استحقاق السؤدد باشتراط الريع أو السكن في الوقف للولد
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
سناء نايف عناد الشهوان
إشراف
أ. د. صلاح محمد سالم أبو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
استحقاق السؤدد باشتراط الريع أو السكن في الوقف للولد
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
سناء نايف عناد الشهوان
إشراف
أ. د. صلاح محمد سالم أبو الحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
حَمّداً لمَن بعنايتهِ بذوي رِعايتِهُ قد اسعَد، وشُكراً له تعالى لمنّهِ عليهم بِمعرفةِ أحكام (الوقف) وأشهد، فاطلِعهُم على دقائقِ اسرارِ النصوصِ وأَوجَدَ، والصلاةُ والسَّلامُ منَ الله الواحدِ الاحدِ، على السّيّدِ السّنَدِ الأمجد، مَلْجَأِ الانبياءِ، وملاذِ الأصفياء اذ يُقصد، الحبيبِ المُصطفي خيرِ خلقِ الله احمد، وعلى آلهِ واصحابهِ والتابعين علي الابدِ.
فيقول العبدُ الملَتجيّ إلى موَلاةُ الصَّمدِ، حَسَنٌ الشّر نُبلاليُّ (1)،وقد اسْتَمَدَ لبيان حادثه من وافرِ المَدَدَ، تتعلَقُ باشتِراطِ استحقاق الرَّيع وسَكني الولدِ، هل يملكُ كُلاّ باشتِراط الأحد؟ أو يقتَصِرُ على ما بيّنَ له كما وَرَدَ؟ وَسمَّيتُها:
بـ «استحقاق السؤود باشتراط الرّيعِ أو السّكن في الوقف للوَلد»
وهو أنهُ قد وَرَدَ سُؤالٌ فمن شُرطَ له الرّيعُ، هل يملك السّكنى؟ أو شُرطَ له السّكنى، هل يملك إجارةَ الموقوفِ وإعارته؟ أو ليسَ له إلا القرارُ؟ وما حُكمُ العمارةِ؟ بينوا الجوابَ بأوضحِ عبارةِ، ولكُمُ الثّوابُ منَ الكريم الوَهّاب، وهذا الجوابُ بالنصوصِ المُصَرّحةِ بالحكم، وبيان ما فيها من الاضطرابِ، وتحريرها، ليعلمها أُولو الالبابِ، طمَعاً في القبولِ وتيسيرِ الحسابِ يومَ المآبِ.
قالَ الشيخُ الإمام المُحققُ، كَمال الدينِ ابنُ الهمام، في «شرح الهداية، فتح القدير «،وليَسَ للموقوفِ عليهم} الدارُ سُكناها، بل الاستغلالُ، كما ليسَ للموقوف عليهم {السكنىَ الاستغلال انتهى.
ومثلهُ في «اوقاف «الإمام هلال «التجنيس والمزيد «(3)،لكن اقتَصَرَ الإمامُ هِلالٌ (4) في «أوقافه «على مسائلة مَنِ له، السّكنىَ، ومنعِهِ مِنَ الاجارةِ، فلم يذكُر حُكمَ مَن لهُ الغلةُ اذا ارادَ السّكنىَ، واقَتَصَرَ في «التجنيس «على قلبِ المسألةِ، فذكر مسألة من له الغّلةُ، ومنعهِ منَ السّكنىَ.
فقال الإمامُ هلالٌ رَحمَهُ الله: أرأيتَ مَن صار له في السُّكنىَ هذه الدّارِ حَقٌ، اَلَهُ أن يؤُاجره، قال: لا، قلتُ: ولمَ؟ قالَ: لأنه يُوجبُ للمِستأجر فيها حقَّ الإجارة، فلا يجوزُ له ذلك، ألا تَرى أنَّ ابا حنيفةَ رَحمُه الله، كان يَقولُ: لو أنَّ رَجُلاً أوصى لرجُلٍ بسُكنَى دارٍ، لم يَكُن له أنَ يُؤاجرها، فكذلك الذي يُجعل له سكنى هذا الوقفِ، ليسَ له أن يؤاجره، ثم ذَكَرَ أنه يُسكّنُ مَن أحَبَ بغيرِ إجارةٍ، كالمستعير يعير للسُّكنىَ انتهى.
