تنقيح الأحكام في حكم الإبراء والإقرار الخاص العام
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
تحقيق
علا علي فلاح خرابشة
إشراف
أ. د صلاح أبو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
تنقيح الأحكام في حكم الإبراء والإقرار الخاص العام
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
تحقيق
علا علي فلاح خرابشة
إشراف
أ. د صلاح أبو الحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
وَبهِ ثِقتي ورَجائِي.
الحَمْدُ لله الذي جعَل الفِقهَ منْ أشرَفِ العُلومِ قَدراً، وأفخَمَها أمراً، وأعظَمَها أجراً، وملأ عُيونَ المؤمنينَ بهِ نوراً، وَقُلوبَهُم المحفوظةَ الحافِظةَ سُروراً، وخَصَّ عِلمَ الفَتوى بالغُنمِ الأكبر، والحظِّ الأوفَر، والرِبحِ الأكثر، والثناءِ الذي يَطوي الزمانَ وذِكرُهُ يُنشَر، كيف لا؟ وَقدْ قالَ سيدُ المُرسَلين، صاحبَ الشَّريعةِ الصَّادقِ الأمين: «من يُرِداللهُ بهِ خيراً فَقَّههُ في الدَّين»، فَهُوَ عُنوانُ السَّعادةِ الأبَديَّة، ومَنهجُ السِّيادَةِ السَرمَدِيَّة، [والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا ومولَانا مُحمَّدٍ المُصطَفى المُخْتار]،وعلى آلهِ وأصحابِهِ السَّادَةِ البَرَرَةِ الأخْيار.
وبعد:
فَيقُولُ العبدُ الذَّليلُ الرَّاجي عفوَ مَولاهُ الجَليل، حَسَن الشُّرُنبُلالي الحَنَفيِّ، عامَلهُ اللهُ بِلُطفِهِ الخَفيّ: أنَّهُ قدْ وَرَدَ سُؤَالٌ عَن حُكمِ البَراءَةِ العَامَّةِ وَصُورتِه، بَعدَ أنْ اعترَفَ فُلان بِأنَّ المُخْلِفَ عَن مُوَرِّثِه كذا أو كذا، وَقد وَصلَ إلَيهِ ما خَصَّهُ مِنْهُ وَهُوَ كذا، إبراءُ كُلٍ مِنْ فُلان وَفُلانَ الوارِثينَ صاحِبَهُ بَراءَةً عامَّةً مُوسَعةَ الألفاظِ مِنْها:
أَنَّه لا يَستحِقُّ فُلانٌ قِبَلَ فُلانٌ حقاً مُطلَقاً، وَلا اسْتِحقاقاً إلى آخِرِه، وَكَتبَ بِها حُجَّةً عِندَ حاكِمٍ حَنفيّ، ثُمَّ تَرافَعا لَدى حَنفيٍّ آخَر، وَادَّعى المُبرِئُ على صاحِبِهِ أعيانَ وَديونَ لَم تَكنْمَنصوصاً عَليها، فيما اعْتَرفَ بِه، فَتَمسَّكَ خَصمُهُ بالإبراءِ العامِّ المانِع مِنَ الدَّعوَى لِمَا قِبَلُه، فَعرَّفهُ الحاكِم بِأنَّ الوَارِثَ إذا أبْرأَ إبْراءً عاماً؛ بِأنْ أقَرَ أنَّهُ قَبضَ تَرِكةَ مُوَرِّثِه، وَلَم يبقَ لهُ حقٌّ فِيها إلَّا اسْتَوفاهُ، ثُمَّ ادَّعى شَيئاً مِنْ تَرِكَة مُوَرِّثِه، وَبَرهنَ عَلَيهِ قُبِلَ ذلِكَ مِنْه.
وكَذا لَو صالَحَأحَدُ الوَرَثَةِ، وَأبرْأ إِبراءً عامَّاً، ثُمَّ ظَهَرَ شيءٌ مِنْ تَرِكَتِه لم يَكُنْ وَقتَ الصُّلحِ، الأَصَحُ جَوازَ دَعواهُ في حِصَّتِه، وَكَذا إِذا كانَ في تَرِكَتِه دَينٌ على النَّاسِ، فَأخرَجوهُ بِأنْ يَكونَ لِوارِثٍ خاصٍ، بَطُلَ الصُّلحُ وَالحُكْمُ بالإبراءِ كَما هُوَذلك مُصّرَّحٌ بِهِفي كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ مِنْ كِتابِ «الأَشْباهِ» نَقلاً عَن «البَزَّازِيَّةِ» وَ «الخَانِيَّةِ»، وَكَما ذلكَ مُصَرَّحٌ بهِ ِفي كتابِ «الكَنْز» وَشَرحِهِ «البَحرُ الرَّائِق» - تَعريفاً شَرعيَّاً - واستخارَ اللهَ تعالى، وَأَبطلَ وَنقضَ حُكْمَ البراءةِ، وَكتبَ بهِ حُجَّةً.
ثمَّ ترافَعَالخصمانِ لدى حاكمٍ آخرَ، وَتمسَّكَ كُلٌّ بِحُجَّتِه، فهل البراءةُ العامَّةُ الصَّادرةُ منَ الوارثِ لصاحبهِ، مانِعةً من دعواهُ بشيءٍ منَ التَّركةِ عليهِ؟ أو الإِبطالِ للبراءةِ المذكورَةِ منَ الحاكمِ الثَّاني إبطالٌ صحيحٌ معمولٌ به؟ وما حكاهُ في حُجَّةِ الإبطال منَ النُّقولِ المذكورةِ مصَحِّحٌ للإبطالِ، وسندٌمُعتمدٌ عليهِ فيه؟ أو ذلكَ اشتباهُ حالٍ لم يَصادِفْ مَحلّاً فلا يُعوَّلُ عليه؟، أوضِحُوا الجوابَ أثابَكُمُ الملِكُالوَهَّابُ فأجَبتُ:
بأَنَّ البراءَةَ العامَّةَ المذْكورةَ الصَّادِرةَ منَ الوارِثِ لِصاحبِهِ صَحيحةٌ، مَعمولٌ بها، مانِعةٌ منْ دَعواهُ بِشيءٍ سابِقٍ على البَراءةِ سواءٌ كانَ عَيناً أو دَيناً، بِميراثٍ أو غيرِه، وَإِبطالُ البَراءة ِغيرُ مُعتَبرٍ، وَهُوَ مَردودٌ على المُبطِلُ، وما ذُكِرَ منَ النُّقولِ غيرُ مُصَحِّحٍ للإبطالِ، وليسَ فيها ما يَقتَضيه، وإنَّما هو اشتِباهٌ لم يُصادِفْ مَحلّاً فلا يُعوَّلُ عليه.
ثمَّ طُلِبَ منِّي إيضاحُ ذلك بالنُّقولِ، فاستَعَنتُ باللهِ تعالى، وسَطَّرتُ ذلك طالباً للثَّوابش منَ الكريمِ الوَهَّاب، مُستَمِدّاً في البَيانِ منْ عِنايَةِ المَلِكِ المنَّانِ، وسمَّيتُهُ:
«تَنقيحَ الأحكامِ في حُكمِ الإبْراءِ وَالإقرارِ الخاصِّ وَالعامِّ».
وَرتَّبْتُه على مُقدِّمةٍ، وثلاثةِ أبوابٍ، وخاتِمةٍ.
المُقدِّمة: ُ في ألفاظِ البَراءةِ:
البابُ الأوَّلُ: في إِثباتِ البَراءةِ العامَّةِ بالنُّقولِ الجَمَّةِ، وفيهِ دَفْعُ الَّدعوَى بإِثباتِ الإِبراءِ قَبلَ الحُكمِ وَبعدَه، وَفيهِ حُكمُ الإِقرارِ العامِّ، وتقييدُ الإِبراءِ بِما يُبطِلُه، وَالبَراءةِ المُقيَّدةِ والإِبراءِ عنْ الدَّينِ قَبلَ لُزومِه، وتعليقُ الإبراءِ بِالشَّرطِ ومَعناهُ، وَرَدُّ الإِبراءِ، (وَالإِبراءُ) بَعدَ قبضِ الدَّينِ.
البابُ الثَّاني: في رَدِّ إِبْطالِ البَراءَةِ العامَّةِ بِما اشْتَبَهَ على كثيرينَ، بِقَولِ الوارِثِ: قَبَضْتُ تَرِكَةَ مُوَرِّثي، أو كلُّ منْ لي عَليهِ دَينٌ فهو بريءٌ منه، وفيهِ إِقرارُ المَريضِ بالقَبضِ والإِبراءِ.
البابُ الثَّالِثُ: في رَدِّ إِبطالِ البَراءَةِ العامَّةِ بِمسأَلَةِ الصُّلحِ المَذكورَةِ عنِ «البَزَّازِيَّةِ».
(الخاتِمَةُ): في إِزالَةِ الإِشتِباهِ الحاصِلِ بالمَسائِلِ المُستَثناةِ مِنَ الإِبراءِ العامِّ في الأَشباهِ، وبيانُ حقيقَتِها، وَعدَمُ استِثناءِ شيءٍ مِنْهَا مِنَ البَراءَةِ العامَّةِ، وفيها إِزالَةُ الإِشتِباهِ، بِما ظُنَّ مِنَ الفَرْقِ بَينَ: إِنشاءِ الإِبراءِ الحاصِلِ بالعُمومِ وَالخُصُوصِ في كَلامِ صاحِبِ «البَحرِ» ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ.
المُقَدِّمةُ في أَلفاظِ البَراءَةِ:
اعْلَمْ أَنَّ لفظَ البَراءَةِ إِمَّا أنْ يَكونَ عامَّاً، َوإمَّا أنْ َيكونَ خاصَّاً، فالعامُّ: الذي يَبْرَأُ به عنِ الدَّينِ وَالعَينِ، نَحوَ: لا حَقَّ لي قِبَلَ فُلانٍ، أو فُلانٌ بَريءٌ مِنْ حَقِّي، أو لا َدعوَى لي على فُلانٍ، أو لا خُصُومَةَ لي عليهِ، أو لا خُصُومَةَ لي قِبَلَه، أو لا تَعلُّقَ لي عليه، أو لا دَعوَى لي قِبَلَه، أو لَيسَ لي مَعهُ أَمرٌ شَرعِيٌّ، أو لا أَستَحِقُّ عليه شَيئاً، أو أَبرَأتُكَ منْ حَقِّي، أو أَبرَأتُكَ مِمَّا لي قِبَلَكَ.
وَأمَّا الخاصُّ: فإمَّا أن يكونَ خاصَّاً بِدَينٍ، كقَولِه أَبرَأتُ زيداً من دَينِ كذا، فَيختَصُّ به، أو عامّاً في كُلِّ دَينٍ كَقولِه: أبرَأتُ زيداً ممَّا لي عَليه، فيبرَأُ عن كلِّ دَينٍ، ولا يَبرَأُ عن العينِ.
وأمَّا الخاصُّ بالعَينِ، فإنْ كانَ عنها فَهوَ غَيرُ صحيحٍ من جِهةِ [أنَّ لهُ الدَّعوى بها على المُخاطَب]، وغَيرُهُ صحيحٌ مِنْ جِهةِ الإِبراءِ عن وَصفِ الضَّمانِ للمُخاطَبِ، وإنْ كانَ عن دَعواها، فهو صحيحٌ، سَواءٌ أَنْشأَ الإِبراءِ عنْ دَعوى عَينٍ خاصَّةٍ، كقولِهِ: أبرَأتُ زيداً عن دَعوى هذهِ العَين، أو عمَّمَ إنشاءَ الإِبراء عن دَعوَى كلِّ عينٍ كالإقرارِ بالإبراءِ.
إعلمْ أنَّ الإِبراءَ إذا حَصَلَ لشخْصٍ مجهولٍ، فهو غَير, ُ صحيحٍ، وإبراءُ المعلومِ صحيحٌ، ولو كان ما عليهِ مجهولاً، وإنَّ قَولَ الإِنسانِ: قبَضتُ جميعَ ترِكةَ مُوَرِّثي، أو كُلّ مَنْ لي عليهِ شيءٌ أو دَينٌ، أو كُلُّ من لي قِبَلَه حَقٌّ، فَهُو بريءٌ منه، ليسَ إبراءً عامّاً ولا خاصَّاً، وَلِنَذكر إيضاحَ ذلكَ بِكَلامِ أئِمَّتنا فأقولُ:
البابُ الأولُ: في إثباتِ البَراءةِ العامَّةِ بالنُّقولِ الجَمّةِ وفيه:
دَفعُ الدَّعوى بإثباتِ الإبراءِ قبلَ الحُكمِ وبَعدَه، وفيهِ حُكمُ الإقرارِ العامِّ، وتقْييدُ الإبراءِ بما يُبْطِلُه، والبراءةُ المُقيَّدةُ والإبراءُ عنِ الدَّينِ قبلَ لُزومِه، وتعليقُ الإبراءِ بالشَّرطِ أو معناه، ورَدُّ الإبراءِ، والإبراءُ بعدَ قبضِ الدَّينِ.
أمَّا صِحَّةُ البَراءةِ العامَّةِ الصَّادرةِ من كلٍّ مِنَ الوارِثينَ لِصاحِبِه المانَعَةِ منَ الدَّعوى بِشيءٍ سابِقٍ عَليها؛ فَلمَّا قالَ في «المُحيطِ» منْ بابِ الإقرارِ بالبراءَةِ وغيرِها، قالَ: «هوَ بريءٌ ممَّا لي عليه؛ يتَناولُ الدُّيونَ، لأنَّ كلِمَةَ (عَليَّ) لا تُستَعمَلُ إلَّا في الدُّيونِ، فلا يدخُلُ تَحتَها الأماناتُ».
فإِذا قالَ: «مِنْ مالي عِندَه يَتناولُ ما أصلُهُ أمانَةٌ، ولا يَتَناولُ ما أصلُهُ غَصبٌ، أو مَضمونٌ؛ لِأنَّ كلِمَةَ عِندَ تُستَعمَلُ في الأماناتِ، لا في المَضموناتِ، ألَا تَرى أنَّهُ لو قالَ: لِفُلانٍ عندي ألفُ دِرهمٍ كانَ إقراراً بالأمانةِ؟».
وَالبَراءةُ عن الأعيانِ بالإسقاطِ والإبراءِ باطِلَةٌ، حتى لَو قالَ: أبرَأتُكَ عن هذا العينِ لا يَصِحُّ، لِأنَّ العَينَ لا تقبَلُ الإسقاطَ، فأمَّا ثُبوتُ البَراءةِ عن الأعيانِ بالنَّفيِ مِنَ الأصلِ، أو بِرَدَّ العَينِ إلى صاحِبِهِ، فَهُوَ صَحيحٌ، حتَّى لو قالَ – يَعني: عندَ وُجودِ المُنازِعِ ـ: لا ملكَ لي في هذا العَينِ، ثُمَّ ادَّعى أنَّه مَلكَهُ، لم تَصِحَّ دَعواهُ.
