الجزء 1 · صفحة 5
بسم الله الرحم الرحيم
الحمد لله خالق الأشباح بقدرته وفالق الإصباح برحمته، شارع الشرائع بفضله، ومبدع البدائع بطوله منزل الكتب على الأنبياء، ومنشئ الشهب في السماء، مالك الرقاب، ومذلل الصعاب، رافع العلم ومذيله، وواضع الجهل ومزيله، أرسل الرسل حجة على الجاحدين، وختم باب الرسالة بنبينا خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
قال العبد الضعيف، الراجي بفضل الله الخائف من عدله المعتمد علي کرمه، محمد محمود بن الصدر الإمام الأجل السعيد برهان الأئمة عبد العزيز ابن عمر رحمهم الله تعالى: إن معرفة أحكام الدين من أشرف المناصب وأعلاها، والتفقه في دين الله من أنفع المكاسب وأزكاها، فحوادث العباد مردودة إلى استنباط خواطر العلماء، ونوازلهم مربوطة بإصابة ضمائر الفقهاء، قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَستَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.
وكفى العالم شرفًا أن يحشر في النشور مغفوراً، ويرى سعيه الجميل في العقبي مشكوراً، قال عليه الصلاة والسلام: يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يبعث العلماء، ثم يقول: يا معشر العلماء إنى لم أضع علمى فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم.
وكفى العالم شرفًا، أنه بين درجته ودرجة الأنبياء حرف واحد. قال عليه الصلاة والسلام: علماء أمتى كأنبياء بني إسرائيل. وقال عليه الصلاة والسلام في صفة أمته:
هم فقهاء كأنهم من الفقه أنبياء.
وكان أصحاب رسول الله لا الله ورضى عنهم - مثابرين على التعليم والتفقه في الدين؛ ولذلك صاروا مقتدين للعالم، قال عليه الصلاة والسلام: أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم، فحفظوا - رضوان الله تعالى عليهم - جائزة رسول الله صلى الله عليه وسلم من درر الآثار ونصبوا موائد الفوائد لمن بعدهم من الأخيار.
ولما انقرض الصدر الأول من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، قام بنشر هذا الدين الإمام الأعظم، سراج الأئمة، منهاج الملة هادى الخلق، وناصر الحق، أبو حنيفة وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فهم الذين جددوا ديباجة الشريعة تجديدا، ومهّدوا قواعدا الملة الزهراء تمهيداً فصوروا المسائل تصويراً وقرروا الدلائل تقريراً، فمضوا إلى رحمة الله تعالى، وموائد فوائدهم منصوبة للأنام،
الجزء 1 · صفحة 6
وساروا إلى المنازل الموعودة، وآثارهم باقية إلى يوم القيامة.
ثم من بعدهم من علماء الملة بالغوا في شرح المعضلات، وجدوا في كشف المشكلات، وصنفوا الكتب تصنيفا، ورصفوا النوازل ترصيفا، ولم يزل العلم موروثا من الأول للآخر، ومنقولا من كابر إلى كابر، حتى انتهى إلى صدورى، وأسلافي السعداء الشهداء تغمدهم الله تعالى بالرحمة والرضوان.
فكلهم - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - شرحوا ما بقى من الفقه مجملا، وفتحوا ما ترك مقفلا فمصنفاتهم متداولة بين الورى يستعان بها عند إتقان الفتوى.
وقد وقع لي في رأيي أن أتشبه بهم بتأليف أصل جليل، يجمع فيه جل الحوادث الحكمية، والنوازل الشرعية؛ ليكون عوناً لى حال حياتي، وأثراً حسناً لي بعد وفاتي؛ قال عليه الصلاة والسلام: إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث ... » إلخ) وذكر من جملتها: علما ينتفع به وقد انضاف إلى هذا الرأى الصائب التماس بعض الإخوان، فقابلت التماسهم بالإجابة.
وجمعت مسائل المبسوط، والجامعين، والسير، والزيادات، وألحقت فيها مسائل النوادر والفتاوى والواقعات وضممت إليها من الفوائد التي استفدتها من سيدي، ومولاى والدى تغمده الله تعالى بالرحمة والدقائق التي حفظتها من مشايخ زماني وفصلت الكتاب تفصيلا، وجنّست المسائل تجنيسا، وأيدت أكثر المسائل بدلائل عول عليها المتقدمون، واعتمد عليها المتأخرون، وعملت فيه عمل من طب لمن أحب، وسميت الكتاب بـ المحيط.
وتوقعت لمن ينظر فيه أو ينتفع به مدة حياتي، أو بعد انقراضي - أن يدعو لي، بأن يتقبل الله في) دنية جهدى، ويجعل كتابي هذا ثقلا في ميزاني ولا يضرب به وجهي، وبه أستعيذ من رده وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب، وهو حسب عباده، ونعم الحسيب.
كتاب الطهارات
الفصل الأول في الوضوء
الفصل الثاني في بيان ما يوجب الوضوء
الفصل الثالث في الغسل
الفصل الرابع في المياه التي يجوز بها الوضوء
الجزء 1 · صفحة 7
والتي لا يجوز بها الوضوء
الفصل الخامس في التيمم
الفصل السادس في المسح على الخفين الفصل السابع في النجاسات وأحكامها، وفي معرفة الأعيان النجسة وأضدادها الفصل الثامن في تطهير النجاسات
الفصل التاسع في الحيض
هذا الكتاب يشتمل على تسعة فصول:
الفصل الأول في الوضوء
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في فرائضه:
1 - فنقول: فرض الوضوء: غسل الوجه، واليدين مع المرفقين، ومسح الرأس، وغسل القدمين مع الكعبين.
? - وحد الوجه من قصاص الشعر من الرأس) إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتي الأذن.
3 - وإيصال الماءِ داخل العينين ساقط، فقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: (لا بأس بأن يغسلَ الرجل الوجه وهو مغمض عينيه. وفي رواية الحسن رحمه الله تعالى: أنَّ أبا حنيفة سُئِلَ: أيغسل العين بالماء؟ قال: لا، و عن الفقيه أحمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى: أن من غسل وجهه وغمض عينيه تغميضاً شديداً، لا يجوز ذلك.
وقيل: فيمن رمدت عيناه، فرمصت، واجتمع رمصها في جانب، أنَّه يتكلف في إيصال الماء تحت مجتمع الرمص.
4 - ويجب إيصال الماء إلى المأق.
ه - وفي الشفة تكلموا: قال بعضهم: الشفة تبع للفم، فلا يجب إيصال الماء إليه. وقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى: ما يظهر منها عند الانضمام فهو من الوجه، فيجب إيصال.
الماء إليه، وما يكتم عند الانضمام فهو تبع للفم، فلا يجب إيصال الماء إليه.
6 - ومسح ما يلاقى بشرة الوجه من اللحية، لم يذكره في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة رضى الله
الجزء 1 · صفحة 8
تعالى عنه في غير رواية الأصول روايتان في رواية قال: يفترض إيصال الماء إليه، إلى ثلث اللحية أو ربعها، فكأنه أراد بهذا الكفاية عن الذقن والخدين، وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى.
7 - وذكر الحسن في المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا يفترض إيصال الماء إلى ما يوارى الذقن والخدين، ولكن يسن وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى قالوا: وكذلك إجراء الماء على ظاهر الشارب على الروايتين.
8 - وذكر شمس الأئمة الحلوائي: اتفقوا على أن عليه أن يمس الماء شعر حاجبيه، حتى إذا لم يصبه الماء لا يجوز، وإن لم يكن إيصال الماء إلى أصل المنابت على وجه الغسل شرطا.
9 - قال رحمه الله تعالى: وكذلك في الشارب يجب عليه إيصال الماء إلى شاريه.
وفي القدوري: مسح ما يلاقى بشرة الوجه من اللحية واجب، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأشار في باب الوضوء أنه يفترض إيصال الماء إلى كله؛ فإنه قال: مواضع الوضوء ما ظهر منها.
وذكر الزند ويسي رحمه الله تعالى في نظمه، حاصل الجواب على قول أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه، أنه يمسحثلثها، وعلى قول محمد والشافعي وأبي يوسف رحمهم الله تعالى فى رواية يمسح كلها، وهو أحسن الأقاويل؛ لأن الوجه ما يواجهه الناس، واللحية هي التي يواجهها الناس.
??- ولا يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية، عندنا باتفاق الروايات، وكذلك لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر الحاجبين والشارب باتفاق الروايات، وكذلك لا يجب إيصال الماء إلى ما استرسل من الشعر من الذقن عندنا.
11- وأما البياض الذي بين العذار وبين شحمة الأذن قد ذكر شمس الأئمة الحلوائي رحمة الله تعالى عليه: ظاهر المذهب أن عليه أن يبل ذلك الموضع، وليس عليه سواه، وذكر الطحاوى: أن عليه) غسل ذلك الموضع. وفى القدورى: أنه يجب غسله عند أبي
حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وزعم الطحاوي رحمه الله تعالى، أن ما ذكره هو الصحيح، وعليه أكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى. قال شمس الأئمة الحلوائي رحمه الله تعالى: إلا أن فيه كلفة ومشقة، فالأولى: أن يقال: يكفيه بلة الماء؛ بناء على ما روى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أن المتوضئ إذا بل وجهه وأعضاء وضوءه بالماء، ولم يسل الماء عن عضوه، جاز.
ولكن قيل: تأويل ما روى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه إن سال من العضو قطرة أو قطرتان،
الجزء 1 · صفحة 9
ولم يتدارك. وذكر الفقيه أبو إسحاق الحافظ: روى عن أبي يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله تعالى: أنه يفترض غسله. قال: وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه قال: إن غسل فحسن، وإن لم يغسل أجزأه.
12- وأما فرض غسل اليدين: فمن رؤوس الأصابع إلى المرفقين، ويدخل المرفقان في الغسل، عند علماءنا الثلاثة رحمهم الله تعالى؛ لأن اسم اليد، يقع على هذه الجملة.
13- وهل يجب إيصال الماء إلى ما تحت الأظافير؟ قال الفقيه أبو بكر رحمه الله: يجب إيصال الماء إلى ما تحته، حتى إن الخباز إذا توضأ وفى أظفاره عجين، أو الطيان إذا توضأ وفي أظفاره طين، يجب إيصال الماء إلى ما تحته وكان يفرق بين الطين والعجين، وبين الدرن؛ لأن الدرن يتولد من الآدمي، فيكون من أجزاءه، ولا كذلك الطين والعجين. وذكر الشيخ الإمام أبو نصر الصفار رحمه الله تعالى في شرحه: أن الظفر إذا كان طويلا، بحيث يستر رأس الأنملة، يجب إيصال الماء إلى ما تحته، وإن كان قصيراً، لا يجب.
14 - وإن كان في إصبعه خاتم، إن كان واسعا لا يجب تحريكه ولا نزعه، وإن كان ضيقا، ففى ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله تعالى، لابد من نزعه أو تحريكه. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأبو سليمان عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى: أنهما لم يشترطا النزع والتحريك. وبين المشايخ رحمهم الله تعالى اختلاف في هذا الفصل.
15 - وأما فرض مسح الرأس: فمقدر بالناصية، وذلك قدر ربع الرأس، وقدره أصحابنا رحمهم الله تعالى بثلاث أصابع هكذا ذكر القدوري رحمه الله. وفي صلاة الأصل قدره بثلاث أصابع، وفى المجرد قدره بعض بربع الرأس.
16- ولو أخذ الماء بثلاث أصابع، ووضع عليه وضعا، ولم يمدها، أجزأه على قول من
قدره بثلاث أصابع، ولم يجزء على قول من قدره بالربع، حتى يستكمل بالإمرار، هكذا ذكر القدوري رحمه الله تعالى.
وذكر الزندويسي رحمه الله تعالى هذا الفصل في نظمه، وقال: روى هشام عن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وإبراهيم بن رستم، عن محمد رحمهما الله تعالى: أنه يجوز وقال في اختلاف زفر رحمه الله: إنه لا يجوز على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، إلا أن يمسح بقدر ثلث رأسه، أو ربع رأسه. وذكر في صلاة الأثر: أنه يجوز من غير ذكر خلاف.
الجزء 1 · صفحة 10
17- وإن مسح بإصبع واحدة بجوانب الإصبع، قدر ثلاث أصابع، روي زفر رحمه الله عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أنه يجوز وهذا الجواب مستقيم على الرواية التي قدر المسح فيها بثلاث أصابع. ولو مسح بالإصبعين لا يجوز، إلا أن يمسح بالسبابة والإبهام مفتوحتين، مع ما بينهما من الكف فحينئذ يجوز؛ لأنهما إصبعان، وما بينهما قدر إصبع فيصير ثلاث أصابع فيجوز.
18 - وإن كان على رأسه شعر طويل فمسح بثلاث أصابع، إلا أن مسحه وقع على شعر ه، إن وقع على شعر تحته رأس، يجوز عن مسح الرأس. وإن وقع على شعر تحته جبهة أو رقبة، لا يجوز عن مسح الرأس؛ لأن المسح على الشعر بمنزلة المسح على البشرة التي تحته. ولو مسح على بشرة الجبهة أو العنق، لا يجوز عن مسح الرأس. ولو مسح على بشرة الرأس أجزأه فكذا إذا مسح على الشعر.
وذكر الزندويسي رحمه الله تعالى هذه المسألة بهذه العبارة، وفي موضع آخر ذكرت بعبارة أخرى: ولو كان شعره طويلا، فمسح ما تحت أذنيه، لا يجزئه من مسح الرأس، ولو مسح ما فوقه يجوز. وإن وضع إصبعا واحدة على رأسه، ومدها قدر ثلاث أصابع لم يجز. هكذا ذكر في نوادر ابن رستم، وأشار إلى المعنى فقال: لأنه ماء قد توضأ به، قال ثمه: وبمثله لو أخذ الماء، ووضعه على جبهته، ومده إلى أصل الذقن، حتى استوعب الماء جميع الوجه، أجزاء. وأشار إلى المعنى فقال: لأن بملاقاة الماء الجبهة لا يصيرا مستعملا، إلا بالسيلان؛ لأن فرض الوجه الغسل، ولا يتأتى الغسل إلا بالسيلان على
العضو، والماء في عضو واحد لا يصير مستعملا، أما في فصل الرأس فالماء بملاقاة بشرة الرأس، يصير مستعملا؛ لأن فرض الرأس المسح والمسح يحصل بمجرد الملاقاة.
وهذا الفرق إنما يتأتي على قول محمد رحمه الله تعالى وأما على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى فلا؛ لأنه لا يقول باستعمال الماء بالمسح؛ فإن المحدث إذا أدخل رأسه في الماء مستعملا عند أبي يوسف رحمه الله تعالى (وإن أراد المسح). الإناء، لا يصير
19 - وذكر الناطفي رحمه الله تعالى في الهداية: إذا اختضب، ومسح برأسه عند وضوءه على خضابه لا يجزئه، وإن وصل الماء إلى شعره قال: وهو كالمرأة إذا مسحت على الوقاية، فوصل الماء إلى شعرها، وذلك لا يجوز، فههنا كذلك.
ورأيت في مسألة الخضاب في شرح بعض المشايخ رحمهم الله تعالى: أنه إذا اختلطت البلة بالخضاب وخرجت من حكم الماء المطلق، فلا يجوز المسح، وهو بمنزلة ماء الزعفران. ورأيت مسألة مسح المرأة
الجزء 1 · صفحة 11
على الحمار في شرح بعض المشايخ أيضا: أن الماء إذا كان متقاطرًا بحيث يصل إلى الشعر، يجوز المسح، وما لا فلا.
وذكر الزندويسي في نظمه: قال عامة العلماء: إذا وصل الماء إلى الشعر جاز، وما لا فلا. وقال بعضهم: إن كان الخمار غير مغسول لايجوز؛ لأنه لا يقبل الماء. وقال بعضهم: إن ضربت يديها المبلولتين فوق الخمار جاز، وإلا فلا؛ لأن بالضرب ينفذ الماء إلى الشعر.
?? - ولو كان له ذو أبتان مشدودتان حول الرأس، كما تفعله النساء، فوقع مسحه على رأس الذواية، بعض مشايخنا قالوا بالجواز، ما لم يرسلهما؛ لأنه مسح على شعر تحته رأس فصار كما مسح على الشعر الأصلى وعامتهم على أنه لا يجوز، أرسلهما أو لم يرسلهما؛ لأنه مسح على شيء مستعار، فصار كما لو مسحت المرأة فوق الحمار، ولم يصل الماء إلى ما تحته.
?? - وإذا نسى المتوضئ مسح الرأس، فأصابه المطر مقدار ثلاث أصابع، فمسحه بيده أو لم يمسحه، أجزأه عن مسح الرأس؛ لأن الله تعالى وصف الماء بكونه طهوراً، والطهور الطاهر بنفسه، المطهر لغيره، فلا يتوقف حصول التطهير على فعل يكون منه كالنار التي هي محرقة، لا يتوقف حصول الإحراق على فعل يكون من الغير.
?? - وإذا نسى أن يمسح رأسه، فأخذ من لحيته ماء، ومسح به رأسه لا يجوز؛ لأن هذا مسح بماء مستعمل، فالماء يأخذ حكم الاستعمال عندنا كما زايل العضو، استقر على الأرض، أو لم يستقر وههنا زايل العضو بدليل أنه يخرج عن الجنابة بالإجماع، وفي المسألة حديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه.
23 - ولو كان في كفه بلل، فمسح به رأسه أجزاء قال الحاكم الشهيد: هذا إذا لم يستعمله فى عضو من أعضاءه بأن أدخل يده في إناء حتى ابتل، فأما إذا استعمله في عضو من أعضاءه، بأن غسل بعض أعضاءه، وبقى على كفه بلل لا يجوز.
وأكثرهم على أن ما قاله الحاكم الشهيد خطأ، والصحيح أن محمداً رحمه الله تعالى أراد بذلك: ما إذا غسل عضواً من أعضاءه، وبقى البلل في كفيه، بدليل أن محمدا قال: وهذا بمنزلة ما لو أخذ الماء من الإناء، ولو كان المراد ما قاله الحاكم الشهيد رحمه الله تعالى: لم يكن لهذا التشبيه معنى .. وفرقوا بين بلل اللحية وبين بلل الكف والفرق أن بلل اللحية ماء سقط به فرض:
غسل الوجه، وصار مستعملاً، فلا يقام به فرض آخر، أما بلل الكف ماء لم يسقط به فرض الغسل؛
الجزء 1 · صفحة 12
لأن فرض غسل الأعضاء أقيم بالماء الذي زايل العضو، لا بالبلل الذي على الكف، فلم يصر هذا البلل مستعملا فجاز أن يقام به فرض مسح الرأس.
24- ولو أمر الماء على رأسه ولحيته، ثم حلقهما، لا يلزمه إعادة المسح عليهما، هكذا روي ابن سماعة في نوادره عن محمد قال الناطفي ورأيت في كتاب صلاة محمد بن مقاتل: إن في الرأس لا يلزمه الإعادة، وفى اللحية يلزمه الإعادة، وأشار إلى الفرق، فقال: إن في الرأس قبل نبات الشعر، كان فرضه المسح كما بعد نباته، ويزوال الشعر لا يتغير صفة الفرض، أما في الوجه: فصفة الفرض قد تغيرت ألا ترى أن قبل نبات الشعر على الوجه فرضه الغسل، وبعد نباته لا يكون فرضه الغسل. وفي القدورى ذكرت هذه المسألة بعبارة أخرى، فنقول: وليس في مزال عن بدن وضوء، ولا إمرار ماء على موضع المزال يريد به إذا توضأ، ثم قلم ظفره، أو حلق شعره.
وكان إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى يقول: بإعادة المسح في الرأس واللحية،
وأشباههما، وكان يقيس هذه الصورة على المسح على الخف؛ فإنه لو مسح على الخفين، ثم نزعهما، يسقط حكم ذلك المسح ويفترض غسل القدمين.
وحكى ابن سماعة عن محمد فرقا بين المسح على الخف، وبين هذه الصورة فقال: الجلد والشعر والرأس شيء واحد، ذهب بعضه، وبقى البعض، فلم يرتفع حكم ذلك المسح فأما الخف فهو غير الرجل، فإذا نزعه فقد ارتفع حكم ذلك المسح فصورة قياس مسألة الخف من هذه المسألة: أن لو كان الخف ذا طاقين، فمسح عليه ثم نزع أحد الطاقين، أو انتشر بنفسه، وهناك لا يلزمه إعادة المسح أيضاً.
25- وأما فرض غسل الرجلين: فمن رؤوس الأصابع إلى الكعبين، ويدخل الكعبان في الغسل، عند علماءنا الثلاثة رحمهم الله تعالى.
26 - والكعب: هو العظم الناتى فى الساق الذى يكون فوق القدم، والذي روى هشام عن محمد رحمهما الله تعالى: أن الكعب هو العظم المرتفع الذي يكون في وسط القدم، عند معقد الشراك، فذلك وهم منه، ولم يرد محمد رحمه الله تعالى بهذا التفسير الكعب في الطهارة والصلاة، وإنما أراد به فى حق المحرم إذا لم يجد نعلين ومعه خفان، قال: يقطعهما أسفل الكعبين، وأراد بالكعب العظم المرتفع الذى يكون فى وسط القدم عند معقد الشراك، ليصير له في معنى النعلين. فأما تفسير الكعب في الطهارة والصلاة: فالعظم الناتي الذي هو تحت الساق فوق القدم.
الجزء 1 · صفحة 13
??- ولو قطعت رجله من الكعب، أو بقى النصف من الكعب، يفترض عليه غسل ما بقى من الكعب، أو موضع القطع وكذلك هذا الحكم في المرفق في اليد، إذا قطع اليد من المرفق، وبقى نصف المرفق، يفترض عليه غسل ما بقى من المرفق، أو موضع القطع، وإن كان القطع فوق الكعب، أو فوق المرفق، لا يجب غسل موضع القطع.