وقال في (التجنيس والمزيد): رجلاً وقَفَ منزلاً على ولدَيه واولادهما أبداً ما تناسلوا، إذا أرادوا السكنى. ليس لهم حق في السّكنىَ لأن حقهما في الغلةِ لا غير، انتهى.
فقد نص الإمامُ هلالٌ على شرط ما قالهُ، الكَمالُ، ونصَّ صاحبُ «التجنيس والمزيد «وهو مؤلف «الهداية»،رحمهم اللهُ على الشطر الثاني، وجملة ذلك هو نصَّ الخَصافِ في «أوقافهِ» رحمَهُ اللهُ، في الباب الثامن الذي ترجمته، بابُ الرّجلِ يجعل دارهُ موقوفةً يسكنها قوم بأعيانهم، ومن بعدهم تكونُ غلّتها للمساكين، بقولهِ: فإذا بقىَ من أولادهِ واحدٌ، قال: سُكناها له، فإن أراد الواحد أن يُكريها، ويأخذ كِراهَا، قال: ليسَ له أن يُكريها، إنما له أن يَسكُنها. قلت: وإن كان فيها فضل عن سكنه؟ قالَ: ليسَ له ذلك أي كِراها، ليس لمن جُعلَ له سكنى دارٍ أن يستغلّها، ولا لمَن جُعلَ له غلة دارٍ أن يسكنها، انتهى} ما قاله الخصاف في هذا الباب {. ثم إنَّ الإمامَ الخصافَ (5) رحمه اللهُ تعالى،} خَالفَ صنيعه هذا من حيثيةِ أن الموصى له بالغلة {(6) أو (7)،الموقوف عليه الغلة له أن يسكن، ووجه المخالفةِ فاستذكره عن «المحيط»، أنه لاختلاف المشايخ لعَدم الرواية، فذكر الخصاف رَحمه الله تعالى، خالفَ ضيعه هذا من حيثية أن الموصي له بالغلة، في كل باب قولاً، مشى هنا على ما قال به بعضهم، من منع السكنى، وفي الباب الرابع والثلاثين على ما قاله الآخرون من جواز سكنى مستحق الغلة بالوصية ونصه.
ثم في الثاني على الآخر، فقال في الباب الرابع والثلاثين، الذي ترجمته، بابَ الرجلِ يقفُ الدّارَ على قومٍ يسكنونَها، او يستغلونها.
قلت: فهل لهذا المُوصى له بالسكنىً أن يستغلّ هذه الدار؟ قال: لا، ليسَ له ذلك من قبلِ استغلاله إياها، إنما هو بأن يؤاجرها، أو يأخذ غلتها، وليس له أن يؤاجرها من قبل أنه، أذا أجرَها وَجَبَ للمستأجرين فيها حقُّ بإجارتها منه.
قلت: فما تقول: إن اوصي له بغلةِ الدار أيامَ حياتهِ، او سنين معلومةِ؟
قال: الوصيةُ جائزة.
قلت: فهل لهذا المُوصى له بالغلّةِ أن يسكُنَ هذه الدارَ؟
قال: نعم، له أن يسكنها من قبل أن سكناه وسكنى غيره فيها سواءٌ، وليس يوجب بذلك لأحد فيها حق، وهذا لا يشبهُ الموصى له بالسّكُنى أن يؤجرها، لأن سُكنى المُوصى له بالغلة هو مثل سُكنى المستأجر لها.
قلتُ: فالوقف بالسكنى والغلةِ هو مثل الوصيةِ؟
قال: نعم، الحكمُ في ذلك سواء.
قلت: فإذا وقف الرجلُ داراً له على قومٍ بأعيانهم على أن يسكنوها، فليس لهم أن يستغلوها، لأنهم يُوجبونَ بإجارتها حقّ للمستأجر؟
قال: نعم.
قلت: فإن وَقَفَ الدّارَ على قوم يأخذون غلّتَهّا، هل لهم ان يسكنوها؟
قال: إن اتفقوا على ذلك، كان لهم أن يسكنوها.