وقولُهُ: «هو بريءٌ مِمَّا لي عندَهُ إخبارٌ عن ثُبوتِ البَراءةِ، وَلَيسَ بِإنشاءٍ لِلإبراءِ، فَيُحمَلُ على سَببٍ تُتَصوَّرُ البَراءةُ بذلك، وهو النّفيُ مِنَ الأصلِ، أو الرَّدُّ إلى صاحِبِه تصحيحاً لِتصَرُّفهِ».
وإذا قالَ: «بَريءَ مِمَّا لي قِبَلَه، بَرئَ عن الضَّمانِ والأَمانةِ، لأَن كلمةَ قِبَلَ تُستعمل في الأَماناتِ والمضموناتِ جميعاً، ولا يَدخُلُ تحتَ الدَّرْكِ والعيبِ فيه، نصَّ عليهِ في بُيوعِ «الأَصلِ» و «الجامِعِ»، ولا تُستعملْ في البَراءَةِ عن الحقوقِ؛ يعني التي هي كالدَّرْكِ والعيبِ».
فإذا ادَّعى الطَّالِبُ بعدَ ذلك حقاً لم تُقبلْ بَيِّنتهُ عليهِ، حتى يشهدوا أَنَّه بعدَ البَراءَةِ، أو يُوَقِّتوا وقتاً بعدها؛ لأَنَّه بهذا اللَّفظِ استفادَ البَراءةَ على نعتِ العُمومِ، والعملُ بالعُمومِ واجِبٌ حتَّى يقومَ دليلٌ بالخُصوصِ، فَتثبُتَ له البَراءَةَ على العمومِ.
فإِذا أَبهمَ الشُّهُودُ، ولم يُوَقِّتوا احتملَ أَنْ يَكونَ هذا الحقُّ قبلَ الإِبراءِ، فَبرِيءَ عنهُ بِإِبرائِه، واحتملَ أَن يكونَ بعدَهُ، فلمْ يَبرَأ فَوقعَ الشَكُّ في صِحَّةِ الشَّهادةِ، فلا يَقضي بِها مع الشَكِّ، ولو قالَ بَرِئَ من قَذفِهِ إِيَّاي ثم طلبَ بعدَهُ فلَه ذلك، لأَنَّ هذا بِمنزِلةِ العفُو، ومعناهُ: أَنَّه بَرِيءِ مِنء مُوجِبَ قذفِهِ إِيَّاي، فإِنَّ البَراءَةَ عن عينِ القذْفِ لا تتحقَّقْ، ومُوجِبَ القَذفِ لا يسقُطْ بالعفوِ، فإِنَّ المُغلَّبَ فيه حقُّ اللهِ تعالى.
ولو قالَ: «هو بَريءٌ مِنَ السَّرِقةَ الَّتي ادَّعيتَ قِبَلَه، لا ضمانَ عليهِ ولا قَطْع، لأَنَّ البَراءَةَ عن دَعوى المالِ صَحيحةٌ، وعن القَطعِ لا تَصحُّ، فَبَطُلَت دَّعواهُ في حقِّ المالِ، فلا يَقطعُ بغيرِ دَعواهُ».
ولَو قالَ: «بَرِئتُ من فلان، أو بَرِيءَ منِّي فُلان، يتناولُ نَفيَ المُوالاتِ لا البراءَةِ عن الحُقوقِ، لأَنَّه أَضافَ البَراءةَ إِلى نفسهِ دونِ الحُقوقِ الَّتي عليهِ، فلا يَصيرُ الحقُّ مَذكوراً بهِ، أَلا ترى أَنَّ البَراءةَ من نفسِ الغَيرِ تكونُ إِظهاراً لِلعَداوةِ والوَحشةِ مَعَهُ، والبراءةُ من الحقِّ الَّذي عليهِ تكونُ إِنعاماً عليهِ، وإِظهاراً لِلمحبةِ».
ولو أَقرَّ أَنَّهُ لا حقَّ لهُ قِبَلَ فلانٍ يجوز، وفلانٌ بَريءٌ من كُلِّ قليلٍ وكثيرٍ؛ دَينٍ و وَديعةٍ وكفالةٍ وحدٍّ وسَرقةٍ و قَذفٍ وغيرِها، لأَنَّ قولهُ: لاحقَّ لي نكِرةً في النَّفي، والنَّكرةُ في النَّفي تَعُم.
وقولُهُ: «لا حقَّ لي يتناولُ سائِرَ أَنواعِ الحُقوقِ الماليّةِ وغيرِ الماليَّةِ، ولفظُ قِبَلَ تستعمل في العينِ والدَّينِ والمَضمونِ والأَمانةِ جميعاً، يُقال: فلانٌ قَبيلُ فلان أَي ضَمينُه، ويُقالُ قِبَلَ فلان كذا أَي عِندَهُ مالٍ؛ عَينٌ، أَو دينٌ، بِخِلاف ما لو قالَ: لفلانٍ قِبَلي أَلِفٌ، يتناولَ الدَّينَ دونَ العَينَ؛ لأَنَّ لفظَ قِبَلُ تُستعملُ في العينِ والدَّينِ جميعاً».
لكن ذكرَ أَلِفاً واحدةً، والأَلِفُ الواحدةُ لا تكونَ عيناً وديناً، فرَجَّحنا الدَّينِ؛ لأَنّ استعمالَ النَّاسِ لفظَ قِبَلَ في الدَّينِ أَكثر، أَمَّا ههُنا، يجوزُ أَن يكونَ المُقَرُّ له بريئاً عن العينِ والدَّينِ جميعاً، فأَمكنَ العملُ بِعُمومِ هذا الَّلفظِ، فحملنا لفظَ قِبَلِي على عُمُومهِ، ولفظُ حقَّ على عُمُومهِ.
وكذا لو قالَ: «فلانٌ بريءٌ من حقِّي؛ بَرِيءَ عن الحُقوقِ كُلِّها، قلت: وكذا لو أَنشأَ الإِبراءَ فقالَ: أَبرَأَتُكَ من حقِّي، إِذ لا يَفترِقُ الحُكمُ بين الإِخبارِ والإِنشاءِ في هذا». انتهى.
لأَنَّه جعلهُ بريئاً عن حقٍّ واحِدٍ مُنكرٍ، فلا تُتَصوَّر البَراءةُ عن حقٍّ واحدٍ مُنكرٍ إِلَّابعدَ البَراءةَ عن الكُلِّ، فصارَ عامَّاً من هذا الوجهِ.
بِخلافِ قولِه: لفلانٍ قِبَلي حقّ، لأَنَّ الحقَّ مذكورُ في الإِثباتِ، لا في النَّفي، ويُتَصوَّر الحقُّ الواحدُ بدونِ ثُبوتِ الكُلِّ، كما يُقالُ: رأَيتُ رجلاً، يتناولُ رجلاً واحداً، فالخاصُّ لا يُجعلُ عامَّاً إِلَّا لضرورةٍ، والضَّرورةُ في النَّفي، فإِن نَفيَ الأَدنى لا يُتصوَّر إِلَّا بِنفي الكُلِّ، كقولهِ: ما رأَيتُ رجلاً، لا يُتصوَّر نَفيُ رؤيةِ الواحدِ إِلَّا بِنفي رُؤْيةِ الكُلِّ، فجعلُ الخاصِّ عامَّاً في النَّفي للضَّرورةِ.
وإِنْ أَقرَ أَنَّهُ لا حدَّ له قِبَلَ فلان، فلهُ أَن يدَّعي سَرقةًفيها قَطْع، لأَنَّه إِنَّما نفى حدَّاً هو حقُّهُ، وحدُّ السَّرقةِ خالِصُ حقِّ اللهِ تعالى، لا حقَّ للعبدِ فيهِ، فلا يدخلُ في نفيِهِ، ولو قالَ: لا أَرشَ لهُ قِبَلَ فلان، فلَيس لهُ أَن يدَّعي دِيَّةً خطأً، ولا صُلحاً ولا كفالةً، بِدِيَّةِ نفسٍ، لأَنَّ اسمَ الأَرشِ يتناولُ بدَلَ الجِنايةَ على الآدَميِّ، وهذهِ الأَشياءُ بَدَل الجِنايةِ، فدخلت تحت الإِقرارِ.
ولو قالَ: «لا جِراحةَ لي قِبَلَ فلان، يتناولَ الجِراحةَ الخطأَ والعمدَ جميعاً، ولا يتناولَ القتل، لأَنَّ الجُرح اسمٌ خاصٌّ لِما دونَ النَّفس، فلا يتناولُ النَّفسَ، لأَنَّ الفعلَ في النَّفسِ إِزهاقٌ للحياةِ، وفيما دُونَها إِبانةٌللجُزءِ من الجسمِ، وبينهما مُغايرَةٌ و مُباينةٌ». انتهى عبارةُ «المحيطِ».ومثلهُ في «الخُلاصةُ» من فصلِ الإِبراءِ عن الدَّعاوى.
وفي «الخُلاصةِ»: «ثُمَّ في قولِهِ: لا حقَّ لي قِبَلَ فلان، يدخلُ في هذا الَّلفظِ كُلُّ عينٍ ودينٍ، وكُلُّ كفالةٍ أَو إِجارةٍ أَو جِنايةٍ أَو حدٍّ». انتهى. ومثله في «البَحرِ الرَّائق».
قالَ في «المبسوطِ»: «ويدخُلُ في قولِهِ: لا حقَّ لي قِبَلَ فلان، كُلُّ عينٍ أَو دينٍ، وكُلُّ كفالةٍ أَو جنايةٍ أَو إِجارةٍ أَو حدٍّ، فإِن ادَّعى الطَّالِبُ بعد ذلك حقَّاً، لم تُقبلْ بَيِّنتهُ عليه، حتَّى يشهدوا أَنَّه بعد البَراءةَ، لِأَنَّه بهذا الَّلفظِ استفادَها على العُمومِ». انتهى.
وقالَ الشَّيخُ زينٌ في «رِسالَتِهِ» في الإِبراءِ ما نصُّهُ: «وفي الأَصلِ من كتابِ الإِقرارِ لا حقَّ لهُ قِبَلَ فلان، فلَيسَ لهُ أَن يَدَّعي حدَّاً ولا قِصاصاً ولا أَرشاً ولا كفالةً بنفسٍ ولا مالٍ، ولا دَيناً ولا ودِيعةً ولا عارِيةً ولا مُضاربةً ولا مُشارَكةً ولا مِيراثاً، ولا داراً ولا أَرضاً ولا عبداً ولا أَمَةً ولا شيئاً منَ الأَشياءِ، ولا عَرَضاً ولا غيرِه، إِلَّا شيئاً حدَثَ بعدَ البَراءةِ». انتهى.
وفي شرحِ المَنظُومةِ عنِ المُحيطِ: «لو أَبرأَ أَحدُ الوَرثةُ الباقي، ثُمَّ ادَّعى التَّرِكةَ وأَنكرُوا، لا تُسمعُ دعواهُ، وإِنْ أَقرُّوا بالتَّرِكةَ أُمِروا بالرَّدِّ عليهِ». انتهى.
وهذا ظاهِرٌ فيما إِذا لم تَكُنْ البَراءةُ عامَّةً، بل في الدَّينِ لِما علِمتَهُ، ولِما سنذكُرُهُ من أَنَّه لو أَبرأَ عامَّاً ثُمَّ أَقرَّ بعدَهُ بالمالِ المُبرأُ منه، لا يعودُ بعدَ سُقوطِهِ. انتهى.
ولا شَكَّ أّنَّ الإِبراءَ عن دَعوَى الأَعيانِ، يُسقِطُ دَعواها كما تَسقطُ بالإِبراءِ العامِّ، فلا يعودُ. انتهى.
ويكونُ الأَمرُ بالدَّفعِ لهُ، لِمُؤاخذَتِهم بالإِقرارِ بالعينِ، حَملاً على إِمكانِ تَجدُّدِ المُلكِ في الأَعيانِ للمقرِّ لهُ، لا بعدمِ مَنعِ الإِبراءِ كَما سنذكُرهُ.
وَفي «القُنيَةِ»: «لو قالَ: لا تَعلُّقَ لي على فلانٍ، فهُو كقولِهِ: لا حقَّ لي قِبَلَه، فيتناولَ الدُّيونَ والأَعيانَ.
ولو قال: لا حق لي عليه، يتناول الديون دون الأعيان، أقر أنه لا دعوى له قبل فلان بوجه من الوجوه، ثم ادعى عليه بحكم الوكالة لغيره، تسمع». انتهى.
وقال في «جامع الفصولين»: «أبرأه عن جميع الدعاوى فادعى عليه مالا بوكالة، أو وصاية، تسمع، وهذا بخلاف ما لو أقر بعين لغيره، فكما لا يملك أن يدعيه لنفسه، لا يملكه أن يدعيه لغيره بوكالة أو وصاية». انتهى.
ومِثلُه في «خزانةِ المُفتيينَ»، وفيها: «ادَّعى دَيناً، فأَنكرَ المُدَّعى عليهِ، وأَعطاهُ مع الجُحُودِ أَو صالحَهُ وأَعطاهُ، ثُمَّ أَقامَ البيِّنةَ على إِقرارِ المدَّعي أَنَّهُ أَقرَّ قَبلَ الصُّلحِ وقضى المالُ أَنَّه لم يكنْ لي قِبَلَ فلان شيءٍ، َبُطَل الصُّلحُ والقضاءُ، وإِن لم يَقضِ القاضِي عليهِ حتَّى أَقامَ هذهِ البيِّنةَ، بَطُلَ المالُ عنهُ، ولا يقضي عليهِ بِشيء». انتهى.
وفي «المُحيطِ» خِلافِ هذا، قالَ في «المُنتَقى» هِشامُ عن محمَّدٍ: «لو أَقامَ المُدَّعى عليهِ البيِّنةَ، أَنَّ المُدَّعي أَقرّ قَبلَ الصُّلحِ أَو قَبلَ قبضِ بَدلَهُ، أَنَّه لَيسَ لي على فلانٍ شيء، فالصُّلحُ ماضٍ؛ لأَنَّ المُدَّعى عليهِ إِنَّما صالحهُ على اعتِبارِ أَنَّه افتدى يَمينَهُ بالصُّلحِ، وافتداءُ اليمينِ بالمالِ جائزٌ، فكانَ إِقدامُهُ على الصُّلحِ اعترافاً منه بِصحَّةِ الصُّلحِ، فبِدعواهُ بعدَ ذلك أَنَّهُ لم يَصِحَ الصُّلحُ، صارَ مُتناقِضاً، والمُناقَضةُ تمنعُ صِحَّةَ الدَّعوى، والبيِّنةُ لا تُقبَلُ بِدونِ صِحَّةِ الدَّعوى.
