفي ب: سلام.
(¬2) عن علقمة، أنه كان مع مسروق وابن مسعود بينهما، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا ابن أم عبد، فضحك ابن مسعود. فقال: مم تضحك؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة، وأن يمر الرجل بالمسجد ثم لا يصلي فيه» (1591) شرح مشكل الآثار 4: 265، وقال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات، رجال الصحيح. ولا يخص بالسلام المعارف، فإن ذلك من أشراط الساعة. شرعة الإسلام ص225.
(¬3) أخرجه البخاري (12) ومسلم (39) (63). الأذكار للنووي 353. يفشي السلام على أهل الإسلام، من عرف منهم ومن لم يعرف، فإنه يزيد في الألفة والمحبة. شرعة الإسلام ص223.
(¬4) صحيح البخاري (3226)، صحيح مسلم (2841) (28).
(¬5) وفي ب: ضيف.
(¬6) صحيح البخاري (1239)، صحيح مسلم (2066).
(¬7) علقه البخاري في «صحيحه» قبل الحديث (28).
وروينا هذا في غير البخاريِّ مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال النووي _رحمه الله تعالى_: قلتُ: قد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدَّنيا، فإنَّ الإنصاف يقتضي أن يؤدِّي إلى الله تعالى جميع حقوقِه، وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه.
وأن يؤدِّي إلى النَّاس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضاً من نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلاً.
وأمَّا بذل السَّلام للعالم، فمعناه لجميع النَّاس يقتضي أن لا يَتكبر على أحدٍ، وأن لا يكون بينه وبين أحدٍ جفاءٌ يمتنع بسببه من السَّلام عليه (¬1)، وأمَّا الإنفاق من الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى، والتَّوكُّل عليه، والشَّفقة على المسلمين، وغير ذلك، نسأل الله الكريم التوفيق لجميعه، إنَّه على كل شيء قدير (¬2).
تنبيه: حيث قدمنا حديث السَّلام ناسبَ أن نذكر كيفية السَّلام وفضله ومعناه.
اعلم أنَّ الأفضل أن يقول المسلم: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، [بضمير الجمع، وإن سلَّم على واحدٍ؛ لأنَّ معه ملائكة كراماً.
¬
(¬1) وأن في ذلك نوعا من الإعجاب بنفسه، فجعل وظيفة الكبار التواضع، ووظيفة الصغار توقير الكبار، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا: فليس منا» رواه أبو داود (4943). حجة الله البالغة 2: 589.
(¬2) الأذكار للنووي ص356.
ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،] (¬1) ويأتي بواو العطف في قوله: وعليكم، ويردُّ على الفورِ، ويرفعُ كلَّ صوته بحيثُ يسمعُ صاحبه (¬2).
روينا في «مسند الدارمي» و «سنن أبي داود» و «الترمذي» عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: السَّلام عليكم، فردَّ عليه، ثمَّ جلس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عشر»، ثم جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله، فردَّ عليه وجلسَ، فقال: «عِشرون»، ثم جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردَّ عليه فجلس، فقال: «ثلاثون». قال الترمذي: حديث حسن (¬3).
وفي رواية لأبي داود زيادة على هذا: قال: ثم أتى آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربعون»، وقال: «هكذا تكون الفضائل» (¬4).
وفي «الجامع الصغير» (¬5) قال - صلى الله عليه وسلم -: «من الصدقة أن تسلِّم [على الناس] (¬6) وأنت طَلقُ الوجهِ».
¬
(¬1) ما بين المعقوفين ساقطة من أ.
(¬2) ويسمع السلام على أهل المجلس، وكذا يسمع جواب السلام. شرعة الإسلام ص 223.
(¬3) رواه الترمذي (2689) هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث عمران بن حصين. وقوله: (فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عشر) فإن الحسنة بعشر أمثالها. الكوكب الدري على جامع الترمذي 6: 273.
(¬4) سنن أبي داود (5196).
(¬5) الجامع الصغير للسيوطي (12067).
(¬6) ما بين المعقوفين ساقطة من د.
وأمَّا معناه فقد اختلف فيه: فقال بعضهم: هو اسمٌ من أسماءِ الله تعالى (¬1)، وهو نصُّ الإمام أحمد في رواية أبي داود، ومعناه: اسمُ الله عليك؛ أي: أنت في حفظه، كما يقال: الله يصحَبُك، الله معك.
وقال بعضهم: السَّلام (¬2) بمعنى السَّلامة؛ أي: السَّلامةُ ملازمةٌ لك (¬3)، كذا في «الآداب».
وقال السيد علي السمهودي (¬4) في كتابه المسمى «طيب الكلام في فوائد السَّلام»:
¬
(¬1) حقيقة السلامة: استواء الأمر، والتوسط فيما بين طرفي ظهور الرحمة والمحنة، فهو إلى أمر الله اسم تنزيه، وبالنظر إلى أمر الخلق اسم أثرة وتوسط حال بين منعَم عليه ومنتَقَم منه. قال: ومنه شرع السلام بين المتلاقيين إشعارا بالأمنة من العدوى، والنزول عن رؤية الأعلى، وحال الرحب، لذلك فرض بين المؤمنين، فأدنى حظ المؤمن من المؤمن السلامة، والأحق المناجزة، فتأمله فإنه عجيب. المقصد الأسماء في شرح أسماء الله الحسنى لزروق ص 36.
(¬2) السلام: اسم مصدر «سلَّم»؛ أي: ألقى السلام، ومن معاني السلام السلامة والأمن والتحية، ولذلك قيل للجنة: «دار السلام» لأنها دار السلامة من الآفات كالهرم والأسقام والموت، قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 127]. و «السلام» اسم من أسماء الله تعالى. ليس منا ص 45.
(¬3) لما كان السلام من السلامة كان العارف بهذا الاسم طالبا للسلامة، ومتلبسا بالاستسلام، جمع كمال التنزيه في كل الأحوال، ولذلك كان من أذكار أصحاب البدايات وأهل البلايا. والتقرب به: بالالتجاء له تعالى في كل شيء، والاستسلام له مع كل شيء. والتخلق به: أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، لأن السلام من الإسلام، ومعنى ذلك: الشفقة على عباد الله، ففهم. المقصد الأسماء في شرح أسماء الله الحسنى لزروق ص 37. التحبير في التذكير 38.