قلت: فإن اختلفوا، فقال بعضهم: يسكنُ، وقال بَعضُهم: نَستَغِلُ؟
قال: يأمرهم الحاكم بالمهايأة، فإذا تهايؤوا عليها، كان لِمن أرادَ أن يسكن منها سكن، ومن أراد أن يستغلّ استغلّ «انتهى، كلام الخصاف رحمه الله.
فقد جوّزَ السكنىَ للموقوفِ عليه الدارُ لأخذ غلتها، وللمُوصى له بالغلةِ في هذا الباب، ومنعه في الباب السابق، والاختلاف في البابين لاختلاف المشايخ رحمهم الله؛ لعدم الرواية، كما سنذكرهُ عن «المحيط «(4).
وبّينَ هُنا وجهَ الجواز بأنه لا يُوجب بإجارتها حق للمُستأجر لم يًكُن مشروعا، بل كانَ مشروعاً لأخذ الغلةِ لمُستَحقيِها، فسكنىَ المَوقُوف عليه لمستحق الغلة، وسُكنى الموصى له بها مثلُ سُكنى المُستأجر سواءٌ، لا يوجبُ بذلك حقاً لغيرهِ ممتنعاً، فجاز له السكنى، وأنه لا يُشبهُ اَلموُصَىَ له بالسكنى والموقوف عليه للسُّكنى: من قَبل أنه لاُ يؤَجرُهَا؛ لأنه إذا أجّرها المستحقّ للسُّكنى، وجب للمستأجر فيها حقاً بإجارتها منه، وهو ليسَ بمُستحق له.
وأما مُستَحَقٌ الغَلةِ، فالإجارةُ موجبةً للمُستأجر حقاَ فيها لأخذ الغلةِ منه لمستحقها، فسكنى مُستحق الغلةِ لا توجبُ لأحدٍ غيرهِ حقاً، فجازت له السُّكنىَ، وهذا الفرق جلي.
وفيّ «التترخانية»: كان ابو بكر الاسكاف، يقول: المشروط له الغلة، والمُوصّىَ له بها، لهُ أن يَسْكُن، انتهى.
فهو موافق لما قاله الخصاف في هذا الباب.
ويوافقُ ما قاله الخصاف في هذا الباب ما ذَكَره في «البزازية «،عن «النوازل «بقوله: وفي «النوازل «وقف عليه [غلة] دار له السَكنُى وإن وقف عليه السُّكنَى، لم يَكُنْ له الاستغلال
ولكن قالَ في «البزازية «قبلَ هذا، ولا يملِكُ المَصرِفُ السُّكنى في دار له، أو حانوت وقف عليهم، دليل ما ذَكره أَبو جَعْفِر أَنَّ إجارته مِنَ المَصرِف تجوز، ومعلوم أن استِئجار دارٍ له حق السُّكنى لا يجوز، فجوازها دل على ما ذُكْرِ، انتهى.
أي: من أّنَّ من له الغَلَّةُ لا يملكُ السُّكنَى، ثم عقَّبَه بكلام «النِّوازِلِ «،فكان على جهةِ إظهارِ ما يُخالِفِهُ، فتكون الواوُ في قولهِ «وفي ««النوازل «، للحال، فالتقدير أنَّ إفادة كلام أي جعفر تُخالِفهُ نصِّ «النوازِلِ «على استحقاق السُّكنَى، كالغلَّةِ الموقوفِ عليه، والمفهومُ لا يُعِارَضَ المَنطُوق، انتهى.
فأقولُ: أيضاً لقائل أن يقولَ لبيان ترجيح القَول، بِجوازِ سُكنَى مستَحقِ الغلّةِ.
بالوقْفِ ما ذكرَه في «المحيط «: أنَّ الوقفَ مقيسٌ على الوصَّية، ولا نصَّ عنِ الُتقدِّمين في حُكُمِ سُكنى المُوصَى لهُ بالغلَةِ.