أَلا ترى لو نكلَ المُدَّعى علَيهِ عنِ اليَمينِ، فقضى القاضِي بالمالِ عليهِ للمُدَّعي، ثُمَّ أَقامَ المُدَّعى عليهِ البيِّنةَ على إِقرارِ المُدَّعي قبل القضاءِ، بأَنَّه لا حقَّ لهُ عليهِ لم تُقبلْ، فكذا هذا.
بِخِلافِ ما لو قضى عليهِ بالمالِ بِبيِّنةٍثُمَّ أَقامَ البيِّنةَ أَنَّ المُدَّعي أَقرَّ قبلَ القضاءِ أَنَّهُ ليسَ لهُعليهِ شيءٌ، بَطُلَ المالُ عليهِ، لأَنَّه لم يوجدْ منَ المُدَّعى عليهِ الإِعترافِ بالمالِ، فصَحَّت دَعواهُ، فتُقبلَ بيِّنتُهُ.
وإِنْ أَقامَ البيِّنةَ، أَنَّهُ أَقرَّ بذلك بعدَ الصُّلحِ و القضاءِ، لأَنَّهُ زعمَ أَنَّهُ أَخذَ الَّذي صالَحهُ عليهِ بغيرِ حقٍّ، فيجِبُ [عليهِ رَدُّه]، بِخلافِ الإِقرارِ بالصُّلحِ، لأَنَّه يجوزُ أَن يجبَ لهُ عليهِ حقٌّ بعدَ إِقرارِهِ، وإِنْ كانَ القاضِي عَلِمَ بأَنَّ الرَّجُلَ قد كانَ أَقرَّ عندَهُ قَبلَ الصُّلحِ، بأَنَّهُ ليسَ عليهِ شيءٌ، بَطُلَ الصُّلحُ، وعِلْمُ القاضِي هُنا بِمَنزلةِ الإِقرارِ بعدَ الصُّلحِ» انتهى.
ثُمَّ قالَ في الخزانَةِ: «ادَّعى على رَجلٍ مالاً، أَو عيناً، فقالَ المُدَّعى عليهِ: إِنَّكَ أَقرَرتَ في حالِ جوازِ إِقرارِكَ أَنَّ لا دَعوى ولا خُصُومةَ لي علَيكَ، وأَثبتَ ذلك بالبيِّنةِ، تُسمعُ وتندفِعُ دَعواهُ.
إِذا ادَّعى على آخرَ شيئاً وأَقامَ المُدَّعى عليهِ البيِّنةَ، أَنَّك أَبرأْتني عنِالدَّعاوى كُلِّها في سنةِ كذا، يَصِحُّ هذا الدَّفعُ.
المُدَّعى عَليهِ إذا قالَ: أَبرَأَني المُدَّعي منْ هذهِ الدَّعوى، فالقاضِي يَسأَل المُدَّعي: أَلَكَ بَيِّنةٍ على المالِ؟ فإِن أَقامَها، يحلفُ المدَّعي على البَراءةِ، فإِنْ لم يكنْ لهُ بيِّنةٌ على المالِ، يحلفُ المُدَّعى عليهِ أَولاً على دَعواهُ المالَ، ودَعواهُ البَراءَةَ لا يكونُ إِقراراً على الأَصَحِ، فإِنْ حلفَ المُدَّعي، ترك، وإِن نكلَ يحلفُ المُدَّعي على البَراءةِ».
وفي «الإِيضاحِ»: «دَعوى البَراءةِ إِقرارٍ بالمالِ عندَ المُتأَخرينَ، لا عندَ المُتقدِّمينَ، وهُو الأَصَحُّ»، كذا في «مَعينِ الحُكَّامِ»: «ادَّعى مالاً فأَنكرَ، فأَقامَ المُدَّعي بيِّنةً أَنَّك استمْهَلتني مُنذُ عَشرَةِ أَيَّامٍ، وقالَ المُدَّعى عليهِ: إِنَّكَ أَبرَأْتني مُنذُ عِشرينَ يوماً، لا يَصِحُّ دَعوى الإِبراءُ، لتأَخُرِتاريخِ الإِستمهالِ عن تاريخِ الإِبراءِ».
وفي «القُنيَةِ» لو قالَ: «ليسَ لي معهُ أَمرٌ شرعِيٌ يَبرأُ عن دَينِهِ وعن دَعواهُ في العينِ، ولو قالَ لا دَعوى ليعَليكَ اليَومَ، لَيسَ لهُ أَنْ يَدَّعي بعدَ اليومِ». انتهى.
وفي «التَّتارخانيَّةِ»: «لو أَقرَّ أَنَّه لَيسَ لي مع فلان ٍشيءٌ، كانَ هذا إِبراءٌ عن الأَماناتِ، لا عن الدَّينِ». انتهى.
وفي الخُلاصةِ: رَجلٌ أَبرأَ رَجلاً عن الدَّعاوى والخُصوماتِ، ثُمَّ ادَّعى عليهِ مالاً بالإِرثِ عن أَبيهِ، إِنْ ماتَ أَبوهُ قَبلَ إِبرائِه، صَحَّ الإِبراءُ، ولا تُسمعُ دَعواهُ، وإِن لم يَعلمْ بِموتِ الأَب عندَ الإِبراءِ». انتهى. ومِثلَه في «البَزَّازيَّة» انتهى.
وفي «جامِعِ الفُصُولَينِ»: «أَبرأَهُ عن جميعِ الدَّعاوى، فادَّعى عليهِ مالاً بالإِرثِ، فلو ماتَقَبلَ إِبرائِهِ [لا تُسمعْدَعواهُ، وإِن لم يَعلمْ هوَ بِمَوتِ مُوَرِّثِه عندَ إِبرائِهِ]» انتهى.
وفي «العِمادِيَّةِ»: «أَبرأَ أَحدُ الوَرثةُ الغَريمَ من الدَّينِ، يَصِحُّ في نصيبِ المُبِرئ».
وفي العِمادِيَّةِ أَيضاً: «إِذا كانَ للميِّتِ دُيونٍ على النَّاسِ، فقالَ واحدٌ من الوَرثةِ: بَرِئتُ من ترِكةِ أَبي، يَبرأُ عن الدَّينِ بقدرِ حقِّهِ منَ التَّرِكةِ، لأَنَّ هذا إِبراءُ الغريمِ بقدرِ حقِّهِ فيَصِحُّ، ولو كانت التَّرِكةُ عيناً لا يَصِحُّ» انتهى.
وَقولِهِ بَرئتَ بتاءِ الخِطابِ لمُعيَّنٍيُشيرُ إِليهِ قولهِ بعدَهُ يَبرأَ عن الدَّينِ.
وقولُهُ: ولَوكانَت عيناً لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الإِبراءَ عنها يُخالِفُ الإِبراءَ عن دَعواها، فتكونَ أَمانةً عندَهُ بهذا كما سَنذكُرُه.
وفي «الفواكِهِ البَدرِيَّةِ»:: «لو أَبرَأَهُ مُطلقاً، أَو أَقرَّ أَنَّهُ لا يَستحِقُّ عليهِ شيئاً، ثُمَّ ظَهرَ بعدَ ذلك أَنَّ المُقِرَّ له كان قَبلَ الإِبراءِ، أَوالإِقرارُ مشغولُ الذِمَّةِ بشيءٍ منمَتروكِ أَبِ المُقرِّ، ولم يعلمْ المُقرُّ بذلك، ولا بِموتِ أَبيهِ إِلَّا بعدَ الإِقرارِ والإِبراءِ، لا يكونُ لهُ المُطالَبةِ بذلك، ويَعملُ الإِقرارُ والإِبراءُ عمَلهُ، ولايُعذَرُ المُقرُّ» انتهى.
وفي «الأَشباهِ» من كتابِ المُدايَناتِ: «لو أَبرأَ الوارِثُ مديونَ مُوَرِّثِه، غيرَ عالمٍ بموتِ مُورِّثهِ، ثُمَّ بانَ ميِّتاً، فبالنَّظَرِ إِلى أَنَّه إِسقاطٌ يَصحُّ، وكذا بالنَّظرِ إِلى كونِه تمليكاً، لأَنَّ الوارِثَ لو باعَ عيناً قَبلَ العلمِ بِموتِ المُورِّث، ثُمَّ ظَهرَ مَوتَهُ صَحَّ».انتهى.
وفي «فَتاوى قاضِي خانٍ»: «ذَكرَ في «الجامِعِ الكبيرِ» () رَجلٌ قالَ: «لاحقَّ لي قِبَلَ فلان، أَو قالَ في يدِ فلان، ثُمَّ أَقامَ البيِّنةَ على عبدٍ في يدِ المُقرِّ لهُ أَنَّه غَصبهُ منهُ، أَو ادَّعى عليهِ ديناً، لا تُقبلُبيِّنتهُ حتَّى يَشهدَ الشُّهودُ أَنَّهُ غصَبهُ بعدَ الإِقرارِ، أَو على دَينٍ حادِثٍ بعدَ الإِقرارِ.
وكذا لَو كتبَ الرَّجلُ بَراءةً لِرجلٍ أَنَّهُ لا حقَّ لي قِبَلَكَ في عينٍ ولا دَينٍ ولا شِراءٍ، ثُمَّ أَقامَ البيِّنةَ على شِراءِ عبدٍ من الَّذي أَبرَأَهُ، أَو على قرضِ أَلفِ دِرهمٍ، لا يُقبلْإِلا بِتاريخٍ بعدَ الإِقرارِ» انتهى.
وكذا في «خزانَةِ المُفتينَ»، ثُمَّ قالَ فيها: «وهذا بِخِلافِما إِذا أَقرَّالمُدعى عليهِ وقالَ: جميعُ ما في يَدي من القليلِ والكثيرِ لفلانٍ، ثُمَّ أَنَّه مَكثَ أَيَّامًا، فَحضرَ فلانٌ ليأخُذَ ما في يدِه، فادَّعى عبداً ممَّا في يدِهأَنَّه لهُ، مَلَكهُ بعدَ إِقرارِهِ، وقالَ المُدَّعي: كانَ هذا العبدُ في يَديكَ يومَ الإِقرارِ، فالقولِ قولُ المُدَّعى عليهِ، والعبدُ عبدُهُ، إِلَّا أَن يُقيمَ المُدَّعي البيَّنةَ أَنَّهُ كانَ في يَديهِ يومَ الإِقرارِ» انتهى.
ومِثلُه في «قاضي خان» انتهى.
ولكنْ، رأَيتُ في «الوجيزِمن الفتاوي»، «إِذا قالَ: كُلُّ ما في يدِيلفلانٍ، فَحضرَ فلانٌ لِيأْخذَ ما في يدِهِ، وادَّعى أَنَّ هذا أَيضاً داخلٌ في الإِقرارِ، وادَّعى المُقرُّ أَنَّه مَلَكهُ بعدَ الإِقرارِ، فالقولُ قولُ المُقرِّ، إِلَّا أَنْ يُبرهِنَ [الُمقَرُّ لهُ على قِيامهِ وقتَ الإِقرارِ.
وهذا التَّفريعُ على أَصلِ الرِّوايَةِ، وأَمَّا] على اختِيارِ مشايِخَ خَوارِزمِ، وَعليهِ الفتوى فهذا الكَلامُ محمولٌ على البِرِّ والكَرامَةِ، فلا يَتأَتَّى النِّزاعُ» انتهى.
وفي «الخُلاصَةِ»، «لو قالَ: الدَّينُ الَّذي لي على فلانٍ لفلانٍ، أَو الوديعةِ الَّتي ليعندَ فلانٍ هيَ لفلانٍ، فهو إِقرارٌ، وحقُّ القبضِ للمُقرِّ، ولكنْ لو سَلَّمَ إِلى المُقرُّ لهُ بَرئَ». وهكذا في «الظُّهَيريَّةِ» و «خزانةِ المُفتيينَ» وغَيرِها.
وحَيثُ أَنجَزَالكلامُ إِلى مسأَلةِ الإِقرارِ العامِّ، فاعلمْ أَنَّهُ إِقرارٌ صحيحٌ مُصرَّحٌ بهِ في كُتبِ المذهبَ، مُثبتٌ لِلمِلكِ في الجَميعِ للمُقَرِّ لهُ، ولَيسَ هِبةً، وكَتبَ في ذلك رِسالةً شيخُ مشايحِنا العلَّامةَ الشَّيخُ علي المَقدِسيِّ ـ رَحِمهُ الله ـ، ََّرد فيها على مَن زَعمَ أَنَّه تَمليكٌ و هِبةٌ، فيقضي حُكمُهُ من التَّسليمِ ونحوهُ، وذلك هوَ ما أَفتى بهِ الشَّيخ محمَّد سراجِ الدِّينِ الحانُوتيِّ الحنَفِيِّ ـ رَحِمهُ الله ـ في َمسأَلةَ ابنِ العاصي، وهيَ مَسطورَةٌ في فتاواهُ فليَتنبَّه لِذلك. انتهى.
ولَو قالَ: «ما لي في يَدِ فلانٍ دارٌ، ولا حقٌّ، ولميَنْسبْها إِلى رِستاقٍولا قريةٍ، ثُمَّ ادَّعى أَنَّ لهُ قِبَلَهُ حقاً فيبالريِّ في ِرستاقٍ أَو في قريةٍ، لم تُقبلْبَيِّنتُه». كذا في العِماديَّةِ.
وقالَ في «العِماديَّةِ» أَيضاً وفي دَعوى فتاوى قاضي خان: «اتَّفقَت الرِّواياتُ على أَنَّ المُدَّعي لو قالَ: لا دَعوى لي قِبَلَ فلان أَو لاخُصومَةَ لي قِبَلهُ، يَصحُّ، حتَّى لاتُسمَعَ دَعواهُ عليهِ إِلَّا في حقٍّحادِثٍ بعدَ البَراءةِ». انتهى.
وفي «القُنيَةِ»: «أَبرأَهُ بعدَ الصُّلحِ عن جميعِ دَعاويهِ وخُصوماتِهِ، صَحَّ، وإِنْ لم يُحكَمْ بِصحَّةِ الصُّلحِ» انتهى.
وفي «الأَشباهِ والنَّظائِرِ» من القولِ في الدَّينِ قالَ: «ومِنْ أَحكامِهِ: صِحَّةَ الإِبراءِ عنهُ، فلا يَصِحُّ الإِبراءُ عن الأَعيانِ، والإِبراءِ عن دَعواها صَحيحٌ، فلو قالَ: أَبرَأْتُكَ عن دَعوى هذا العينِ، صَحَّ الإِبراءُ، فلا تُسمعُ دَعواهُ بها بعدَهُ ـ يعني على المُخاطَبِ دونَ غيرِه ـ كما سنذكره.
ولو قالَ: برِئتُ من هذهِالدارِ، ومن دَعوى هذه، لا تُسمعُ دَعواهُ وبيِّنتَهُ، وقولُهُ بَرِئتُ - يعني بضمِّ - تاءِ بَرِئتُ على أَنَّها ضميرُ المُتكلِّم، لِيُغايِرَ قولَهُ بعدَه، ولو قالَ: أَبرأْتُكَ عنها» انتهى.