?? - وتخليل الأصابع إن كانت مضمومة وتوضاً من الإناء، فرض، وإن كانت مفتوحة، فترك التخليل جاز، وإن كان يتوضأ في الماء الجارى، أو في الحياض، فأدخل رجليه
الماء، وترك التخليل جاز، وإن كانت الأصابع مضمومة، هكذا ذكر الزندويسي في نظمه. وفي شرح شيخ الإسلام: أن تخليل الأصابع قبل وصول الماء إلى ما بين الأصابع فرض، وبعده سنة. وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: أن تخليل الأصابع سنة مطلقا.
ومن الناس من قال: تخليل أصابع القدم فرض قال محمد رحمه الله تعالى في الأصل: لو توضأ مرة واحدة سابغة أجزأه.
وتكلموا في تفسير السبوغ قال بعضهم: يبل العضو بالماء أولا، ثم يسيل عليه الماء، فيتيقن بوصول الماء إلى جميع العضو. وقال بعضهم: يسيل الماء على عضوه، ويدلكه حتى يصل الماء إلى جميعه، والفقيه أبو جعفر مال إلى القول الأول في زمان الشتاء، وإلى القول الثاني في زمان الصيف.
?? - وروى هشام عن أبي يوسف: أنه إذا بَل الأعضاء ثلاث مرات، أجزاً عن الغسل، ثم إذا توضأ مرة واحدة، فإن فعل ذلك لعزة الماء أو للبرد أو للحاجة لا يكره. ولا يأثم، وإن فعل ذلك من غير عذر وحاجة يكره ويأثم، هكذا ذكروا. وقد قيل أيضاً: إن اتخذ ذلك عادة يكره، وإن فعل ذلك أحيانًا لا يكره.
30- وإذا كان ببعض أعضاء الوضوء جرح، قد انقطع قشره أو نحو منه، هل يجب إيصال الماء إلى ما تحته؟ كان الفقيه أبو إسحاق الحافظ رحمه الله تعالى يقول: ينظر إن كان ما انقشر، يزال من غير أن يتألم لم يجزه إلا أن يصل الماء إلى ما تحته، وإن كان لا يزال من غير أن يتألم، أجزأه إن لم يصل الماء إلى ما تحته قال: لأنه بمنزلة ما لم ينقشر. وفى مجموع النوازل: رجل ببعض أعضاء وضوءه قرحة فبرأت، وأطراف قشر القرحة موصولة بالجلد، إلا الطرف الذي يخرج منه القيح، فغسل الجلدة، ولم يصل الماء إلى ما تحت الجلد، جاز وضوءه وجاز له أن يصلى؛ لأن ما تحت الجلدة، ليس بظاهر، فلا يفترض غسله. وفيه أيضاً: وإذا
الجزء 1 · صفحة 14
كان على بعض أعضاء وضوءه قرحة، نحو الدمل وشبهه، وعليه جلدة رقيقة، فتوضأ وأمر الماء على الجلدة، ثم نزع الجلدة، هل يلزمه غسل ما تحت الجلدة؟ قال: إن نزع الجلدة بعد ما برأ بحيث لم يتألم بذلك، فعليه أن يغسل ذلك الموضع. وإن نزع قبل البرء بحيث يتألم بذلك، إن خرج منها شيء وسال، نقض الوضوء، وإن لم يخرج، لا يلزمه غسل ذلك الموضع، والأشبه أن لا يلزمه الغسل في الوجهين جميعا.
??- وفى فوائد القاضي الإمام ركن الإسلام على السعدي رحمه الله تعالى: إذا كان على بعض أعضاء وضوءه خرء ذباب أو برغوث، فتوضأ، ولم يصل الماء إلى تحته جاز؛ لأن التحرز عنه غير ممكن، ولو كان جلد سمك، أو خبز ممضوغ قد جف، وتوضأ، ولم يصل الماء إلى ما تحته لم يجز؛ لأن التحرز عنه ممكن. وقد قيل: إذا كان على أعضاء وضوءه أوساخ، ولا يصل الماء إلى ما تحته، فتوضأ كذلك يجوز؛ لأنه يتولد من البدن، فهو بمنزلة البدن.
32- وفي مجموع النوازل: إذا كان برجله شقاق، فجعل فيها الشحم، وغسل الرجلين، ولم يصل الماء إلى ما تحته، ينظر إن كان يضره إيصال الماء إلى ما تحته يجوز، وإن كان لا يضره، لا يجوز - والله أعلم. نوع منه في تعليم الوضوء:
??- قال محمد رحمه الله في الأصل: الوضوء أن يبدأ، فيغسل يديه ثلاثا. ولم يذكر كيفيته.
34- وحكى عن الفقيه أبي جعفر الهندواني: أنه ينظر إلى الإناء، إن كان الإناء صغيراً، يمكنه رفعه لا يدخل يده فيه بل يرفعه بشماله ويصبه على كفه اليمنى، ويغسلها ثلاثا، ثم يأخذ الإناء بيمينه، ويصب الماء على كفه اليسرى، ويغسلها ثلاثا، وإن كان الإناء كبيرا لا يمكن رفعه كالجب وشبهه، فإن كان معه كوز صغير، يرفع الماء بالكوز، ولا يدخل يده فيه، ثم يغسل يده بالكوز على نحو ما بينا وإن لم يكن معه كوز صغير، أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ولا يدخل الكف، ويرفع الماء من الجب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضه ببعض، فيفعل كذلك ثلاثا، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ في الإناء إن شاء.
وقوله: لا يغمسن يده في الإناء ... محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة، أو كانت كبيرة ولكن معه آنية صغيرة. وأما إذا كان الإناء كبيراً، وليس معه أنية صغيرة، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة.
35- ثم يستنجى، والكلام في الاستنجاء يأتي بعد هذا في النوع الذي يلي هذ النوع. وبين المشايخ
الجزء 1 · صفحة 15
اختلاف في أنه يغسل يديه قبل الاستنجاء، أو بعد الاستنجاء؟ قال بعضهم قبل الاستنجاء وقال بعضهم بعد الاستنجاء، وأكثرهم على أنه يغسل يديه مرتين، مرة قبل الاستنجاء، ومرة بعده ثم يمضمض ثم يستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم يغسل ذراعيه، هكذا ذكر محمد في الأصل، ولم يقل: ثم يغسل يديه.
من أصحابنا من قال: إنما ذكر ذراعيه؛ لأنه سبق غسل اليدين، فلا يجب الإعادة.
أخرجه الأئمة السنة في كتبهم فرواه البخاري في كتاب الوضوء ومسلم في الطهارة والترمذي في كتاب الطهارة والنسائي في كتاب الطهارة، وأبو داود في الطهارة، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها.
قال شمس الأئمة السرخسي والأصح عندى، أنه يعيد غسل اليدين؛ لأن الأول كان سنة افتتاح الوضوء، فلا ينوب عن فرض الوضوء. وإنّه مشكل؛ لأن المقصود هو التطهر، فإذا حصل التطهير بأي طريق ما حصل، فقد حصل المقصود، فلا معنى لإعادة الغسل، ثم يمسح رأسه وأذنيه، ظاهرهما وباطنهما بماء واحد، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، والله أعلم.
نوع منه في بيان سنن الوضوء وآدابه:
36 - فنقول: السنة سنتان: سنة الرسول وسنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فسنة الرسول هي الطريقة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظب عليها، كركعتي الفجر، والأربع قبل الظهر، وأشباههما، وسنة الصحابة رضى الله تعالى عنهم: هي الطريقة التي سلكها أصحابه، وواظبوا عليها، كالتراويح، فإن التراويح يقال لها: سنة عمر؛ لأن عمر فعلها، وواظب عليها.
??- والأدب: ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلممرة، وترك مرة، فنقول: من السنة أن يغسل يديه إلى الرسغ ثه غ ثلاثا، ويغسلهما قبل الاستنجاء، أو بعد الاستنجاء، ففيه كلام وقد ذكرناه. وهذا إذا لم يكن على يديه نجاسة حقيقية، أما إذا كانت، فإنه يفترض غسلهما.
??- قال الطحاوي: ويسمى فيقول: بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام. وفي كون التسمية سنة كلام، ففى ظاهر الرواية ما يدل على أنها أدب؛ فإنه قال: ويستحب له أن يسمى، وذكر في صلاة الأثر، أنها سنة، وهكذا ذكر الطحاوي، والقدوري. وفي محل التسمية اختلاف بين المشايخ، قال بعضهم: يسمى قبل الاستنجاء، وقال بعضهم: يسمى بعد الاستنجاء.
39- ومن السنة: الاستنجاء، وأنه نوعان: أحدهما بالماء، والثاني: بالحجر أو بالمدر، أو ما يقوم مقامهما، من الخشب أو التراب والاستنجاء بالماء أفضل، إن أمكنه ذلك من غير كشف العورة، وإن لم
الجزء 1 · صفحة 16
يمكنه ذلك إلا بكشف العورة، يستنجى بالأحجار، ولا يستنجى بالماء، وإتباع الماء الأحجار أدب، وليس بسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مرة وتركه مرة. ومن مشايخنا من قال: هذا كان أدبا في زمن النبي وأصحابه رضى الله تعالى عنهم، أما في زماننا، فهو سنة، واستدل هذا القائل بما روى عن الحسن البصرى رضى الله
تعالى عنه، أنه سئل عن هذا فقال: هذا سنة فقيل له: كيف يكون سنة؟ وقد تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل مرة، وكذلك خيار الصحابة رضى الله تعالى عنهم؟ فقال الحسن: إنهم كانوا يبعرون بعراً، وأنتم تثلطون ثلطا، ولاخلاف لأحد في الأفضلية، فاتباع الماء الأحجار أفضل بلاخلاف.
40 - والاستنجاء من البول والغائط، والمذى والمنى، والدم الخارج من إحدى السبيلين، دون غيرهما من الأحداث.
41 - وينبغي أن يستنجى بالأشياء الطاهرة، نحو الحجر والمدر والرماد، والتراب والحرقة وأشباهها، ولا يستنجى بالأشياء النجسة: مثل السرقين ورجيع الإنسان، وكذلك لا يستنجى بحجر استنجى به مرة هو أو غيره، إلا إذا كان حجراله أحرف، يستنجي في كل مرة بطرف لم يستنج به في المرة الأولى، فيجوز من غير كراهة.
وكذلك لا يستنجى بالعظم والروث، فقد قيل: العظم طعام الجن، والروث علف دوابهم، فلا يفسد عليهم طعامهم، وعلف دوابهم. وكذلك لا يستنجى بمطعوم الآدمي، و علف دوابهم، نحو الحنطة والشعير والحشيش وغيرها وذكر الزندويسي أنه يستنجى بالحجر والمدر والتراب، ولا يستنجى بما سوى هذه الأشياء.
42 - وعدد الثلاث في الاستنجاء بالأحجار أو ما يقوم مقامها، ليس بأمر لازم، والمعتبر هو الإنقاء، فإن أنقى الواحد كفاه وإن لم ينقه الثلاثة يزيد عليها.
43- وقيل في كيفية الاستنجاء بالأحجار: إن الرجل في زمان الصيف، يدبر بالحجر الأول، ويقبل بالحجر الثاني، ويدبر بالثالث، وفي الشتاء يقبل بالحجر الأول؛ لأن في الصيف خصيتاه متدليتان، فلو أقبل بالأول، يتلطخ خصيتاه، فلا يقبل، ولا كذلك في الشتاء، والمرأة تفعل في الأحوال كلها، مثل ما يفعل الرجل في الشتاء، وقد قيل: المقصود هو الإنقاء، فيفعل على أي وجه يحصل المقصود.
الجزء 1 · صفحة 17
44- وقيل في كيفية الاستنجاء بالماء: إنه ينبغى أن يجلس كأفرج ما يكون، ويرخى كل الإرخاء، حتى يظهر ما تداخل فيه من النجاسة، فيغسلها، وإن كان صائما لا يبالغ في الإرخاء، حتى لا يصل الماء إلى باطنه، فيفسد صومه. ومن هذا قيل: لا ينبغي أن يقوم عن موضع الاستنجاء، حتى ينشف ذلك الموضع بخرقة، حتى لا يصل الماء إلى باطنه، ولذلك قيل: لا ينبغى للصائم أن يتنفس في الاستنجاء
للمعنى الذي ذكرناه، ويستنجى بيساره، سواء كان الاستنجاء بالماء أو بالحجر. ويستنجى بإصبع أو إصبعين أو ثلاث، ولا يستعمل جميع الأصابع؛ لأن ذلك الموضع لا يتسع فيه الأصابع كلها، فلو استعمل الأصابع كلها، يخرج الماء النجس من بين أصابعه، ويسيل على فخذه، فيتنجس به فخذاه، وعسى لا يشعر به، أو نقول: المقصود يحصل بالثلاث ففي الزيادة على الثلاث استعمال النجاسة بلا ضرورة. فإن كان المستنجى رجلا، يستنجى بأوسط أصابعه وإن كانت امرأة تستنجى برؤوس الأصابع عند بعض المشايخ، وعند بعضهم تستنجى بأوسط الأصابع. وفي النوادر: المرأة إذا استنجت، تجلس منفرجة ما بين الرجلين، وتغسل ما ظهر منها، ولا تدخل أصابعها؛ كي لا تذهب عذرتها يعني: إن كانت عذراء، ويكفيها أن تغسل براحتها، أو بعرض أصابعها، وفي الرجل كذلك. قال الصدر الشهيد: وهو المختار، وقيل: الاستنجاء بالأصابع يورث الباسور، ويأتي الكلام فيه بعد هذا.
45 - وعدد صبات الماء، قد اختلف المشايخ فيه منهم من لم يقدر في ذلك تقديراً وفوضه إلى رأى المستنجى، وقال: يغسل إلى أن يقع في قلبه أنه قد طهر، وبعضهم: قدروا في ذلك تقديراً. واختلفوا فيما بينهم، فمنهم من قدره بالثلاث، ومنهم: من قدره بالسبع ومنهم من قدره بالتسع، ومنهم من قدره بالعشر، ومنهم: من قدره في الإحليل بالثلاث وفي المقعد بالخمس.
46 - وينبغي أن يستنجى بعد ما خطا خطوات حتى لا يحتاج إلى إعادة الطهارة. وإن كان المستنجى لابس الخفين، وماء الاستنجاء يجرى تحت خفيه، يحكم بطهارة الخف مع طهارة ذلك الموضع، إلا إذا كان على الخف خروق، ويدخل ماء الاستنجاء باطن الخف وإن كان الخروق بحال يدخل الماء فيها من جانب، ويخرج من جانب آخر، يحكم بطهارة الخف مع طهارة ذلك الموضع هكذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد الصفار رحمه الله تعالى.
47 - وفى فوائد الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير رحمه الله تعالى: أنه
الجزء 1 · صفحة 18
سئل عن رجل شلت يده اليسرى، ولا يقدر أن يستنجى بها، كيف يستنجى بنفسه؟ قال: إن لم يجد من يصب الماء عليه والماء في الإناء، لا يستنجى وإن قدر على الماء الجاري، استنجي بيمينه وإن كانت يداه كلتاهما قد شلتا، ولا يستطيع الوضوء والتيمم، قال: يمسح يده على الأرض، يعنى: ذراعيه مع المرفقين، ويمسح وجهه على الحائط ويجزئ ذلك عنه، ولا يدع الصلاة على كل حال.
وفيه أيضا: الرجل المريض إذا لم يكن له امرأة ولا أمة، وله ابن أو أخ، وهو لا يقدر على الوضوء، قال: يوضته ابنه أو أخوه غير الاستنجاء، فإنه لا يمس فرجه، ويسقط عنه الاستنجاء. وفيه أيضاً: المرأة المريضة إذا لم يكن لها زوج وهى لا تقدر على الوضوء، ولها بنت، قال: توضئها البنت بالماء الطهور، ويسقط عنها الاستنجاء.
48 - ثم الاستنجاء بالأحجار، إنما يجوز، إذا اقتصرت النجاسة على موضع الحدث وأما إذا تعدت عن موضعها بأن جاوزت الفرج، فقد أجمعوا على أن ما جاوزت موضع الفرج من النجاسة، إذا كان أكثر من قدر الدرهم، أنه يفترض غسلها بالماء، ولا يكفيه الإزالة بالأحجار. وإن كان ما جاوز موضع الفرج أقل من الدرهم، أو قدر الدرهم، إلا أنه إذا ضم إليه موضع الفرج يكون أكثر من قدر الدرهم، فأزالها بالحجر، ولم يغسلها بالماء، فعلى قول أبي حنيفة: يجوز ولا يكره، وعلى قول أبي يوسف يجوز ويكره، وعلى قول محمد لا يجوز، إلا أن يغسله بالماء، وهكذا روى عن أبي يوسف أيضاً.
وإذا كانت النجاسة على موضع الاستنجاء أكثر من قدر الدرهم، فاستجمر ولم يغسلها، ذكر في شرح الطحاوي: أن فيه اختلافًا، بعضهم قالوا: إن مسحه بثلاثة أحجار وأنقاه، جازت، قال ثمة وهو أصح، وبه قال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى.
49 - وإذا استنجى بالأحجار ثم شرع في ماء قليل، أو جلس في طشت ماء، ذكر الفقيه أبو جعفر في غريب الرواية: إن قيل: لا يتنجس، فلهوجه، وإن قيل: يتنجس فله وجه قال: وهو الأصح وبه كان يقول الناطفى رحمه الله تعالى، ذكره في الهداية.
وإن خرج من ذلك الموضع دم أو قيح، أو أصابه نجاسة أخرى، لا يجزئه الإزالة بالأحجار. 50 - ومن السنة: النية، وإذا تركها يجزئه صلاته عندنا خلافا للشافعي، وتكلموا في أنه إذا ترك النية: هل ينال ثواب الوضوء؟ قال الأكثر من المتقدمين من أصحابنا: لا ينال. وقال بعض المتأخرين ينال. هكذا ذكره الإمام الزاهد أبو نصر الصفار.
الجزء 1 · صفحة 19
الوضوء في كتابه إلى أن الوضوء بغير النية، ليس الوضوء الذي أمر به الشرع، فإذا لم ينو فقد أساء وأخطأ، وخالف السنة، إلا أنه يجوز صلاته؛ لأن الحدث لا يبقى مع الوضوء. ثم كيف
ينوى حتى يكون مقيماً للسنة؟ قالوا: ينوى إزالة الحدث، وإقامة الصلاة. 51 - ومن السنة: الترتيب في الوضوء يبدأ بيديه إلى الرسغ، ثم بوجهه، ثم بذراعيه، ثم برأسه، ثم برجليه.
52 - ومن السنة: الموالاة.
53 - ومن السنة: السواك. وينبغي أن يكون السواك من أشجار مرة؛ لأنه يطيب نكهة الفم، ويشد الأسنان، ويقوى المعدة، وليكن رطباً في غلظ) الخنصر، وطول الشبر، ولا يقوم الإصبع مقام الخشبة حال وجود الخشبة، فإذا لم توجد الخشبة، فحينئذ يقوم الإصبع مقام الخشبة.
54 - ومن السنة: أن يتمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا ويأخذ لكل واحد منهما ماء جديداً ثلاث مرات، ويرتب الاستنشاق على المضمضة عندنا، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة أن يمضمض ويستنشق ثلاثا بماء واحد، في كل مرة يأخذ بكفيه ماء، فيمضمض ببعضه، ويستنشق ببعضه، ثم يأخذ هكذا مرة ثانية وثالثة.
والمبالغة فيها سنة أيضا. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: المبالغة في المضمضة، أن يخرج الماء من جانب إلى حانب. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المبالغة في المضمضة الغرغرة. وقال الصدر الشهيد رحمه الله تعالى: المبالغة في المضمضة: تكثير الماء، حتى يملأ الفم فإن لم يملأ الفم فحينئذ يغرغر، والمبالغة في الاستنشاق: أن يضع الماء على منخريه، ويجذبه حتى يصعد إلى ما اشتد من أنفه ... وقال بعضهم: المبالغة في الاستنشاق الاستثار، ويكون المضمضة باليد اليمنى، والاستنشاق باليد اليسرى. وفي بعض المواضع: إذا تمضمض واستنشق، فليس عليه أن يدخل إصبعه في فمه وأنفه. قال الزندويسي: والأولى أن يفعل ذلك، وينبغي أن يأخذ لكل واحد منهما ماء على حدة عندنا. وإن أخذ الماء بكفه ورفع منه بفمه ثلاث مرات وتمضمض، يجوز. وبمثله لو رفع الماء بكفه واستنشق ثلاث مرات لا يجوز؛ لأن في الاستنشاق يعود بعض الماء المستعمل إلى الكف، وفى المضمضة لا يعود؛ لأنه يرميه إلى الأرض.
55 - ومن السنة: تكرار الغسل ثلاثا فيما يفترض غسله، نحو اليدين والوجه والرجلين؛ لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرةً مرةً وقال: هذا وضوء من لا يقبل الله الصلاة منه إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وتوضاً ثلاثا ثلاثا وقال هذا
الجزء 1 · صفحة 20
وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى، فمن زاد على هذا أو نقص، فقد تعدى وظلم.
قيل: المراد زاد على أعضاء الوضوء، أو نقص عن أعضاء الوضوء. وقيل: زاد على الحد المحدود أو نقص عن الحد المحدود، وقيل: المراد زاد على الثلاث أو نقص معتقداً أن السنة هذا فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك، أو بنية وضوء آخر فلا بأس به؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور، وقد أمرنا بترك ما نريبه إلى ما لا نريبه.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ أن من توضأ وزاد على الثلاث هل يكره أم لا؟ كان الفقيه أبو بكر الإسكاف يقول: يكره. وكان الفقيه أبو بكر الأعمش يقول: لا يكره إلا أن يرى السنة في الزيادة. وبعض مشايخنا قالوا: إن كان من نيته الزيادة يكره. وإن كان من نيته تجديد الوضوء لا يكره، بل يستحب له ذلك. وذكر الناطفي: أن الوضوء مرة واحدة فرض، ومرتين فضيلة، وثلاثا في المغسولات سنة، وأربعا بدعة.