واختلف المتأخِّرون في جوازِ سُكّنى الدَّار للمُوصى له بغلَّتها، وجَعلوا الاختلاف في الوصيّة اختلافا في الوُقفِ دلاَلةَ، والحالُ أنّه لا مُساواة كما بينه، فالقائلُ بمنعِ سُكناهُ، جَعَلَ وجْهَ منعه احتمال ظُهور دَين على المُوصي له، ولا يستوفي حالَ سُكنى الموصَى له، بسكناه وإذا أُجرت الدار الموُصى له بغلتها، أمكن قضاء دين المُوصِى بأجرتها، وهذا الوَجُه لا يتصوَّرُ في الدَّارِ المُوقوفةِ، فإنّها خَرجَتْ عن ملك الواقفِ، فلا سبيلَ إلى أَخذِ شيءٍ من غلتها لدَينهِ، فافترق الحالُ بين الوصية الوقفِ، واقَتَنعَ قياسُّ الوَقْفِ على الوَصيَّهِ لهذا الفارق.
على أّنَّه قد يُقالُ: ‘إنَّ النّظَرَ لتوهُّمِ دينٍ على المُوصي، كمَّا جُعِلَ مانعاً من سُكنى المُوصَى له بالغلةِ، كذلكَ يلزَمُ أن يمنَّعَ منْ سُكنى المُوصى له بالسُّكنى بهذهِ الغلةِ، فتنعَدِمُ صورةُ الوصيَّة، بالسُّكنى لهذا، وهي لازمةُ، وقد نَص عليها ابو حنيفة رحمه الله تعالى، فَظَهرَ صِحَّةُ قولَ مُجّوزِ سُكَنى مستحقِّ الغلّةِ بالوقفِ.
وَظَهَرَ توجيهُ الخصِّاف لجوازِ سُكناهُ، بأَنَّ سُكنَى مُستَحقّ الغلَّةِ، وسُكنى غيره في الوقفِ سواءُ، لأَنه لا يُوجبُ حقاً للغيرِ.
وكذا ظهرَ توجيه قول القائل بجواز سكنى المُوصَى له بغلَّتها منها، لأنه لمّا ملكَ أن يُسكِن غيره لأخذ الغلة المُوصَى له بها فلأن يملك أن يسكنها بنفسه أولى كما في «المحيط «.
ولم ينظر مُجّوزُ السكنى إلى احتمال ظهور دين على الموُصي، لأنه أمر موهوم، فكأنه يقول: يمنع القول بعدم جواز سُكنى الموُصَى له بالغلة؛ إذ لا وجه له إلا توهم ظهور دين على الموُصِي. والحال أنه لا دين ظاهر حال ارادته السكنى مع قدرته على اسكان غيره، فيسكن، فإن الأصل براءة الذمة حتى يتبين خلافه.
وكذا يقول مُجوّزُ سُكَنى الموُصَى له بالغلة، رداً على مانع سكناه، متمسكاً ذلك لمانع في منعه بصحة إجاره الدار له: لنا أن نمنع صحة اجارة الدار للموصى له بغلتها، فلا يستنتج من صحة اجارته عدم استحقاق سكناها؛ لأَن المستحق للغلة إذا استأجر على ما ذكره بجواز إجارته، يرد عليه ما أخذ منه لغلة أو أنه لا تؤخذ منه، إذ لا فائده في الأخذ ثم الرد عليه؛ كالحربي إذا جاءنا بأمان، وهم يأخذون جميع ما بيد من دخل منا إليهم بأمان لا نأخذ الجميع، بل نبقى له قدر ما يوصله لمأمنه؛ لأنه يجب أن يدفع إليه قدر ذلك لو أخذنا الكل، فلا فائدة في اخذه ثم رده عليه، كما ذكره «الزيلعي «،كذلك الحكم هنا في الغلة، لا فائدة في استئجار الدار لمُستحقِ غلتها، فلا تجوزها له، واستحق السكنى.
وكلُبس الرجل اليمنى قبل غسل اليسرى وإدخالها في الخف، لا حاجة إلى نزع اليمين ثم لُبسَها، لأنه اشتغال بما لا يفيد كما ذكره «الزيلعي «.
وكذا اجارة الدّار ممن له غلّتها اشتغالٌ بما لا يفيدُ، لأن ما يجبُ عليهِ منَ الأجرةِ على ما ذُكرَ القائلُ بصحةِ إجارة المستأجرِ هو المستحقُ لما يُؤخذُ منه، فلا فائدةَ في الأخذ منه، ثم رَدَّ المأخوذ منه، وله أن يمتنع من الإعطاء، بمنزلةِ من ظَفَرَ بجنسِ مالهِ على غريمهِ لا ينزع منه، وكَمَن وَجَبَ عليهِ شيءٌ لمَن له عليه مَثَله، فَلزِمَ أنَّ هذهِ الإجارة اشتغالٌ بما لا يفيدُ، فَمَنَعت.