ولو قالَ: أَبرَأْتُكَ عنها، أَو عن خُصومَتي فيها، فهُوَ باطِل، ولهُ أَن يُخاصِم، وإِنَّما أَبرأَهُ عن ضمانِهِ» كذا في «البَزَّازيَّةِ» منَ الصُّلحِ. انتهىعبارةُ «الأَشباهِ».
قلتُ: يُريدُ بقوله: وله أَن يُخاصِم مَن خاطَبهُ بِقولهِ: أَبرأْتُكَ عنها كما يُخاصِمُ غيرَهُ، لِكونِهِ ِإبراءٌ عنْ عينٍ، وأَمَّا في قولِهِ: أَو عن خُصومَتي فيها، فلَيسَ لَهُأَن يُخاصِمَ منْ خاطَبهُ، ولَهُ أَن يُخاصِمَ غيَرُه، لأَنَّ البَراءَةَ عن دعوى العينِ صحيحَةٌ في حقِّ من خاطَبَهُ فقطْ.
وأَمَّا قولَهُ: «وإِنَّما أَبرأَهُ عن ضمانِه، فلا يَصِحُّ أَن يَرجِعَ إِلَّا إِلى قولِهِ أَبرَأْتُك عَنها، لأَنَّ الإِبراءَ عن خُصومَتِهِ إِبراءٌ عن دَعواها وعن ضمانِها، ولا بدَّ منْ هذا الفَهمِ، هذا المَحلِّ، ومِثلُه قولَ «الخُلاصَةِ». لو قالَ الرَّجُلُ لآخرَ: أَبرأْتُك عن هذهِ الدَّارِ، وعن خُصومَتي في هذهِ الدَّارِ، أَو مِندَعوى هذهِ الدَّارِ، أَو بَرِئتَ من هذهِ الدَّارِ جاز، ولا حقَّ له فيها». انتهى.
قُلتُ: فقولُهُ: جازَ بِمعنى صَحَّ الإِبراءُ في الصٌّورَتَينِ الأَولِيَتَينِ، بالنَّظرِ لمَنْ خاطَبهُ بالإِبراءِ، ويَتعيَّنَ العطفُ بالواوِ في وعن خُصومَتي، كما في هذه النُّسخةِ، لأَنَّ قولَهُ أَبرأْتُكَ عن هذهِ الدَّارِ، إِبراءٌ عن العينِ، وهُوَ لا يَصحُّ إِلَّا بالنَّظرِ لنفي الضَّمانِ، وقولُهُ: ولا حقَّ لَهُ فيها يَرجِعُ إِلى قَولِهِ: أَو بَرِئتَ من هذهِ الدَّارِ، فلا تُسمَعُ دَعواهُ بها على المُخاطَبِ ولا على غيرِهِ. انتهى.
ثُمَّ عقِبهُ في «الخُلاصَةِ» بقولِهِ: «وفي «واقعاتِ النَّاطِفيِّ»: رَجلٌ قالَ لآخرَ: أَبرأْتُكَ عن هذه الدَّارِ، وعن خُصومَتي في هذه الدَّارِ، أَو عن دَعوايفي هذهِ الدَّارِ، فهذا كُلُّهُ باطِلٌ، حتَّى لو ادَّعى بعدَ ذلكَ هذهِ الدَّارُ تُسمعُ، ولو أَقامَ البيِّنةَ تُقبَلُ.
بِخلافِ ما لو قالَ: بَرِئتُ من هذهِ الدَّارِ، أَو قالَ: بَرئتَ منْ دعوايَفي هذهِ الدارِ، فإِنَّهُ يجوزُ حتَّى لا تُسمَعُ دَعواهُ وبيِّنتهُ بعدَ ذلك، لأَنَّه بقولِهِ: أَبرأْتُكَ خاطَبَ الواحِدُ، ولَهُ أَن يُخاصِمَ غيرَهُ، أَمَّا قولِه: بَرِئتُ فإِضافةِ البِراءةِ إِلى نفسِهِ فَيبرأُ». انتهى. عبارةِ «الخُلاصَةِ» وعلمتَ التَّوجيهِ.
ثُمَّ قالَ في «الأَشباهِ»، وفي «كافي الحاكِمِ»: «من الإِقرارِ، لا حقَّ لي قِبَلَه، يَبرأُ عن: العينِ والدَّينِ والكفالَةِ والإِجارَةِ والحدَّ والقِصاصِ». انتهى.
ثُمَّ قالَ صاحِبُ «الأَشباهِ»: «وبهِ عُلِمَ أَنَّه يبرأَ من الأَعيانِ في الإِبراءِ العامِّ».
فإِن قلتَ: يُناقِضُ هذا قولَ صاحبِ «الأَشباهِ»، وفي إِجاراتِ «البِزَّازيَّة» «أَنَّالإِبراءِ العامِّ إِنَّما يُمنعُ إِذا لم يُقرْ بأَنَّ العينَ للمدَّعي، فإِنْ أَقرَّ بعدَه أَنَّ العينَ للمدَّعي سلَّمَها لَهُ، ولا يمنعهُ الإِبراءُ» انتهى.
قُلتْ: لاتَناقُض، لأَنَّ الكلامَ في المَنعِ، إِذا أَنكرَ المُدَّعى عليهِ الإِستِحقاقِ مُتمسِّكاً بالإِبراءِ العامِّ، وأَمَّا إِذا أَقرَّ بالعينِ للمُدَّعي، فالأَمرُ بالدَّفعِ إِليهِ مُتَّجهٌ بإِمكانِ تَجدُّدِ المُلكِ فيها، مُؤاخذةً لهُ بإِقرارِهِ، وتَصحيحاً لِكلامِهِ على طريقِ الإِقتِضاءِ، والعينُ قابِلةٌ لا بِعَدمِ مَنعِ الإِبراءِ العامِّ من الدَّعوى، بِخلافِ الإِقرارِ بالدَّينِ بعدَ الإِبراءِ منهُ، لِكونُهُ وَصفاً قدْ سَقطَ فلا يعودُ انتهى.
وعِبارةُ «البَزَّازيَّةِ» تُفيدُ هذا ونصُّها: «أَبرأَ المُستأْجِرُ [الآجِرُ عن كُلِّ الدَّعاوى، ثُمَّ أَدركَ الزَّرعَ، فجاءَ المُستأْجِرُ بعدَما رَفعَ] الآجِرُ الغلَةَ، وادَّعى الغَلَّةَ، قيلَ تُسمعُ، والأَشبَه أَنَّه لا يُسمعُ، ولو رَفعَ الآجِرُ الغَلَّةَأَولاً ثُمَّ أَبرأَهُ المُستأْجِرُ عن الدَّعاوى، لا تُسمعُ دَعواهُ، وهذا إِذا جَحدَ الآجِرُ أَن يكونَ الزَّرعُ للمستأْجرِ، وإِن مُقراً أَنَّهُ للمُستأْجرِ، يُؤمَرُ بالدفعِ إِليهِ». انتهى.
ومِثلَهُ في «الخُلاصَةِ»، وليسَ في عِبارَةِ «البَزَّازيَّةِ» ما زادَهُ صاحِبُ «الأَشباهِ» في اختِصارِهِعِبارَتَها من قولِهِ: «ولا يَمنَعهُ الإِبراءُ العامُّ». انتهى.
وإِن كانَ صحيحاً في حدِّ ذاتِهِ، لكنْ فيهِ إِيهامٍ أَنَّ الإِبراءَ العامَّ لا عَمَلَ لهُ في منعِ الدَّعوى بالعينِ، مع الإِقرارِ بها بعدَهُ للمُبريءِ، وقد علمتَ أَنَّهُ مانعٌ، وما ساغَ الأَمرُ بالدَّفعِ إِلَّا لإِمكانِ تجدُّدِ المُلكِ لهُ فيها بعدَ الإِبراءِ، كما قدَّمناهُ. انتهى.
ُقلتْ: وكذا لا يَرِدُ النَّقضُ على صاحبِ «الأَشباهِ» بِما قالَهُ فيها عن اليتيمَةِ: «ماتَ عن وَرثةٍ فاقتَسموا التَّركَةَ، وأَبرأَ كُلُّ واحدٍ منْهُم صاحِبَهُ من جميعِ الدَّعاوى، ثُمَّ إِنْ أَحدُ الوَرثةَ ادَّعى دَيناً على الميِّتِ تُسمعُ». انتهى.
لِأَنَّ المُدَّعى عليهِ في الحقيقَةِ هو المَيِّت، أو هوَ المُدَّعي، والوارِثُ قائمٌ مَقامُه، كالوكيلِ، لانتِفاعِهِ بِبراءةِ ذِمَّتِهِ، وبقاءِ التَّركَةَ على حُكمَ مُلكهِ، حتَّى قُدِّمَ بِقضاءِ دينِهِ كتجهيزه، فلم يكن سماع الدَّعوى بِعدَمِ منعِ الإِبراءِ منها في هذا، وسنذكرُ الجوابَ إِن شاءَ اللهَ تعالى عن استِدراكِ صاحِبِ الأَشباهِ على ما سبَقَ منهُ بِقولِه.
لكنْ في مُدايناتِ «القُنيَةِ»: «افترقَ الزَّوجانِ وأَبرأَ كُلُّ واحدٍ منهُما صاحِبَهُ عن جميعِ الدَّعاوى، وكانَ للزَّوجِ بَذرٌ في أَرضِها، وأَعيانٌ قائمةٌ، فالحصادُوالأَعيانِ القائمةِ لا تدخلْ في الإِبراءِ عن جميعِ الدَّعاوى». انتهى.
َويدخلُ في الإِبراءِ العامَّ، الشُّفعَةَ، فهو مُسقِطٌ لها قضاءً لا دِيانَةً، إِن لم يقصدْها كما في «الوَلواجِيَّةِ»، وفي «الخانِيَّةِ»: «الإِبراءِ عن العينِ المغصوبةِ، إِبراءٌ عن ضمانِها، وتصيرَ أَمانةً في يدِ الغاصِبِ».
وقالَ زُفرُ: «لا يَصِحُّ الإِبراءُ وتبقى مَضمونَةً، ولو كانَت العينُ مُستهلَكةٌ صَحَّ الإِبراءُ، وبرِيءَ من ضمانِ قيمَتِها» انتهى.
وقالَ في «جامعِ الفُصولَينِ»: «قالَ المُدَّعي: لا دَعوى لي قِبلَ زَيدٌ، أَولاخُصومَةَ لي قِبَلَه، بَطُلَ دَعواهُ عليهِ، إِلَّا في حادثٍ بعدَهُ، ولو قالَ برِئتَ من دَعواىَ في هذاالدَّارُ لا يبقى لَهُ حقٌّ فيهِ، وكذا لو قالَ بَرِئتَ منْ هذا القُنّ، يبقَى القُنّ وَديعةً عندَهُ، وَيبرَأَ منْ ضمانِهِ». انتهى.
وفي «الخُلاصةِ»: «أَقامَ البيِّنةَ على إِبرائِهِ عن المغصوبِ، لا يكونُ إِبراءً عن قيمةِ المَغصوبِ، وإِنَّما هوَ إِبراءٌ عن ضمانِ الرَدِّ، لا ضمانِالقيمةِ، لأَنَّ حالَ قيامِهِ الرَدّ واجبٌ عليهِ لا قيمَتِهِ، فكانَ إِبراءٌ عمَّا ليسَ بِواجبٍ عليهِ». انتهى.
قُلتْ: يعني لَيسَ بِواجبٍ الآنَ حالَ قِيامِ العينِ، حتَّى إِذا مَنعَها بعدَ الطَّلبِ، أَو استَهلَكها بعدَ الإِبراءِ، ضَمِن. انتهى.
ثُمَّ قالَ في «الأَشباهِ»: «فقولُهُم: الإِبراءِ عن الأَعيانِ باطِلٌ، معناهُ: لا تكونُ مُلكاً لهُ بالإِبراءِ، وإِلَّا فالإِبراءِ عنها لِسُقوطِ الضَّمانِ صَحيحٌ، أَو يَحمِلَ الأَمانَةَ». انتهى عبارة «الأَشباهِ».
وفي «فَتاوى ابنِ الشَّلبي»: «أَقرَّت أَنَّها لا تَستَحِقُّ ولا تستَوجِبُ قِبَلَ جماعةٍ من وَرثَتِها، عيَّنتهُم حالَ الإِشهادِ حقَّاً، ولا استِحقاقاً، ولا دَعوى، ولا طَلَباً بِوَجه، ولا شيئاً منْ الأَشياءِ كُلِّها مُطلقاً جَليلِها وَحَقيرِها، قَليلِها وكثيرِها، ولا يَميناً باللهِ تعالى، ولا فِضَّةً ولا ذَهَباً ولا وَديعةً ولا عارِيَةً، إِلى غيرِ ذلكَ منْ أَلفاظِ البَراءَةِ، وثَبَتَ عِندَ حاكِمٍ شافِعيِّ، وحَكَمَ بِمُوجِبهِ، فهل تُسمعُ دَعوى وَرَثتِها على أَحدٍ منْ المَذكورينَ بشيءٍ تقدَّمَ على تاريخِ البَراءةِ؟».
فأَجابَ الشَّيخُ شِهابِ الدِّينِ الرَّمليِّ الشَّافِعيِّ: «لا تُسمعُ دَعوى وَرثَتِها، ولا أَحدٍ منهُم بِحقٍّ لِمُوَرِّثتهِممُتقدِّمٌعلى تاريخِ الإِشهادِ، لِقيامِهِم مَقامَ المُوَرِّث، وهوَ لوكانَ حياً لم تُسمعْ دَعواهُ بهِ، لِأَنَّه سبَقَ منهُ ما يُنافِيها واللهُ تعالى أَعلم».
وكَتبَ تحتَ خطِّهِ بالمُوافَقةِ، العلَّامةِ المُحقِّقُ الشَّيخِ ناصرِ الدِّينِ الَّلقَّانيِّ المالِكيِّ، والشَّيخِ شِهابِ الدِّينِ أَحمَد بن [يونُس الحنَفِيِّ، وشَيخٌ الإِسلامِ شِهابِ الدِّينِ أَحمَد بن] النَّجَّارِالحَنبَليِّ الفُتوحِيِّ ـ رَحِمَهُمُ اللهُ ـ.
وفي «فَتاوى قارِئَ الهِدايَةِ»: «سُئِلَ إِذا أَقرَّ شَخصٍ بِأَنَّهُ لا يستَحقُّ على فلانٍ حقَّاً، ولا يميناً باللهِ تعالى إِن وَجبَ [لما مضى] منْ الزَّمانِ وإِلى تاريخِهِ، ثُمَّ ادَّعى المُقِرُّ بِدعوى ثانيَة، هل يَحلِف؟ أَجابَ: لا تُسمعُ دَعواهُ عليهِ، ولا يَمينَ عليهِ لِأَنَّ اليَمينَ بعدَ صِحَّةِ الدَّعوى». انتهى.