(¬4) علي بن عبد الرحمن بن السيد علي المدني الشافعي الشهير بالسمهودي مفتي السادة الشافعية بالمدينة النبوية الشيخ الفاضل الواحد الكامل البارع المفنن الأديب ولد بالمدينة المنورة سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ونشأ بها وقرأ على شيخنا الشيخ محمد بن سليمان الكردي والشيخ أحمد الغلام وتفقه بهما وغزر فضله وظهر نبله وكان فاضلاً أديباً ذا جاه ووجاهة متقناً لأحوال الرياسة لا يدانيه أحد في معرفتها سهل الحجاب لا يقصده أحد إلا ويجد منه غاية الاكرام حتى في اليوم الذي توفي فيه وتولى افتاء الشافعية مرتين وكان أحد الخطباء الأئمة بالمسجد النبوي وتوفي بالمدينة المنورة في سادس محرم سنة ست وتسعين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى. سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر 3: 217.
والمُعتمد أنَّه دعاءٌ بالسَّلامةِ مخلوطٌ فيه التَّأمينُ، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، وكل اسمٌ من أسمائهِ تعالى يُبلِّغُك رُتبةً من المراتب بدعائك به، وحقيقته لغةً: السَّلامةُ والأمانُ، انتهى.
وقال في «البدائع» (¬1): التَّسليمُ اسم (¬2) لكلِّ برٍّ وخيرٍ، انتهى.
تنبيهٌ: محلُّ كراهة الإشارة باليدِ إذا اقتصرَ عليها؛ لما روي عن أسماء بنت يزيد: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ في المسجد يوماً وعصبةٌ من النِّساءِ قعودٌ، فألوى بيده بالتَّسليم» (¬3)، قال الترمذي: حديث حسن، فهذا محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - جَمع بين اللفظ والإشارةِ (¬4)، يدلُّ على هذا أنَّ أبا داود رَوى هذا الحديث وقال في روايته: «فسلَّم علينا» (¬5).
واعلم أنَّ البداءةَ بالسَّلام سُنَّةٌ كفايةٍ، وهي أفضل من ردِّه، وإن كان الردُّ فرضاً على الكفايةِ (¬6).
¬
(¬1) بدائع الصنائع 4: 306.
(¬2) لفظ (اسم) ساقطة من ب د.
(¬3) رواه الترمذي (2697)، هذا حديث حسن.
(¬4) فإن كانت الإشارة مقرونة بالنطق، بحيث وقع التسليم أو الرد باللسان مع الإشارة، أو كان المسلم عليه بعيدا عن المسلم، بحيث لا يسمع صوته، فيشير إليه بالسلام بيده أو رأسه، ليعلمه أنه يسلم، فلا كراهة فيه. ليس منا ص 48.
(¬5) سنن أبي داود (5204)، حديث صحيح.
(¬6) قال أبي الليث: فإذا مررت على قوم فسلم عليهم، فإذا سلمت عليهم فقد وجب عليهم رد السلام. ثم اختلفوا في الأفضل، قال بعضهم: أجر الرد أفضل لأن الرد فريضة والتسليم سنة فأجر الفرض أكثر من أجر السنة، وإنما قيل أن الرد فريضة لأن الله تعالى قال: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]، فأمر برد السلام والأمر من الله تعالى فرض. وقال بعضهم: أجر السلام أكثر وأفضل، لأنه سابق والسباق له فضل السبق، بستان العارفين ص 33.
رَوى الطَّبراني وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «السَّلامُ اسمٌ من أسماءِ الله تعالى، فأفشُوه بينكم» (¬1).
وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «السَّلامُ (¬2) اسمٌ من أسماءِ الله تعالى وَضعه في الأرضِ فأفشُوه بينكم، فإنَّ الرَّجل المسلمَ إذا مرَّ بقومٍ فسلَّم عليهم، فردُّوا عليه السَّلامَ كان له عليهم فضلُ درجةٍ بتذكيره إيَّاهم السَّلامَ، وإن لم يردُّوا عليه [ردَّ عليه] (¬3) من هو خيرٌ منهم» (¬4)، وهذا وجه لفضيلة البداءةِ به على ردِّه.
وعن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أبخلَ النَّاسِ من بخلَ بردِّ السَّلامِ» (¬5).
وقد ثبتَ أنَّ ابن عمر _رضي الله عنهما_ كان يَذهب إلى السوق يسلِّم على من لقيه (¬6).
¬
(¬1) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط 3008. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض تحية لأهل ديننا , وأمانا لأهل ذمتنا» لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا عصمة بن محمد تفرد به محمد بن يحيى الأنيسي من ولد عبد الله بن أنيس الأنصاري. المعجم الصغير (203) 1: 135.
(¬2) لفظ (السلام) ساقطة من د.
(¬3) ما بين المعقوفين ساقطة من أ.
(¬4) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10391).
(¬5) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (25747).
(¬6) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (25746).
وحيثُ علمتَ أنَّ البداءةَ سُنَّةٌ كفايةٍ، فإذا قدِم جماعةٌ فسلَّم منهم واحدٌ كفى عنهم (¬1)، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل (¬2).
وأمَّا ردُّ السَّلام، فإنَّ كان المُسَلَّم عليه واحداً، تعيَّن عليه الردُّ، وإن كانوا جماعةً كان ردُّ السَّلام فرض كفايةٍ عليهم، فإذا ردَّ واحدٌ منهم، سقط الحرجُ عن الباقين، وإلَّا؛ أثموا، وإن ردُّوا كلُّهم فهو النِهاية في الكمال والفضيلةِ، وإن ردَّ غيرهم لم يسقط عنهم (¬3).
واعلم أنَّه يُستحب إرسال السَّلام إلى من غاب عنه، وإذا بلَّغ الرَّسول، يَجب أن يردَّ عليه فوراً (¬4)، ويُستحبُّ أن يردَّ على المبلِّغ أيضاً، فيقول: وعليك وعليه السَّلام.