هذا كله إذا لم يفرغ من الوضوء، وأما إذا فرغ ثم استأنف الوضوء، فلا يكره بالاتفاق. ذكره في متفرقات الشيخ الفقيه الامام أبي جعفر رحمه الله تعالى. والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (من توضأ على وضوء كتب له عشر حسنات).
56 - ومن السنة: استيعاب جميع الرأس في المسح، وتكرار المسح للاستيعاب بماء واحد لا بأس به. والتثليث في المسح بماء مختلف بدعة هكذا ذكره شيخ الاسلام خواهر زاده. وذكر الشيخ شمس الأئمة الحلواني برواية أبي حنيفة: أنه يمسح ثلاث مرات، يأخذ لكل مرة ماء جديداً.
وقد روى عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضا
مرة مرة، ورأيته توضاً مرتين مرتين، ورأيته توضأ ثلاثا ثلاثا، وما رأيته مسح برأسه إلا مرة واحدة).
57 - وبيان كيفية الاستيعاب: أن يأخذ الماء، ويبل كفيه وأصابعه، ثم يلصق الأصابع، ويضع على مقدم رأسه من كل يد ثلاث أصابع، ويمسك بإبهاميه وسبابتيه، ويجافي بين كفيه ويمد هما إلى قفاه، ثم يرسل الأصابع، ويضع كفيه على فوديه، ويجرهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إبهاميه، وباطن أذنيه بباطن مسبحتيه، حتى يصير جميع الرأس ببلل لم يصر مستعملا بجزء آخر حقيقة. والبداية من مقدم الرأس قول عامة المشايخ، وروى عن أبي حنيفة ومحمد: أنه يبدأ من أعلى رأسه، فيمد يديه إلى مقدم جبهته، ثم إلى قفاه.
الجزء 1 · صفحة 21
ماسحا
وذكر الامام الزاهد أبو نصر الصفار رحمه الله تعالى: يبدأ في مسح الرأس من مقدم الرأس، ويجرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يعيدهما إلى مقدم الرأس، ولا يكون الإعادة استعمال المستعمل؛ لأن اليد ما دام على العضو، لا يأخذ حكم الاستعمال. وإذا غسل الرأس مع الوجه، أجزأه عن المسح هكذا ذكر شيخ الاسلام؛ لأن في الغسل مسحا وزيادة ولكن يكره؛ لأنه خلاف ما أمر به.
58 - ومن السنة: مسح الأذنين بالماء الذى يمسح به الرأس، ولا يأخذ لهما ماء جديداً. وقال الشافعي: يأخذ لهما ماء جديداً؛ لأنهما عضوان منفصلان؛ لأن مسح الرأس فرض، ومسح الأذنين سنة، فلا يكفي فيهما بماء واحد كالمضمضة والاستنشاق، مع غسل الوجه. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: الأذنان من الرأس. والمراد بيان الحكم، لا بيان الحقيقة؛ لأنه مشاهد لا حكم، ولا يجعل الأذنان فيه من الرأس إلا بما قلنا.
59 - وأما المضمضة والاستنشاق: فيؤخذ لهما ماء جديد في ظاهر الرواية، وروى، ابن شجاع: أنه إذا أخذ غرفة، فمضمض بها وغسل وجههجاز، فإن أخذنا بهذه الرواية، لا يحتاج إلى الفرق.
ووجه الفرق على ظاهر الجواب: أن المضمضة والاستنشاق يكون مقدمًا على غسل الوجه، فلو أقامهما بماءواحد صار المفروض تبعا للمسنون وذلك لا يجوز، ولا كذلك الأذنان مع الرأس.
60 - وإدخال الإصبع في صماخ أذنه أدب وليس بسنة، هو المشهور. وعن أبي يوسف: أنه كان يرى ذلك سنة. ذكر الشيخ الامام شمس الأئمة الحلواني وشيخ الاسلام خواهر زاده رحمهما الله تعالى: أنه يدخل الخنصر في صماخ أذنيه ويحركها، ويرويان في ذلك حديثا عن النبي). و عن أبى هريرة رضى الله تعالى: أنه كان يفعل ذلك
61 - ولم يذكر محمد رحمه الله تعالى في الكتاب مسح الرقبة. وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول: إنه سنة، وبه أخذ أكثر العلماء. وقال أبو بكر بن أبي سعيد: إنه ليس بسنة، وبه أخذ بعض العلماء. وقد روت ربيع بنت معوذ بن عفراء: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وأذنيه ورقبته فى بيتها). وقال ابن عمر رضى الله تعالى عنه: امسحوا رقابكم، مسح قبل أن تغل بالنار.
62 - وأما تخليل اللحية: فليس بمسنون، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة. وهو قولمحمد وقال أبو يوسف: هو سنة.
الجزء 1 · صفحة 22
63- ومن السنة عند غسل الرجلين: أن يأخذ الإناء بيمينه ويصبه على مقدم رجله الأيمن، ويدلکه بيساره فيغسلها ثلاثا ثم يفيض الماء على مقدم رجله الأيسر، ويدلكه
بيساره. وإنما أخذنا اليسار للدلك؛ لأن الرجل موضع الأذى واليسار للأذى، وإنما بدأنا) من مقدم الرجل؛ لأن الله تعالى جعل الكعب غاية، وكذلك في غسل اليدين يبدأ من رؤوس الأصابع؛ لأن الله تعالى جعل المرفق غاية.
جئنا إلى بيان الآداب فنقول:
64 - من الآداب: أن لا يسرف ولا يقتر هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وذكر شمس الأئمة الحلواني: أن هذا سنة.
65 - ومن الآداب: أن يقول عند غسل كل عضو: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ورد به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
66 - ومن الآداب: أن لا يتكلم فيه بكلام الناس.
67 - ومن الآداب: أن يقوم في أمر الوضوء بنفسه الحديث عمر رضى الله عنه؛ فإنه قال: إنا لا نستعين على طهورنا. ومع هذا لو استعان بغيره جاز، بعد أن لا يكون الغاسل غيره، بل يغسل بنفسه، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بالمغيرة، وكان المغيرة يفيض الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل.
68- ومن الآداب: أن لا يترك عورته مكشوفة يعنى بعد الاستنجاء، فقد صح أن الشيطان يلعب بمقاعد بنى آدم إذا وجدها مكشوفة.
69 - ومن الآداب: أن يتأهب للصلاة قبل الوقت؛ لما روى عن عبد الله ابن المبارك
رضى الله عنه أنه قال: من لم يتأهب للصلاة قبل الوقت لم يوقر لها.
70 - ومن الآداب: أن يقول بعد الفراغ من الوضوء: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
??- ومن الآداب: أن لا يمسح سائر أعضاءه بالخرقة التي يمسح بها موضع الاستنجاء.
??- ومن الآداب: أن يقول بعد الفراغ من الوضوء، أو في خلال الوضوء: اللهم اجعلنى من
الجزء 1 · صفحة 23
التوابين واجعلني من المتطهرين.
73- ومن الآداب: أن يستقبل القبلة عند الوضوء بعد الفراغ من الاستنجاء.
74- ومن الآداب: أن يشرب فضل وضوءه أو بعضه مستقبل القبلة، إن شاء قائماً، وإن شاء قاعدًا، هكذا ذكره شمس الأئمة الحلوانى. وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: أنه يشرب ذلك قائماً وقال: ولا يشرب الماء قائمًا إلا في موضعين: أحدهما: هذا. والثاني: عند زمزم.
75 - ومن الآداب: أن يصلى ركعتين بعد الفراغ من الوضوء؛ لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: ما لك سبقتني إلى الجنة؟ قال: وكيف ذلك؟ يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: كنت أمشى البارحة إلى الجنة) فسمعت أمامي خشفة - بجزم الشين أو بفتحها، فنظرت فإذا هو أنت فقال بلال رضى الله تعالى عنه: ما توضأت قط إلا رأيت على نفسى أن أسجد الله ركعتين وفي رواية: ما توضأت إلا وصليت ركعتين»، فقال عليه الصلاة والسلام: هى ذلك الخشفة. والخشفة (بالجزم) صوت النعلين، وبالفتح الحركة.
76- ومن الآداب: أن يملأ آنيته بعد الفراغ من الوضوء لصلاة أخرى، والله أعلم.
الفصل الثاني: فى بيان ما يوجب الوضوء
??: الغائط يوجب الوضوء، قل أو كثر، وكذلك البول، وكذلك الريح الخارجة من الدبر. واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى: أن عين الريح نجسة، أو هي طاهرة، إلا أنها تتنجس بمرورها على النجاسة؟ قالوا: وفائدة هذا الخلاف فيما إذا خرج منه الريح وعليه سراويل مبتلة، هل يتنجس سراويله؟ فمن قال: عينها نجسة يقول: يتنجس، ومن قال: عينها ليست بنجسة يقول: لا يتنجس.
??- وأما الريح الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل: فقد روى عن محمد رحمه الله تعالى: أنه يوجب الوضوء هكذا ذكر القدوري رحمه الله تعالى، وبه أخذ بعض المشايخ. وقال أبو الحسن الكرخى: لا وضوء فيها، إلا أن تكون المرأة مفضاة، فيستحب لها الوضوء، وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير يقول: إذا كانت المرأة مفضاة، يجب عليها
الوضوء، وما لافلا هكذا ذكر هشام في نوادره: عن محمد رحمه الله تعالى. و من المشايخ من قال في المفضاة: إن كانت الريح منتنة، فعليها الوضوء، وإلا فلا.
?? - والدودة إذا خرجت من قبل المرأة، فعلى الأقاويل التي ذكرناها هكذا ذكر الزندويسي رحمه
الجزء 1 · صفحة 24
الله تعالى في نظمه. وفى القدرورى: أنها توجب الوضوء، وإن خرجت من الدبر، أوجبت الوضوء.
فرق بين الخارجة من الدبر وبين الخارجة من الجراحة، فإن الدودة الخارجة من رأس الجراحة لا تنقض الوضوء. والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الخارج من الدبر تولّد فى محل النجاسة، فيكون نجسا، والساقط عن رأس الجرح، تولد من محل الطهارة؛ لأنه تولّد من لحم واللحم طاهر، والمتولد منه يكون طاهرا.
والثاني: أن عين الساقط حيوان، ليس من جملة الأحداث، إنما الحدث ما عليه من
البلّة، وهي قليلة، غير أن القليل حدث فى السبيلين، وليس بحدث في سائر الجراحات لعدم السيلان.
الله
وعلى قياس مسألة الدودة الساقطة عن رأس الجراحة، استحسن المشايخ رحمهم تعالى في العرق المدنى الذى يقال له بالفارسية: رشته لو خرج عن عضو إنسان، لا ينقض وضوءه، وإن خرجت الدودة من الإحليل، حكى الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله تعالى: أنه ينقض وكان يحيله إلى فتاوى أهل خوارزم. ولو خرجت الدودة من الفم قيل: لا ينقض الوضوء، وكذلك الخارجة من الأذن أو الأنف، لا ينقض الوضوء.
والمذي: ينقض الوضوء، وهو الماء الرقيق الذى يخرج عند الشهوة، وكذلك الودى ينقض الوضوء، وهو الماء الأبيض الذى يخرج بعد البول، وكذا الحصاة إذا خرجت من السبيلين، ينقض الوضوء؛ لأنها لا تخلو عن بلة، وتلك البلة بانفرادها إذا خرجت من السبيلين، ينقض الوضوء.
والمنى: إذا خرج من غير شهوة، بأن حمل شيئًا فسبقه المني، أو سقط من مكان مرتفع فخرج منه لم يجب عليه الغسل، ويجب عليه الوضوء؛ لما يأتي بيانه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
?? - وكذا دم الاستحاضة حدث يوجب الوضوء عندنا والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة». وأنه خارج نجس، فيكون حدثا كالغائط والبول.
وفى هذا المقام يحتاج إلى بيان حد الاستحاضة، فنقول: الاستحاضة، إنما تعرف باستمرار الدم تمام وقت صلاة كاملا.
84- حتى إنه لو سال الدم في وقت صلاة فتوضأت وصلت ثم خرج الوقت ودخل وقت صلاة
الجزء 1 · صفحة 25
أخرى، وانقطع الدم، ودام الانقطاع إلى آخر الوقت - توضأت وأعادت تلك الصلاة.
85- وإن لم ينقطع الدم في وقت الصلاة الثانية، حتى خرج الوقت، جازت تلك الصلاة؛ لأن فى الوجه الأول السيلان لم يستوعب وقت صلاة كاملا، فلم يحكم
باستحاضتها، وثبوت الطهارة مع السيلان أمر عرف ثبوتها في حق المستحاضة، فإن لم يحكم باستحاضتها، تبين أنها صلت بغير طهارة فيلزمها الإعادة. وفي الوجه الثاني السيلان استوعب وقت صلاة كاملا، فحكم باستحاضتها، فتبين أنها صلت بطهارة، فلا يلزمها الإعادة.
وإنما شرطنا استيعاب السيلان وقت صلاة كاملا، اعتباراً لطرف الثبوت بطرف السقوط؛ فإن المستحاضة إذا انقطع دمها وقت صلاة كاملا خرجت من أن تكون مستحاضة، وإن كان أقل من ذلك لا تخرج من أن تكون مستحاضة، ومتى حكم باستحاضتها في وقت صلاة إنما يحكم بذلك في وقت صلاة أخرى إذا وجد السيلان في وقت صلاة أخرى مقارنا للوضوء، أو طارئًا على الوضوء.
86- ولا يكتفى بوجود السيلان في وقت صلاة أخرى سابقا على الوضوء، حتى إن المرأة إذا استحيضت، فدخل وقت العصر ودمها سائل، فانقطع فتوضأت، والدم كذلك منقطع، فلما صلت ركعتين من العصر غربت الشمس، فإنها تمضى على صلاتها، ولو حكم باستحاضتها، لا تنقض طهارتها بخروج وقت العصر؛ لأن طهارة المستحاضة تنتقض بخروج الوقت على ما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، فينبغي أن لا تمضى على صلاتها.
??- وحد صيرورة الإنسان صاحب جرح سائل بسبب الرعاف والدماميل، والجراحات، واستطلاق البطن، وحد المستحاضة سواء؛ لأن المعنى يعمهما. وكان الشيخ الإمام الفقيه أبو القاسم الصفار البلخي رحمه الله تعالى يقول: صاحب الجرح السائل أن يسيل جرحه في وقت الصلاة مرتين أو مراراً فإن كان أقل من ذلك لا يكون صاحب جرح سائل.
??- وفي الفتاوى: ينبغى لمن رعف أو سال عن جرحه دم أن ينتظر آخر الوقت، فإن لم ينقطع الدم يتوضأ ويصلي.
وبعد هذا يحتاج إلى معرفة أحكام المستحاضة، ومن بمعناها ومسائلهما إنما تبتنى على أصول:
?? - منها: أن الثابت مع المنافى لضرورة تتقدر بقدر الضرورة؛ لأن الموجب لثبوته الضرورة، فإذا ارتفعت الضرورة فقد ارتفع الموجب للثبوت، فينتفي بقضية المنافي. قلنا: وطهارة المستحاضة ثابتة مع
الجزء 1 · صفحة 26
قيام المنافي - وهو السيلان الضرورة الحاجة إلى الطهارة؛ لإسقاط
ما في الذمة من الصلاة المفروضة بالأداء؛ إذ لا أداء إلا بالطهارة، فتثبت الطهارة، وكما مست الضرورة إلى الثبوت مست الضرورة إلى البقاء؛ إذ لا أداء إلا بالبقاء، كما لا أداء إلا بالثبوت.
?? - وبعد هذا اختلف العلماء في تقدير بقاء هذه الطهارة، فالشافعي رحمه الله تعالى قدر بقاءها بالأداء، حتى قال: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة مكتوبة، وتصلّى بوضوءها ما شاءت من النوافل؛ لأن ثبوت طهارتها ضرورة الحاجة إلى أداء المفروضة فإذا ادت المفروضة في وقتها فقد ارتفعت الضرورة؛ إذ المشروع في كل وقت فرض واحد على ما عليه الأصل، ولا يجوز ما ثبت بالضرورة بعد ارتفاع الضرورة، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام في قوله: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة إلا أن النوافل تابعة للفرائض، فتثبت الطهارة في حق النوافل بطريق التبعية، أما فرض آخر فليس تبع لهذا الفرض، فثبوت الطهارة في حق فرض الوقت لا يوجب ثبوت الطهارة في حق فرض آخر.
?? - وعلماء نا رحمهم الله تعالى قدروا البقاء بالوقت حتى قالوا: المستحاضة تتوضا لوقت كل صلاة وتصلّى بوضوءها ما شاءت من النوافل والفرائض في الوقت؛ لأن المفروض معروفة بمقدار البقاء، وذلك إنما يحصل بتقديره بما هو معلوم في نفسه، وفعل الأداء يتفاوت بتفاوت الناس، فقدرنا بقاء الطهارة بالوقت؛ لكونه معلوما في نفسه بلا تفاوت، فيصير مقدار بقاء الطهارة معلوما، ولأن ثبوت الطهارة وإن كانت ضرورة الحاجة، إلا أن الوقت قائم مقام الحاجة؛ لأن لها حق شغل كل الوقت بالأداء، إلا أن الشرع رخص لها صرف بعض الأزمان إلى حاجة نفسها؛ تيسيراً عليها.
وشرع التيسر بطريق الرخصة لا يوجب بطلان التيسر المتعلق بالعزيمة، والتيسير المتعلق بالعزيمة بقاء الطهارة ما بقى الوقت. وإليه أشار عليه الصلاة والسلام في قوله: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)). وماروى محمول على الوقت؛ فإن اسم الصلاة يحتمل الوقت، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن للصلاة أولا وآخراً)) أي لوقت الصلاة أولا وآخرا، فوجب الحمل على الوقت توفيقا بين الروايتين، وإذا تقدر بقاء الطهارة بالوقت، كان لها أن تصلى
بالوقت ما شاءت ثم إذا خرج الوقت في الصلوات التي اتصلت أوقاتها؛ لانعدام الوقت المهمل بين الأوقات. وثبت انتقاض الطهارة، فيضاف الانتقاض إلى خروج الوقت، أو إلى دخول وقت آخر.
الجزء 1 · صفحة 27
فعبارة عامة المشايخ رحمهم الله تعالى أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى يضاف إلى خروج الوقت، وعند زفر رحمه الله تعالى يضاف إلى دخول وقت آخر، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يضاف إلى أيهما وجد.
وثمرة الاختلاف لا تظهر في هذه الصلاة التي اتصلت أوقاتها؛ لأن ما من وقت يخرج إلا ويدخل وقت آخر. وإنما يظهر في الصلاة التي لا تتصل أوقاتها، ولذلك صورتان:
?? - أحدهما: إذا توضأت بعد طلوع الفجر للفجر، وطلعت الشمس، تنتقض طهارتها عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله تعالى بخروج الوقت، حتى لم يكن لها أن تصلى صلاة الضحى بتلك الطهارة. وكذلك عند أبي يوسف رحمه الله تعالى؛ لأنه يعتبر بأى الأمرين وجد، إما الخروج أو الدخول. وعند زفر رحمه الله تعالى لا ينتقض لانعدام دخول الوقت.
93 - وثانيهما: إذا توضأت بعد ما طلعت الشمس لا تنتقض طهارتها ما لم يخرج وقت الظهر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، حتى كان لها أن تصلى الظهر بتلك الطهارة. وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله تعالى ينتقض بدخول وقت الظهر. والصحيح ما قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، لأن طهارة المستحاضة للحاجة إلى أداء فرض الوقت، وخروج الوقت يدل على انقضاء الحاجة، وانقضاء الحاجة يدل على انتقاض الطهارة، أما دخول الوقت فيدل على تحقق الحاجة، وتحقق الحاجة يدل على ثبوت الطهارة.
94 - والمحققون من مشايخنا رحمهم ا الله تعالى زيفوا عبارة عامة المشايخ في هذا الباب وقالوا: انتقاض الطهارة بالحدث وخروج الوقت ليس بحدث كذلك دخوله، وكيف يضاف انتقاض الطهارة إلى خروج الوقت أو دخوله؟ وإنما انتقاض الطهارة بالحدث السابق؛ لأنه كان طارئًا على الوضوء، أو مقارناً للوضوء، ولكن لم يعمل للحاجة، والوقت أقيم مقام
الحاجة، فإذا خرج الوقت ارتفعت الحاجة، فعمل الحدث السابق عمله.
ولذلك أنكروا الخلاف على الوجه الذي قلنا وقالوا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى: لا تنتقض طهارتها بدخول بلا خروج. أما تنتقض طهارتها بخروج بلا دخول، كما هو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وفيما إذا توضأت قبل الزوال ودخل وقت الظهر، إنما احتاجت إلى الطهارة لأجل الظهر عنده، لا
الجزء 1 · صفحة 28
لأن طهارتها انتقضت بدخول الظهر عنده؛ وذلك لأن هذه طهارة ضرورية، فتقدر بقدر الضرورة، ولا ضرورة في تقديم الطهارة على الوقت لأن الضرورة ضرورة الأداء، ولا اداء قبل الوقت، فلم تعتبرة تلك الطهارة بهذا الطريق، ولم تعتبر الطهارة قبل الوقت في سائر الأوقات. وكذلك على قول زفر لا تنتقض بدخول الوقت فحسب. وفيها إذا توضأت لصلاة الفجر وطلعت الشمس، إنما لا تنتققض طهارتها لا لانعدام الدخول، ولكن لأن ما بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال وقت مهمل، ليس فيه فرض مشروع، فجعل تبعا لوقت صلاة الفجر.
ولهذا قالوا: لو فاتته الفجر مع سنتها تقضى السنة مع الفجر في هذا الوقت بالإجماع. ولو فاتتها السنة بدون الفجر، تقضيها عند محمد رحمه الله تعالى. فجعل كأن وقت الفجر باق، فتبقى الطهارة ببقاء الوقت بالإجماع.
وإذا توضأت قبل الزوال ودخل وقت الظهر، تمنع هذه المسألة على قول زفر رحمه الله تعالى. ونقول لها أن تصلى الظهر بتلك الطهارة. وبعد التسليم عذره ما هو عذر أبي يوسف رحمه الله تعالى.