وفي «الأَشباهِ»: أَبرأَهُ إِبراءً عامَّاً، ثُمَّ أَقرَّ بعدَهُ بالمالِ المُبرأْ مِنهُ، لا يعودُ بعدَ سُقُوطِهِ». انتهى.
وقالَ الشَّيخُ زينٌفي رِسالَتِهِ في الإِبراءِ: «قالَ الإِمامِ الطَّحاوي في كتابِ الشُّروطِ: أَنَّه لا يحلفُ إِتفاقاً بعدَ الإِبراءِ العامِّ». انتهى.
تنبيه:
لَو قُيِّد الإِبراءُ، فأَقرَّ أَنَّه لا حقَّ لي على فلانٍ فيما أَعلم، ثُمَّ أَقامَ بيِّنةً لهُ عليهِ بحقٍّ مُسمَّى قَبلَ هذا الإِقرارِ، فإِنَّها تُقبلُ بيِّنتُهُ، وهذهِ البَراءةِ ليست بِشيءٍ. هكذا ذَكرَ في الكتابِ، [ولم يُحكَ فيهِ خِلافاً].
[منْ مَشايِخنا مَنْ قالَ: ما ذُكِرَ في الكتابِ]، قولُ أَبي حَنيفَةٍ ومُحمَّدٍ، فأَمَّا على قَولِ أَبي يوسُفَ: لا يَصحُّ دَعواهُ، فلا يُقبَلُ منهُ، ومِنهُم منْ قالَ: هذا عِندَهُم جميعاً، وكذا إِذا قالَ: في قلبِي، أَو في رَأيي، أَو فيما أَظنُّ، أَو فيما أَحسبُ، أَو حِسابي، أَو في كِتابي، فهذا كُلُّهُ بابٌ واحِدٌ.
ولو قالَ: «قدْ علِمتُ أَنَّهُ لا حقَّ لي على فلانٍ، لم أَقبلْ منهُ بيِّنةً». كذا في خزانَةِ المُفتيينَوالتَّتارخانيَّة: «لا أُخاصِمُكَ، لا أَطلبُ منكَ شيئاً منْ ما لي قِبَلَك فهذا ليسَ بشيءٍ».
وفي «شَرحِ المنظُومَةِ» لابنِ وَهبان: «أَقرَّ على تَركِ الدَّعوى، تُسمعُ دَعواهُ، ولو قالَ: لا دَعوى لي عليهِ، لا تُسمعُ». قالَهُ شَرفِ الأَئِمَّةَ المكِّي، وقالَ جَلالُ البُخاريِّ: لا تُسمعُ في الفَصلَينِ.
«وإِذا قالَ: تركتُهُ أَصلاً ـ يعني ما ادَّعاهُ ـ فهوَ إِسقاطٌ لما يَدَّعيهِ وإِبراءٌ. ولو قالَ: تركتُ دعوايَ وفَوَّضتُ أَمري إِلى الآخِرَةِ لا تُسمعُ دَعواهُ بعدَهُ».
فبِهذا اتَّضَح صِحَّةَ البراءَةِ العامَّةِ، وصِحَّةِ منعِ المقرِّ بِدعوى شيءٍ سابِقٍ عليها وارِثاً كانَ أَو غيرِه.
*تَتمَّةٌ في البَراءةِ المُقيَّدةِ بِقَدرِ:
رَجلٍ جاءَ بشاهِدَينِ على رَجلٍ بأَلفِ دِرهمٍ، [وجاءَ المطلوبُ بِشاهِدَينِ على البَراءةِ بأَلفِ دِرهمٍ]، فهذا على وُجوهٍ ثلاثةٍ: َ
أَحدُها: أَن يكونَ المالُ مُؤرَّخاً، والبراءةٌ غيرُ مُؤَرَّخةٍ، أَو كان أَحدُهما مؤَرَّخاً والآخَرُ لا، ففي الوَجهِ الأَوَّل: إِن كانَ تاريخُ البراءَةِ بقدرِ تاريخش المالِ، يُقضى بالبَراءَةِ، وإِن لم يكنْ أَحدُهما مُؤرَّخاً يُعملُ بالبَراءةِ، وكذا لو كانَ تاريخِهِما سَواء، يُعمَل بالبراءَةِ.
وإِنْ كانَ صكالمالِ مُؤرَّخاً والبراءَةِ غيرِ مُؤرَّخةٍ، أَو على العكس، يُعملُ بالبراءَةِ، كذا في «التَّتارخانيَّةِ»، وفي «شرحِ منظومةِ ابنِ وهبانِ»، «قالَ لآخرَ: لا دَعوى لي عَليكَ اليومَ، ليسَ لهُ أَن يَدَّعي بعدَ اليومِ بسببٍ مُتقدِّمٍ».
تنبيه:
«لا يَصِحُّ الإِبراءِ عن الدَّينِ قَبلَ لُزومِ أَدائِهِ، إِلَّا في مَسائِل»، نَبَّه عليها في «البَحرِ» من بابِ خَيارِ الشَّرطِ، فليُتنبَّه لهُفي حُكمِ البراءَةِ. انتهى.
ولايُطلَبُ بهِ كفيلاً ولو قَرُبَ الأَجل، ولا يُمنعَ المَدينَمن السَّفرِ، ولا يَحلفَ. وإِذا سكتَ المُقَرُّ لهُ صَحَّ الإِقرارِ، ويرتَدُّ بِردِّه، وكذلكَ الإِبراءِ عن الدَّينِ.
واخْتَلفَ المشايخُ في اشتِراطِ مجلسِ الإِبراءِ لِصحَّةِ الرَدِّ. انتهى.
ولا يصحُّ تعليقُ الإِبراءِ بصريحِ الشَّرطِ، كإِنْ أَدَّيتَ إِليَ غداً كذا، فأَنتَ بَريءٌ من الباقي، ويصحُّ تعليقَهُ بمعنى الشَّرطِ، نحوَ قولِه: أَنتَ بريءٌ منْ كذا، على أَن تؤديَ إِليَ غداً كذا، لما فيهِ من معنى التَّمليكِ ومعنى الإِسقاطِ. انتهى.
*تنبيه مهم:
علمتَ أَنَّ الشَّرطَ ما كانَ على خَطرِ الوُجودِ، فلا يَصحُّ تعليقُ الإِبراءِ عن الدَّينِ بِه، كما إِذا قالَ لمَديونِهِ: «إِن مِتَّ (بنصبِ تاءِ الخِطابِ) فأَنتَ بَريءٌ، لا يَصحُّ. لأَنَّهُ كقوله: إنِ دخلتَ الدَّارَ فأَنتَ بريءٌ، وأَمَّا لو قالَ: إِن مِتُّ (التاء مضمومه) فأَنتَ بريءٌ، أَو أَنتَ في حِلٍّ، جازَ. لأَنَّهُ وَصيَّة». كما في «العِماديَّةِ»، و «جامعِ الفُصولَينِ»، و «قاضي خان»، و «التَّتارخانِيَّةِ»، عن «النَّوازِلِ» فليُتنبَّه لهُ فإِنَّهُ مُهمٌ.
وفي مدايناتِ «الأَشباهِ والنَّظائرِ»، الإِبراءِ يرتدُّ بالرَدِّ، إِلَّا في مسائلٍ:
الأُولى: إِذا أَبرأَ المُحتالُالمُحالَ عليهِ، فردَّهُ لم يرتدْ.
الثانية: إِذا قالَ المَديونُ: أَبرِئني، فأَبرأَهُ لا يَرتدْ.
الثالثة: إِذا أَبرأَ الطَّالبُ الكفيلَ، فردَّهُ لم يرتدّ، وقيلَ يرتد.
والرابعة: إِذا قَبِلَهُ ثُمَّ ردَّهُ، لميرتدْ انتهى. وإِذاعادَ إِلى التَّصديقِ بعدَ الرَّد، فلا شيءَ لهُ إِلَّا في الوقفِ. انتهى.
فرعٌ مهمٌ: في «التجنيسِ والمزيدِ»:
«قالَ لمكاتبِهِ: وهبتُ لك َ ما لي عليكَ، فقالَ المُكاتِبُ: لا أَقبلُ، عُتِقَ المكاتِبُ، والمالُ دينٌ عليهِ، لأَنَّ هبةَ الدَّينِ ممَّن عليهِ الدَّينِ يصحُّ من غيرِ قَبولٍ، ويرتدُّ بردِّهِ، فلم يظهرْ انتقاضَ الهبَةَ في حقِّ انتقاضِ العتقِ». انتهى.
غَريمُ الميِّتِ إِذا أَبرأَ الميِّتَ عن الدَّينِ فردَّه وارثَهُ، على قولِ محمَّدٍ لا يصحُّ ردُّه، لأَن الدَّينَ ليس عليهِ، وعلى قولِ أَبي يوسُفَ يصحُّ لأَنَّه هو المطلوبُ بالدَّينِ.
وإِذا قَبضَ رَبُّ الدَّينِ دَينهُ، ثُمَّ أَبرأَ المديونَ منهُ، يَرجِعُ المديونُ على ربِّ الدَّينِ بما قُبِضَ منه، في اختيارِ شمسِ الأَئِمَّةِ السَّرخْسي، والصَّدرِ الشَّهيدِ.
وذكرَ خَواهِر زَادَه: أَنَّه لا يرجعُ، وهو اختيارِ بعضِ المشايخ، كذا في «العِماديَّة». وقال في «الأَشباهِ»: «يرجعُ إِذا أَبرأَهُ براءةَ إِسقاطٍ، وإِذا أَبرأَه براءةَ استيفاءٍ، فلا رُجوع». انتهى.
وهِبةُ الدَّينِ كالإِبراءِ منهُ، إِلَّا في مسائِلٍ:
منها لو وَهبَ المُحتالُ الدَّينَ من المُحالِ عليهِ، رجعَ المُحالُ عليهِ بهِ على المُحيلِ، ولو أَبرأَه لم يرجعْ.
ومنها: الكفالةُ كذلك، ومنها: تَوقُفِها على القَبولِ، ومنها: لو شَهِدَ أَحدُهما بالإِبراءِ، والآخرَ بالهبةِ، ففي قبولِ الشَّهادةِ خلاف. انتهى.
قلت: وتَوقُّف صحَّة هبة الدَّينِ على القَبولِ، هو قولُ زُفر ـ رحمه الله ـ، لمَّا قال في الخُلاصةِ: ذكرَ الإِمام السَّرخْسي في نُسختهِ: أَنَّ هبةَ الدَّين لا تصحَّ من غيرِ قبولِ المديونِ.
قال المصنِّف ـ رحمه الله ـ: وهذا قولُ زفر ـ رحمه الله ـ، وكأَنَّه اختارَ قولَه، وما ذكرَ في «شرحِ الشَّافي» قولَ أَصحابِنا الثَّلاثةِ، وعليهِ الفتوى. ثُمَّ قالَ في هبةِ المرأَةُ مهرها لزوجِها: إِن لم يقبلْ الزَّوجُ الهبةَ، لا تصحُّ الهبة، وقد ذكرنا الجوابَ المختارَ، أَنَّه يصحُّ من غيرِ قَبولٍ. انتهى.
«الوكيلُ بالبيعِ، إِذا قبضَ الثّمن، ثُمَّ أَبرأَ ذمةَ المشتري عن الثَّمن، صحَّ، ويُردُّ الثُّمن على المشتري، وإِذا كان للصغيرِ دينٌ، فصالَحَ أَبوهُ أَو وَصيُّه على بعض، وحطَّ عنهُ، إِن وجب بمعاقَدتهِ صحَّ الحطُّ، ويضمنُ عندَ أَبي حنيفةَ ومحمَّد، كالوكيلِ إِذا أَبرأَ المشتري عن الثَّمنِ، وإِن لم يكنْ بمُعاقدتهِ، لا يصحُّ، لأَنَّه تبرَّع بمالهِ». كذا في العِماديَّةِ.
الباب الثاني
في رد إبطال البراءة العامة بما اشتبه من النقول، وبيان وجه رده، وإظهار أن ما استندإليه ليس وجها لما ظنه الراد المبطل.
إعلمْ أنَّ ما صرَّح بهِ في الأَشباهِ من قولهِ: أنَّ الوارث إِذا أبرأَ إبراءً عامَّا، بأنأقَّر أنَّه قبضَ تركةَ مورِّثه، ولم يبقَ لهُ فيها حق إلَّا استوفاهُ، ثُمَّ ادَّعى شيئاً من تَركةِ مورِّثه، وبرهنَ عليهِ، قُبِل ذلك منهُ، ليس فيهِ شيءٌ من الإبراءِ العامِّ ولا الخاص، بل هوَ إقرارٌ مجرَّد، وهو لا يقتَضي منعَ الدَّعوى، فلم يكنْ من قبيلِ الإِبراءِ العامِّ الحاصلِ المخصوصِ بهِ يقتضي اثباتِ الحقِّ له دون المُقرِّ.
كيفَ وقد بيَّنهُ وأَوضحَه بأَداةِ الحصرِ بالصورةِ المذكورَةِ، الَّتي ليس فيها خطابٌ لمعيَّنٍ يقتضي التَّملكِ منهُ، والإِختصاصِ بهِ دونَ المُقرَّ؟ فكانَ ترجمةً منهُ بالإبراءِ العامِّ، ولم يُمثَّل له بمثال.
ولم أرَ في كلامِ أَئِمَّتِنا ممَّن ذكر هذه المسألةَ، زِيادةَ هذه التَّرجمةِ الَّتي هي: الوارثُ إِذا أَبرأَ إِبراءً عامَّاً.
وإنَّما يبتَدونَ بقولِهم: أَشهدَ الولدُ على نفسِهِ، أو أَقرَّ الوارثُ على نفسِهِ، إِلى آخرِه كما سنذكرُهُ، وبيان إِيضاح ذلك بما نذكره منَ النُّقولِ.
منها: ما قالَ في «المُحيطِ»: «لو قالَ: لا دَينَ لي على أحدٍ، ثُمَّ ادَّعى على رجلٍ ديناً صحَّ، لاحتمالِ أنَّهُ وَجبَ بعدَ الإِقرارِ».
وفي «نوادِر ابن رُستُم»: «عن محمَّد ـ رَحمهُ اللهُ ـ: لو قالَ كلُّ من لي عليهِ دينٍ، فهوَ بريءٌ منهُ، لا تبرأَ غُرماؤُهُ من دُيونِهِ، إلَّا أن يَقصِدَ رجلاً بعينِه، فيقولَ: هذا بريءٌ ممَّا عليهِ، أو قبيلةَ فلانٍ وهُم يُحصونَ، وكذلك لو قالَ: استوفيتُ جميعَ مالي على النَّاسِ من الدَّينِ، لا يصحُّ، لما عُرِف في كتابِ الهبةِ، هبة الدَّين وإبرائِهِ». انتهى.