وكذا يلزمُ لو صحّت الإجارةُ لمستحقٌ الغلّة، أن يكون مُطالِباً ومُطالَباً بجهةٍ واحدةٍ، وهو ممتنعٌ كالوكيل بالبيع. الإجارة لا تصحُ كفالتهُ بالثمنِ والأجرة، لأنه يصير مُطالِباً ومُطالَباً بجهةٍ واحدة وهولا يجوز.
فلهذا لا يُسلَّمُ القولُ بصحةِ إجارةِ الدّارِ لمستحق غلتها؛ لأنه لا دليلَ ظاهر عليه، لنتجَ الصحة عدم استحقاق السكنى لمن شُرط له الريع، وظَهَرَ أن الاشتغال بهذهِ الإجارة اشتغالٌ بما لا يفيد، فانتفت، وثبتَ استحقاق السكنى لمن له الغلةُ، وَظَهَرَ صحة كلام «النوازل «المُجوزِ لها.
وإشارة قاضيخان بقوله: دارٌ موقوفةٌ، قال بعضهم: لا يكون للموقُوفِ عليه أن يسكن الدار .. إلى آخرمانقل من كلام ابي جعفر الذي تقدم، لأن، قوله: «قال بعضهم «يفيدُ أنه يخالفه ويقول بضدة، وهو كنص الحقائق في الباب الأخير، فيكون هو الراجح على المنع من استحقاقه السكنى، خصوصا إذا شرطت له النظارة كيف يتصور، ان يؤجر لنفسه ما يستحق غلّته؟ وقد جُعلَ الخلاف في استحقاق سكنى الموصى له بالغلةِ اختلافاً في الوقف دلاله، لعدم الرواية عن المتقدمين، وعلمتَ عدمَ المساواة، لأن العلة المانعة في الوصية على احد القولين، وهي خشية ظهور دين على الموصي، لا تكون في الوقف كما تقدم، فلا دلالة على الخلافِ في الوقفِ مُسلمةٌ وإن جعل العلة لمنع لموقوف عليه للغلة احتياج الوقف للعمارة فهي ممنوعة كما سنذكره.
فَظَهَر أَنّه لا وجهَ لمنعِ مُستحق رَيع الوَقفْ، من سُكناهُ، وتَرجَّح كلامُ الحصّاف الأخير المُجِّوزِ له السُّكَنى.
(ولا يعارضُ هذا)،بما قد رأيته على هامش «أوقاف الخصَّافِ «في الباب الثامن، وصُورَتهُ: وما ذَكرَه الخِصَّافُ رحمَه الله هُنا من أنَّ مَنْ جُعِلً له الغلةُ ليسَ له السُّكنى هو المَذهبُ، وأما ما ذكرهُ بعدَ ذلكَ، أي: في الباب الرَّابع والثلاثين من أنه يملِكُ السُّكنَى أيضاً فلعله اختياره. انتهى.
وأقولُ: ليس ذلك مسلِّماً، التَّحريرُ خِلافُه، لمِا ذَكَرناهُ، ولما سنذكُرهُ، لأَن، الذي يظهَرُ أنَّه أخذَهُ من «شَرح منظومةِ ابنِ وَهْبان «حيث قال: [من الطويل].
وًمن وُقفَتْ دارٌ عليه فمالًهُ سِوىَ الأَجرِ والسُّكنِى، فما تيقرَّرُ.
قالً: والمسألة منَ «التجنيس «
ثم قالَ: وفي «الظهيرَّيهِ «: المُوصَى له بغلة الدَّارِ إذا أرادَ سكناها بنفسه، قالً أبو بكر لإسكاف: له ذلك، وقال ابو القاسِمِ وأبو بكر بنُ سعيد: ليسَ له ذلك، وعليه الفتوى.