وهما يجيبان عن كلام أبي يوسف رحمه الله تعالى ويقولان: طهارتها قبل الزوال، إن كانت طهارة قبل الوقت، إلا أن جميع الوقت قام مقام الأداء، فلها حق شغل جميع الوقت بالصلاة، وهي العزيمة، فأما صرف بعض الوقت إلى الصلاة والبعض إلى حوائج الدنيا فرخصه وإذا كان جميع الوقت قام مقام الصلاة، وتقديم الطهارة على الصلاة واجب، فتقديمها على الوقت يكون جائزا فوقع تلك الطهارة معتبرة، فلم ينتقض بدخول وقت الظهر، فلها أن تصلى الظهر بتلك الطهارة، إلا أن في سائر الأوقات لا يجوز لها تقديم الطهارة؛ لأن الوقت يقوم مقام الأداء، فجعل كأنها في الأداء، فكانت الطهارة الأولى
باقية، فلا يجب عليها الطهارة؛ لأن تقديم الطهارة إنما يجب على المحدث، وبدون الوجوب لا يتحقق الضرورة، وهذه الطهارة ضرورية.
ويجيبان عن كلام زفر رحمه الله تعالى أيضاً ويقولان: إن بعد ما طلعت الشمس وقت الفجر خارج بيقين، ألا ترى أنه لو صلى الفجر في هذه الحالة ينوى القضاء دون الأداء.
95 - ولو توضأ صاحب العذر لصلاة العيد هل له أن يصلى الظهر بتلك الطهارة عند أبي حنيفة؟ فقد اختلف المشايخ فيه. بعضهم قالوا ليس له ذلك؛ لأنه خرج وقت صلاة العيد، وقال بعضهم: له ذلك وهو الصحيح؛ لأن صلاة العيد في معنى صلاة الضحى، وكان له أن يصلى الظهر بذلك الوضوء فكذا
الجزء 1 · صفحة 29
ههنا.
96- ولو توضأ صاحب العذر للظهر فى وقت الظهر، ثم جدد وضوءاً آخر للعصر في وقت العصر، ثم دخل وقت العصر، هل له أن يصلى العصر بذلك الوضوء؟، فقد اختلف فيها المشايخ، قال بعضهم: له ذلك، وجعلوا الطهارة للعصر في وقت الظهر، بمنزلة طهارته قبل الزوال للظهر. ولو توضأ) قبل الزوال للظهر ثم زالت الشمس، له أن يصلى الظهر بذلك الوضوء؛ إذ ليس فيه إلا تقديم الطهارة على الوقت وإنه جائز. وقال بعضهم: ليس له ذلك؛ لأن كل طهارة وقعت في وقت صلاة مكتوبة لا يبقى بخروج وقت تلك المكتوبة.
?? - والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» ووقت العصر وقت الصلاة، فيجب عليها الوضوء بظاهر الحديث والمعنى ما مر في الجواب عن كلام أبي يوسف رحمه الله تعالى.
98 - وأصل آخر أن طهارة المستحاضة متى انتقضت بخروج الوقت، عندهما يستند الانتقاض إلى السيلان السابق، وهذا لأن خروج الوقت ليس بسبب لانتقاض الطهارة؛ لأنه ليس بحدث ولا يثبت حكم ما بدون سبب فيثبت الانتقاض مستندا إلى السيلان السابق؛ ليكون الانتقاض بسببه هذا كما قلنا فى البيع بشرط الخيار: إذا أسقط الخيار بمضي المدة، أو
بإسقاط من له الخيار، ويثبت الملك - يثبت مستندا إلى البيع ولا يقتصر؛ لأن الملك حكم لا بد له من السبب، ولا سبب هنا سوى البيع، فيستند الملك إليه؛ ليكون ثبوت الملك بسببه إلا أن الاستناد إنما يظهر في حق القائم من الأحكام، ولا يظهر في حق المقتضى، ولهذا لا يظهر في حق الصلاة المؤداة حتى لا يبطل ما أدت من الصلاة.
??- وأصل آخر: أن الطهارة متى وقعت للسيلان لا يضرها سيلان مثله في الوقت، ويضرها حدث آخر وخروج الوقت ومتى وقعت الطهارة للحدث، يضرها حدث آخر والسيلان، ولا يضرها خروج الوقت وإنما يعتبر هذه الطهارة واقعة للسيلان إذا كان السيلان مقارنا للطهارة حقيقة واعتباراً، فالحقيقة ظاهرة، والاعتبار أن يكون الدم منقطعا وقت الطهارة حقيقة، ثم سال قبل أن يستوعب الانقطاع وقت صلاة كاملا. ويشترط في ذلك أن يكون الطهارة محتاجا إليها لأجل السيلان.
وإنما يعتبر الطهارة واقعة للحدث، إذا لم يكن السيلان مقارنا للطهارة حقيقة ولا اعتباراً، فالحقيقة
الجزء 1 · صفحة 30
ظاهرة، والاعتبار أن يكون الدم منقطعا وقت الطهارة، واستوعب الانقطاع وقت صلاة كاملا، أما الطهارة إذا وقعت للسيلان فإنما لا يضرها سيلان مثله في الوقت؛ لأن الدم يسيل مرة بعد مرة، فتبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت فيخرج، ويضرها حدث آخر؛ لأنه لا يوجد في الوقت لا محالة، وإن كان يوجد إلا أنه لا يوجد مرة بعد مرة، فلا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت فلا يخرج، ويضرها خروج الوقت؛ لما ذكرنا أن طهارة المستحاضة مقدرة بالوقت، فلا تبقى بعد خروج الوقت. وأما إذا وقعت الطهارة للحدث، فإنما يضرها حدث آخر؛ لأنه لا يضرها مرة بعد مرة أخرى، فلا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت فلا يخرج، ويضرها السيلان أيضا؛ لأنه لا حرج فيه، لأنها لا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت أيضا؛ لأن السيلان لا يوجد بعد مضى وقت صلاة كامل، إذا كان الطهارة واقعة للحدث، ولا يضرها خروج الوقت؛ لأن الطهارة عن الحدث ليست بطهارة ضرورية مع قيام المنافي، وكانت هذه الطهارة وطهارة الصحيح سواء، وطهارة) الصحيح لا يضرها خروج الوقت، كذا ههنا.
مسائل الأصل الأول: ذكرناها في الأصل الأول، ومسائل الأصل الثاني: بعضها يأتي في فصل المسح على الخفين، وبعضها في آخر هذا النوع.
???- مسائل الأصل الثالث: إذا استحيضت المرأة فدخل وقت الظهر ودمها سائل فتوضأت ثم انقطع الدم بعد الوضوء، فصلت الظهر، ودام الانقطاع إلى أن خرج وقت الظهر، تنتقض طهارتها؛ لأن هذه الطهارة وقعت للسيلان، لكون السيلان مقارناً لها، وقد ذكرنا أن الطهارة الواقعة للسيلان، يضرها خروج الوقت.
???- فإن توضأت في وقت العصر والدم) منقطع وصلت العصر، ثم سال الدم بعد ذلك في وقت العصر لا تنتقض طهارتها؛ لأن طهارتها في وقت العصر وقعت للسيلان؛ لكون السيلان مقارناً لها اعتباراً، بيانه: وهو أن الانقطاع الناقص - وهو الانقطاع الذي لا يستوعب وقت صلاة كاملا وإنما يوجد في بعض وقت الصلاة دون البعض - ليس بفاصل بين الدمين والانقطاع التام - وهو الانقطاع الذي يستوعب وقت صلاة كاملا فاصل بين الدمين، وهذا لأن الدم لا يسيل على التوالى، بل ينقطع ساعة، ويسيل أخرى، فلو جعلنا الناقص فاصلا، تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فلا يمكنها إقامة الصلاة في الوقت أبدا أما لو جعلنا الكامل فاصلا، فلا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فيمكنها الأداء في الوقت. إذا ثبت هذا، فنقول في مسألتنا: الانقطاع لم يستوعب وقت صلاة كاملا، فلم يصر فاصلا بل
الجزء 1 · صفحة 31
جعل كالدم المتوالى، وكان السيلان مقارناً للطهارة في وقت العصر اعتباراً، فكانت واقعة للسيلان، فلا تنتقض بسيلان مثله ما دام الوقت باقيا فإن كان الدم لم يسل وقت العصر، بل دام الانقطاع إلى أن دخل وقت المغرب ثم) سال الدم في وقت المغرب)، تنتقض طهارتها بسيلان الدم في وقت المغرب، فإذا توضأت تعيد الظهر ولا تعيد العصر، أما تعيد الظهر؛ لأن الانقطاع استوعب وقت صلاة كاملا، فجعل فاصلا بين الدمين، وحكم بزوال ذلك العذر فتبين أنها صلت الظهر بطهارة المعذورين، ولا عذر لها. وأما لا تعيد العصر؛ فلأنها صلت بطهارة كاملة، أكثر ما في الباب، أن الظهر وقع فاسدا، ولكن وقوعه فاسدا ظهر للحال، لا وقت أداء العصر، فوقت أداء العصر لا ظهر عليها بزعمها. وكانت في
معنى الناسى للظهر وقت أداء العصر والترتيب يسقط بالنسيان.
102- فإن كان حين ما توضأت للظهر الدم سائلا فصلت الظهر والدم كذلك سائل، ثم انقطع بعد ذلك، وسال في وقت المغرب لا تعيد الظهر؛ لأنه تبين أنها صلت الظهر بطهارة المعذورين، والعذر قائم من أوله إلى آخره، وإنما زال العذر بعد الفراغ منها، وزوال العذر بعد الفراغ لا يوجب الإعادة، كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الفراغ، والعاري إذا وجد الثوب بعد الفراغ.
??? - وإذا استحيضت المرأة فدخل وقت العصر ودمها سائل، فتوضأت والدم كذلك سائل، فقامت تصلى العصر، فلما صلت ركعتين من العصر غربت الشمس، انتقضت طهارتها؛ لأن طهارتها وقعت للسيلان مقارناً لها، فتنتقض بخروج الوقت، فتتوضاً وتستأنف الصلاة ولا تبنى لما ذكرنا أن انتقاض الطهارة الخروج الوقت يستند إلى وقت السيلان السابق، فتبين من وجه أن الشروع في الصلاة كان مع الحدث، وجواز البناء أمر عرف شرعا بخلاف القياس في موضع كان الحدث طارئًا على الشروع من كل وجه، ففيما عداه يبقى على أصل القياس.
104 - ولو دخل وقت العصر ودمها سائل فانقطع فتوضأت، والدم كذلك منقطع، فلما صلت ركعتين من العصر غربت الشمس؛ فإنها تمضى على صلاتها، ولا تعيد الوضوء. وإن سال الدم بعد ذلك في وقت المغرب وهي في العصر بعد، فإنها تتوضأ وتبنى على صلاتها.
طعن عيسى بن أبان رحمه الله تعالى، فقال: ينبغي أن تعيد الوضوء ولا تمضى على صلاتها؛ لأن الطهارة هنا وقعت للسيلان؛ لكون السيلان مقارناً لها حكما؛ لأن الانقطاع لم يستوعب وقت صلاة كاملا لما سال الدم في وقت المغرب، فلا يجعل فاصلا بين الدمين، كما قلتم في مسألة الظهر التي تقدم ذكرها بل
الجزء 1 · صفحة 32
يجعل كالدم المتوالي، فكان السيلان قائماً حكمًا، وكانت الطهارة واقعة للسيلان فتنتقض بخروج الوقت وإذا انتقضت بخروج الوقت يستند الانتقاض إلى الحدث، وتبين أن الشروع كان مع الحدث من وجه، فينبغي أن تستأنف الصلاة.
والجواب: أن السيلان منقطع حقيقة وقت الوضوء، إلا أن الانقطاع الناقص لا يجعل
فاصلا، ويجعل السيلان قائما حكماً؛ تخفيفًا عليها، كما في مسألة الظهر التي تقدم ذكرها فإن هناك لو جعلنا الانقطاع الناقص فاصلا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فلم يجعل فاصلا وجعل السيلان قائما حكما؛ تخفيفا عليها. فأما ههنا لو لم يجعل الانقطاع الناقص فاصلا، وجعل السيلان قائماً حكماً كانت طهارتها في وقت العصر واقعة للسيلان فتنتقض بخروج الوقت. وفي ذلك تغليظ عليها فيعود على موضعه بالنقض وأنه لا يجوز، وإذا لم تنتقض طهارتها بخروج وقت العصر، لا يستند الانتقاض إلى وقت الحدث السابق، فلا يتبين أن الشروع كان مع الحدث، فتبنى.
105 - وإذا استحيضت المرأة، فدخل وقت الظهر ودمها سائل، توضأت وصلت ودمها كذلك سائل، ثم انقطع الدم، وأحدثت حدثا آخر غير الدم وتوضأت الحدثها والدم كذلك منقطع، ثم دخل وقت العصر لا تنتقض طهارتها؛ لأن الطهارة الثانية في وقت الظهر ما وقعت للسيلان لعدم مقارنة السيلان إياها، وعدم طريانه عليها، ولا تنتقض بخروج الوقت.
106 - فأما إن توضأت فى وقت العصر مع أن طهارتها، لم تنتقض بخروج وقت الظهر، والدم كذلك منقطع ثم سال الدم فعليها أن تتوضأ، وكان ينبغي أن لا تتوضاً؛ لأن طهارتها في وقت العصر وقعت للسيلان؛ لكون السيلان مقارنا لها اعتباراً؛ لأن الانقطاع لم يستوعب وقت صلاة كاملا لما سال الدم في وقت العصر، فيجعل السيلان قائماً حكماً، وكانت الطهارة في وقت العصر واقعة للسيلان، فلا تنتقض بسيلان مثله في الوقت. والجواب: أن الطهارة إنما تعتبر واقعة للسيلان إذا كانت الطهارة محتاجاً إليها لأجل السيلان والطهارة في وقت العصر غير محتاج إليها أصلاء لأن الطهارة الثانية في وقت الظهر لم تنتقض بخروج وقت الظهر، فلم تكن الطهارة في وقت العصر محتاجاً إليها، فصار وجودها والعدم بمنزلة، والطهارة الثانية في وقت الظهر كانت واقعة عن الحدث حتى لم ينتقض بخروج وقت الظهر فلم تكن الطهارة في وقت العصر محتاجاً إليها، فجاز أن تنتقض بالسيلان، ولأن الطهارة إنما تعتبر واقعة للسيلان إذا اعتبر السيلان قائما حكما؛ الأن) السيلان في وقت الطهارة، منقطع ههنا حقيقة، وإنما يعتبر
الجزء 1 · صفحة 33
السيلان قائماً حكمًا، فيما كان منقطعاً حقيقةً؛ تخفيفا عليها، وههنا لو اعتبر السيلان قائماً حكما كان فيه تغليظ عليها.
بيانه: إنا لو اعتبرنا السيلان قائمًا حكما كان طهارتها الثانية في وقت الظهر واقعة للسيلان فيلزمها الوضوء بخروج وقت الظهر، فلا يعتبر السيلان قائما حكما، فلم تكن الطهارة في وقت العصر واقعة للسيلان.
فإن قيل: في اعتبار السيلان قائما حكمًا تخفيف عليها، فإن طهارتها في وقت العصر تكون واقعة على السيلان فلا يلزمها الوضوء متى سال الدم بعد ذلك في وقت العصر. قلنا: توجه في هذه المسألة تخفيفان، واعتبارهما متعذر؛ لما بينهما من التنافي، وكان اعتبار التخفيف فيما ذكرنا أولى؛ لأنا اعتبرنا التخفيف فيما هو سابق وأصل، وأنتم اعتبرتم التخفيف فيما هو متأخر وتبع، فكان ما قلناه أولى من هذا الوجه.
107 - وكذلك لو أحدثت حدثا آخر غير الدم في وقت العصر، فتوضأت لذلك الحدث، ثم سال الدم بعد الوضوء في وقت العصر، كان عليها أن تتوضأ؛ وكان ينبغي أن لا تتوضأ لأن طهارتها هنا وقعت للسيلان؛ لكون الطهارة محتاجا إليها، ولمقارنة السيلان إياها، فينبغى أن لا تنتقض لسيلان مثله، ما دام الوقت باقيا.
والجواب: أنا نقول: إن الطهارة إنما تعتبر واقعة للسيلان إذا كانت الطهارة محتاجاً إليها لأجل السيلان، والطهارة في وقت العصر، غير محتاج إليها لأجل السيلان؛ لأنها إنما تكون محتاجاً إليها لأجل السيلان إن لو كانت الطهارة في وقت الظهر تنتقض بخروج وقت الظهر، والطهارة الثانية فى وقت الظهر لم تنتقض بخروج وقت الظهر، فلم تكن الطهارة في وقت العصر محتاجاً إليها لأجل السيلان، بل كانت محتاجاً إليها لأجل الحدث، فاعتبرت واقعة عن الحدث، فجاز أن تنتقض بالسيلان وإن كانت في الوقت.
??? - وفي الفتاوى: وينبغي لصاحب الجرح، أن يعصب الجرح ويربط؛ تقليلا للنجاسة، ولو ترك التعصيب لا بأس به. وإن سال الدم بعد الوضوء حتى نفذ الرباط يصلى كذلك، فتجوز صلاته، وإن أصاب من ذلك الدم ثوبه أكثر من قدر الدرهم لزمه غسل الثوب، إذا علم أنه لو غسله لا يصيبه الدمثانيا، وثالثًا، أما إذا علم أنه يصيبه ثانيًا وثالثًا، فلا يفترض عليه غسله.
??? - وفي واقعات الناطفي رحمه الله تعالى: إذا كان به جرح سائل، وقد شد
الجزء 1 · صفحة 34
عليه خرقة، فأصابها أكثر من قدر الدرهم وأصاب ثوبه أكثر من قدر الدرهم، إذا كان بحال لو غسل يتنجس قبل الفراغ من الصلاة ثانيا، جاز له أن لا يغسل، ويصلي قبل أن يغتسل وإلا فلا قال الصدر الشهيد: وهو المختار.
110 - وفى الأجناس: رجل يسيل من أحد منخريه دم، فتوضأ والدم سائل، ثم احتبس الدم، وانحدر المنخر الآخر، انتقض وضوءه، وإن كان به دماميل، أو جدرى، منها ما سائلة، ومنها ما ليس بسائلة، فتوضأ وبعضها سائلة، ثم سالت التي لم تكن سائلة ينتقض وضوءه. والجدرى قروح، ليس بقرحة واحدة.
هي
??? - وفى المنتقى: أبو سليمان عن محمد رحمه الله تعالى: رجل به جرحان لا يرقان فتوضأ، ثم رقاً أحدهما قال: يصلى وكذلك إن سكن هذا الآخر وسال الذي كان ساكنا؛ لأنهما في هذا بمنزلة جرح واحد.
??? - الحائض إذا حبست الدم عن الخروج لا تخرج من أن تكون حائضا، وصاحب الجرح السائل إذا منع الدم عن الخروج يخرج من أن يكون صاحب جرح سائل، فعلى هذا، المقتصد لا يكون صاحب جرح سائل.
??? - والمستحاضة إذا منعت الدم عن الخروج هل تخرج من أن تكون مستحاضة؟ ذكر هذه المسألة في الفتاوى الصغرى المرتبة، أنها تخرج من أن تكون مستحاضة حتى لا يلزمها الوضوء في وقت كل صلاة. وذكر في موضع آخر: أنها لا تخرج من أن تكون مستحاضة.
114 - وفى المنتقى: عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه سئل عن المستحاضة تحتشى، ثم تصلى ولا يسيل الدم للاحتشاء قال: ليس هذا بمنزلة الدبر، وعليها الوضوء، پريد بهذا أن الاحتشاء إذا منع ظهور الدم في حق المستحاضة لم يمنع حكم الاستحاضة. وفي الدير الاحتشاء إذا منع ظهور الحدث منع حكمه، وهو الوضوء، حتى إن من به استطلاق بطن إذا احتشى دبره كيلا يخرج منه شيء فلم يخرج فلا وضوء عليه، وليس بحدث حتى يظهر منه.
115 - وإذا احتشى إحليله بقطنة؛ خوفا من خروج البول، ولولا القطنة لخرج منه البول، فلا بأس به، ولا ينتقض وضوءه حتى يظهر البول على القطنة. وإن ابتل الطرف الداخل من القطن ولم ينفذ، أو نفذ ولكن الحشو متسفل عن رأس الإحليل، فهذا لا يعطى
الجزء 1 · صفحة 35
له حكم الخروج، حتى لا ينتقض وضوءه، فإن كان الحشو عاليًا عن رأس الإحليل، أو محاذيا برأس الإحليل إن نفذ يعطى له حكم البروز، وينتقض وضوءه وإن لم ينفذ، لا يعطى له حكم البروز ولا ينتقض وضوءه. وإن سقطت القطنة، إن كانت رطبة يثبت لها حكم البروز، وإن كانت يابسة لا يثبت لها حكم البروز.
116 - وإن احتشت المرأة فإن كان الاحتشاء في الفرج الخارج، والفرج الخارج بمنزلة الإليتين والقلفة، فإذا ابتل داخل الحشو، ونفذ إلى خارجه انتقض وضوءها، وإن كان الاحتشاء في الفرج الداخل، فابتل داخل الحشو ولم ينفذ إلى خارجه لا ينتقض الوضوء، وإن نفذ إلى خارجه، إن كان الكرسف عاليًا عن حرف الفرج الداخل، أو كان محاذيا له، ينتقض وضوءها، وإن كان متسفلا أو متجافيًا عنه لا ينتقض وضوءها وما لا فلا. وإن سقط الحشو إن كان يابساً لا ينتقض وإن كان رطباً ينتقض وضوءها، ومن هذا الحكم يستوى الفرجان جميعا.