ونصُّه في الهبة: «هبةُ الدَّين ممَّن عليهِ الدَّين، إِبراءٍ وإسقاطٍ حقيقةً، فالجهالَةُ ـ أَي في الدَّينِ ـ لا (تمنع) صحَّتهُ ـ أي الإِبراءِ ـ، ولو حلَّلهُ من كلِّ حقِّ له عليهِ، ولم يعلمْ بما عليهِ، بريءَ حُكماً لا ديانةً عندَ محمَّد، وقال أبو يوسُف: بريءَ ديانةً أيضاً، وهو الأصحُّ، كما لوعَلمَ بما عليهِ. انتهى.
وقالَ في «التَّجنيسِ والمزيدِ»: «وعليهِ ـ أي على قولِ أبي يوسُف ـ الفتوى». انتهى.
ثُمَّ علَّلهُ في المحيطِ بقولهِ: «لأنَّ الإِبراءَ إِسقاط، ولهذا يصحُّ بلفظِ الإِسقاطِ، ولا يفتقرُ صحَّته إِلى القَبولِ، وجهالةُالسَّاقط لا تمنَع صحَّةَ الإسقاطِ، لأَنَّه مُتلاشٍ فلا يرِدُ عليهِ التَّسليمِ والتَّسلُّم، ليُفضيإلى المُنازعةِ، وصار كالمشتري إذا أَبرأَ البائِع عن العُيوبِ، صحَّ. وإِن لم يُبيِّن العُيوبَكذا هنا». انتهى.
وفي «العماديَّةِ»: «لو قالَ: أَبرأَتُ جميعَ غُرمائِي، لا يصحُّ الإِبراءِ. قالَ أَبو الَّليثِ: وعندِي أنَّه يصحُّ». انتهى.
وفي «خزانةِ المفتيينَ»: «ولو قالَ: أَبرأْتُ جميعَ غُرمائِي، لا يجوزُ الإِبراءِ، إِلَّا إِذا نَصَّ على قومٍ يُحصونَ، وعندَ أبي الَّليثِ ـ رحمه الله ـ صحيحٌ». انتهى.
وفي «قاضي خان» من كتابِ الوصايا: «رَجلٌ قالَ: أَبرَأتُ جميعَ غرمائِي، ولم يُسمِّهم ولم ينوِ أَحدٌ منْهم بِقلبِهِ، قالَ أبو القاسِم: روى ابنُ مقاتِل عن أصحابِنا: أَنَّهم لا يُبرَّؤونَ».
وفي «الظُهيريَة»: «لو قالَ: استوفيتَ جميعُ مالي على النَّاس من الدَّينِ، لا يصحُّ، وكذلكأبرأتُ جميع غرمائِي، لا يصحُّ، إلَّا أنْ يقولَ: قبيلةَ فلانٍ، وهُم يُحصونَ، فحينَئذٍ يصحُّ إقرارَه وإبراؤه».
وفي «الحاوي الحصيري» وفي «الجامع الأصغر»، قال: استوفيتُ جميعَ مالي على النَّاس من الدَّينِ لم يصح، وكذا لو قالَ: أبرأتُ جميعَ غرمائِي، لم يكنْ براءةً، حتَّى ينُصَّ في المسألَتينِ على مُعيَّنٍ، ولو قبيلةَ فلانٍ وهُم يُحصون، فحينَئذٍ صحَّ الإِبراءُ والإِقرارُ. انتهى
والإباحةُ من المجهولِ جائزةٌ، وبِهِ يُفتى، فهِيَ تخالِف الإبراءَ، قال: إن تناولَ فلانٌ من مالي، فهو له حلالٍ، فتناولَ فلانٌ قَبلَ العلمِ لا يضمَن، وتجوز الإباحَةِ وإن عمَّمَ وقالَ: كلُّ إِنسانٍ، فأكلَ منهُ إنسان، قالَ ابنُ سَلمَة: يضمَن لأَنَّه إبراءٌ، وإبراءُ المجهولِ لا يصحُّ، وقال ابن سلَّام: لا يضمَنْ، لأنَّه إِباحة، والإباحةَ من المجهولِ جائزةٌ، وبه يفتى.
حاللنيمن كل حق هو لك علي، ففعل، برئ عند الثاني مما علم وما لم يعلم، وعليه الفتوى.
وفي «القُنيةَ»: «جعلتُ غرمائِي في حِل، لا يَبرؤُون عندَ عُلمائِنا، وعندَ ابنِ مُقاتِل يَبرؤُون.
ولو قالَ: جعلتُ غريمي فلان في حِل، لا يَبرأ، لأنَّهُ معلومٌ دونَ الأول. م عن محمَّد: من كانَ لي عليهِ شيء، فهو في حل، لا يَبرؤُون، ولو خَصَّ فقالَ: فلان في حلٍّ ممَّا لي عليهِ، يبرأْ، ومثله عن أبي يوسف.
ولو قالَ: رجلٌ كانَ معه ألِ درهمٍ أو متاعٍ فقالَ: الألِفُ الَّتي كانَت معيَ أمس، لم أَقرِضها أَحداً، أو لم يقبضْها منَّي أحدٌ، ثمَّ ادَّعى بعدَه غصبها على رجلٍ، وأقامَ بيِّنة لا تقبل، لأنه أكذبهم، لأن هذا شيء معين.
ولَو قالَ: ليس لي على أَحدٍ شيء، أو لم أقرضْ أَحداً شيئاً، ثُمَّ أقامَ البيِّنة على رَجل، تُقبل لأنه ما عين.
ولو قالَ: ما لي بالكوفةِ داراً وما ليفي دورِها داراً، وقالَ: ما لي في الدُّنيا داراً، أو قالَ: ما لي على أحدٍ شيئاٍ، وقال: أخذتُ منْ كانَ لي عليهِ شيء، فله أنْ يدَّعي، لِأنَّه لم يُبرئ أحدا يُعرَف». انتهى عبارة «القنية».
وفي «المحيط»: «من باب ما يَمنع صِحَّة الدَّعوى وما لا يمنع: «ابن سَماعةَ عن محمَّد: لو قالَ ـ أي عندَ عدمِ المُنازِعِ ـ: هذه الدارُ ليست لي، أو لعبدٍ في يدِه ليسَ هذا لي، [ثُمَّ أقامَ البيِّنة أنَّها له، يقضى لهُ لأنَّ قولَهُ ليس هذا لي] لم يثبت حقا لأحد، وكلُّ إقرارٍ لا يَثبتُ بهِ حقٌّ لإنسان، فهو ساقط».
ومثله في «الخلاصة»، «لو قال: هذه الدار ليست لي، ثم أقام البينة أنها له، قبلت بينته، لأنه لم يقر لرجل معروف». انتهى.
ثم قال في «المحيط»: وذكر هشام عن محمد: رجلقال مالي بالري حق في دار وأرض، ثم ادعى، وأقام البينة في دار في يد إنسان بالري تقبل». انتهى.
وذكرَهُ قاضي خان عن أبي يوسُف، فقالَ: «وعن أبي يوسف: إذا قالَ: ما لي بالكوفَةِ داراً، وقالَ: ما لي على أحدٍ مال، ثمَّ ادَّعى بالكوفةِ داراً، أو ادَّعى مالاً على رجلٍ، سمعدَعواهُ، لأنَّه لم يُبيرئَ إنسانٍ بعينِه، فتُسمعُ دَعواهُ». انتهى.
ثم قال في «المحيط»: «فإن قالَ: ليسَ لي بالرَّي في ِرستاق كذافي يدِ فلانٍ دارٍ ولا أرضٍ ولا حقٍّ ولا دَعوى، ثمَّ أقامَ البيِّنة أنَّ لهُ في يديه داراً، أو أرضاً لا تُقبل، إلَّا أن يقيمَ البيِّنة أنَّه أخذهُ من بعدِ الإقرارِ». انتهى. ومثله في «الخلاصة»،ومثله في «قاضي خان».
وفي «فصول العمادي»: «أشهدَ الإبنُ على نفسهِ، أَنَّه قَبضَ جميعَ تركةِ والدِه، ولم يبقَ له من تركة والده قليلٍ ولا كثيرٍ إلَّا استوفاه، ثمَّ ادَّعى بعدَ ذلك داراً في يدِ الوصي، وقال: هذهِ من تركةِ والدي، تركَها ميراثاً ليولم أَقبِضها، فهُو على حُجَّته، وأقبلُ بيِّنته وأقضي لهُ.
أَرأَيتَ إن قالَ: قد استَوفيتَ جميعَ ما ترَك والدي منَ الدَّينِ على النَّاس، وقبضتُ كلَّه، ثُمَّ ادَّعى على إنسانٍ أنَّ لأبيهِ عليهِ مالاً، ألم أقبلْ بيِّنته عليهِ، وأقضي له بالدَّين». انتهى.
وفي «الظهيرية»: «وصيُّ الميِّت، إذا دفعَ ما كانَ في يدِهِ من ترِكَة الميِّتِ، إلى ولد الميت، وأشهَد الوَلدُ على نفسهِ أنَّه قبضَ تركةَ والدِه، ولم يبقَ له من تركةَ والدِه قليلٍ ولا كثيرٍ، إلَّا قد استوفاهُ، ثُمَّ ادَّعى في يدِ الوصي شيئا وقال: هذا من تركةِ والدي، وأقامَ البيِّنةَ على ذلك، قُبِلت بيِّنته، وكذلك إذا أَقرَّ الوارِثُ بذلك، ثُمَّ ادَّعى شيئاً أنَّه تركةَ الميِّت، تصحُّدعواه». انتهى.
ومثله في «خزانة المفتيين»، حرفا بحرف. انتهى.
وفي كتابِ الإِقرارِ من «الأصلِ»: «وصيُّ الميت أقَرَّ أنَّه قدقبضَ كلَّ دَينٍ لفلانٍ الميِّت على النَّاس، فادَّعى غريمُ الميِّتِ على الوصي: أنَّي دفعتُ إليكَ كذا و كذا، و قال الوَصيُّ: ما قَبضتُ منكَ شيئاً، ولا علمتُ أنَّه كان للميِّت عليكَ دين، فالقولُ للوصي مع يمينه.
ولَو قامَت بيِّنةً على أصلِ الدَّين، لم يلزَم الوصيِّ شيء، لأنَّه لم يقبضْ شيئاً من الرِّجالِ بعينه، ولم يضفهُإلى آخر وهوَمجهولٌ، وكذا في قولِهِ قبضتُ كُلَّ دَينٍ لفلانٍ بالكوفةِ، أو أضافَ إلى مِصرَ أو سَواد، وكذا الوَكيل بقَبضِ الدَّين والودِيعةِ والمُضاربةِ، في جميعِ ذلك سَواء». انتهى.
كذا في «الحاوي الحُصيري»، ومثله في «الظُهيريَّة»، ومثله في «التَّتارخانيَّة»، ومثله في «جامعِ الفُصولَينِ»، ومثله في «الدرر والغرر» عن «الخانية». انتهى.
وفي «العِماديَّة»، «إذا قالَ الوارثُ: تركتُ حقِّي لا يَبطُل حقُّه، لأنَّ الملكَ لا يَبطُل بالتَّرك، والحقُّ يبطلُ بالتَّركِ، حتَّى إنَّ واحداً من الغانِمينَ لو قالَ قبلَ القِسمةِ: تركتُ حقِّي يَبطُلُ حقُّه». انتهى.
وفي «خزانةِ المفتيين»، «لو قالَ صاحِبُ الأَجلِ: برئتُ من الأجلِ، أو قال: لا حاجةَ لي في الأجلِ، لم يبطلْ الأجلِ.
ولو قالَ المطلوبُ للطَّالبِ: بَرئتَ من الأَجلِ بنصبِ التَّاء، يَبطُلُ الأَجلُ، وإذاقالَ الطَّالِبُ: برئتُ عن الدَّينِ الَّذي على فلان، برفع التاء، يبرأْ المديونُ عن الدَّينِ، وهو الصَّحيحُ. وإذا قالَ تركتُ الأجلَ، ففيهِ روايتانِ». انتهى.
وقالَ «العِمادي»: «ذكر في «الجامع الصغير»: عينٌ في يدِ رجلٍ يقولُ: هوَ ليسَ لي، وهناكَ من يدَّعي، يكونُ إقراراً بالمُلكِ للمُدَّعي، حتَّى لو ادَّعاهُ لِنفسهِ لايقبل».
قالَ الإمامُ ظهيرِالدِّين في «فتاواه»: «والحاصِلُ أنَّ قولَ صاحِبَ اليد: أنَّ هذا العينِ ليسَ لي عندَ وجودِ المنازِعَ إقرارٌ بالمُلكِ للمُنازِع، على روايةِ «الجامعِ»، وعلى روايةِ «الأصلِ»، لَيس بإقرارٍ بالملكِ لهُ، لكنَّ القاضي يَسأل ذا اليد أهُوَ مُلكُ المُدَّعي؟ فإِن أقرَّ بهِ أَمرَه بالتَّسليمِ إليهِ، وإن أنكَر يأمرُ المُدَّعي بإِقامةِ البيِّنة عليهِ». انتهى.
وقال في «الفيض» للبرهانِ الكركي: «المدعى عليهِ إذا قال: ليس لي، أو المدعى به ليس بِمُلكي، يكونُ إقراراً للمدعي على قولٍ، ولا يكون إقراراً على قولٍ، وهو الراجح». انتهى.
ثُمَّ قالَ «العِمادي»: «ولَو أَقرَّ بما ذَكرنا غَيرَ ذي اليَد؛ يعني: قالَ: هذا العينِ ليسَ لي»، ذَكَر شَيخِ الإِسلامِ في «شرْحِ الجامِع»: أَنَّه يمنعهُ من الدَّعوى بعدَهُ للتَّناقُض، وإِنَّما لا يمنَع ذا اليَد على ما مرَّ لِقيامِ اليَد». انتهى. ونقلهُ عنه في «الدُّرَرِ والغُرر» من غيرِ زِيادَة. انتهى.
وبَحثَ صاحِبُ «جمْعِالفصولينَ»، «بما يقتضي إتِّحادِ الحُكمَ، فليُراجِعهُ من يَرومُه» انتهى.
وكذا ذكَرهُ في «الحاوي الحُصَيري»، عن «الجامعِ الكبيرِ»: «دارٌ في يَد رجلٍ، أقامَ الآخَرَ البيِّنة أنَّ الدَّار دارَه، ثُمَّ أقامَ المدَّعى عليهِ البيِّنةَ أَنَّ المدَّعي أقرَّ أنَّها لَيست لهُ، بطُلت بيِّنتُه، وإنْ لم يقر بها لإنسانٍ معروفٍ». انتهى.