والوصّيةُ أُختُ الوَقْفٍ، فعلى هذا تكون الفتوى في الوَقْف على هذا، بل أَّولىَ، لأَنه لًمْ ينقلْ فيه اختِلافُ المشايخ. انتهى.
[ثم] إنَّ ابنَ وهبانَ جَعَلَ وَجْهَ مَنع الموقوفِ عليه مِنْ سُكناهُ احتياجَ الدَّارِ للعمارةِ، ولا تُعمَرُ بسُكناهُ.
وقالَ ابنُ الشِّحية العَّلامِةُ (عبدُ البّر) وهذا لا ينهَضُ، لأَّن القاضيَ يأمُره بالعمارةِ، فإن امتَنَع أو عَجِزَ أجرَّها فتُعمدُ، أي ثمَّ تُردُّ إليه بعدَه، فتأمَّل، انتهى.
فالشَّارحُ ابن الشِّحنةِ (4) رحمهُ الله يجنح إلى القَولِ بجَوازِ سكُناهُ، وهو التحقيقُ كما علمتَه.
ثم إَنّي أقولُ لإيضاح ذلك: إنَّ اختيارَ الخصَّاف جَوازَ سُكنَى الدَّار الموقوف عليه في الباب الأخيرِ: إنما كانَ اختيارُه، لأنَه لا مُخالف له في نصُّ الرواية؛ لأنه لا نص عن المُتَقَدمينَ في المسألةِ المقيس عليها، وهي استحقاق السُّكنى، أو عَدمُ الاستحقاقِ في صُوره الوصيّةِ بالغلْةِ، فضلاً عنِ المقيسِ، وهو الوقفُ، ليكون النصُ هو المذهب أو يكون عليه الفتوى.
[فالقَولُ بأَنَّ الفتوى عليه لا وَجْه له، وهو] القولُ المُقابلُ لما إختارَهُ الخصَّافُ ومشى عليه سابقاَ، هو قولُ لبعضِ المتأخرينَ، وقد بين في «المحيط «وجههُ في حق المُوصَى لهِ بالغَلَّة بأنه إنّما لا يملكُ المُوصى له بالغلَّةِ سُكنى الّدَار، خشية ظُهور دين على الميتِ المُوصي، فيقضي من الغلَّةِ، ولا يقضي من سُكنى المُوصى له، فمُنِعَ عنها، وليسَتِ المَوقوفةُ كالمُوصى بسُكناها،
لخروج الموقوفة عن ملكِ الواقِفِ بالمرَّةِ، فلم تُوجَدِ المُساواةُ بين المَوقوفِ والمُوصَى بغَلّتِه من هذا القبيل.
ليمنَع المستحقّ لغلَّة الوَقفْ منَ السُّكنِى، خشيةَ ظهور دَين على الواقفِ؛ لِعدمَ تصوُّرِه أخذِه منَ الموقوف عليه على هذهِ الحالةِ، ولمنعِ وَجْه منعه باحتياج العمارة كما بيناه وقد بينا أرجحية القول بجواز سُكنى مُستحَقّ الرَّيع، وذكّرْنا اقِتصارَ «النوازلِ «عليه، وإشارةَ قاضيخان إلىَ رجحانه.
وقد استَفَدْنا أَنَّه لا نصَّ في الرواية على ذلك ممّا قاله في «المحيط الرَّضَوِِي «: وإِنْ شرِطِ الواقِفُ أن غلتها لهِ، أي: للمَوقوفِ عليه، فلا رِوايةَ فيه؛ أي: في استِحقاقهِ السُّكنَى عن المُتقدمينَ.
واختَلَفَ الُمتأجِّرونَ في المُوصى له بغلَّةِ الدَّار إذا أرادَ أن يسكُنَها، قيلَ: ليسَ لُه ذلك وله أن يُؤجِّرَها، لأنَّه لو جازَ أنِ يسكنها فرُبَّما يظهَرُ ديونُ على المُوصي، ولا يُمكِنُ أن تُقضَى دُيونُه من سُكنى مُستحِقِّ الأّجرِةِ.
ولو أجرها أمكن أن تقضى ديونه من الأجرة، وقيل: له ذلك، لأنه لما ملك أن يسكن غيره، فلأن يملك أن يسكُنها بنفسه أولى، فالاختلاف في الوصية بالغلة يكون اختلافا في الوقف دلالة. انتهى.