نوع آخر فيما يوجب الوضوء:
???- قال محمد رحمه الله تعالى في الجامع الصغير: نقطة قشرت، فسال منها ماء أو غيره عن رأس الجرح، نقض الوضوء وإن لم يسل لا ينتقض الوضوء. فقد شرط السيلان لانتقاض الوضوء في الخارج من غير السبيلين وهذا مذهب علماءنا الثلاثة رحمهم الله تعالى، وأنه استحسان وقال زفر إذا علا فظهر على رأس الجرح ينتقض الوضوء، وهو القياس، وأجمعوا على أن في الخارج من السبيلين لا يشترط السيلان ويكتفى بمجرد الظهور. وجه الاستحسان: ما روي تميم الدارى رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الوضوء من الدم السائل، وعن زيد بن ثابت))، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الوضوء من كل دم سائل. والمعنى: أن الحدث هو الخارج النجس، وإنما يتحقق الخروج
بالانتقال عن موضع النجاسة، وإنما يتحقق الانتقال في غير السبيلين بالسيلان؛ لأن بدن الآدمى موضع الدماء، والرطوبات السيالة، فإذا انقطعت الجلدة كانت الدماء بادية ظاهرة، لا منتقلة عن موضعها كالبيت إذا انهدم كان الساكن فيه ظاهراً، لا منتقلا عن موضعه بخلاف ما إذا ظهر البول على رأس الإحليل؛ لأن موضع البول المثانة لا رأس الإحليل، فإذا ظهر على رأس الإحليل كان منتقلا عن موضعه بيقين. أما هنا بخلافه. توضيحه أن ما يوازي الدم من أعلى الجرح محله كمن ملك دارا كان ما
الجزء 1 · صفحة 36
يوازيه من الأعلى ملكا له وحقا له، وإذا كان ما يوازيه من الأعلى محلاله، فبمجرد الظهور والعلو على رأس الجرح لا يتحقق الانتقال عن موضعه، ولا يتحقق الخروج فلا يكون حدثًا، كما لو لم يعل على رأس الجرح. ??? - والأعيان الخارجة من النفطة كلها مثل الدم والقيح، والصديد، والماء، سواء تنتقض الطهارة بالكل إذا سال. وقد يكون النفطة أولادمًا، ثم ينضج فيصير قيحا، ثم يزداد نضجاً فيصير صديدًا، ثم قد يصير. ماء، وقد يكون غيره.
???- قال: وفي لفظة النفطة لغتان: أحدهما: بكسر النون، والآخر: بضم النون، وإنها اسم للقرحة التي امتلأت وحان قشرها مأخوذ من قولهم: انتفط فلان، إذا امتلأ غيظا ولو نزل الدم من الرأس إلى موضع يلحقه حكم التطهير من الأنف والأذنين، نقض الوضوء، ولو نزل البول إلى قصبة الذكر لم ينتقض الوضوء.
والفرق: أن في المسألة الأولى النجاسة خرجت بنفسها عن محلها الباطن إلى موضع له حكم الظاهر، ولا كذلك في المسألة الثانية، حتى إن في المسألة الثانية لو خرج إلى القلفة نقض الوضوء لزواله عما له حكم الباطن ولا كذلك إذا خرج من فرج المرأة إلى الإستين لزواله عما له حكم الباطن والموضع الذى يحلقه حكم التطهير من الأنف ما لان منه فإذا وصلت إلى ما لان منه انتقض وضوءه وإن لم يظهر على الأرنبة. وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه: أنه أدخل إصبعيه في أنفه فأوعب، فلما أخرجها رأى على أنملته دمافمسحه، ثم قام فصلى ولم يتوضأ وتأويله عندنا: أنه بالغ في الغاية، حتى جاوز ما لان من أنفه إلى ما صلب، وكان الدم فيما صلب من أنفه
وكان قليلا بحيث لو تركه لا ينزل إلى موضع اللين ومثل هذا ليس بناقض عندنا. وعن محمد فيمن انتثر فسقط من أنفه كثلة دم لم تنتقض طهارته. وإن تقاطر من أنفه قطرة دم انتقض طهارته.
120 - وإذا تبين الخنثى أنه رجل أو امرأة، فالفرج الآخر منه بمنزلة الجرح، لا ينقض الوضوء بما يخرج منه ما لم يسل.
121 - وإذا كان بذكر الرجل جرح له رأسان: أحدهما: يخرج منه ماء يسيل في مجرى البول، والآخر: يخرج منه ماء لا يسيل في مجرى البول، فالأول بمنزلة الإحليل، إذا ظهر البول على رأس الإحليل ينقض الوضوء وإن لم يسل؛ لأنه سال عن موضعه إلى مكان له حكم الظاهر، ولا كذلك الثاني.
122 - المجبوب إذا ظهر منه ماء يشبه البول من الموضع الذي يخرج منه البول، إن كان قادراً على
الجزء 1 · صفحة 37
إمساكه إن شاء أمسكه، وإن شاء أرسله، فهو بول ينقض الوضوء إذا ظهر على رأس الثقب، وإن كان لا يقدر على إمساكه لا ينتقض ما لم يسل، وهكذا حكى عن على الرازي رحمه الله تعالى.
??? - المعلى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إذا زاد الدم على رأس الجرح لا ينتقض وضوءه حتى يسيل، ولو غرز رجل إبرة في يده، وخرج منه الدم، وظهر أكثر من رأس الإبرة، لا ينتقض وضوءه قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: كان محمد بن عبد الله يميل في هذا إلى أن ينتقض وضوءه ورأه سائلا
124 - وفي مجموع النوازل: إذا غرز في عضو شوكًا أو إبرة أو نحوهما، فأخرج ذلك، فظهر منه الدم، ولم يسل ظاهراً، انتقض وضوءه؛ لأن الظاهر أنه سال عن رأس الجرح، وفى فتاوى خوارزم: الدم إذا لم ينحدر عن رأس الجرح، ولكن علا فصار أكثر من رأس الجرح، لا ينتقض وضوءه، والفتوى على أنه لا ينتقض وضوءه في جنس هذه المسائل.
125 - وإذا عصرت القرحة، فخرج منها شيء كثير، وكانت بحاله لو لم يعصرها لا يخرج منها شيء، ينقض الوضوء. في مجموع النوازل: وفيه نظر وفيه أيضا: جرح ليس فيه شيء من الدم والقيح، والصديد دخل صاحبه الحمام أو الحوض، فدخل الماء الجرح، فعصر الرجل الجرح، وخرج منه الماء وسال، لا ينقض الوضوء؛ لأن
الخارج ماء ليس بنجس.
126 - وإذا مسح الرجل الدم عن رأس الجراحة، ثم خرج ثانياً فمسحه ينظر، إن كان ما خرج بحال لو تركه سال، أعاد الوضوء، وإ كان بحيث لو تركه لا يسيل، لا ينتقض الوضوء. ولا فرق بين أن يمسحه بخرقة، أو إصبع وكذلك إذا وضع عليه قطنة، أو شيئًا آخر حتى ينشف، ثم وضعه ثانياً وثالثًا، فإنه يجمع جميع ما ينشف، فإن كان بحيث لو تركه سال، جعل حدثًا، وإنما يعرف هذا بالاجتهاد وغالب الظن.
وكذلك إن كان ألقى عليه التراب، ثم ظهر ثانيا فتربه، ثم ثالثًا، أو ألقى عليه دقيقا أو نخالة، فهو كذلك يجمع كل ذلك، قالوا: وإنما يجمع إذا كان في مجلس واحد مرة بعد أخرى، أما إذا كان في مجالس مختلفة لا يجمع. وكذلك إذا وضع عليه دواء حتى ينشف جميع ما يخرج منه، فلم يسل عن رأس الجرح، فإن كان ما ينشف بحيث يسيل بنفسه، يجعل حدثًا، وما لا فلا.
127 - وإذا خرج من أذنه قيح أو صديد ينظر إن خرج بدون الوجع لا ينتقض وضوءه، وإن
الجزء 1 · صفحة 38
خرج مع الوجع ينقض وضوءه؛ لأنه إذا خرج مع الوجع فالظاهر أنه خرج من الجرح هكذا حكى فتوى شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى.
??? - وفي نوادر هشام عن محمد رحمه الله تعالى: الشيخ إذا كان في عينيه رمد، ويسيل الدموع منها، آمره بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأنى أخاف أن ما يسيل قيح أو صديد؛ فإنه قد يكون في الجفون جرح.
129 - وإذا خرج دبره إن عالجه بيده أو بخرقة حتى أدخله، ينتقض طهارته. وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: أن بمجرد خروج المقعد ينتقض وضوءه؛ الخروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر.
??? - وإذا عض شيئًا، فرأى عليه أثر الدم من أصول أسنانه، لا وضوء عليه، وكذلك الخلال؛ لأنه ليس بسائل، هكذا ذكر في بعض الفتاوى. وذكر الشيخ الإمام علاء الدين رحمه الله تعالى في كتاب الشرحين: أن من أكل خبزا أو شيئاً من الفواكه، ورأى فيه أثر الدم من أصول أسنانه، ينبغى أن يضع إصبعه، أو طرف كمه على ذلك الموضع، إن وجد أثر الدم فيه ينتقض وضوءه، وإلا فلا.
???- وفى فتاوى أهل سمرقند: القراد إذا مس من عضو إنسان وامتلأ دما، إن كان صغيراً لا ينتقض وضوءه؛ لأن الدم فيه ليس بسائل، وإن كان كبيراً ينتقض وضوءه؛ لأن الدم فيه سائل.
??? - العلقة إذا أخذت بعض جلد إنسان، ومصت حتى امتلأت من دمه، بحيث لو سقطت لسال، انتقض الوضوء؛ لأن الدم فيه سائل.
133 - والذباب أو البعوض إذا مص عضو إنسان، وامتلأ دما لا ينتقض وضوءه، وكذلك الذباب إذا عض عضو إنسان فظهر الدم، لا ينتقض وضوءه.
نوع آخر:
134 - في الأجناس: إذا احتقن الرجل بدهن، ثم عاد، فعليه الوضوء؛ لأنه لا ينفك عن نجاسة، وإن أقطر في إحليله دهنًا ثم عاد، فلا وضوء عليه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، خلافا لهما.
فلا
135 - وفيه أيضًا: وإذا صب دهنا في أذنه، ومكث في دماغه يوما، ثم سال وخرج، وضوء ء عليه، وإن خرج من الفم نقض وضوءه. وذكر هذه الجملة في القدورى، وذكر رواية عن أبي يوسف: أنه
الجزء 1 · صفحة 39
لوخرج من فمه فعليه الوضوء، وأشار إلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: وإن خرج من الفم فلا وضوء عليه. وجه رواية أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه لا يخرج من الفم إلا بعد نزوله الجوف، فصار كالقيء. ولهما أن الرأس ليس موضع النجاسة، والوصول إلى الجوف ليس بمعلوم، فلا ينتقض وضوءه بالشك.
136 - وفي نوادر هشام: لو دخل الماء أذن رجل في الاغتسال ومكث، ثم خرج من أنفه، فلا وضوء عليه.
??? - وفى المنتقى: إبراهيم عن محمد رحمهما الله تعالى: في رجل أدخل عوداً في دبره، أو قطنة في إحليله، وغيبها كلها ثمّ أخرجه أو خرجت بنفسها، فعليه الوضوء، علل فقال: لأنه حين غيبها صارت بمنزلة طعام أكله ثم خرج عنه. ولو كان طرف العود بيده، ثم أخرجه لا يجب عليه شيء قال: ثمه: ألا ترى أن الرجل لو أدخل المحقنة ثم أخرجها لم يكن عليه الوضوء، هكذا ذكر. ولكن تأويله إذا لم يكن على العود والمحقنة بلة، ألا ترى
أن الرجل يتوضأ فيدخل يده - أى إصبعه في الاستنجاء لا ينتقض الوضوء، فإن من استنجى فلم يدخل إصبعه، فليس بتنظيف. قال أبو العباس رحمه الله تعالى: مراده في الشرج الظاهر؛ فإنه متى جاوز الشرج الظاهر، كان ذلك تفتيشاً للنجاسة، لا تطهيراً.
نوع آخر في مسائل القيء وما يتصل بها:
??? - قال محمد رحمه الله تعالى في الجامع الصغير: رجل قلس أقل من ملء فيه، لا ينتقض وضوءه، ولو قلس ملء فيه مرة أو طعامًا أو ماء، ينتقض الوضوء، وهذا مذهبنا وهي مسألة الخارج من غير السبيلين.
والأصل فيه ما روت عائشة رضى الله تعالى عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليين على صلاته ما لم يتكلم.
والمعنى في ذلك من وجهين:
أحدهما: أن النجاسة متى خرجت يتنجس شيء من ظاهر البدن، وثبت احتمال النجاسة فى كل البدن؛ لأنه يحتمل أن يده أصاب ذلك الموضع ويتنجس، ثم ما أصاب يده موضعاً آخر ويتنجس، وإذا ثبت هذا الاحتمال وجب غسل كل البدن؛ ليحصل القيام إلى الصلاة ببدن طاهر بيقين، هذا وجه مناسب
الجزء 1 · صفحة 40
والشرع ورد به في بعض الأحداث، وهو الجنابة. ويمكن إيجاب غسل كل البدن محالا عليه.
والثاني: أن النجاسة إذا أصابت موضع الخروج يجب غسل ذلك الموضع؛ لإزالة النجاسة، هذا أمر معقول؛ لأن القيام بين يدى المعظم - وعليه شيء مما تستقذره الطباع قبيح عند الناس في الشاهد، فكذا في الغائب، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «ما رأه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح. وإذا وجب غسل موضع الإصابة، يجب غسل الباقي، لا لإزالة النجاسة، ولكن لأن غسل بعض البدن يخل بالزينة، كغسل بعض الثوب الوسخ والزينة مطلوبة؛ قال الله تعالى: {خذوا زينتكم
عند كل مسجد} أي عند كل صلاة فيجب غسل كل البدن صيانة للزينة المطلوبة عن الخلل.
وهذان الوجهان مقتضيان وجوب غسل كل البدن، إلا أن الشرع أقام غسل الأعضاء الأربعة مقام غسل كل البدن؛ دفعًا للحرج، فبهذا الطريق وجب غسل الأعضاء الأربعة في الخارج من غير السبيلين.
139 - ثم القليل منه حدث في القياس، وهو قول زفر رحمه الله تعالى. وفي الاستحسان ليس بحدث، بل يشترط أن يكون ملء الفم.
فاختلف الأقاويل فى تفسير ملء الفم بعضهم قالوا: إذا كانت بحيث لو ضم شفتيه لم يعلم الناظر أن فى فمه شيئًا فهو أقل من ملء الفم، وإن انتفخ شفتاه حتى كان يعلم الناظر أن في فمه شيئًا، فهو 6 ملء الفم. وقال أبو على الدقاق رحمه الله تعالى في كتابه: إذا كان القيء بحيث يمنعه من الكلام كان ملء الفم، وإن كان لا يمنعه لا يكون ملء الفم. وقال الحسن بن زياد رحمه الله تعالى: إن كان القىء بحيث لا يمكن للرجل ضبطه وإمساكه كان ملء الفم، وإن كان يمكن ضبطه وإمساكه لا يكون ملء الفم. وزاد على هذا بعض المشايخ رحمهم الله تعالى وقال: إن كان القىء بحيث لا يمكن ضبطه وإمساكه إلا بتكلف كان ملء الفم، وإن كان بحيث يمكن ضبطه وإمساكه من غير تكلف، لا يكون ملء الفم. وإليه مال كثير من المشايخ رحمهم الله تعالى، وهو الصحيح.
وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى يقول: الصحيح أنه يفوض إلى صاحبه إن وقع فى قلبه أنه قد ملأ فاه فقد ملأ فاه.
140 - وجه القياس فى القليل: أن الخارج من غير السبيلين إذا كان حدثًا، يجب أن يستوى فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين.
الجزء 1 · صفحة 41
141 - وجه الاستحسان ما روى عن على رضى الله تعالى عنه: أنه عد الأحداث، وذكر من جملتها دسعة تملأ الفم
142 - والمعنى: أن الحدث هو الخارج النجس، والخروج هو الانتقال من الباطن إلى الظاهر، والفم ظاهر من وجه، باطن من وجه حقيقة وحكما أما من حيث الحقيقة باطن من وجه، فلأن للفم اتصالا بالباطن بمنفذ أصلى، ألا ترى أنك متى ضممت شفتيك صار باطنا كالبطن، وظاهر من وجه؛ لأن له اتصالا بالوجه بمنفذ أصلي، ألا ترى أنك لو فتحت شفتيك صار الفم ظاهراً كالوجه. وأما من حيث الحكم باطن من وجه، فإنه لا يجب غسله في الوضوء، كما لا يجب غسل الباطن، فإذا جمع الصائم ريقه فى فمه، ثم ابتلعه، لم يفطره، كما لو انتقل الطعام من زاوية البطن إلى زاوية وظاهر من وجه، فإنه يجب غسله في الجنابة كما يجب غسل الوجه، ولو تمضمض الصائم لا يفسد صومه، كما لو غسل وجهه. وإذا كان ظاهراً من وجه باطنا من وجه وفرنا على الشبهين حظهما فجعلناه باطنا فيما بينه وبين البطن، فالمنتقل إليه من البطن، كالمنتقل من زاوية البطن إلى زاوية أخرى، وجعلناه ظاهراً فيما بينه وبين الوجه فالمنتقل منه إلى الوجه كالمنتقل من الظاهر إلى الظاهر) والقيء إذا كان قليلا - وتفسيره الصحيح: أن يمكنه الإمساك من غير تكلف، لا يقع الحاجة فيه إلى فتح الفم - فتبقى النجاسة في الفم صورة، وفي الباطن معنى، فلا يتحقق الخروج من الباطن إلى الظاهر، فبعد ذلك إن ابتلعه فيها، وإن ألقاه فإنما وجد الخروج من الظاهر إلى الظاهر؛ فإنه ليس بمضر.
143 - هذا إذا كان القىء قليلا بأن قاء مرة واحدة، وإن قاء مراراً قليلا قليلا، وكان بحيث لو جمع يبلغ ملء الفم، هل يجمع؟ وهل يحكم بانتقاض الطهارة؟ لم يذكر هذا الفصل في ظاهر الرواية. وذكر في النوادر: خلافا بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فقال على قول أبي يوسف: إن الحد المجلس يجمع، و وإن اختلف لا يجمع؛ لأن المجلس الواحد عرف جامعاً في الشرع والمجالس المختلفةلا، وقال محمد رحمه الله: إن التحد السبب يجمع وإن اختلف السبب لا يجمع. وتفسير اتحاد السبب عنده أن تكون المرة الثانية والثالثة قبل سكون الغثيان الأول.
144 - وعن أبي على الدقاق: أنه كان يقول بالجمع إن اتحد المجلس أو اختلف، واتحد السبب أو اختلف، هذا إذا قاء مرة، أو طعاماً، أو ماء، فإن قاء بلغما إن كان نزل من الرأس لا ينتقض وضوءه، وإن كان ملء الفم بالاتفاق، وإن صعد من الجوف على قول أبي يوسف
الجزء 1 · صفحة 42
رحمه الله ينتقض وضوءه إذا كان ملء الفم، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا ينتقض وإن كان من الفم. وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من ملء الفم أنه لا ينتقض وضوءه.
145 - فالحاصل: أن نجاسة الخارج أمر لا بد منها؛ لكون الخارج حدثا، والبلغم طاهر عندهما، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى نجس. وكان الطحاوى رحمه الله تعالى يميل إلى قول أبي يوسف، حتى روى عنه أنه قال: يكره للإنسان أن يأخذ البلغم بطرف رداءه أو كمه ويصلى معه.
146 - ومن مشايخنا رحمهم الله تعالى من أسقط الخلاف، وقال: قولهما محمول على ما إذا نزل من الرأس، وذلك طاهر بالإجماع وقول أبي يوسف رحمه الله تعالى محمول على ما إذا خرج من المعدة وذلك نجس بالإجماع؛ لما نبين إن شاء الله تعالى.
147 - ومنهم من حقق الخلاف فيما إذا خرج من المعدة، وهو الصحيح، فوجه قول أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الخارج من المعدة جاوز أنجاس المعدة فيصير نجسا بحكم المجاوزة، دليله الطعام. وجه قولهما: قوله عليه الصلاة والسلام لعمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه: «ما نخامتك، ودموع عينيك والماء الذى فى ركوتك، إلا سواء. شبه النخامة بالماء الذي في ركوته، فيدل على طهارتها. والدليل عليه أن الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا تعارفوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم من غير نكير منكر ولو كان نجسا لوجد الإنكار من منكر، كما في سائر الأنجاس. وما قال من المعنى: إنه جاوز أنجاس المعدة فمسلم، إلا أن البلغم شيء لزج لا يحتمل النجاسة للزوجته كالسيف الصيقل، فلا يصير نفسه نجسا،
وإنما يكون النجاسة على ظاهره، وأنه قليل لا يبلغ ملء الفم، بخلاف الطعام والشراب؛ لأنهما يحتملان النجاسة، فيتنجسان المجاورة الأنجاس.
148 - وإن قاء طعامًا أو ما أشبهه مختلطا بالبلغم ينظر إن كان الغلبة للطعام، وكان بحال لو انفرد الطعام بنفسه كان ملء الفم، ينقض وضوءه وإن كانت الغلبة للبلغم، وكان بحال لو انفرد البلغم بلغ ملء الفم، كانت المسألة على الاختلاف، وإنما كان كذلك لأن العبرة في أحكام الشرع للغالب، والمغلوب ساقط الاعتبار بمقابلة الغالب.
19 - وإن قاء دما، إن نزل من الرأس وهو سائل انتقض وضوءه، وإن كان علقا لا ينتقض
الجزء 1 · صفحة 43
وضوءه، وإن صعد من الجوف إن كان علقا لا ينتقض وضوءه، إلا أن يملأ الفم؛ لأنه يحتمل أنه صفراء النجمد، أو سوداء انعقد أو بلغم احترق، فيشترط فيه ملء الفم.
150 - وإن كان سائلا وقد صعد من الجوف على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ينتقض وضوءه، وإن لم يكن ملء الفم، وعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا ينتقض وضوءه إلا إذا كان ملء الفم، وقول أبي يوسف رحمه الله تعالى مضطرب. وإنما يعرف سيلانه إذا خرج بقوة نفسه، لا بقوة البزاق.