«وعِندَ عدمِ المُنازِع لا يصحُّ نفيُه، أي نفيَ ذياليَد مُلكَه حتَّى لو ادَّعى هذا العينِ رَجلٍ اخَرِ، وادَّعاهُ ذو اليدِ ايضاً وقالَ: هو لي، صحَّ دَعوى ذي اليَد باتِّفاقِ الرِّواياتِ» انتهى.
ثُمَّ قالَ «العِمادي»: «إذا قالَ ذو اليدِ ليسَ هذا لي، أو ليسَ مُلكي، أَو لا حقَّ لي فيهِ، أو لَيسَ لي فيه حقّ، أو ما كانَ لي، أو نحوَ ذلكَ، ولا مُنازِعَ لهُ حينَ ما قال، ثُمَّ ادَّعى ذلكَ أحد، فقالَ ذو اليد: هو لي، صحَّ ذلك، والقَولُ قولهُ.
وهذا التَّناقُض لا يمنعُ، لأَنَّ قولَهُ ليسَ هذا لي، وأَشباهُ ذلك، ممَّاذكر لم يُثبِتْ حقَّاً لأحد، لأنَّ الإِقرارَ للمجهولِباطِلٌ، والتَّناقُض إِنَّما يمنعُ إذا تضَمَّنَ إبْطالُ حقٍّ على أحد». انتهى. ومثله في «الفيض». انتهى. ومثله في «خزانة المفتيين». انتهى.
فبِهذا علمتَ الفرقَ بينَ صيغَةِ أبرَأْتٌكَ، أو لا حقَّ لي قِبَلَك، وبينَ صيغةِ قبضتُ ترِكةَ مُوَرِّثي، أو كلُّ منْ لي عَليهِ دَينٍ فهُو بَريء، ولم يخاطبْ مُعَيَّنا بالإِبراءِ، فيقولُ هذا بريءٌ ممَّا لي عليهِ، ولا قبيلةَ فلانٍ وهُم يُحصونَ، وبِمثلِ هذا يُفرَّقُ، لأنَّ إِبراءَ المجهولِ لا يصحُّ، وإِبراءُ المعلومِ ولَو مِنْ مجهولٍ صَحيحٍ. وإِليهِ أشَاَر في شَرحِ «منظومَةِ ابن وهبان».
وعلِمتُ أنَّ ما استَندَ إِليهِ المُبطِلَ، ليسَ وَجهاً لما زَعمهُ من إِبطالِ الإِبراءِ العامِّ الحاصِلِ بِقولِ المُبرِئَ: لا حقَّ لي قِبَل فلانٍ، بإِقرارِ الوارِث أنَّهُ قبضَ جميعَ ترِكةِ مُوَرِّثه.
وعلمتَ أَيضاً بُطلانَ فتوى بعضِ أَهلِ زَمانِنا، بِأَنَّ إبراءَ الوارثِ وارِثاً آخرَ إبراءً عامَّاً، لا يمنعُ من دَعواهُ بعدَهُ بشيءٍ من التَّركةِ، واعلمْ أنَّه قالَ في «منظومَةِ ابن وهبان»: «وإنْ قالَ: لا شيءَ من الإرثِ عندَه لنا، ثُمَّ من بعدِ ادَّعى ليس ينكر».
وقالَ في شَرحهِ المسأَلةَ من «قاضي خان»: «قال: وصيُّ الميِّتِ إذا دَفعَ ما كانَ في يدِه من تَرِكةِ المَيِّت، وأَشهدَ الوَلدُ على نفسِهِ أَنَّه قبضَ تركَة والدِهِ، ولم يبقَ له حقٌّ من تَركةِ والدهِ، قليلٍ ولا كثيرٍ، إلَّا قدْ استوفاهُ، ثُمَّ ادَّعى في يد الوَصي شيئاً، وقالَ هذا منْ تركَةِ والدي، وأقامَ البيِّنةَ، قُبلَت بيِّنتُه.
وكذا لو أَقرَّ الوارِثُ، أنَّهُ استوفى جميعَ ما على النَّاسِ من ترِكةِ والدِه، ثُمَّ ادَّعى على رَجلٍ دَيناً لوالدهِ تُسمعُ دعواهُ». انتهى.
وحَيثُ صرَّح النَّاظِمُ، بأنَّ المنظومَ هو هذا المذكورِ في قاضي خان، ففيهِ تساهُل، لأَنَّ قاضي خان لم يُقيِّدهُ هنا بالظَّرفِ المضافِ إلى ضميرِ المُخاطَبِ، ليقتَضيَبَراءةَ المُخاطَب ممَّا عندَهُ على ما تُوهِّم، فلا يُرَدُّ ما قالهُ المُصنَّفُ، عن صاحبِ «الفوائدِ» الطَّرسوسيِّ: «أنَّ قولَهُم النَّكِرةَفي سِياقِ النَّفي انتَقضَبهذا، ولا يُحتاجَ إِلى ما أَجابَ بهِ ابن وهبان، من إِمكانِ حملهِ على ما قَبضَ، يعني لم يبقَ لهُ حقٌّ ممَّا قبضَه». انتهى.
وَنبَّهتُ بقولي: لم يُقيِّدهُ هنا لتعلمَ أنَّ قاضي خان: ذكرَ المسألةِ في كتابِ الإِقرارِ مُطلَقةً عن التقييدِ بمُخاطَبٍ، وهو الَّذي ذَكرهُ ابن وهبانَ عنهُ شرحاً. وفي كتابِ الدَّعوى عن «المُنتقى» مُقيَّدةٌ به، وهوَ المُطابِق لما نظَمهُابن وهبان، فكانَ عليهِ وعلى الشَّارحِ ابنِ الشُّحنةِ، التنبيه على ذلك.
قُلتُ: وعلى تقديرِ ذكرِ الخِطابِ، وإِرادَةِ الوَصيِّ بالخِطابِ، كما ذكرَه ابن الشُّحنةَ عن «العماديَّةِ»، نقلاً عن المُنتَقى فلا يُمتنعُ الدَّعوى بعدَه، لأنَّ لفظةَ عندَ خاصَّةٍ بالأَمانةِ كما قدَّمناهُ، عن «المحيطِ» وهيَ من الأَعيانِ، والمدَّعى بهِ عين، والإِبراءُ عنها لا يَصحُّ، بخِلافِ الإِبراءِ عن دَعواها، وليسَت حاصِلةً بهذا الإِقرارِ.
*تنبيه في إقرار المريض مرض الموت بالقبض والإبراء
أَقرَّ المريضُ مرَضَ الموتِ، أنَّهُ كانَ أَبرَأَفلاناً عن الدَّينِ الَّذي لهُ عليهِ في صحَّتِه، لم يجُزْ، بِخِلافِ الإِقرارِ بالقَبضِ. كذا في «خزانةِ المفتيينَ».
وقالَ قبلَهُ المريضِ مرضَ الموتِ إذا أقرَّ أنَّه [أسبَق في] من غريمِه، فإن كانَ الدَّينِ وَجبَ لهُ على الأَجنبي في حالِ الصِّحةِ، فإقرارُهُ جائزٌ باستيفائِه، وإن كانَ عليهِ دَينٍمعروفٍ، سواءٌ وجبَ الدَّين الَّذي أقرَّ باستيفائِه بدلاً عمَّا هوَ ليسَ بمالٍ؛ كبدلِ الصُّلحِ عن دمٍ عمدٍ، والمهرِ، ونحوِه، أو بدلاً عمَّا هوَ مال.
وإِن كانَ الدَّينِ الَّذي أقرَّ باستيفائِهِ، وجبَ لهُ على الأَجنبي في مرضِ الموتِ، وعليهِ دينٍ مَعروفٍ، ودينٍ وجبَ في المرضِ، بمعاينةِ الشُّهودِ، فإن كانَ الَّذي أقرَّ باستيفائِهِبدلاً عمَّا هو مالٍ كالثَّمن ونَحوه، لا يصحُّ إقرارَهُ بالاستيفاءِ، وإنْ كانَ ديناً عمَّا ليسَ بمالٍ؛ كبدلِ الصُّلحِ عن دمِ العمدِ، فإن أقرَّ بالإستيفاءِ جازَ، وإنْ كانَ عليهِ دينٍ معروفٍ.
«وَإبراءُ الوارِثُ لا يجوز، سواءٌ كانَ عليهِ دينٍ أو لم يكنْ، والإقرارُ بقبضِ الدِّينِ من الوارثِ لا يصحُّ». انتهى.
الباب الثالث:
في رَدِّ إِبطالِ البَراءةَ العامَّة، بِمسألةِ الصُّلحِ الَّتي حكاها المُبطلُ عن «الأَشباهِ» بقوله: «وكذا إذاصالحَ أحدُ الوَرثةِ، وأَبرأَ إِبراءً عامَّاً، ثُمَّ ظهر شيءٌ من تركتِهِ لم يكنْ وقت الصُّلحِ، الأَصحَّ جوازَ دعواهُ في حصته». انتهى.
فلتعلمْ أنَّها ليست أيضاً من هذا القَبيلِ، لأَنَّه عزاهافي «الأَشباهِ» إلى صُلحِ «البزَّازيَّة» ونصُّها: «[قال تاجُ الإسلامِ، وبخطِّ صدرِالإسلام وجدتُهُ صالَحَ أحد الورثةِ، وأبرأَ إبراءً عامّاً، ثمَّ ظهرَ شيءٌ في التَّركة، لم يكنْ وقتَ الصُّلحِ، لا رِوايَة في جواز الدَّعوى، [ولقائلٍ أن يقولَ: يجوزُ ردُّ دعوى حِصَّته منهُ، وهو الأصحُّ]، ولقائِلٍ أن يقولَ: لا». انتهى عبارة «البزازية».
فنَقلَها في «الأَشباهِ» بما فيه اشتِباهٍ لا يَليقُ إطلاقَهُ؛ لأَنَّه أصلُه معزوٌ إلى الخطِّ، وفيه نظرٌ ظاهرٌ.
ومع ذلك، لم يُقيَّد الإبراءِ بكونِهِ لمُعيَّنٍ ولا لغيرِه، وقد علمتَ اختلافِ الحُكمِ في ذلك، ثمَّ إن كانَ المرادُ به اجتماعُ الصُّلحِ الَّذي ذكرهُ أصحابِ المُتونِ والشُّروحِ في مسأَلةِ التَّخارُج مع البَراءةِ العامَّة لمُعيَّنٍ، فلا يصِحُّ أن يُقالَ روايةًفيه، كيف وقد قالَ قاضي خان كمَا قدَّمناهُ عنهُ: «اتَّفقت الرِّواياتِ على أَنَّ المُدَّعي لو قالَ: لادَعوى لي قِبَلَ فلانٍ يَصِح، حتَّى لا تُسمعَ دعواهُ عليهِ إلَّا في حادثٍ بعدَ البَراءَةِ». انتهى.
وإِن كانَ المرادُ بهِ الصُّلحُ والإِبراءِ، بِنحوِقولِ الوارِثِ: قبضتُ تركةَ مُوَرِّثي، ولم يَبقَ لي فيها حقٌّإلَّا استوفيتُ، إِلىخِره، فلا يصِحُّ أيضاً أن يُقالَ: لا رِوايةَ فيهِ لما قدَّمناهُ من النُّصوصِ، [على صحَّةِ دعواهُ بعدُه، على أَنَّنا قدَّمنا حكايةَ اتَّفاقِ الرِّواياتِ]، على صحَّة دعوى ذي اليدِ المقِرِّ بأنَّ لا مِلكَ لهُ في هذه العينِ عندَ عدمِ المنازِع.
وَالَّذي يتراءَى من تلكَ العبارَة، أنَّ المرادَ منها: الإِبراءَ الغيرِ مُعَيَّنٍ مع ما فيهِ، فلَم تمتَنع الدَّعوى هُنا، لأنَّ المدَّعى بهِ عين.
وكذا بتقديرِ أنْ يكونَ المُدَّعىبهِ دَيناً، بحملِ الشَّيءِ عليهِ، لما قدَّمناهُ من النُّصوصِ المصرَّحةِ بصحَّتِه لمعيَّنٍ، وبمنعِ الدَّعوى بشيءٍ سابقٍ على البراءةِ.
على أنَّنا لو تَنزَّلنا وسلَّمنا أنَّ المُرادَ بهِ الصُّلحُ والإِبراءُ المُعَيَّن، وقطعنا النَّظرَ عن إتِّفاقِ الرِّواياتِ، على منْعهِ من الدَّعوى بعدَه، فهوَ مبايِنٍ لما في «المُحيطِ»، عن «المبسوطِ»، و «الأصلِ»، «والجامِعِ الكبيرِ»، ومشهورِ الفتاوَى المُعتَمدةِ، «كقاضي خان»، و «الخُلاصةِ»، فيُقدَّم ما في الشُّروحِ والمتونِ ومشهورِ الفتاوي، ولا يُعدَلُ عنها إليهِ.
ولا يَصحُّ أنْ يُرادَ بهِ الصُّلحَ فقط دونَ الإِبراءِ العامِّ مع وُجودِ النَّص عليهما. ولو سلَّمَ إرادَةِ الصُّلحَ فقط، فهوَ صحيحٌ، لما قالَ العِمادي: «ذكر ظَهير الدَّين المرغينَاني في شُروطِهِ: إِذا صالَحَ أحدُ الوَرثةِ الباقينَ منَ التَّركةِ وفيها أَعيانٍ؛ عروضٍ وعقارٍ وحيَوانٍ وأَمتعةٍ، والمدَّعي لا يدري ما هي، وجميعُها في يدِ المدَّعى عليِهم جازَ الصُّلحُ عندنا، خِلافاً للشَّافِعي - رحِمهُ اللهُ –، بناءً على أنَّ الإِبراءَ عن الحقُوقِ المجهولَةِ، جائزٌ عندنا، وعندَهُ لا يجوزُ.
وقالَ أبو القاسِم الصَفَّار: «إِنَّ الإِبراءَ عن الدُّيونِ المجهولةِ جائزٌ، وأمَّا الصُّلحُ عن الأعيانِ المجهولةِ، لايصِحُّ؛ لأنَّ فيه معنى البيعِ، وهو تَمليكُ نصيبِهِ إيَّاهُم، ولِأَنَّ التَّركةَ لا تَخلو عن دَينٍ، فلو جازَ هذا أَدَّى إلى تمليكِ الدَّين من غيرِ َمن عليهِ، وأنَّه لا يجوز».
ولكنَّ الأَصحَّ أنَّ هذا الصُّلحَ يجوز، والجهالَة إنَّماتكونُ مانعةً من الجوازِ، إذا كانت مانعةً من التَّسليمِ، أمَّا الجهالةُ بنفسِها، فلا تكونَ مانعةً، وهنا غيرُ مانِعة، لأَنَّ التَّركة في أَيديهِم، فوقَع الإستغناءُ عن التَّسليمِ، وأمَّا قولُه: أَنَّ التَّركةَ لا تخلو عن دّينٍ، قلنا هذا وَهم، وبهِ لا يثبُتُ الفسادِ، إذ لو اعتُبرَ هذا الوَهم لما صحَّ عقدٌ في العالَم. انتهى.