وأَقولُ: لا شكَّ على هذا أَنَّكَ ترَى أنَّ مَنْعَ المُستحقِّ للرَّيعِ منَ السُّكَنى في الوَقْفِ على ما قالَ به بعضُهم، وذكرَهِ الخصَّافُ في الباب الثامنِ، إنما هِو بالقياسِ من حيثُ الدّلالةُ على أَنَّ اختِلافً المتأخرين في جَوازٍ سُكِنى المُوصَى له بالَغِّلةِ يكون اختِلافاً في الوَقْفِ دلالةً، وعلِمت عَدَمَ المُساواةِ في وجه المنع؛ لأنه من جانب المُوصي خشية ظهورِ دينٍ عليه، فيمكِنُ قضاؤهُ من الغلِّةِ لا من سُكَنَى المُوصَى له، فيُمنِعَ منَ السُّكنى لهذا وليس ذلك بمُمِكنٍ في الوَقفِ.
فالدلالة ليستْ مُسَلَّمة، كيفَ والحالُ أَنَّه لا نصَّ في الوصِّية بالغلَّةِ أيضاً عن المُتقدِّمينَ لإجارةِ سكنى المُوصى له بالغلة ولا لمنعه عنها؟
ونص المتأخرين المحققين على سُكنى الموقوف للموقوف عليه (المستحق غلتها)؛كالخصَّاف في البابِ الرابعِ والثلاثينَ، لا معارض له بوجهٍ صحيح كما علمتهَ فاعتمد عليه، لظُهورِ وجْهِ جوازِ سكنى المستحق للريع. الحمد لله الملهم للصواب، الحافَظِ من الزيغِ.
• تنبيه: حاصلُ ما تقدمَ وهوَ جوابُ الحادثةِ مُلخَّصاَ: أَنَّه لا خلاف في أَنَه لا يملِكُ الاستِغلالَ مسُتحقاً السُّكنى، حتّى لو كانَتْ منازلُ موقوفةً لسُكنى الإمام ليس له أن يؤجرها كما في «التترخانية «.
واختلف في جواز السكنى لمُستَحق الغَلَّةِ، والَّراجحُ بما تقدَّمَ جوازُها لهِ، والمانِعُ من جَوازها له مُتَمسَّكٌ إَمَّا بصِحَّةِ إجارة الدارِ له، وإمَّا بخشية ظَهورِ دَينٍ على الُموصي.
وعلمْت اندفاع كل منَ الوجهين بغير مين، [وعلِمْتَ اندِفاعَ مَنْع المَوقوفِ عليه منها] بالاحتياج للعمارةِ، فيتَّنبهُ من يُريدُ عُمومَ نفْع الموقوف عليهم لهذا، فيُعَمِّمُ النفع لهم لهذا سَكَناً [وإسكاناً]، [وغلَّةً] واستغلالاً، ولا يقتصِرُ على السُّكنى فقط، [ولا على الاستغلال فقط] لدَفعِ هذا الاختلافِ، والله سبحانه الموفقُ بمنّه (وكَرمِه).
واختلف في جواز السكنى لمستحق الغلة. والراجح بما تقدم جوازها له ولمانع من جوازها له متمسك إما بصحه إجارة الدار له وإما بخشية ظهور دين على الموصي. وعلمت اندفاع كل من الوجهين بغير مين. وعلمت اندفاع منع الموقوف عليه منها بالاحتياج للعمارة.
تنبيه مهم: لمن يريد عموم نفع الموقوف عليهم بجعل نفعهم عاماً لهذا سَكناً وإسكاناً وغلة واستغلال، ولا يقتصر على السكنى فقط، ولا على الاستغلال فقط، لدفع هذا الاختلاف والله سبحانه الموفق بمنه وكرمه.
تتمه لأحكام السكنى: لو زاد المكان الموقوف للسكنى على حاجة مستحقها لا يؤجره وله أن يعُيره، قال في الاسعاف: لو لم يبق عن أولاد الواقف المشروط لهم السكنى غير واحد، وأراد أن يؤجر الدار، أو ما فضل عنه منها ليس له ذلك، وإنما له السكنى فقط.