روينا في «سنن أبي داود» عن رجلٍ قال: حدَّثني أبي عن جدِّي قال: بعثني أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ائتِه فأقرِئهُ السَّلام، فأتيته فقلتُ: إنَّ أبي ُيقرِئك السَّلام، فقال: «عليك وعلى أبيك السَّلام» (¬5).
¬
(¬1) لفظ (عنهم) ساقطة من أ.
(¬2) قال أبي الليث السمرقندي: إذا دخل جماعة على قوم، فإن تركوا السلام فكلهم آثمون في ذلك وإن سلم واحد منهم أجزأ عنهم جميعا، وإن سلموا كلهم فهو أفضل، وإن تركوا الجواب فكلهم آثمون، وإن رد واحد منهم أجزأ عنهم، وإن أجابوا كلهم فهو أفضل. وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الرد فريضة وقد وجب الرد عليهم جميعا. وقال بعضهم: يجوز الرد إذا رد الواحد عنهم جميعا، وبه نأخذ. بستان العارفين ص 33.
(¬3) الأذكار للنووي ص360.
(¬4) ويؤدي سلام الغائب إلى الغائب على فور قدومه، فإنه أمانة عنده. شرعة الإسلام ص 225.
(¬5) سنن أبي داود (2934) هذا حديث حسن.
وفي «السِّيرة النَّبويَّة» للعلَّامة عبد الملك بن هشامٍ - رضي الله عنه - (¬1): أنَّ جبريل عليه السلام أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أقرئ خديجةَ السَّلام من ربِّها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا خديجةُ، هذا جبريل يقرئك السَّلام من ربِّك»، فقالتْ خديجة: الله السَّلام، ومنه السَّلام، وعلى جبريل السَّلام، انتهى (¬2).
وذكر السيد السمهودي مثله.
وفي حديث النسائي زيادة: وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته (¬3).
ورَوى السيد السَمْهُودي حديثاً في سلام جبريل عليه السلام على عائشة رضي الله عنها، وهو أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السَّلام»، فقالتْ: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته (¬4)، وذهبتْ تزيد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إلى هذا انتهاء السَّلام» فقال: رحمته وبركاته عليكم أهل البيت (¬5).
ورجاله رجال الصحيح، انتهى.
¬
(¬1) أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري؛ قال أبو القاسم السهيلي عنه في كتاب " الروض الأنف " - شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم -: إنه مشهور بحمل العلم، متقدم في علم النسب والنحو، وهو من مصر وأصله من البصرة، وله كتاب في أنساب حمير وملوكها، وكتاب في شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب فيما ذكر لي. وتوفي بمصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين، رحمه الله تعالى. وفيات الأعيان 3: 177.
(¬2) ينظر: «السيرة النبوية» لابن هشام 1: 241.
(¬3) سنن النسائي الكبرى (8301).
(¬4) رواه الترمذي (2693)، في باب ما جاء في تبليغ السلام. هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه الزهري أيضا، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنهم جميعا.
(¬5) أخرجه البخاري (3217).
واعلم أنَّه لَيُسنُّ السَّلام عند كلِّ لقيٍّ (¬1)، روينا في «سنن أبي داود» عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليُسلِّم عليه، فإن حال بينهما شجرةٌ أو جدارٌ أو حجرٌ، ثمَّ لقيه فليسلِّم عليه» (¬2).
وروينا في «كتاب ابن السُّنِّي» عن أنس رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتماشَوْن، فإذا استقبَلَتهُم شجرةٌ أو أَكَمةٌ فتَفرَّقُوا (¬3) يميناً وشمالاً ثمَّ التَقوا من ورائها، سلَّم بعضهم على بعض، كذا نقله النووي _رحمه الله تعالى_ (¬4).
قلتُ: ولا يُشترط أن يحولَ بينهما شيءٌ، بل إذا اشتغلَ عنه بعملٍ آخر ثمَّ واجهه سلَّم عليه؛ لحديث المُسيءِ صلاته (¬5)، فإنَّه سلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، وفي كلِّ مرَّة يردُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬6)، ولم يشتغل إلَّا بتلك الصَّلاة بمرائ من النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬7)، انتهى.
¬
(¬1) ويسلم على الأخ المؤمن وإن لقيه في اليوم مرارا، وكذا إن حالت بينهما شجرة أو جدار جدد السلام عليه، فإن ذلك يوجب الرحمة. ويبدأ بالسلام على من لقيه، فإنه براءة من الكبر. شرعة الإسلام ص 223.
(¬2) سنن أبي داود (5200)، وهذا حديث صحيح.
(¬3) وفي أ: فنظروا، وفي د ففروا.
(¬4) الأذكار للنووي ص363.
(¬5) هو حديث مشهور في كتب الأحاديث بقصة صلاة المسيء، أخرجه أصحاب الروايات مختصرا ومطولا، واستدل به الفقهاء على واجبات الصلاة من الاعتدال وغيره.
(¬6) أخرجه البخاري (757) ومسلم (397).
(¬7) ورواه الترمذي (2692)، في باب كيف رد السلام، عن أبي هريرة قال: دخل رجل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل»، فذكر الحديث بطوله. هذا حديث حسن، الكوكب الدري على جامع الترمذي 6: 276.
تنبيهٌ: لا يبتدئُ بقوله: عليك السَّلام، ولا بعليكم السَّلام، وإنَّما يبتدئ بقوله: السَّلام ... إلى آخره؛ لما (¬1) في «سنن أبي داود» و «الترمذي» وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن جابر بن سليم رضي الله عنه قال: أتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: عليك السَّلام يا رسول الله، قال: «لا تقل: عليك السَّلام، فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» (¬2). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، انتهى.
قلتُ: يؤخذ من هذا الحديث أنَّه لا يجب ردُّ السَّلام على المبتدئ بهذه الصِّيغة، [فإنَّ ما ذكر فيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ردَّ السَّلام على المسلِّم بهذه الصِّيغة،] (¬3) بل نهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها بقوله: «لا تقل: عليك السَّلام» (¬4)، الحديث.