وجه قول محمد رحمه الله تعالى: أنه صاعد من الجوف، والفم أعطى له حكم الباطن فيما بينه وبين الجوف إلا أن يخرج منه، وما دون ملء الفم ليس له حكم الخارج على ما مر. ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن الفم فى حق الدم ظاهر من كل وجه؛ لأن الفم إنما يعطى له حكم الباطن فيما يخرج من المعدة؛ لأن الفم يتصل بالمعدة بمنفذ أصلي، والمعدة ليست بمحل الدم إنما محل الدم العروق، والفم لا يتصل بالعروق بمنفذ أصلى اتصالا ما، فيكون الفم ظاهراً في حق الدم من كل وجه، وكان كالخارج من الأسنان فيشترط فيه السيلان لا غير، بخلاف ما يخرج من المعدة؛ لأن الفم أعطى له حكم الباطن فيما يخرج من المعدة؛ لأن للفم اتصالا بالمعدة بمنفذ أصلي، فيشترط فيه ملء الفم على ما مر أما ههنا بخلافه.
151 - وعن مشايخنا رحمهم الله من قال: لا خلاف في المسألة على الحقيقة؛ لأن ما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى محمول على ما إذا خرج الدم من منابت الأسنان ومن اللهوات وكان أقل من ملء الفم، وعند محمد رحمه الله تعالى في هذه الصورة الجواب كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وما قال محمد رحمه الله تعالى محمول على ما إذا خرج
من المعدة، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى الجواب في هذه الصورة كما قال محمد رحمه الله تعالى، ومنهم من حقق الخلاف فيما إذا خرج من المعدة على نحو ما بينا.
ومما يتصل بهذا النوع من المسائل:
152- روي ابن رستم في نوادره، عن محمد رحمه الله تعالى: إذا دخل العلق حلق إنسان، ثم خرج من حلقه دم رقيق سائل لا ينتقض وضوءه ما لم يملأ الفم.
153 - وإذا بزق وخرج في بزاقه دم إن كان الدم هو الغالب، ينتقض وضوءه وإن كان أقل من ملء الفم. وهذا لأن الحدث هو الخارج النجس، وقد تحقق الخروج إذا كانت الغلبة للدم لأنه إذا كانت الغلبة للدم، علم أنه خرج بقوة نفسه، وما أخرجه البزاق وإن كانت الغلبة للبزاق، لا ينتقض وضوءه؛
الجزء 1 · صفحة 44
لأنه إذا كانت الغلبة للبزاق علم أن البزاق أخرجه، وما خرج بقوة نفسه. وإن كانا سواء فالقياس أن لا تنتقض طهارته؛ لأنه يحتمل أنه خرج بقوة نفسه، ويحتمل أن البزاق أخرجه، فوقع الشك في انتقاض الطهارة. وفي الاستحسان ينتقض وضوءه لأنه لما احتمل الخروج بقوة نفسه، رجحنا جانب الخروج احتياطاً لأمر العبادة. بخلاف ما إذا شك في الحدث؛ لأن الموجود هناك مجرد الشك، ولا عبرة لمجرد الشك مع اليقين، وههنا الحدث وجد من وجه دون وجه فرجحنا الوجود احتياطا.
154 - ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى في هذا الفصل: وهو ما إذا كان الدم والبزاق على السواء، عامة مشايخنا رحمهم الله تعالى على أن الوضوء بهذا ينتقض وكان الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني يقول: آمره بإعادة الصلاة احتياطا، وهو باق على وضوءه الأول. وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول: إن كان لونه يضرب إلى الصفرة ليس بناقض. وإن كان يضرب إلى الحمرة فهو ناقض وإن كان عروق الدم يجرى بين البزاق كالعلقة لم يكن ناقضاً.
155- وفى النوادر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا بزق أو امتخط ورأى في ذلك علقة من الدم، لم ينتقض وضوءه، وإن كان الذى يرى من الدم في جميع البزاق أو النخامة، وكانت حمرته أو صفرته غالبة على البزاق، فعليه الوضوء. وإن كان الذي يرى شبه
غسالة اللحم وكان البياض غالبا، فلا وضوء عليه.
156 - وذكر هشام عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إذا اصفر البزاق من الدم فلا وضوء، وإن احمر فعليه الوضوء وهذه الرواية موافقة لقول الفقيه أبي جعفر رحمه الله تعالى على ما تقدم ذكره. قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: إن كان البزاق يخرج من لهاته أو لسانه، فهو على التفصيل: أن الدم غالب أو مغلوب، أو كان على السواء، فأما إذا خرج ذلك من جوفه، فالأمر فيه أسهل.
نوع آخر فى النوم والإغماء والغشى والجنون والسكر:
157 - إذا نام فى صلاته قائماً أو راكعا أو ساجداً فلا وضوء عليه.
158 - وإن نام مضطجعا أو متوركًا فعليه الوضوء، والأصل في ذلك ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نام في صلاته ومضى فيها، فلما فرغ قال: إذا نام الرجل راكعا أو ساجداً أو قائماً فلا وضوء عليه، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً؛ فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله.
وهذا الحديث حجة لنا في الفصول كلها من حيث النص، وإنه ظاهر. وكذلك من حيث التعليل
الجزء 1 · صفحة 45
حجة؛ لأن النبي علل وجوب الوضوء باسترخاء المفاصل، ولم يرد به أصل الاسترخاء؛ لأن أصل الاسترخاء موجود في حالة الركوع والسجود؛ لأن الاسترخاء نتيجة النوم، والنوم موجود في الأحوال كلها. فلو حمل آخر الحديث على أصل الاسترخاء، صاركان النبي صلى الله عليه وسلم قال في صدر الحديث: لا وضوء على من استرخت مفاصله، ثم قال في آخر الحديث: إنما الوضوء على من استرخت مفاصله. وفيه تناقض ظاهر، فلضرورة التناقض يحمل آخر الحديث على النهاية فى الاسترخاء. وإذا حمل عليه صار كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وجد استرخاء المفاصل على النهاية والمبالغة - بأن زال التماسك من كل وجه - وجب الوضوء، واسترخاء المفاصل على النهاية والمبالغة لا توجد حال القيام والركوع والسجود؛ لأن بعض التماسك في هذه الأحوال باق؛ إذ لو لم يكن باقيا لسقط. وإذا كان باقيا في هذه الأحوال لم يكن الاسترخاء في هذه الأحوال على سبيل النهاية والمبالغة والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل النوم حدثًا حال وجود الاسترخاء على سبيل المبالغة والنهاية. ثم لم يفصل محمد رحمه
الله تعالى في الأصل بينما إذا غلبه النوم، وبينما إذا نام متعمداً.
159 - وروى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال: إنما لا ينتقض وضوءه إذا غلبه النوم. أما إذا نام متعمدا ينتقض وضوءه على كل حال، وهكذا ذكر شيخ الاسلام رحمه الله تعالى في شرح الأصل. وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى في السجود إذا تعمد النوم، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية، إذ لا فصل في الحديث.
160 - وإن نام قاعدًا، وهو يتمايل في حال نومه ويضطرب، وربما يزول مقعده عن الأرض، إلا أنه لم يسقط ظاهر المذهب أنه ليس بحدث. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه حدث.
161- وفي النوم مضطجعا الحال لا يخلو: إن غلبت عيناه فقام ثم اضطجع في حال نومه، فهو بمنزلة ما لو سبقه الحدث، يتوضأ ويبني ولو تعمد النوم في الصلاة مضطجعا، فإنه يتوضأ ويستقبل الصلاة، هكذا حكى عن مشايخنا رحمهم الله تعالى.
162 - وفي الفتاوى: في المريض لا يستطيع أداء الصلاة إلا مضطجعا، فنام في الصلاة، انتقض وضوءه. قال: إن غلبت عيناه فنام ثم اضطجع في حال نومه، فهو بمنزلة ما لو سبقه الحدث، فيتوضأ فيبني ولو تعمد النوم في الصلاة مضطجعاً، فإنه يتوضأ. قال الشيخ الإمام الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: وقد قيل: لا ينتقض والأول أصح.
الجزء 1 · صفحة 46
163- وفى نوادر إبراهيم عن محمد: إذا قعد في الصلاة وإحدى اليتيه على قدمه فنام فلا وضوء عليه.
قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله تعالى: هذا خلاف ما روى عن محمد رحمه الله تعالى في الأصل، هذا إذا نام في الصلاة، أما إذا نام خارج الصلاة، إن نام مضطجعا أو متوركاً ينتقض وضوءه.
164 - وإن نام قائماً أو على هيئة الراكع أو الساجد، ذكر القدوري في شرحه: أنه لا ينتقض وضوءه ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في شرح المبسوط: فيما إذا نام ساجداً أن فيه اختلاف المشايخ، وذكر هو أيضا عن على ابن موسى القمي رحمه الله تعالى: أنه لا نص في هذه الصورة عن أصحابنا رحمهم الله تعالى. وينبغى أن لا ينتقض وضوءه إذا نام على هيئة الساجد على وجه السنة، بأن كان رافعا بطنه عن فخذيه مجافيًا عضديه عن جنبيه
165 - وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: أنه إذا نام ساجداً في غير الصلاة، فظاهر المذهب أنه يكون حدثا. قال رحمه الله تعالى: وقد ذكر الحاكم الشهيد رحمه الله تعالى في إشاراته، وقد قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: إن النوم في حالة السجود لا يكون حدثا وإن كان خارج الصلاة.
الفصل الثاني في بيان ما يوجب الوضوء:
166 - وذكر محمد رحمه الله تعالى في صلاة الآثار: أن من نام قاعداً، أو واضعا إليتيه على عقبيه، وصار شبه المنكب على وجهه، واضعاً بطنه على فخذيه، لا ينتقض وضوءه.
167- وعن على بن يزيد الطبري قال: سمعت محمدا رحمه الله تعالى يقول: من نام منكبا على وجهه لا ينتقض وضوءه. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: الشرط عند محمد رحمه الله تعالى أن يضطجع على غيره أما اضطجاعه على نفسه لا يعتبر، وقال أبو يوسف: اضطجاعه على نفسه كاضطجاعه على غيره في زوال الاستمساك، فيكون حدثًا، ولم يذكر قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقال شمس الأئمة الحلواني: وقد نقل عنه فصل يدل على أنه كان يميل إلى ما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى، بيانه: قال فيمن كان محدوبًا فسجد على فخذه أو ركبتيه، بأن وضع أنفه على طرف ركبتيه، صح سجوده، وجعل سجوده بمنزلة السجود على وسادة أو لبنة، فجعل سجوده على نفسه کسجوده على غيره، فجاز أن يجعل اضطجاعه على نفسه کاضطجاعه على غيره. وجه قول من يقول: إنه ينتقض وضوءه، أنه نام، والمساكة زائلة عن مستوى جلوسه فيكون حدثا كما لو نام مضطجعا على غيره. وكان القياس في حالة
الجزء 1 · صفحة 47
الصلاة كذلك، لكن عرفنا بالأثر.
وجه قول من قال: بأنه لا يكون حدثاً، إن النوم في هذه الأحوال إنما لم يجعل حدثا في الصلاة؛ لانعدام استرخاء المفاصل على سبيل النهاية والمبالغة، وهذا المعنى موجود في غير حالة الصلاة. فأما إذا نام قاعداً مستويًا إليتاه على الأرض، لا ينتقض وضوءه.
168 - وإن نام قاعداً مستوى الجلوس، ولكن مستندا إلى جدار أو أسطوانة، ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: أن ظاهر المذهب أنه لا ينتقض
وضوءه. وعن الطحاوى رحمه الله تعالى أنه قال: إن كان بحيث لو أزيل السند سقط، فهو كالمضطجع، وعلى هذا بعض المشايخ رحمهم الله تعالى، وهذا لأنه إذا كان بهذه الصفة، فقد وجد زوال التماسك من كل وجه؛ لأنه لم يقعد بقوة نفسه، وإنما قعد بقوة الأسطوانة أو الحائط، فينتقض وضوءه. وفي القدوري: روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا ينتقض وضوءه إذا كان إليتيه مستوية على الأرض. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى غير مقيدة بما إذا كانت إليتاه مستوية على الأرض، ومنهم من قال: إن جعل عقبيه عند مقعده، واستند إلى شيء ونام، لا يكون حدثا وقيل: إذا كان مستقراً على الأرض غير مستوفز لا ينتقض وضوءه وإن كان بحال لو أزيل السند يسقط وإن كان مستوفزاً غير مستقر على الأرض، ينتقض وضوءه وإن كان بحال لو أزيل السند لا يسقط.
169- ولو نام قاعداً مستوى الجلوس، فسقط على الأرض، ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى ظاهر الجواب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن انتبه قبل أن يتزايل مقعده الأرض في حال سقوطه، لم ينتقض طهارته، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو استيقظ حين يضع جنبه على الأرض، فلا وضوء عليه، وإن وقع جنبه وهو نائم بطل وضوءه؛ لأنه وجد شيء من النوم مضطجعاً، فينتقض وضوءه، وعلى قولهما لا ينتقض طهارته حتى يسقط على الأرض قبل أن ينتبه.
??? - ويشترط لانتقاض الطهارة عند أبي يوسف، أن يكون الانتباه بعد ما استقر نائما على الأرض، وهكذا روى ابن رستم عن محمد رحمه الله تعالى. وعن محمد في رواية: أنه كما اضطجع أو انتبه فعليه أن يتوضأ؛ لأنه وجد شيء من النوم مضطجعا.
??? - وإذا نام راكبًا على دابة والدابة عريان، فإن كان في حالة الصعود والاستواء، لا ينتقض وضوءه؛ لأن مقعده يكون متمكنا على ظهر الدابة، فلا يخاف خروج شيء منه، كما لو كان جالساً على
الجزء 1 · صفحة 48
الأرض، ومقعده متمكن من الأرض، أما حالة الهبوط يكون حدثا؛ لأن مقعده لا يكون متمكنا على ظهر الدابة حالة الهبوط، فهو بمنزلة ما لو نام على الأرض متوركا، هذا هو
الكلام في النوم.
172 - وأما النعاس في حالة الاضطجاع لا يخلو إما أن يكون ثقيلا أو خفيفًا، فإن كان ثقيلا فهو حدث، وإن كان خفيفاً لا يكون حدثاً، والفاصل بين الخفيف والثقيل أنه إن كان يسمع ما قيل عنده فهو خفيف وإن كان يخفى عليه ما قيل عنده فهو ثقيل، هكذا حكى عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى.
173- والنوم في سجدة التلاوة لا ينقض الوضوء، كالنوم في السجدة الصلبية، هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى.
174 - وكذا في سجدة الشكر عند محمد رحمه الله تعالى، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى حدث ينقض؛ لأن سجدة الشكر عنده ليس بقربة وفي فوائد القاضي الإمام أبي على النسفي رحمه الله تعالى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى مثل قول محمد. قال القاضي الإمام وسواء سجد على وجه السنة، أو لا على وجه السنة.
175 - والنوم في سجود السهو ليس بحدث.
176- والإغماء ينقض الوضوء وإن قل، وكذلك الجنون والغشى؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء سبب الخروج النجاسة بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فقام مقام خروج النجاسة.
??? - والسكر ينقض الوضوء أيضًا؛ لأنه سبب الخروج الحدث بواسطة استرخاء المفاصل، فيقام مقام خروج. الحدث احتياطاً، وبعد هذا الكلام في حده ذكر بعض المشايخ رحمهم الله في شرح المبسوط: أن حد السكران هنا ما هو حد السكران في باب الحد. وهكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله تعالى في واقعاته، فإنه قال: إن كان لا يعرف الرجل من المرأة ينتقض وضوءه، وهذا الحد ليس بلازم بل إذا دخل في بعض مشيته تحريك فهو سكر ينتقض به وضوءه، هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى، وهو الصحيح.
??? - وهذا لأن السكر إنما أوجب انتقاض الطهارة لكونه سبب الخروج الحدث بواسطة الغفلة وزوال المسكة فإذا دخل في مشيته تحرك فقد زالت المسكة.
الجزء 1 · صفحة 49
الكلام في القهقهة:
179 - يجب أن يعلم بأن القهقهة في كل صلاة فيها ركوع وسجود ينقض الصلاة والوضوء عندنا؛ لحديث خالد الجهني رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى
بأصحابه إذ أقبل أعمى، فوقع في بئر أو ركية هناك، فضحك بعض القوم قهقهة، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة.
??? - والقهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن انتقاض الوضوء بالقهقهة عرف بالسنة بخلاف القياس؛ لأن انتقاض الطهارة بخارج نجس، ولم يوجد ذلك، وليست القهقهة خارج الصلاة في معنى القهقهة في الصلاة؛ لأن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى، فتعظم الجناية بالقهقهة فيها، ولا كذلك القهقهة خارج الصلاة، فبقيت القهقهة خارج الصلاة على أصل القياس.
??? - وكذلك القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا ينقض الوضوء؛ لأن انتقاض الوضوء بالقهقهة عرف بالسنة والسنة وردت في صلاة مطلقة، وهذه ليست بصلاة مطلقة، فيعمل فيها بالقياس.
???- وكذلك القهقهة من النائم في الصلاة لا تنقض الوضوء، ولكن تبطل صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، هكذا ذكر في بعض الكتب.
??? - وذكر الزندويسي رحمه الله تعالى فى نظمه: إذا نام في صلاته قائماً أو ساجداً ثم قهقه - لا رواية لهذا في الأصول - قال شداد بن أوس: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تفسد صلاته ولا يفسد وضوءه، وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد رحمه الله تعالى. وقال الفقيه أبو محمد الكوفى رحمه الله تعالى: فسدت صلاته ووضوءه جميعاً، وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطا.
184 - ولو نسى كونه في الصلاة ثم قهقه، قال شداد قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تفسد صلاته ولا يفسد وضوءه. قال الحاكم الكوفي، والفقيه عبد الواحد: فسدا جميعاً. وجه قول من قال بفسادهما: إن هذه قهقهة حصلت في خلال الصلاة، فتنقض الوضوء، كما في الذاكر المستيقظ.
وجه قول من قال بعدم فساد الوضوء: إن السنة وردت في حق اليقظان الذاكر، وليس النائم والناسى فى معنى المستيقظ الذاكر؛ لأن فعل النائم والناسى لا يوصف بكونه جناية فيعمل فيه بالقياس،
الجزء 1 · صفحة 50
وقضية القياس أن لا يفسد الوضوء.
185 - والقهقهة من الصبي في حالة الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن فعل الصبي لا يوصف بالجناية، فيعمل فيه بالقياس.
186 - وإذا أحدث الرجل فذهب وتوضأ، وعاد إلى مكانه، وقهقه في الطريق، حكى عن بعض المشايخ رحمهم الله تعالى أنها تنقض. وقال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام على البزدوي رحمه الله تعالى: إنها تبطل الصلاة، ولا تنقض الوضوء استحسانًا.
??? - ولو تبسم في صلاته، لا ينقض وضوءه؛ لما روى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان إذا رأى جرير بن عبد الله تبسم ولو في الصلاة))، وقال عليه الصلاة السلام في قضية الأعمى الذي وقع في الركية: ((من تبسم لا شيء عليه))، ولأن القهقهة عرفت حدثا بالسنة بخلاف القياس، والتبسم ليس في معناها؛ لأن في القهقهة من المأثم والحرمة، ما ليس في التبسم، فلم يكن التبسم في الجناية نظير القهقهة، فرد التبسم إلى أصل القياس.
??? - ثم في حد القهقهة اختلاف المشايخ: قال بعضهم: القهقهة ما يكون مسموعاله ولجيرانه، وقال بعضهم: ما يظهر فيه القاف والهاء والتبسم ما لا يكون مسموعا له
والجيرانه، والضحك ما بينها، وهو ما كان مسموعاله، ولا يكون مسموعاً لجيرانه، فإنه ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في شرح المبسوط، وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى في شرح المبسوط: أنه فوق التبسم دون القهقهة، لا ذكر له في المبسوط قال: وكان القاضي الإمام يحكى عن الشيخ الإمام، أنه كان يقول: إذا ضحك حتى بدت نواجذه ومنعه عن القراءة أو عن التسبيح، نقض الوضوء، قال رحمه الله تعالى: وغيره من المشايخ رحمهم الله تعالى على أنه لا ينقض الوضوء، حتى يسمع صوته وإن قل.
الفصل الثاني في بيان ما يوجب الوضوء
??? - والقهقهة عامداً كان أو ناسيا ينقض الوضوء، ويبطل التيمم كما يبطل الوضوء، ولا يبطل طهارة الاغتسال، وقد قيل: يبطل طهارة الأعضاء الأربعة، يريد بهذا أن المغتسل في الصلاة إذا قهقه بطلت الصلاة، وجاز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد على القول الأول، وعلى القول الآخر لا يجوز له أن يصلى بعده من غير وضوء جديد.
الجزء 1 · صفحة 51
190 - ولو صلى الفريضة بالإيماء بعذر وقهقه فيها، انتقض وضوءه؛ لأن هذه صلاة لها رکوع وسجود وقام الإيماء بعذر مقام الركوع والسجود.
??? - ولو صلى المكتوبة أو التطوع راكبًا خارج المصر أو القرية وقهقه فيها، انتقض وضوءه، وإن كان فى مصر أو قرية لا ينتقض وضوءه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى؛ لأنه ليس في الصلاة.
192 - وكذلك لو افتتح التطوع راكبا خارج المصر، ودخل المصر، ثم قهقه، فلا وضوء عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولو صلى في المصر ركعة من التطوع راكبا ثم خرج من المصر يريد السفر وقهقه، لا وضوء عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
???- ولو صلى راكبًا وهو منهزم من العدو، والدابة واقفة أو سائرة أو تعدو به وهو يؤمى إيماء إلى القبلة، أو إلى غيرها، ثم قهقه كان عليه الوضوء.