ولو كثرت أولاد الواقف وضاقت الدار عليهم ليس لهم أن يؤجروها وإنما تقسط سكناها على عددهم.
ومن مات منهم بطلٍ ما كان له من سكناها، ويكون لمن بقي منهم. فلو كانوا ذكوراً و إناثاً وأراد كل من الرجال والنساء أن يسكنوا معهم نساؤهم وأَزواجهن وحشمهم جاز ذلك إن كانت الدار ذات مقاصير وحجر ويغلق على كل واحدة باب.
وإن كانت دار واحدة لا يمكن أن تقسم بينهم، لا يسكنها إلا من جعل لهم الواقف السكنى دون غيرهم، من نساء الرجال ورجال النساء.
ولو جعل سكنى داره لبناته دون الذكو، كانت لبناته لصلبه فقط، ولو كان لهن أزواج، كان الحكم فيهم كالمتقدمة، ولو شرط أن من تزوج منهن فلا سكنى لها، سقط حق من تزوجت، ثم لا يعود حقها بموته أو طلاقها، إلا أن يشرط أن من مات زوجها أو طلقها، عاد حقها في السُكنى.
تتمه في العمارة: إن كان الموقوف عليهم، سكنى الدار جماعة، فطلب بعضهم مرمَّتها وامتنع الآخرون، تقسم سُكنى الدار بينهم، فيدفع لكل ما أصابه فيرمه ويسكنه، ومن أبا ينبغي للقاضي أن يزعجه منه ويؤجر حصته، فيرمها بأجرتها ثم ترد عليه بعد الاستغناء عن المرمه.
وجاز للقاضي إجارتها للعمارة، لأن في تركها خرابها. وليس كإجارة من له السكنى لا العمارة. يعني حتى تكون ممتنعة، فيؤجرها لقاضي ويرم المستحق بما يمنع الدار من التغير عن حالها التي وقفت عليه، وليست عليه الزيادة.
وإن صارت السكنى للمساكين، ينفق عليها من غلتها لعمارتها واصلاحها وما بقي فهو للمساكين والفقراء.
واذا مات الذي له السُكنى بعد ما بناها، كان البناء ميراثاً لورثته دون أهل الوقف، وتؤمر الورثة بدفعه، فإن أراد المستحق للسكنى أخذ البناء بقيمته، ليس له ذلك، إلا برضى الورثة واصطلاحهم على شيء.
فإن كان الميت عمَّر بالأجر حيطانها وجصصها، وأدخل فيها الجذوع، ولا تخلص إلا بضرر شديد على البناء لا يرفع، ولو رضي به المستحق الآن للسكنى لما فيه من الضرر على المستحق بعده.
وليس كالمالك للدار، وقد استحقت بعد العمارة، فإن له تحمل الضرر لاختصاصه به.
ويقال الذي صار له السُكنى الآن، إن شئت فأعط الورثة قيمة مرمّتهم الساعة فتكون له، فإن أبا أجرت، فأعطي الورثة قيمة مرمتها من أُجرتها، ثم ترد بعد المدة للمستحق.
فإن كانت المرمة التي رَّمها الميت ليست قائمة بعينها، ولكنها مستهلكة لا ترى ولا تظهر مثل غسل الحيطان بالجص، ومثل الإنارة في الأرض، وسقي النخل، ليس لورثة هذا الميت من مرمة ذلك قليل ولا كثير.
وإن كان قد أَنفق الميت فيه نفقه عظيمة، لأًن هذا ليس بشيء قائم بعينه، يرى ويظهر، كمن غصب ثوباً فقصره، لم يستحق أجره، ويأخذ الثوب صاحبه ولا يعطيه شيئاً.
وكمن أَنار أَرض غيره، ليس له على صاحبها شيء انتهى.
والله سبحانه وتعالى الموفق بمنه وكرمه، وكان انتهاء الفراغ من تأليفها قبيل الفجر، ليلة عرفة، تاسع الحجة الحرام، سنة تسع وخمسين وألف، غفر الله لمؤلفها ولوالديه ولمشايخه وإخوانه، وستره وذريته وبلغه بغيته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العاملين، آمين.