وهو أحدُ احتمالاتٍ ثلاثة ذكرها النووي، فيترجحُ كونه ليس سلاماً ملزماً الردَّ؛ إذ لو ألزم الردَّ لَردَّ (¬5) النبي - صلى الله عليه وسلم - السَّلام (¬6) على المبتدئ بقوله: عليك السَّلام، ثمَّ علَّمه، كما ردَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسئ صلاته، ثمَّ علَّمه حين قال ذلك ثلاثا، انتهى.
¬
(¬1) كلمة (لما) ساقطة من د.
(¬2) رواه الترمذي (2722) في باب ما جاء في كراهية أن يقول: عليك السلام مبتدئا، وهذا حديث حسن صحيح ص 6: 303. وأخرجه أبي داود (4084). وقال النووي: «ويحتمل أن يكون هذا الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل، ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام» الأذكار ص 364.
(¬3) ما بين المعقوفين ثابتة من ب.
(¬4) سبق تخريجه.
(¬5) لفظ (لرد) ساقطة من أ.
(¬6) لفظ (السلام) ساقطة من د.
واعلم أنَّه لو زادَ واواً فابتدئ بقوله: وعليكم السَّلام، لا يستحقُّ جواباً؛ لأنَّ هذه الصِّيغة لا يصلح للابتداء، فلم يكن سلاماً، قاله المُتولي من أئمَّة الشَّافعيَّة _رحمه الله تعالى_ (¬1).
تنبيهٌ: يُشير إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» إلى أنَّ الموتى تَختص هذه الصِّيغة بهم، وأمَّا السَّلام عليكم، فهو للأموات كالأحياء غير أنَّه يزيد فيه الدعاء له وللأموات، ووجهه أنَّ الإمام النووي ذكر بعد هذا قوله: وقدمنا في كتاب الجنائز كيفية السَّلام على الموتى، (¬2) ونصّه:
في «صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالتْ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[كلَّما كانتْ] (¬3) ليلتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهمَّ اغفر لأهل بقيع الغرقد» (¬4).
وبالأسانيد الصَّحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المقبرةِ فقال: «السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا (¬5) إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».
¬
(¬1) الأذكار للنووي ص364.
(¬2) الأذكار للنووي ص 255.
(¬3) ما بين المعقوفين ساقطة من د.
(¬4) شرح مشكل الآثار (3808) ص 9: 417، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين.
(¬5) وفي ب: أنا بكم.
وروينا في «صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها، أنَّها قالتْ: كيف أقول يا رسول الله؟ تعني في زيارة القبور، قال: «قولي: السَّلام على أهل الدِيار من المسلمين والمؤمنين، ويرحمُ الله المستقدمين منَّا ومنكم والمُستأخِرين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون».
وبالأسانيد الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المقبرة فقال: «السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون» (¬1)، انتهى (¬2).
فيجوز في السَّلام على الموتى تقديم لفظ «السَّلام» وتأخيره؛ لأنَّهم (¬3) يَردُّون (¬4)، والحي ليس فيه إلا بتقديم السَّلام.
تنبيهٌ مُهمٌّ: يُعتنى به ويُهتمٌّ بشأنهِ في كراهة المشي بالنعالِ بين القبور (¬5).
روينا في «سنن» أبي داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد حسن، عن بشير رضي الله عنه، قال: بينما أنا أماشي النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا فإذا رجل يمشي بين القبور عليه
¬
(¬1) شرح مشكل الآثار (4599)، 12: 6. إسناده صحيح على شرط مسلم.
(¬2) الأذكار للنووي ص256.
(¬3) وفي ب زيادة: لا.
(¬4) وفي د: يرون
(¬5) ومن السنة: أن لا يطأ القبور في نعليه، فإنه كان يكره ذلك. ويستحب أن يمشي في المقابر حافيا، ويدعو الله تعالى لهم ويستغفر لهم. ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يمشي على القبور في نعلين فأمره بخلعهما. شرعة الإسلام ص 422.
نعلان، فقال: «يا صاحب السِبْتيتينِ، ألقِ سِبْتَيَّتَيك» (¬1)، وهو بكسر السين المهملة وإسكان الموحدة: النعل التي لا شعر عليها (¬2).
وإنَّما قيَّدنا بكونِ المشي بين القبور؛ إشارة إلى كراهة المشي على القبور مطلقاً؛ لما قال في «السِراجية»: إذا مرَّ بقبرٍ وقرأ شيئاً بنيَّتِه من غير أن يمرَّ عليه لا بأس به.
وفي «اليتيمة» (¬3): سُئِل الخُجَنْديُّ (¬4) عن رجلٍ قبرُ والديه بين القبور، هل يجوز له أن يمرَّ بين قبور المسلمين بالدعاءِ والتسبيحِ ويزُورهما (¬5)؟ فقال: له ذلك إن أمكنه ذلك من غير وَطءِ القُبورِ.
¬
(¬1) سنن أبي داود (3230) وسنن النسائي (2047) وسنن ابن ماجه (1567)، حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان عبد الله بن عثمان يقول: حديث جيد ورجل ثقة.
(¬2) الأذكار للنووي ص257.
(¬3) وفي أ: التتمة.