194 - وفى نوادر ابن سماعة: عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إمام تشهد ثم ضحك قبل أن يسلم، فضحك بعده من خلفه، فعليهم الوضوء، علل فقال: لأني كنت آمرهم أن يسلموا. أشار إلى أن القوم لا يخرجون عن حرمة الصلاة بضحك الإمام، قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله تعالى: قد روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال: لا أمرهم أن
يسلموا. أشار إلى أن ضحك الإمام يخرج القوم عن حرمة الصلاة، فلا يحتاجون إلى التسليم؛ لأن التسليم للتحليل.
195 - وذكر الحاكم رحمه الله تعالى في إمام قعد في آخر صلاته قدر التشهد ولم يتشهد والقوم على مثل حاله، فضحك الإمام، ثم ضحك من خلفه قال: أما في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فعلى الإمام الوضوء، ولا وضوء على القوم من قبل إن الإمام قد أفسد عليهم ما بقى من صلاتهم. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: عليهم الوضوء من قبل إنهم لو لم يضحكوا كان عليهم أن يتشهدوا ويسلموا، فلم يفسد الإمام عليهم شيئًا. ولو كان الإمام والقوم تشهدوا، ثم سلم الإمام ثم ضحك القوم قبل أن يسلموا، فعليهم الوضوء عندهما؛ لأن سلام الإمام لا يفسد عليهم ما بقى.
196 - وكذلك الكلام، فأما الحدث متعمداً أو الضحك، يفسد عليهم ما بقى.
??? - وكذلك عند محمد رحمه الله تعالى لا وضوء على القوم في هذه الصورة، وهو ما إذا ضحكوا بعد ما سلم الإمام؛ لأن عنده بسلام الإمام يخرج المقتدى عن حرمة الصلاة، والضحك منهم لم يصادف
الجزء 1 · صفحة 52
حرمة الصلاة، فلا يوجب الوضوء.
??? - أبو سليمان عن محمد، فيمن سها عن التشهد خلف الإمام في الثانية، حتى سلم الإمام في آخر الصلاة، ثم ضحك هذا الرجل، فلا وضوء عليه، وليس هذه كسهوه عن التشهد في الرابعة.
??? - وفى الأمالي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: (لو أن إماما انصرف من غير أن يسلم، وخرج من المسجد وضحك، أو بعض القوم، فلا وضوء عليه ولا عليهم.
??? - ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في النوادر: إذا صلى من الجمعة ركعة ثم خرج وقتها، ثم قهقه، فلا وضوء عليه. وهذه المسألة تبتني على أصل أبي يوسف رحمه الله تعالى: أن خروج الوقت في صلاة الجمعة يوجب الخروج عن الجمعة، فالقهقة بعد ذلك، لم تصادف حرمة طهارة مطلقا.
201 - أبو سليمان عن محمد رحمه الله تعالى: ظن القوم أن الإمام قد كبر، ولم يكن كبر، فكبروا ثم قهقهوا فلا وضوء عليهم.
??? - عمرو بن أبي عمر في مسافر صلى ركعة من الظهر بغير قراءة، ثم قهقه فعليه الوضوء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وفى قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى: لا وضوء عليه.
??? - وكذلك المقيم إذا صلى ركعة من الفجر بغير قراءة، ثم قهقه فعليه الوضوء، في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى.
204- وكذلك قال أبو يوسف رحمه الله تعالى فيمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر ثم قهقه، وقاس على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
205 - وكذلك إن ذكر صلاة عليه وهو في صلاة أخرى، ثم قهقه.
206 - وكذلك إذا نوى الإمام إمامة النساء، فجاءت امرأة وقامت إلى جنبه تأتم به، ثم قهقه فعليه الوضوء، وأما في قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى: فلا وضوء عليه في شيء من ذلك إذا فسدت الصلاة، فكأنه تكلم فيها، ثم قهقه. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: هذا إذا وقفت بجنب الإمام، وكبرت بعد تكبيره، فأما إذا كبرت مع الإمام لا تنعقد تحريمة الإمام، فلا تنقض طهارته.
???- ولو وقفت المرأة بجنب إمام يؤمها، ثم ضحكت وقهقهت، هل تنتقض طهارتها؟ في رواية لا تنتقض طهارتها، وفي رواية تنتقض والأول أصح؛ لأنها ليست في صلاة. وإذا صلى فريضة عند طلوع الشمس وعند غروبها سوى عصر يومه، لم يكن داخلا في الصلاة، حتى لا تنقض طهارته بالقهقهة.
الجزء 1 · صفحة 53
??? - وإذا شرع في التطوع عند طلوع الشمس أو عند غروبها، ثم قهقه كان عليه الوضوء. حكى عن بشر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: كل صلاة افتتحت صحيحة، ثم دخل فيها ما يفسدها على وجه مما سمينا ثم ضحك فعليه الوضوء، وهو إشارة إلى المسائل المتقدمة.
??? - وذكر المعلى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: في رجل صلى ركعتين تطوعاً، ولم يقرأ في إحداهما، ثم قهقه، فلا وضوء عليه، وهذا الجواب يخالف جوابه في المسائل المتقدمة.
??? - وقال في المتحرى: إذا تبين له فى خلال الصلاة أنه صلى إلى غير القبلة، ثم ثبت على صلاته بعد العلم به فسدت صلاته، وإن قهقه فلا وضوء عليه. وقال في موضع
آخر في هذا الكتاب: إن عليه الوضوء
فالحاصل: أن في جنس هذه المسائل روايتين عن أبي يوسف رحمه الله تعالى.
??? - وقال فيمن انقضى وقت مسحه في صلاته، ثم قهقه، فلا وضوء عليه؛ لأن هذا صار غير طاهر وكذلك فى الجبائر إذا برئ في صلاته.
??? - قال: ولو أن صحيحًا افتتح مكتوبة قاعدًا أو مضطجعا من غير عذر ثم قهقه أعاد الوضوء.
?? ?- وكذلك لو افتتح الصلاة خلف مومى، أو خلف أخرس أو أمى ثم قهقه فعليه الوضوء.
214 - وكذلك لو افتتح المتوضئ خلف المتيمم، والمتوضئ يرى الماء، والمتيمم لا يراه.
215 - وكذلك من يأتم بمن يعلم أن عليه صلاةقبلها ولا يعلمها الإمام، أو الإمام على غير القبلة ولا يعلمها، والمؤتم يعلم، وإن كان الإمام يعلم أنه افتتح بغير القبلة، فلا وضوء على المؤتم.
216- ولو كان مسافراً ينوى الإقامة بعد السلام قبل الضحك، كانت نيته قاطعة للصلاة، ولم يكن عليه أن يتمها وهو كمن سلم وعليه سجدتا السهو.
??? - بشر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى فى رجل لا يقرأ صلى ركعة بغير قراءة، ثم تعلم سورة، قال ينصرف على شفع: وهو في الصلاة، وعليه الوضوء إن قهقه.
218 - وعنه أيضًا: إذا صلى العريان ركعة ثم وجد ثوبا فلبس في الصلاة قال: لا ينصرف على شفع، ولا وضوء عليه إن قهقه. وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: عليه الوضوء. فصار في المسألة روايتان، فيجب أن يكون المسألة الأولى على الروايتين أيضاً؛ إذ لا تفاوت بينهما.
الجزء 1 · صفحة 54
??? - وعنه أيضا: أمة صلت بغير قناع ركعة، ثم اقتنعت)، فصلت ركعة أخرى بغير قناع وهي تعلم بالعتق قال: إنها ليست في الصلاة، ولا وضوء عليها إن قهقهت. وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: عليها الوضوء.
??? - وعنه أيضاً: لو دخل بنية العصر في صلاة رجل يصلى الظهر لزمه المضى معه وهو متطوع، وعليه الوضوء إن قهقه.
??? - إذا سلم المقتدى قبل سلام الإمام بعد ما قعد قدر التشهد، ثم قهقهه لا وضوء
عليه؛ لأنه صح خروجه عن الصلاة قبل خروج الإمام، فلا تنتقض طهارته بالقهقة.
??? - وإذا قهقه القوم بعد التشهد دون الإمام صحت صلاتهم. وانتقضت طهارتهم، ولا تنتقض طهارة الإمام، ولو قهقه القوم بعد التشهد ثم الإمام، تمت صلاتهم، وانتقضت طهارتهم. وكذلك لو قهقه الإمام والقوم بعد التشهد معًا، تمت صلاتهم، وانتقضت طهارتهم.
??? - وإذا قهقه الإمام بعد ما قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم، فصلاته تامة، وعليه الوضوء لصلاة أخرى عند علماءنا الثلاثة رحمهم الله تعالى، خلافا لزفر رحمه الله تعالى، إلا أنه لم تنتقض صلاته.
نوع آخر من هذا الفصل:
224- مس المرأة الرجل والرجل المرأة، لا ينقض الوضوء، وقال مالك رحمه الله تعالى: إن كان بشهوة نقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينقض؛ لأن المس عن شهوة سبب لاستطلاق وكاء المذى، فيقام مقامه في حق إيجاب الوضوء احتياطا لأمر العبادة، كما فعل أبو حنيفة رحمه الله تعالى في المباشرة الفاحشة، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولنا حديث عائشة وأم سلمة رضى الله تعالى عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نساءه ثم صلى ولم يتوضأ)) لأن عين المس ليس بحدث بدليل مس ذوات المحارم، وإنما الحدث ما يخرج عند المس، وذلك ظاهر فلا حاجة إلى إقامة السبب مقامه.
225 - ومس الذكر لا ينقض الوضوء بحال، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ينقض إذا مسه بباطن الكف من غير حائل؛ لحديث بسرة رضى الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مس ذكره، فليتوضأ)). ولأنه سبب لاستطلاق وكاء المذى، فيقام مقامه. ولنا ما روى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من مس ذكره هل عليه أن يتوضأ؟ قال: لا وهل هو إلا بضعة
الجزء 1 · صفحة 55
منك. ولأن إقامة السبب الظاهر مقام المعنى الخفى عند تعذر الوقوف على الخفي، فذلك غير موجود هنا؛ لأن المذى يرى.
226 - وإذا باشر امرأته مباشرة فاحشة بتجرد وانتشار وملاقاة الفرج الفرج، ففيه الوضوء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى استحسانًا، وقال محمد رحمه الله تعالى: لا وضوء عليه، وهو القياس، لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الوضوء مما خرج، وقد تيقن أنه لم يخرج منهم شيء، فهو كالتقبيل.
ولهما: أن الغالب من حال من بلغ فى المباشرة هذا المبلغ خروج المذى منه، فيجعل كالمذي؛ بناء للحكم على الغالب دون النادر. ألا ترى أن من نام مضطجعا انتقض وضوءه، وإن تيقن أنه لم يخرج منه شيء؛ اعتباراً للغالب، كذا هنا.
??? - والكلام الفاحش لا ينقض الوضوء وإن كان في الصلاة؛ لأن الحدث اسم لخارج نجس، ولم يوجد هذا الحدث في الكلام الفاحش.
??? - ولا وضوء في أكل ما مسته النار أو لم تمسه؛ فقد صح: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
??? - وليس فى حمل الميت وغسله وضوء، إلا أن يصيب يده أو جسده شيء من الماء فيغسل ذلك الموضع.
230 - وإذا ذبح شاة فلا وضوء عليه إلا أن يتلطخ يده بدمها فيغسل يده.
??? - قال القدوري رحمه الله تعالى: وليس فى مزال عن البدن ولا موطوء عليه وضوء ولا إمرار ماء على موضع المزال يريد به إذا توضأ ثم قلم ظفره، أو حلق شعره. وقد مسألة الشعر من قبل، والمعنى بالموطوء عليه: أن يطأ نجاسة لا يلصق به شيء منها، وإن لصقت فعليه غسله - والله اعلم.
نوع آخر:
??? - قال محمد رحمه الله تعالى في الأصل: من شك فى بعض وضوءه وهو أول ما
شك، غسل الموضع الذى شك فيه؛ لأن غسله لا يريبه، وتركه يريبه؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). ولأنه على يقين في الحدث في ذلك الموضع، وشك في غسله،
الجزء 1 · صفحة 56
واليقين لا يزال بالشك. وأما إذا كان يرى ذلك كثيراً لم يلتفت ومضى؛ لأنه من الوساوس والسبيل فى الوساوس قطعها، وترك الالتفات إليها؛ لأنه لو التفت إليها يقع فى مثل ذلك ثانيًا وثالثًا، فبقى أكثر عمره في ذلك.
233 - قالوا: وهذا إذا كان الشك فى خلال الوضوء. وأما إذا كان هذا الشك بعد الفرغ من الوضوء، لا يلتفت إليه ومضى وهو نظير ما إذا شك في صلاته أنه صلاها ثلاثا أو أربعاً إن كان هذا الشك في خلال الصلاة كان معتبراً وإن كان بعد الفراغ من الصلاة لا يعتبر؛ حملا لأمره على ما يحل، وهو الخروج عن الصلاة بعد التمام، كذا ههنا.
وتكلموا في قوله: وهو أول ما شك فيه من المشايخ من قال: أراد به أول من شك في عمره، ومنهم من قال: إنه أراد به أول شك وقع له في هذا الوضوء. ومنهم من قال: أراد به إن شك في مثل هذا لم يصر عادة له.
234- ومن شك في الحدث فهو على وضوءه؛ لأنه على يقين من الطهارة، وعلى شك من الحدث، واليقين لا يزال بالشك.
235- ومن شك في الوضوء فهو محدث؛ لأنه على يقين من الحدث، وعلى شك من الوضوء.
236- قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: لا يدخل التحري في باب الوضوء، إلا في فصل رواه ابن سماعة عن محمد رحمه الله تعالى، أنه إذا كان مع الرجل آنية، وهو يتذكر أنه جلس للوضوء إلا أنه شك أنه قام قبل أن يتوضأ، أو بعد ما توضأ، يتحرى ويعمل بغالب رأيه.
237 - وإن شك أنه جلس للتوضؤ أولا والآنية موضوعة هناك، فهو محدث، ولا يجوز له التحرى. وقال ابن سماعة في نوادره وهو نظير الخلاء؛ فإنه إذا كان يتذكر أنه دخل الخلاء للتخلى، لكنه شك أنه خرج منها قبل أن يتخلى أو بعد ما تخلى، جعل محدثًا، ولا
يجوز له التحرى. ولو شك أنه دخل الخلاء أولم يدخل، جاز له التحرى والعمل بغالب رأيه، وهذه رواية مستحسنة.
???- وفي المنتقى: إبراهيم عن محمد رحمه الله تعالى: أنه سئل عن المتيقن بالوضوء إذا لم يتذكر. حدثا فقال له رجل: إنك بلت في موضع كذا، فشك الرجل، وقد صلى بعد ذلك صلوات، فقال: إذا شهد عنده عدلانقضاها، وإن شهد واحد عدل لم يقض.
الجزء 1 · صفحة 57
239- وفي الإملاء عن محمد رحمه الله تعالى: إذا وقع في قلب المتوضئ أنه أحدث، وكان على ذلك أكبر رأيه، فالأفضل أن يعيد الوضوء، وإن صلى بوضوءه الأول كان في سعة من ذلك عندنا، وإن أخبره مسلم عدل، رجل أو امرأة، حرة أو مملوكة، أنه أحدث أو رعف، أو نام مضطجعا، لم يسع له أن يصلى حتى يتوضاً؛ لأن هذا أمر من أمور الدين، وخبر الواحد حجة في أمور الدين.
240- ولو استيقن بالحدث وشك في الوضو فأخبره عدل أنه توضأ، أو لم يعرف المخبر بكونه عدلا، إلا أنه وقع في قلبه أنه صادق، وسعه أن يصلي، فإن كان يبتلى بهذا كثيراً، ويدخل فيه الشيطان، فاستيقن بالحدث، واستيقن أنه قد قعد للوضوء، فإن كان أكبر رأيه أنه توضأ، وسعه عندنا أن يمضى على أكبر رأيه.
241- قال في الأصل: ومن توضأ ورأى البلل سائلا من ذكره، نقض وضوءه. وإن كان الشيطان يريه ذلك كثيرا، ولا يستيقن أنه بلل أو بول، مضى في صلاته، ولا يلتفت إليه. وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني وتأويل هذا في الذي يرى البلل على طرف ذكره وقد استنجي، فيجعل أن يكون ذلك من بلل الغسل، فأما إذا علم الرجل أنه خرج من داخل الإحليل، فعليه أن يتوضأ، ومن أصحابنا من قال: وإن علم أنه خرج من ذكره لا ينقض وضوءه. ما لم يستيقن أنه بول أو مذى إذا كان قد استنجي، فقد ذكر في بعض النوادر: أن المستنجى إذا أدخل الماء في ذكره، ثم خرج، لا ينقض وضوءه، فيحتمل أن يكون هذا الخارج من ماء الاستنجاء.
قال شيخ الإسلام: الحيلة في قطع هذه الوسوسة أن ينضح فرجه بالماء، فإذا أراه الشيطان ذلك أحاله على الماء. وقد روى أنس رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
ينضح إزاره بالماء إذا توضأ وقال: نزل على جبريل صلوات الله عليه، وأمرني بذلك. قالوا: هذا الاحتيال إنما ينفعه إذا كان العهد قريباً بحيث لم يجف البلل. فأما إذا مضى عليه زمان، ثم رأى بللا، فإنه يعيد الوضوء؛ لأنه لا يمكنه الإحالة على ذلك الماء والله أعلم.
الفصل الثاني في بيان ما يوجب الوضوء ومما يتصل بهذا الفصل: بيان أحكام المحدث:
242 - المحدث لا يمس المصحف، ولا الدراهم التي كتب عليه القرآن؛ لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}.
243 - ولا بأس بأن يقرأ القرآن؛ لما روى عن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين:
الجزء 1 · صفحة 58
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة. والمعنى في الفرق بين القراءة والمس: أن الحدث حل اليد دون الفم، ولهذا يفترض على المحدث إيصال الماء إلى اليد، ولا يفترض عليه إيصال الماء إلى الفم. وإن أراد أن يغسل اليد ويأخذ المصحف، لا يحل له ذلك؛ لأن الحدث لا يتجزأ زوالاً وثبوتاً.
244 - وكما لا يحل له مس الكتابة لا يحل له مس البياض أيضاً، وإن مس المصحف بغلافه فلا بأس به، والغلاف الجلد الذى عليه المتصل به عند بعض المشايخ رحمهم الله تعالى وعند بعضهم المنفصل كالخريطة ونحوها؛ لأن المتصل من المصحف، ولهذا يدخل في بيع المصحف من غير ذكر.
245 - وإن مس المصحف بكمه أو بذيله لا يجوز عند بعض المشايخ رحمهم الله تعالى؛ لأن ثيابه تبع لبدنه ألا ترى أنه لو قام على النجاسة في الصلاة وفي رجليه نعلان أو جوربان لا تجوز صلاته ولو فرش نعليه أو جوربيه، وقام عليهما جازت صلاته، ألا ترى أن من حلف لا يجلس على الأرض، فجلس عليها وبينه وبينها ثيابه، يحنث في يمينه.
واعتبر ثوبه تبعًا له، حتى لم يعتبر حائلا وأكثر المشايخ رحمهم الله تعالى على أنه لا يكره؛ لأن المحرم هو المس، وإنه اسم للمباشرة باليد بلا حائل ألا ترى أن المرأة إذا وقعت في طين وردعة حل للأجنبي أن يأخذ يدها بحائل ثوبه؟ وكذا حرمة المصاهرة لا تثبت بالمس بحائل. وفي باب اليمين المعتبر هو العرف، وفى العرف يعد الجالس في ثيابه على الأرض جالسا على الأرض.
246 - ويكره له مس كتب التفسير، وكذلك يكره له مس كتب الفقه، وما هو من كتب الشريعة؛ لأنه لا يخلو عن آيات القرآن. وإن لم يكن فيها آيات القرآن ففيها معنى القرآن. والمشايخ المتأخرون رحمهم الله تعالى وسعوا في مس كتب الفقه بالكم؛ للبلوى والضرورة.
247 - وكره بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة المشايخ رحمهم الله تعالى لم يروا به بأساً؛ لأنهم غير مخاطبين بالوضوء، وفي التأخير تضييع القرآن.
248 - ويكره له أن يدخل المسجد، وأن يطوف بالبيت، وفي الأذان روايتان، ويكره الإقامة رواية واحدة.
الفصل الثالث في الغسل
الجزء 1 · صفحة 59
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في تعليم الاغتسال:
249 - قال محمد رحمه الله تعالى: يبدأ في غسل الجنابة بيديه فيغسلهما ثلاثا، ثم يأخذ الإناء بيمينه، ويفرغه على شماله حتى يغسل فرجه وينقيه وكذلك المرأة إذا اغتسلت بدأت وغسلت فرجها، ثم يتوضأ وضوء الصلاة غير غسل القدمين، ثم يفيض الماء على رأسه، وسائر جسده ثلاثا، ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل قدميه، فقد أمر بتأخير غسل القدمين في حق الجنب.
250 - وقد اختلفت الروايات في فعل رسول الله روت عائشة رضى الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل القدمين فى الوضوء. وروت ميمونة رضى الله تعالى عنها: أنه عليه الصلاة والسلام لم يغسل القدمين فى الوضوء، بل أخره إلى ما بعد الاغتسال. وعلماء نا رحمهم الله تعالى أخذوا برواية ميمونة رضى الله عنها؛ لأن غسل القدمين قبل إفاضة الماء على رأسه لا يفيد؛ لأن قدماه في مستنقع الماء المستعمل، فيتنجس ثانياً وثالثًا، لوصول الماء المستعمل إليه، فلا يفيد الاغتسال في الوضوء، حتى لو أفاد بأن كان قائماً على حجر أو لوح - لا يؤخر غسل القدمين عن الوضوء.