وقدَّمنا عن «القُنيَةِ»: «لو أبرأَه بعدَ الصُّلحِ عنْ جميعِ دَعاويهِ وخُصوماتِه صحَّ، وإن لم يحكُمْ بصِحَّةِ الصُّلحِ». انتهى.
فَبطُلَ هذا السَّند المتمَسَّك بهِ المُبطلَ في إبطالِه الإبراءِ العامِّ لمُعيَّنٍ.
وأَمَّا ما ذَكرهُ في حُجَّتِه بقولهِ: «وكذاإذا كانَ في التَّركةِ دَينٌ على النَّاسِ»، فأَخرجوهُ بأن يكونَ لوارثٍ خاصٍّ إلى آخِرِه، فلَيسَ في حُجَّةِ البراءَةِ اشتِراطِ الدَّينِ لأحدٍ، فهو إدْراجٌ وتمويه، لا يُظَنُّ رواجَه على ذوي الفضائل.
ثُمَّ قولُه: «استخَارَ اللهَ – تعالى –،وأَبطلَ ونَقض حُكمُ البَراءةِ»، يُنادي بعدمِ العلمِ بحقيقةِ ما كان مُريداً فعلُه، لأَنَّ الإستخارَةَ فيما لم يُعلم حقيقةَ أَمرِه، والحُكمُ لا يَصدُرُ إلَّا عن علمٍ لا ظنّ.
فبِهذا علمتَ بُطلانِ حُجَّةَ الإِبطالِ، وتحقَّقت صحَّةُ البراءَةُ العامَّة للمُعيَّن، في حُجَّتها على أَنَّ حُجَّة الإِّبطالِ مشتَملةً على وُجوهٍ من الخَللِ بحيث لو انفَردَمنها واحد، لكانَ كافياً في إِبطالِها، ضربنا عن ذِكرِها، لأَنَّه لا يُحتاجُ إلى بيانِ ذلك، لِبطلانِها من الأَصلِ لا بأمرٍ عارِضٍ.
الخاتمة:
حيثُ علمتَ بما تقدَّمَ، حقيقَةَ المُرادِ من تلكَالمسائِلَ الَّتي ليست سنداً لما ظنَّه، فليتنبَّه لما غَرَّه في ذلك الإِشتباه، من كلامِ صاحبِ «الأَشباهِ» باستِثنائِهِ خمسُ صُورٍ، قال: تُقبَل فيها الدَّعوى بعدَ الإِبراءِ العامِّ، فإِنَّه غيرُ مُسلَّم.
أمَّا صورتانِ منها: فقد علِمتَهافي بيانِ ردِّ الإِبطالِ وهُما: إِقرارُ الوارِثِ بقبضِ التَّركةِ بعدِ دَفعِ الوصيِّ له التَّركة، ومسأَلةُ الصُّلحِ.
والثالثة هي: إِقرارُ الوارِث بأَنَّه قَبضَ جميعَ ما على النَّاسِ من تركةِ أَبيهِ، وقدَّمنا أَيضاً أنَّها ليست من صُورِ الإِبراءِ العامِّ ولا الخاص المَخصوصِ.
والرابعة: الإِبراءُ العامُّ في ضِمنِ عقدٍ فاسدِ، وإِنَّما ساغَ الدَّعوى بعدَه لفسادِ الإِبراءِ بِفسادِ الصُّلحِ فانعدَمَمنْ أَصلِهِ، فلا يُقال: يُستثنى مع بقائِهِ كذا، وهذا بخِلافِ الإِبراءِ الحاصِلِ بعدِ الصُّلحِ، ولو كانَ الصُّلحُ فاسداً، إلَّا في ضِمنِ الفاسِدِ كهذا.
والخامسة: وهي الَّتي صَدرَ بها في كلامِهِ بقولِهِ: نَحوَلا حقَّ لي قِبَلَه، إلَّا ضمانِ الدَّركِ فإنَّهُ لا يدخُل، َفيُقالَ هذا مُستفادٌ حُدوثِه بعدَ البَراءَةِ، من قولِ قاضي خان الَّذي قدَّمناهُ عنهُ بصيغَةٍ اتَّفقَت الرِّواياتُ على أَنَّ المُدَّعي لو قالَ: «لا دَعوى لي قِبَلَ فلانٍ، ويَصِحُّ حتَّى لا تُسمعَ دَعواهُ عليهِ إلَّا في حادثٍ بعدَ البَراءة». انتهى.
لأَنَّ الإِستِحقاقَكانَ مُنعَدماً وقتَ البَراءةِ، وَإِنَّما حدثَ بإِثباتِ استِحقاقِ المبيعِ بعدها، فلم تَشمَلهُ البراءَةَ، فلا يُستثنى، ولهذا قالَ في القُنيةَ: لو أَقرَّت بالغَداةِ أَنَّها لا دَعوى لها عليهِ، فلَها أَنْ تَطلُبَ مِنهُ بالعَشيِّ النَّفقةَ، لأَنَّها تجبُ ساعةً فَساعة. انتهى.
فبَقِيَ الإِبراءُ العامُّ في كلامِ الأَئِمَّة على عمومِهِ، من غيرِ استثناءِ شيءٍ ممَّا ذَكرَه منهُ في «الأَشباهِ والنَّظائِر»، على أَنَّ كلامَ صاحِبَ «الأَشباهِ» فيها، عندَ كلامِهِ على حُكمِ الدَّينِ، يُنافي هذا الإِستثناء، وكذلكَ ما صرَّحَ بهِ في رِسالتِهِ في الإِبراءِ العامِّ، من التَّنصيصِ على منْعِهِ من دَعوى الموروثِ وغيرِه، إِلَّا شيئاً حدَثَ بعدَ البَراءَةَ.
وأَمَّا ما ذكَرَه في «البَحرِ» عن «القُنيَةِ»، وقدَّمناهُفي كلامِه في «الأَشباهِ» عنها بقولهِ: «افتَرقَالزَّوجانِ وأَبرأَ كّلٍّصاحِبَهُ عن جميعِ الدَّعاوى، و للزَّوجِ أَعيانٌ قائِمةٌ، لا تَبرَأَ المرأَةُ منها، ولهُ الدَّعوى، لأَنَّ الإِبراءَ إِنَّما ينصَرِفُ إِلى الدُّيونِ لا الأَعيانِ». انتهى.
فالجوابِ عنهُ: أَنْ يُحمَلَ قولُ «القُنيَة»: وإِبراءُ كُلِّ صاحِبَهُ عن جميعِ الدَّعاوى، على حصولِهِ بصيغَةٍ خاصَّةٍ، كقولِه: أَبرَأتُها عن جميعِ الدَّعاوى ممَّا لي علَيها، لِيَختصَّ بالدُّيونِ فقط، لِكونهِ مُقيَّداً بما لي عليها، يُؤَيدُ هذا، بل بعينِه ما علَّلَ بهِ في «القُنيَة» من قولهِ: «لِأَنَّ الإِبراءَ إِنَّما ينصرفُ إِلى الدُّيونِ» انتهى.
فانظُر إِلى أداةِ الحصْرِ، في تَعليلِهِ، فإِنَّهُ لا يَصحُّ إلَّا بالنَّظرِ إلى الإِبراءِ الخاص، فإنْ لم يُحمَل على ما ذكَرتُه، من تصويرِ الإِبراءِ بالصُّورَةِ الخاصَّةِ بالدَّين، يُبطِلُ قولَ أّئِمَّةالحنفيَّةَ: أنَّ الإِبراءَ عن دَعوى الأَعيانِ صحيحٌ، وأَنَّ الإِبراءَ عن دَعوى الأَعيانِ، يشمَلهُ الإِبراءَ المُطلَق العامّ، كما تقدَّم.
ولِأَنَّه لم يقتَصرْ في «القُنيَة» على هذا في صورِ الإِبراءِ، فإِنَّه قالَ فيها كما قدَّمناهُ: «أَبرأَهُ بعدَ الصُّلحِ عن جميعِ دَعاويهِ وخُصوماتِه، صحَّ، وإِن لم يَحكُم بِصحَّةِ الصُّلحِ. وقدَّمنا عنها أَيضاً لو قالَ: لا تَعلُّقَ لي على فلانٍ فهوَ كقولِهِ: لا حقَّ لي قِبَلُه فيتناولَ الدُّيونَ والأَعيانَ». انتهى.
فإِذا لم يُحمَل على ما قُلناهُ، تَعارَضَ النَّقلُ في منعِ الإِبراءِ العامِّ، من دَعوى الأَعيانِ بمسأَلةِ إِبراءِ الزَّوجَينِ، ولا يَصحُّ أنْ تختصَّ المرأةُ بعدمِ البراءَةِ عن دَعوى الأِعيانِ، مع وُجودِ الإِبراءِ العامِّ من الزَّوجِ بكونِها زَوجة، لأَنَّهُ فَرَّقَ بصورةِ المسأَلَةِ، على أَنَّها بعدَ الإِفتراقِ صارت أَجنبيَّةً، فلا وَجهَ لتَخصيصِها بعدمِ البَراءَةِ عن دَعوى الأَعيانِ.
ولو بقيَ على ظاهرِ المُعارضةِ، فلا يُعدَلُ عنْ كلامِ «المبسوطِ»، و «المُحيطِ»، و «كافي الحاكِمِ»، وغيرِها، المُصرِّح بِعُمومِ البراءَةِ، لكلِّ من أِبرَأَ إِبراءً عامَّاً إلى كلامٍ نُقلَ في «القُنيَة» مع ما يُعارِضهُ فيها، بمِثلِ ما في «المبسوطِ» و «كافي الحاكِم»، ذُكِرَ بعلامةِ ظهيرِ تمرتاشي وكمال بياعي، فلا يجوزُ أن يُعدَل إلى كلام هذين ويُتركَ ما في «المبسوط» و «الكافي»، ومن وافقهما.
هذا وأَنَّ صاحبَ «البَحرِ» ادَّعى فيه: «أنَّ عباراتِ الكُتبِ المشهورةِ تُعطي التَّفصيلَ في إِنشاءِ الإِبراءِ عن دعوى الأَعيانِ، بينَ كونَهُ حاصلاً بِطريقِ الخُصوصِ، كما إِذا أَبرأَهُ عن دَعوى هذهِ العينِ فلا تُسمعُ دَعواهُ بالنِّسبةِ إلى المُخاطبِ، وتُسمَعُ دَعواهُ بالنِّسبةِ إلى غيرِه، وبينَ كونهِ حاصلاً بطريقِ التَّعميمِ، فلهُ الدَّعوى على المُخاطَبِ وغيرِه، ولهذا قالَ في «القُنيَة»: افترقَ الزَّوجانِ وأَبرأَ كلٍّ صاحبَهُ إلى آخرِهِ، ولم يذكر لذلكَ وجهاً غيرَ ما استظهرَ بهِ من كلامِ «القُنيَة»، في مسألةِ إِبراءِ الزَّوجَينِ وهو لا يقتَضي الفَرقَ».
وتَبعهُ على ذلكَ تلميذُهُ الشَّيخِ شَرفِ الدَّين الغَزِّي، في حاشِيَتهِ على «الأشباه والنظائر»، من غيرِ زيادةِ شيءٍ على الإستِظهارِ المذكورِ، وهوَ استظهارٌ ربَّما يَظهَر خلافَ المدَّعي، كيفَ وقد نصَّ في «القُنيَة» على صِحَّةِ إِنشاءِ الإِبراءِ عن دَعوى الأَعيانِ بطريقِ العُمومِ كما قدَّمناهُ، بقولهِ: «لو أَبرأَهُ بعدَ الصُّلحِ عن جميعِ دعاويهِ وخُصوماتِه صحَّ، وإِنْ لم يُحكَم بِصحَّة الصُّلحِ». انتهى.
لأنَّ قولَهُ: أَبرأَهُ، يَصِحُّ تعلُّقهِ بقولِهِ: عن جميعِ دعاويهِ [وخُصوماتهِ، وإِنْ صَحَّ تَعَلُّقَ قولِه عن جميعِ دعاويهِ] بقولهِ بعدِ الصُّلحِ، فالإِبراءُ غيرُ مقيَّدٍ بشيءٍ، فكان عامَّاً. انتهى.
وفي «الحاوي الحُصَيري»، ذكرا صُلحاً، وفي آخِرِه: «وأَنَّهُ أَبرأَه عن جميعِ دعاويهِ وخُصوماتِهِ» قالَ: «إِبراؤُهُعن جميعِ دعاويهِ وخُصوماتهِ صحيحٌ».
فهذا وبِما قدَّمنا ظهرَ أنَّ إنْشاءِ الإِبراءِ عن دعوى الأَعيانِ لا يفترِقُ بينَ كونِهِ حاصلاً بطريقِ الخُصوصِ أَو العُمومِ، في إِفادةِ البراءَةِ عن دَعوى العينِ على من خُوطِبَ بالبراءَةِ مُطلقاً،، فتَعيَّنَ حملُ مسأَلةَ إِبراءِ الزَّوجَينِ على ما ذكرتُه توفيقاً بين كلامِ الأَئِمَّةِ، إذاً هو واجبٌ مهما أَمكن.
على أَنَّ صاحبَ «الأشباه» ذكرَ فيها ما يُناقِضُ هذا، كما قدَّمناهُ منْ قوله: «الإبراءُ عن دَعوى الأَعيانِ يشمَلهُ الإبراءِ العامَّ، فساوى قَولَ المُبرئَ: أَبرأْتُ فلاناً عن جميعِ الدَّعاوى، قولُه: لا حقَّ لي قِبَلَ فلانٍ، فيُمنعُ من دَعواهُ عليهِ بشيءٍ سابقٍ على ذلك كما قدَّمناه.
ومَن يَدَّعي الفَرقَ عليهِ إثباتُ الدَّليلِ لهُ، كما هو معلومٌ عندَ ذوي الفضائِلِ الفُحُولِ الأَعلامِ، إِذْ لَيسَ جميعُ ما سطَّرتهُ الأَقلامُ، يكونُ رائجاًعلى صدورِ الأَنامِ، المُنتشِر في أُفُقِ الأَحكامِ، صيحِ نظرهم جاليَ الشُّكوكِ والأَوهامِ، أَدامَ اللهُ نَفْعَهُم للخاصِّ والعامِّ، وقد وافقَ كمالُ الجمعِ بِختامِ شهرِ الصِّيامِ، سنةَ اثنينِ وأَربَعينَ بعدَ الأَلِف، فلَنِعمَ موافقَةِ الخِتامِ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنامُحمَّد خاتَم النَّبيِّين الكِرام، وعلى آله وأَصحابِهِ النَّاقِلينَ أَحكامَ شريعتهِ بمزيدِ الضَّبطِ والإِحكامِ على الدَّوام. انتهى. [نقلها يوم الإثنين 19 شعبان سنة 1316].