(¬4) الخجندي: هناك أكثر من فقيه حنفي يسمى الخجندي. منهم: برهان الدين إبراهيم بن جلال الدين أحمد بن محمد الخجندي المدني الحنفي المتوفي سنة 853هـ. ومنهم: تاج الدين أحمد بن محمود بن عمر الخجندي ثم المكي الحنفي المتوفي سنة 700هـ. ومنهم: أحمد بن محمد بن الأحرز الخجندي المدني، جلال الدين أبو طاهر الحنفي الصوفي المتوفي بالمدينة سنة 803هـ. ومنهم: الإمام المتكلم الأصولي الفقيه، عمر بن محمد بن عمر الخبازي الخجندي الحنفي الما وراء النهري، كنيته: أبو محمد، ولقبه: جلال الدين. وينسب الخبازي إلى بلاد ما وراء النهر، وهي تلك البلاد والأقاليم الواقعة وراء نهر سيحون أو جيحون، الذي شكل تاريخيا الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والتركية، أي إيران وطوران، وهي منطقة تاريخية وجزء من آسيا الوسطى، تشمل أراضيها أوزبكستان، والجزء الجنوب الغربي من الكازاكستان، والجزء الجنوبي من قيرغيزستان. ويعد الخبازي من كبار علماء أهل السنة والجماعة من الماتريدية، ومن البارزين التي كان لها دور مهم في شرح عقيدة أهل السنة والجماعة وتوضيحها بالنقل والعقل، بالإضافة إلى جهود الكبيرة في علم أصول الفقه على المذهب الحنفي، المتوفى رحمه الله تعالى سنة 691هـ. طبقات الحنفية 286، لآلي المحار 2: 814. الجواهر المضية 1: 398. خزانة الفقه ص 272.
(¬5) قال الإمام النووي: «يستحب للزائر الإكثار من قراءة القرآن والذكر، والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجمعين، وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل» الأذكار 256. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» كان نهى عنها؛ لأنها تفتح باب العبادة لها، فلما استقرت الأصول الإسلامية، واطمأنت نفوسهم على تحريم العبادة لغير الله أذن فيها، وعلل التجويز بأن فائدته عظيمة، هي أنها تذكر الموت، وأنها سبب صالح للاعتبار بتقلب الدنيا. حجة الله البالغة 2: 138.
وسُئِل أيضاً عمَّن له بُقْعة مملوكة بين المقابر يريد أن يتصرَّف في تلك البقعةِ ولا طريق له إلَّا على المقابر، هل له أن يَتخطَّى المقابرَ؟ فقال: إن كان الأموات في التَّوابِيت فلا بأس، قال: وكذلك إن كانوا في غير التَّوابيت، انتهى كذا في «التَّاتارْخَانيَّة».
قلتُ: وقد كان بعضُ مشايخي من أهل الطَّريق لا يمشي بنَعلٍ في القَرافة ولا في غيرها من المقابِر مع كِبر سنِّه، سواءُ كان في شدَّةِ بردٍ أو حرٍ _رحمه الله تعالى_، وكان يتأدَّبُ ويَتنَاوبُ مع أصحابه في حمل نعالهم مربوطةً في خِرقةٍ للجميع.
وأخبرني أعاد الله علينا من بركاته أنَّه كان معه شاب من أولاد الفقراء لزيارة القَرافة، فلما كان قريباً من تُربة العارف بالله تعالى شيخ الإسلام العزِّ بن عبد السَّلام لجهة الجبل عند قبرين يُقال إنَّهما أوَّل من دُفن بالقَرافة، فكشف عن تلك البُقعة لهما فرأياها من فضَّة، فصعق الشَّابُّ وخرَّ مغشيًّا عليه، وملك الفقير_ أي: الشَّيخ_ حاله وقوي عليه، وحصل مرَّة بالقَرافة لبعض أتباعه حالٌ فتزايد عليه، فسمعت الشَّيخ يُنشد:
أنا قبل عرفان الهوى بعتُ مُهجتي ... ولمَّا تملَّكني الغَرامُ بليتُ
قال وأخبرني شيخي العلَّامة محمد الحمويُّ (¬1) الحنفي _رحمه الله تعالى_ أنَّ الموتى يتأذون بخَفَق النِعال على قبورهم.
نرجِعُ إلى ما نحن بصدده، فقدَّمنا أنَّ البداءةَ تكون بالسَّلامِ، ثمَّ يُعقبها بالمصافحة والكلام، وهذا في حقِّ أهل (¬2) الإسلام.
وأمَّا أهل الذِّمَّة: فلا يبدؤون بالسَّلام (¬3)، ولا يُصافحون، واختلف العلماء في جواز بداءتهم به، فقطع أكثر الشَّافعيَّة بأنَّه لا يجوز ابتداءهم بالسَّلام، وقال آخرون منهم (¬4): ليس بحرام، بل هو مكروه (¬5).
روينا في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النَّصارى بالسَّلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضْطَرُّوه إلى أَضْيَقِه» (¬6).
¬
(¬1) هو أحمد بن محمد مكي الحسيني الحموي شهاب الدين المصري الحنفي المدرس بالمدرسة والحسنية بمصر القاهرة، توفي رحمه الله تعالى سنة 1098هـ. غمز عيون البصائر وهو من أدق التعليقات والحواشي على كتاب الأشباه والنظائر وأشهرها، قيد فيها الحموي مطلقاته، وضبط مرسلاته، وفصل مجملاته، وصحح معتلاته، وكثيرا ما يبين الخلاف بين أئمة المذهب الحنفي، والتطرق قليلا إلى رأي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره، ويذكر الدليل في كثير من الأحيان. لآلي المحار في تخريج المصادر ابن عابدين 1: 156 - 157.
(¬2) لفظ (أهل) ثابتة من: ب.
(¬3) قال محمد: نكره أن يبدأ المسلم المشرك بالسلام، ولا بأس بالرد عليه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. كتاب الآثار 2: 778. شرعة الإسلام ص 224.
(¬4) لفظ (منهم) ساقطة من د.
(¬5) الأذكار للنووي ص 369.
(¬6) صحيح مسلم (2167) وسنن الترمذي (2700) في باب ما جاء في كراهية التسليم على الذمي، وهذا حديث حسن صحيح.
وروينا في «صحيح البخاري ومسلم» عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (¬1).
وروينا في «صحيح البخاري ومسلم» عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سلَّم عليكم اليهود فإنَّما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك» (¬2).
وفي المسألة أحاديث كثيرة نحو ما ذكرناه، والله أعلم.
قال أبو سعيد المتولي (¬3): ولو سلَّم على رجل ظنَّه مسلماً فبان كافراً يُستحبُّ أن يستردَّ سلامه، فيقول له: رُدَّ علي سلامي، والغرض من ذلك أن يُوحِشَه ويُظهر له أنَّه ليس بينهما أُلفة.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، سلَّم على رجلٍ فقيل له: إنَّه يهودي، فتبعه وقال له: رُدَّ علي سلامي (¬4).
وقال الإمام مالك _رحمه الله تعالى_: لا يَستقبله.
¬
(¬1) صحيح البخاري (6258) وصحيح مسلم (2163).
(¬2) صحيح البخاري (6257) وصحيح مسلم (2164).
(¬3) هو أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري المتولي، درس ببغداد بالنظامية بعد الشيخ أبي إسحاق ثم عزل بابن الصباغ ثم بعد مديدة أعيد إليها. تفقه بالقاضي حسين وبأبي سهل أحمد بن علي ببخارى، وعلى الفوراني بمرو، وبرع وبذ الأقران. وله كتاب «التتمة» الذي تمم به «الإبانة» لشيخه أبي القاسم الفوراني، فعاجلته المنية عن تكميله، أنتهى فيه إلى الحدود. وله مختصر في الفرائض، وآخر في الأصول، وكتاب كبير في الخلاف، مات ببغداد سنة ثمان وسبعين، وله اثنتان وخمسون سنة. سير أعلام النبلاء 18: 585.
(¬4) البيهقي في «شعب الإيمان» (8515). شرعة الإسلام ص 224.
وقال أبو سعيد: لو أراد تحيَّة ذمِّيٍّ فعلها بغير السَّلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك.
قال الإمام النووي _رحمه الله تعالى_: هذا الذي قاله أبو سعيد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: سُبِّحْتَ بالخيرِ أو بالسَّعادة، أو العافية، أو صبَّحك الله بالسُّرور، أو بالسَّعادة النِّعمة، أو بالمسرَّة، أو ما أشبه ذلك.
وأمَّا إذا لم يحتج إليه فالاختيار أنْ لا يقول شيئاً، فإنَّ ذلك بسطٌ له وإيناسٌ وإظهار صورة وُدٍّ، ونحن مأمورون بالإغْلَاظ عليهم ومَنْهِيُون عن وُدِّهم، فلا تُظهره، والله أعلم. انتهى كلام الإمام النووي _رحمه الله تعالى_ (¬1).
وقال في «المُحيط» من كتب أئمَّتنا الحنفية: وأمَّا السَّلام؛ أي: على أهل الذِّمَّة، فقالوا: يُكره؛ لما فيه من التعظيم والتكريم، وتعظيمهم مكروه، أمَّا ردُّ السَّلام لا بأس به؛ لأنَّ الامتناع عنه يُؤذيهم، فالردُّ إحسان في حقِّهم، وإيذَاؤهم مكروه، والإحسان لهم مندوب، ولكن لا ينبغي أن يزيد على قوله: وعليكم؛ لأنَّه قيل: إنَّهم يقولون: السام عليكم، وأنَّه شتمٌ عندهم، فيجازون بقوله: وعليكم بطريق المُجازاةِ (¬2).
وهكذا رُوي أنَّ يهوديًّا دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: السام عليك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «وعليك»، وقد سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك فقالت: وعليك السَّام
¬
(¬1) الأذكار للنووي ص371.
(¬2) محيط البرهاني 8: 19 - 20. الفتاوى البزازية 3: 200.
واللعَّنة والسُّخط، فلمَّا خرج اليهودي قال عليه السَّلام لعائشة رضي الله عنها: «لا تكوني فاحشةً» (¬1)، انتهى.
وقال في «التَّجنيس والمزيد»: لا بأس بردِّ السَّلام على أهل الذِّمَّة (¬2)؛ لأنَّه نُقِلَ عن عمر رضي عنه أنَّه نهي عن البداءة بالتحيَّة على أهل الذِّمَّة، فالنهي عن البداءة دليل إباحة الرَدِّ، لكن لا يزيد على قوله: وعليك، هكذا قال القاضي (¬3) الإمام الإِسْبِيجَابي (¬4) في «شرح الطحاوي»، انتهى.
قلت: وقدَّمنا النَّهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، انتهى.
¬
(¬1) أخرجه البخاري (6024) ومسلم (2165).
(¬2) مختارات النوازل 3: 1109.
(¬3) لفظ (القاضي) ثابتة من: أ.
(¬4) هو أحمد بن منصور القاضي أبو نصر الإسبيجابي، أحد شراح «مختصر الطحاوي» كان إماما تبحر في الفقه في بلاده على العلماء ثم رحل إلى سمرقند وناظر الأئمة ودرس للطالبين والفقهاء وصار الرجوع إليه بعد السيد أبي شجاع فانتظمت له الأمور الدينية وظهرت له الآثار الجميلة. قال الجامع: وكانت وفاته على ما في «كشف الظنون» سنة ثمانين وأربعمائة. الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص 75. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 63.
ومنهم من لا ير بأساً بالسَّلام على أهل الذِّمَّة، والمُختار هو الأوَّل، وكذا قال قاضي خان (¬1): الصحيح هو الأول، وهو كراهة السَّلام عليهم ابتداء، (¬2) انتهى.
وذلك لما قدَّمناه عن «البدائع» من أنَّ التَّسليم اسمٌ لكلِّ برٍّ وخيرٍ، ولا يجوز [مثل هذا الدعاء] (¬3) للكافر، إلَّا أنَّه إذا سلَّم لا بأس بالردِّ عليه مُجازاة، انتهى عبارة «البدائع» (¬4).
ثمَّ قال في «التَّجنيس»: وهذا إذا لم يكن للمسلم إليه حاجة، فإن كان لا بأس بالسَّلام عليه؛ لأنَّ النَّهي كان لتوقير الذِّمِّي، والسَّلام إذا كان لحاجة فليس فيه توقير الذِّمِّي، وتُكره مصافحته؛ لأنَّ فيها توقير الذِّمِّي ولا يَدعوا له بالمغفرة، ولو دعا له
¬
(¬1) الشيخ الإمام المجتهد، والحبر الإمام، المتورع الزاهد، سلطان الشريعة، برهان الطريقة، مشهور الآفاق، مرضي الأخلاق، صدر جريدة الأخلاف، بيت قصيدة الأسلاف، معزز السلاطين، مقرب الخواقين، فخر الدين قاضي خان الحسن بن منصور بن محمود الأوزجندي الفرغاني، لا زال متداركا باللطف الرباني. وكان إماما كبيرا، بحرا عميقا، غواصا على المعاني الدقيقة، نقي القريحة، كبير المحل، عظيم الشأن، وكان في الفروع والأصول فارسا لا يشق غباره، ولا تلحق آثاره. أخذ الفقه عن ظهير الدين المرغيناني، وعن الإمام إبراهيم بن إسحاق بن أحمد الصفار، وتفقه عليه الإمام الحصيري، وشمس الأئمة الكردري، وله «الفتاوى» المشهورة، و «الواقعات»، و «الأمالي»، و «المحاضر»، و «شرح الزيادات»، و «شرح الجامع الصغير»، و «شرح أدب القضاء» للخصاف، وغير ذلك. توفي ليلة النصف رمضان، سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. تاج التراجم ص 151. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 284. كتائب أعلام الأخيار 2: 549. طبقات الحنفية ص 237.
(¬2) فتاوى قاضي خان 3: 307.
(¬3) ما بين المعقوفين ساقطة من: د.
(¬4) بدائع الصنائع 4: 306.
بالهِداية (¬1) جاز؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم اهد قومي فإنَّهم لا يعلمون» (¬2).
ولو دعا له بطُول العمر، قيل: لا يجوز؛ لأنَّ فيه التَّمادي على الكفر، وقيل: يجوز؛ لأنَّ في طول عمره نفعاً للمسلمين بأداءِ الجِزية، فيكون دعاء لهم، وعلى هذا الخِلاف في الدعاء له بالعَافية، انتهى.
كذا في «العِناية»، من غير نظر للنِّيَّة.
وقد قال في «التَّجنيس»: مسلم قال لذِّمِّي: أطال الله بقاءك، فهذا على ثلاثة أوجه:
إمَّا أن ينوي بقلبه أنَّ الله تعالى يُطيل بقاءه لعلَّه يُسْلِم، أو نوى بقلبه أن يؤدي الجِزية عن ذلُّ وصِغارٍ، أو لم ينوي شيئاً.
ففي الوجه الأوَّل لا بأس به؛ لأنَّه دعاءٌ له بالإسلام (¬3)، وفي الوجه الثاني كذلك؛ لأنَّ فيه منفعةٌ للمسلمين، وفي الوجه الثالث لا يجوز (¬4)، انتهى.
¬
(¬1) وفي د: بالهدى.
(¬2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1375) شرح مشكل الآثار (2488)، 6: 287، إسناده صحيح على شرط البخاري، وذكر الهيثمي في «المجمع» 6: 117 عنه، وقال: رجاله رجال الصحيح. وروى البخاري (3477) و (6929)، ومسلم (2804) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون».
(¬3) وفي أ: سلامة
(¬4) فتاوى قاضي خان 3: 307. الفتاوى البزازية 3: 200.
وتجوز عِيادة الذِّمِّي (¬1) ولو مجوسيًّا، وقيل: إن كان مجوسيًّا لا يعود؛ لأنَّه أبعدُ عن الإسلام من أهل الكتاب، وجه الجواز ما فيه من إظهار محَاسن الإسلام وتَرغِيبه وتألِيفه، وقد نُدبْنا إليه (¬2).
واختلفوا في عِيادة الفَاسق المسلم، والأصح أنَّه لا بأس بها؛ لأنَّه مسلم، والعيادة من حُقوق المسلمين، كما في «العِناية» (¬3).
ثم قال في «التَّجنيس»: وإذا اجتمعَ المسلمون والكفار يسلِّم عليهم، ويقول: السَّلام عليكم، وينوي بقلبِه المسلمين دون الكفار، ولو قال: السَّلام على من اتَّبع الهُدى يجوز. انتهى عبارة «التَّجنيس والمزيد».
¬
(¬1) ولا بأس بعيادة اليهود والنصارى إذا كانوا في جواره؛ لأنه نوع برّ في حقهم: فيجوز، ولكن لا يتبع جنازتهم. مختارات النوازل 3: 1152. قال الإمام النووي: «فينبغي لعائد الذمي أن يرغبه في الإسلام، ويبين له محاسنه، ويحثه عليه، ويحرضه على معالجته قبل أن يصير إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها». الأذكار ص372.
(¬2) لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه عاد جاره اليهودي، وقعد عند رأسه، وقال: «قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فنظر اليهودي إلى رسول الله، فقال له أبوه: أجبه، فأجابه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار» عمدة القاري 8: 20. ولأنا ندبنا إلى أن نؤلفهم، ويدعوهم إلى الإسلام بأحسن الطرق، وعيادته ربما يصير سببا لذلك. شرح الجامع الصغير لقاضي خان 3: 1309. شرح الجامع الصغير للعتابي 2: 783.
(¬3) العناية لأكمل الدين البابرتي 10: 64. يختلف إلى أهل الباطل والشرِّ ليذب عن نفسه، إن كان ممن يقتدى به لا يفعل ويكره، لأنه تعظيم أمره بين الناس، وإن لم يكن معروفا فلا بأس به إذا لم يقع في الإثم. الفتاوى البزازية 3: 200. شرح الجامع الصغير لقاضي خان 3: 1309.
[حكم المعانقة والتقبيل]
وأمَّا معانقة المسلم وتقبيله، فقال صاحب «الهِداية» (¬1): ويُكره (¬2) أن يُقبِّل الرَّجل فم الرَّجل، أو يده، أو شيئاً منه (¬3)، أو يُعانقه في إزارٍ واحدٍ، أمَّا إذا كان عليه قميصٌ أو جُبَّةٌ لا بأس به بالإجماع، وهو الصحيح؛ لأنَّه حينئذٍ يكون على وجه البِرِّ والكرامة، وهو أمر ممدوح بين النَّاس.
قال شارحها العلَّامة العينيُّ (¬4) _رحمه الله تعالى_: لما رُوي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عَانق جعفراً حِين قَدِم من الحَبشة، وقَبَّل بين عَيْنَيه، قال الحاكم: إسناده صحيح (¬5)، وقال
¬
(¬1) الهداية 4: 255.
(¬2) مكروه تحريما، تنوير الأبصار 9: 627. وقال الإمام النحلاوي: أما لو كان على وجه البر فجائز، الدرر المباحة ص 231.
(¬3) ذكر الطحاوي أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة لما روي: «أنه - صلى الله عليه وسلم - عانق جعفرا حين قدم من الحبشة وقبله بين عينيه» ولهما ما روي: «أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المكامعة» وهي المعانقة «وعن المكاعمة» وهي التقبيل، وما رواه محمول على ما قبل التحريم. حاشية ابن عابدين 9: 627. البحر الرائق 8: 398. الاختيار لتعليل المختار 4: 119. البيان في الحظر والإباحة ص 238. فالمعنى: ولا بأس عند أبي يوسف رحمه الله تعالى بالمتعانقين بسبب عناقهما، وإن كان ذلك في إزار واحد، وسلم فلا ريبة أن التقبيل في الثوب الذي لا يستر إلا من سرته إلى تحت الركبة أفضى إلى الشهوة من الذين يستر جميع البدن، فاتضح وجه تعلق الظرف بالتقبيل، كالمعانقة. قاله الجلبي في «حاشيته»، كما في عمدة الرعاية 7: 311. شرح الجامع الصغير لقاضي خان 3: 1302.
(¬4) هو بدر الدين محمود بن القاضي شهاب الدين أحمد بن موسى بن أحمد بن الحسين بن يوسف بن محمود أبي محمد العيني المصري الفقيه الحنفي، تولى قضاء القضاة والاحتساب، ولد في عينتاب (بلدة قريبة من حلب) سنة 762هـ، مؤرخ، علامة، من كبار المحدثين. أصله من حلب ومولده في عينتاب (وإليها نسبه) أقام مدة في حلب ومصر ودمشق والقدس. وولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، وتقرب من الملك المؤيد حتى عد من أخصائه. ولما ولي الأشرف سامره ولزمه، وكان يكرمه ويقدمه. ثم صرف عن وظائفه، وعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي بالقاهرة سنة 855هـ. لآلي المحار 1: 393. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 263.
(¬5) المستدرك (1196).
- صلى الله عليه وسلم -: «والله ما أدري بأيَّهما أفرح، بفتح خَيبر أم بقُدوم جعفر» (¬1)، وهاجر نعيم إلى المدينة في أربعين نفراً من أهله، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعْتَنَقَه وقَبَّله، (¬2) انتهى.
وفي «العِناية» قال: وعن عطاء: سُئل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن المُعانقة فقال: أوَّل من عانق إبراهيم خليل الرَّحمن، صلوات الله وسلامه عليه، كان بمكَّة فأقبل إليها ذو القرنين، فلمَّا وصل بالأبطح قيل له: في هذه البلدة خليل الرَّحمن، فقال ذو القرنين: ما ينبغي لي أن أركب في بلدةٍ فيها خليل الرَّحمن، [فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم،] (¬3) فسلَّم عليه إبراهيم واعتَنَقَه، وكان أوَّل من عانق (¬4).
¬
(¬1) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4249)، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(¬2) البناية شرح الهداية للعيني 14: 534.
(¬3) ما بين المعقوفين ساقطة من: د.
(¬4) ذكر هذه القصة البابرتي في العناية 10: 47. درر الحكام في شرح غرر الأحكام 1: 578. البحر الرائق 8: 398.
وقد ورَدَ أحاديث في النهي عن المُعانقة وتَجويزها، والشيخ أبو منصور المَاتُرِيديُّ (¬1) _رحمه الله تعالى_ وَفَّق بينهما فقال: المكروه منها ما كان على وجه الشَّهوة، وأمَّا على وجه البرِّ والكرامة فجائز، انتهى (¬2).
نَرْجِع لما نحن بصدده، قال في «الهداية» (¬3): ولا بأس بالمصافحة؛ لأنَّه هو المتوارث، أراد أنَّه سُنَّةٌ قدِيمة في البيعة وغيرها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبه» (¬4).
¬
(¬1) هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، وهو إمام المتكلمين، منسوب إلى (ما تريد) قرية من سمرقند، ويلقب بـ (إمام الهدى)، وهو رئيس علماء أهل السنة والجماعة بما وراء النهر، وكان حنفي المذهب، تتلمذ على أبي نصير عياص تلميذ أبي بكر الجوزجاني تلميذ الإمام محمد بن حسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله الله تعالى، وتوفي الإمام أبو منصور سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، ودفن في موضع يقال له: جاكرد، وقبره مشهور يزار ويتبرك به. له كتاب «التوحيد»، وكتاب «المقالات»، وكتاب «رد أوائل الأدلة» للكعبي، وكتاب «بيان وهم المعتزلة»، وكتاب «تأويلات القرآن»، وهو كتاب لا يوازيه فيه كتاب، بل لا يدانيه شيء من تصانيف من سبقه في ذلك الفن، وله كتب شتى. ينظر: تاج التراجم ص 249، وطبقات الحنفية ص 167 - 168. مهام الفقهاء الحنفية الأنجاب ص 317.
(¬2) البناية شرح الهداية للعيني 14: 537. وذكر الشيخ أبو منصور رحمه الله أن المعانقة إنما تكره إذا كانت شبيهة بما وضعت للشهوة في حالة التجرد، فأما إذا قصد بها المبرة والإكرام فلا تكره وكذا التقبيل الموضوع لقضاء الوطر والشهوة هو المحرم فإذا زال عن تلك الحالة أبيح. بدائع صنائع 4: 299. حاشية ابن عابدين 9: 629. البحر الرائق 8: 398. إنما يكره إذا كان مجردا، أما إذا كان مستورا فلا بأس بالمعانقة. شرح الجامع الصغير للعتابي 2: 776.
(¬3) الهداية 4: 256. عمدة المفتي ص 157. حاشية ابن عابدين 9: 628.
(¬4) سبق تخريجه.