251 - ثم أشار ههنا إلى مسح الرأس فى الوضوء فإنه قال: يتوضأ وضوءه للصلاة، والوضوء اسم يشمل المسح والغسل جميعاً، وهو ظاهر المذهب. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا يمسح برأسه فى وضوءه؛ لأنه قد لزمه غسل الرأس، وفرضية المسح لا يظهر عند وجوب الغسل، والصحيح أنه يمسح برأسه؛ فقد روت عائشة وميمونة
رضي الله تعالى عنهما فى بيان كيفية اغتسال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله توضأ وضوء للصلاة ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا، واسم الوضوء يشمل الغسل والمسح جميعًا. وما قال من المعنى، ليس بصحيح؛ لأن تقديم الوضوء على الإفاضة يقع سنة لا فرضاً لأن فرضيته لا تظهر مع فرضية الغسل. فإن أفاض الماء على رأسه مرة واحدة يجزئه، وهذا الترتيب الذي ذكرناه مذكور في الأصل.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: أوجز في البيان في الأصل، وفسر في النوادر وقال في موضع يتوضأ وضوء الصلاة، ولا يغسل قدميه، ثم يبدأ بمنكبه الأيمن، فيفيض الماء عليه ثلاثاً، ثم بمنكبه الأيسر، فيفيض الماء عليه ثلاثا، ثم يفيض الماء على رأسه، وسائر جسده ثلاثا، ثم يتنحى فيغسل
الجزء 1 · صفحة 60
قدميه. وقال في موضع آخر: يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثا، ثم على رأسه وجسده ثلاثا، ثم على منكبه الأيسر ثلاثا ثم يتنحى فيغسل قدميه.
252 - قال في المنتقى: قال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: من اغتسل عن الجنابة فليس عليه أن ينضح في عينيه الماء.
253 - قال في الأصل: والدلك فى الاغتسال ليس بشرط عندنا خلافا لمالك رحمه الله تعالى؛ لأن الواجب بالنص التطهير، واشتراط الدلك يكون زيادة على النص. وفي المنتقى: قال أبو يوسف رحمه الله تعالى في الأمالي: الدلك في الغسل شرط.
254 - وإذا اغتسلت المرأة من الجنابة، ولم تنقض رأسها إلا أنه بلغ الماء أصول شعرها، أجزأها هكذا ذكر في الأصل. واعلم أن ههنا فصلين أحدهما إذا بلغ الماء أصول شعرها وأثناءها، فإنه جائز بلا خلاف؛ لما روى أن أم سلمة رضى الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: إنى امرأة أشد ضفر رأسى أفأنقضها إذا اغتسلت؟ فقال: لا. وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يضر الجنب
والحائض أن لا ينقض الشعر إذا اغتسل بعد أن يصل الماء شؤون الشعر أي أصول الشعر. وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من إناء واحد، وكان لا ينقض شعرى
255- وأما إذا بلغ الماء أصول شعرها، ولكن لم يدخل شعب عقاصها، فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا يجزئها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «تحت كل شعرة جنابة ألا قبلوا الشعر ولم يوجد بل الشعر ههنا. وعن عبد الله ابن عمر رضى الله تعالى عنه: أنه كان يأمر جواريه بنقض شعورهن عند الاغتسال عن الحيض والجنابة. ويؤيد هذا القول ما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه أنه قال: تبل ذوائبها ثلاثا، مع كل بلة عصرة وفائدة اشتراط العصر أن يصل الماء شعب قرونها. وسئل الفقيه أحمد بن إبراهيم رحمه الله عن هذه المسألة، فروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه علم أم سلمة الاغتسال وقال: صبى على رأسك ثلاث صبات من ماء مع كل صبة عصرة. قال: وفائدة اشتراط العصر أنه يبلغ الماء شعب قرونها. قال الراوي: من الفقيه رحمه الله تعالى على أهل المجلس بذكر هذه المسألة. وقال بعضهم: يجزئها بظاهر ما روينا، من حديث أم سلمة وجابر وعائشة رضى الله تعالى عنهم.
الجزء 1 · صفحة 61
ولأنها إذا نقضت شعرها احتاجت إلى الضفر ثانياً وثالثًا، فيلحقها بذلك حرج. وربما يتناثر بذلك شعرها، وفيه فساد بخلاف اللحية؛ لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى إثناء اللحية، فيجب إيصال الماء إليه. ولا كذلك شعر المرأة، حتى إن المرأة إذا كانت لا
ترج في إيصال الماء إلى أثناء الشعر - بأن كانت منقوضة الشعر يفترض عليها إيصال الماء إلى أثناء الشعر، هكذا حكى عن الفقيه أبي جعفر. وتأويل حديث جابر رضي الله تعالى عنه على هذا القول أن المراد منه ما إذا لم تكن منقوضة الشعر.
256 - وأما الرجل إذا كان على رأسه شعر وقد ضفره، كما يفعله العلويون أو الأتراك هل يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر؟ فظاهر حديث جابر رضي الله تعالى عنه يدل على أنه لا يجب، وذكر الصدر الشهيد رحمه الله تعالى أنه يجب، والاحتياط في إيصال الماء إليه.
257 - وسئل الشيخ الإمام نجم الدين عمر النسفي رحمه الله تعالى عن المرأة تغتسل من الجنابة، هل تتكلف بإيصال الماء إلى ثقب القرط؟ قال: إن كان القرط فيه، فتعلم أنه لا يصل إليه الماء من غير تحريك، فلا بد من التحريك كما في الخاتم وإن لم يكن القرط فيه، إن كان لا يصل الماء إليه إلا بتكلف لا تتكلف. وكذلك إن انضم ذلك بعد نزع القرط، وصار بحيث لا يدخل القرط فيه إلا بتكلف، لا تتكلف أيضًا، وإن كان بحيث لو أمرت الماء عليه دخله، ولو غفلت عنه لم يدخله، أمرت الماء عليه حتى يدخل، ولا تتكلف إدخاله بشيء فيه، سوى الماء من خشب ونحوه لإيصال الماء إليه.
258 - الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يدخل الماء داخل الجلدة جاز؛ لأنها خلقة.
259- وقال فى الأقلف: إذا خرج بوله فى طرف ذكره حتى سال في قلفته فعليه الوضوء، ذكر القاضي الإمام الإسبيجابي رحمه الله تعالى هاتين المسألتين على هذا الوجه في شرحه، وكل واحدة ترد إشكالا على الأخرى. والجواب في هاتين المسألتين على هذا الوجه منقول عن ابن سلمة عنه.
وذكر في آخر النوازل قبيل باب التأويلات عن الشيخ الإمام الفقيه أبي بكر رحمه الله تعالى: أن الأقلف إذا لم يدخل الماء داخل الجلدة، ففي الغسل لا يجزئه، وفي الوضوء يجزئه. وجعل كالمضمضة والاستنشاق.
نوع منه في بيان فرائضه وسنته
الجزء 1 · صفحة 62
260- فالفرض فيه أن يغسل جميع بدنه، ويتمضمض، ويستنشق، والمضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل، نفلان في الوضوء، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: تحت كل شعرة جنابة قبلوا الشعر وانقو البشرة وفى الأنف شعرة، وفي الفم بشرة.
261 - قال ابن الأعرابي: البشرة اسم الجلدة تقى اللحم من الأذى؛ لأن الأنف والفم عضوان يمكن إيصال الماء إليهما من غير حرج، فيجب في الغسل عن الجنابة، كما في سائر الأعضاء. وهذا لأن الواجب تطهير البدن. قال الله تعالى: {وإن كُنتُم جنبا فاطهروا} واسم البدن يتناول الكل، إلا أن ما لا يمكن إيصال الماء إليه يسقط اعتباره لمكان الضرورة، فإذا أمكن إيصال الماء إلى هذين العضوين من غير حرج، لا ضرورة إلى إسقاط اعتبارهما.
262 - أما في الوضوء، الواجب غسل الوجه، والوجه اسم لما يواجه الناظر، والمواجهة لا تقع بباطن الفم والأنف، وتقديم الوضوء على الاغتسال في الجنابة سنة وليس بفرض عند علماءنا و رحمهم الله تعالى، حتى إنه لو لم يتوضأ وأفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا أجزأه إذا كان قد تمضمض واستنشق.
263 - رجل اغتسل من الجنابة، ولم يتمضمض إلا أنه شرب الماء، هل يقوم شرب الماء مقام المضمضة؟ كان الفقيه أحمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى يقول: نعم! وهكذا كان جواب الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخارى رحمه الله تعالى. وحكى عن الشيخ الإمام الفقيه أبي جعفر رحمه الله تعالى أنه قال: إن بلغ البلل نواحى الفم حيث يبلغ إذا تمضمض يجوز، وما لا فلا يجوز وبنحوه روى الحاكم الشهيد رحمه الله تعالى في المنتقى عن محمد رحمه الله تعالى.
والذي روى عنه جنب شرب الماء قال: إن كان الشرب أتى على جميع فمه يجزئه عن المضمضة. وإن كان مص الماء مصاً فلم يأتِ جميع فمه، لم يجزه عن المضمضة. وفي نوادر هشام عن محمد رحمه الله تعالى مثل هذا، والذي في نوادر هشام: جنب تمضمض وازدرد، أى ابتلع الماء قال: إن أصاب ذلك الفم كله أجزأه قال هشام: قلت لمحمد: إن أبا يوسف رحمه الله تعالى قال: لا يجزئه إلا أن يمجه. وقال محمد رحمه الله
تعالى: قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يجزئه إذا أصاب الفم كله.
وعن بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى، إن الرجل إذا كان عالما لا يجزئه. وإذا كان جاهلا أجزأه؛ لأنه
الجزء 1 · صفحة 63
إذا كان عالما مص الماء مصا، وليس فيه مبالغة، فلا يصل الماء إلى جميع فمه: وإذا كان جاهلا يعب الماء عبّا، فيصل الماء إلى جميع فمه. وعن بعضهم: أن الرجل إذا كان مصريا لا يجوز له؛ لأنه يمص الماء مصا. وإن كان قرويًا يجزئه؛ لأنه يعب الماء عبّا، والتقريب ما ذكرنا.
وفي واقعات الناطفى: أنه لا يجزئه كيف ما شرب ما لم يمجه.
264 - وإذا اغتسل من الجنابة، وبقى بين أسنانه طعام، فلم يصل الماء تحته جاز؛ لأن ما بين الأسنان رطب، فلا يمنع وصول الماء إلى ما تحته. وذكر الناطفي رحمه الله تعالى في واقعاته: أنه لا يجزئه ما لم يقلع ذلك الطعام، ويجرى الماء عليه.
265 - وإذا كان على ظاهر بدنه جلد سمك أو خبز ممضوغ قد جف فاغتسل ولم يصل الماء إلى ما تحته لا يجوز، ولو كان مكانه خرء ذباب أو برغوث وباقي المسألة بحالها - جاز وقد مر هذا في فصل الوضوء.
266 - والمرأة إذا عجنت، وبقى العجين في ظفرها، فاغتسلت من الجنابة لم يجز. ولو بقى الدرن جاز، يستوى فيه القروى والمدنى عند عامة المشايخ رحمهم الله تعالى، وهو الصحيح. وقد مرت هذه المسألة في فصل الوضوء أيضاً، وقد ذكرنا قول الإمام الزاهد الصفار رحمه الله تعالى.
نوع منه في بيان أسباب الغسل:
267 - فنقول: أسباب الغسل ثلاثة: الجنابة والحيض والنفاس. وهذا النوع لبيان الغسل عن الجنابة وأحكامها. ومسائل الحيض والنفاس يأتى فى آخر الكتاب في فصل على حدة، إن شاء الله تعالى.
268 - فنقول: الجنابة تثبت بشيئين:
أحدهما: انفصال المنى عن شهوة.
والثاني: الإيلاج في الآدمي.
269 - واختلفت عبارة أصحابنا رحمهم ا م الله تعالى في الإيلاج الذي تثبت به الجنابة. والمروى عن محمد رحمه الله تعالى: أنه إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، أنه يجب الغسل. والمروى عن أبي يوسف: أنه إذا توارت الحشفة في قبل أو دبر من الآدمي، يجب الغسل على الفاعل والمفعول به أنزل أو لم ينزل. وذكر الكرخي رحمه الله تعالى في كتابه يقول: والإيلاج في إحدى السبيلين إذا توارت الحشفة، يجب الغسل على الفاعل والمفعول به أنزل أو لم ينزل، وهذا هو المذهب لعلماءنا، فوجوب الغسل عند علماء نا رحمهم
الجزء 1 · صفحة 64
الله تعالى غير مقصور على التقاء الختانين؛ فإن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل عليهما بالإجماع، وإن لم يوجد التقاء الختانين.
270 - والإيلاج في البهيمة لا يوجب الغسل بدون الإنزال؛ لأنه ناقص في اقتضاء الشهوة، فأشبه الاستمتاع بالكف، وهو لا يوجب الغسل بدون الإنزال، كذا ههنا، والإيلاج في الميتة بمنزلة الإيلاج في البهائم، لا يوجب الغسل ما لم ينزل.
??? - والإيلاج في الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا يوجب الغسل ما لم ينزل، كذا ذكر في الأجناس، وفي شرح الكافي في كتاب الحدود: أن عليه الغسل وإن لم ينزل.
???- وفى الفتاوى: إذا أتى امرأة وهى بكر، فلا غسل عليه مالم ينزل؛ لأن البكارة تمنع من التقاء الختانين، وبدونه لا يجب الغسل ما لم ينزل، وكذلك لا غسل عليها؛ لانعدام السبب في حقها، وكذلك إذا كانت ثيباً ولم تتوار الحشفة، فلا غسل عليه ما لم ينزل ولا غسل عليها أيضاً لما قلنا.
??? - وقال محمد رحمه الله تعالى في البكر: إذا جو معت فيما دون الفرج، فدخل من ماءه فرجها، فلا غسل عليها، لأن الغسل إنما يجب بالتقاء الختانين، أو بنزول الماء، ولم يوجد واحد منهما، حتى لو حبلت يجب الغسل عليها؛ لنزول ماءها.
274 - غلام ابن عشر سنين جامع امرأته البالغة، فعليها الغسل لوجود السبب في حقها، وهو توارى الحشفة بعد توجه الخطاب، ولا غسل على الغلام لعدم الخطاب، إلا أنه يؤمر بالغسل تخلقا واعتيادا كما يؤمر بالصلاة تخلقا واعتياداً.
275- ولو كان الرجل بالغا، والمرأة صغيرة يجامع مثلها، فعلى الرجل الغسل، ولا غسل عليها؛ لوجوب السبب في حقه، وانعدام السبب في حقها.
??? - والكافر إذا أجنب ثم أسلم، ففى وجوب الغسل عليه اختلاف المشايخ. قال بعضهم: يجب، وإليه أشار محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير. والمذكور في السير: وينبغئ للرجل إذا أسلم أن يغتسل غسل الجنابة، وعلل فقال: لأن المشركين لا يغتسلون من الجنابة، ولا يدرون كيفية الغسل في ذلك، وإنما أراد بما قال - والله أعلم - أن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة، ومنهم من يدين، كقريش وبني هاشم؛ فإنهم توارثوا ذلك من إسماعيل عليه الصلاة والسلام، إلا أنهم لا يدرون كيفيته، وكانوا لا يتمضمضون ولا يستنشقون وهما فرضان ألا ترى أن فرضية المضمضة والاستنشاق في
الجزء 1 · صفحة 65
الاغتسال قد خفى على كثير من العلماء، فكيف على الكفار؟. وحال الكفار على ما أشار إليه في الكتاب لا يخلو عنا أحد الوجهين: إما أن لا يغتسلوا عن الجنابة، أو يغتسلون عنها ولكن لا يدرون كيفيتها، وأيا ما كان يؤمرون بالاغتسال بعد الإسلام؛ لبقاء حكم الجنابة. ثم فيما ذكر محمد رحمه الله تعالى بيان أن صفة الجنابة يتحقق في حق الكافر عند وجود سببها.
وبه تبين أن ما ذكر بعض المشايخ رحمهم الله تعالى أن الغسل بعد الإسلام مستحب، فذلك في حق من لم يكن قبل ذلك أجنب، وبه تبين أن ما قال بعض المشايخ رحمهم الله تعالى: أن الجنابة في حق الكفار لا توجب الاغتسال بعد الإسلام؛ لأن الكفار غير مخاطبين بالشرائع - غير سديد.
??? - وهذا فصل اختلف فيه المشايخ أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع أو لا يخاطبون؟ فمن قال: يخاطبون بها يقول: الغسل يجب عليه في حال كفره، ولهذا لو أتى به يصح، وهذا ظاهر، ومن قال: بأنهم لا يخاطبون بها، ينبغي أن يقول: بوجوب الغسل بعد الإسلام، ولذلك وجهان: أحدهما: أن الاغتسال لا يجب بالجنابة؛ ليقال بأنه وقت وجوب الاغتسال غير مخاطب بالشرائع، إنما وجوبه بإرادة الصلاة وهو جنب كما أن الوضوء لا يجب بالحدث، وإنما يجب بإرادة الصلاة وهو محدث. قلنا: وهو عند إرادة الصلاة جنب مسلم، فلذلك يلزمه الغسل. والثاني: أن صفة الجنابة مستدامة، واستدامتها بعد الإسلام كإنشاءها. ولهذا قلنا: لو
انقطع دم الحيض قبل أن تسلم ثم أسلمت، لا يلزمها الاعتسال؛ لأنه لا استدامة للإنقطاع حتى يجعل دوامه كابتداءه، فلم يوجد سبب وجوب الاغتسال في حقها بعد الإسلام، لا حقيقةً ولا حكمًا، فلا يلزمها الاغتسال. فظهر الفرق على هذا المعنى بين الكافر إذا أجنب ثم أسلم، وبين الكافرة إذا حاضت وانقطع دمها ثم أسلمت، هذا هو الكلام في طرف الإيلاج.
جئنا إلى طرف انفصال المني
??? - يجب أن يعلم بأن المنى ماء دافق خاثر أبيض ينكسر منه الذكر، هو المذكور في عامة الكتب. وزاد في الشافى: ويخلق منه الولد، فمتى كان حركته يعني: مفارقته عن مكانه وخروجه عن شهوة سواء كانمس، أو نظرة أو فكرة أو ما أشبه ذلك من الملاقاة وغيرها، يجب الغسل بلا خلاف، ومتى كان مفارقته عن مكانه وخروجه لا عن شهوة، لا يجب الغسل عند علماءنا المتقدمين رحمهم الله تعالى، وعامة مشايخنا المتأخرين رحمهم الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 66
??? - وحكى عن عيسى بن أبان أنه قال: يجب الغسل بخروج المني على كل حال، وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى. حتى إن من حمل أشياء فسبقه المني، فلا غسل عليه عند علماءنا المتقدمين وعامة المتأخرين، خلافًا لعيسى والشافعي رحمهما الله تعالى. وكذلك الرجل إذا أصاب الضرب ظهره فسبقه المنى، لا غسل عليه عند علماءنا المتقدمين، وعامة المتأخرين، خلافًا للشافعي وعيسى رحمهما الله تعالى.
??? - ومتى كان مفارقته عن مكانه عن شهوة، وخروجه لا عن شهوة، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى يجب الغسل، وعلى قول أبي يوسف: لا يجب الغسل. فالعبرة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لانفصال المنى عن مكانه على وجه الدفق والشهوة، لا لظهوره على وجه الشهوة وعند أبي يوسف، العبرة لخروجه وظهوره على وجه الشهوة.
وثمرة الخلاف تظهر في مسائل:
??? - إحداها: إذا استمتع بالكف فلما انفصل المنى عن مكانه لشهوة أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى يجب الغسل، خلافًا لأبي يوسف رحمه الله تعالى.
283 - الثانية: إذا احتلم فلما انفصل المنى عن مكانه عن شهوة استيقظ وأخذ بإحليله حتى انكسرت شهوته، ثم خرج المني.
284 - الثالثة: إذا جامع امرأته فيما دون الفرج فلما انفصل المنى عن مكانه عن شهوة أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته، ثم خرج المنى، فعلى قولهما يجب الغسل، خلافًا لأبي يوسف.
285 - الرابعة: إذا جامع امرأته، واغتسل قبل أن يبول، ثم سال منه بقية المني، وجب الغسل عندهما وكذلك إذا خرج منهمذى، وأجمعوا على أنه إذا بال، ثم اغتسل أو نام، ثم خرج المني، أنه لا غسل عليه.
286 - وفى الأجناس: لو جامع واغتسل قبل أن يبول، وصلى ثم سال منه بقية المنى، فإنه يعيد الغسل عندهما ولا يعيد الصلاة بلا خلاف.
??? - وإذا بال فخرج عن ذكره منى، فإن كان ذكره منتشراً فعليه الغسل، وإن كان منكسراً فعليه الوضوء.
??? - وفى مجموع النوازل: المرأة إذا اغتسلت بعدما جامعها زوجها، ثم خرج منها منى الزوج،
الجزء 1 · صفحة 67
فعليها الوضوء دون الغسل؛ لأن الخارج ليس ماءها بل هو حدث - والله أعلم.
ومما يتصل بطرف خروج المنى مسائل الاحتلام
??? - إذا استيقظ الرجل، ووجد على فراشه أو فخذهبللا، وهو يتذكر احتلاما، إن تيقن أنه منى أو تيقن مذى، أو شك أنه منى أو مذى، فعليه الغسل، وليس في هذا إيجاب الغسل بالمذى، بل فيه إيجاب الغسل بالمني؛ لأن سبب خروج المنى قد وجد، وهو الاحتلام، فالظاهر خروجه. إلا أن من طبع المنى الرقة بإطالة المدة، فالظاهر أنه مني، إلا أنه رق قبل أن يستيقظ. وإن تيقن أنه ودى لا غسل عليه.
??? - فإن رأى بللا إلا أنه لم يتذكر الاحتلام فإن تيقن أنه ودى لا يجب
الغسل، وإن تيقن أنه منى يجب الغسل. وإن تيقن أنه مذى لا يجب الغسل؛ لأن سبب خروج المنى ههنا لم يوجد فلا يمكن أن يقال: بأنه منى ثم رق لطول المدة، بل هو مذى حقيقة، والمذى لا يوجب الغسل. وإن شك أنه منى أو مذى، قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجب الغسل حتى يتيقن بالاحتلام وقالا: يجب الغسل، هكذا ذكر شيخ الإسلام.
??? - وإذا تذكر الاحتلام ولم ير بللا، فلا غسل عليه؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: من احتلم ولم ير بللا فلا شيء عليه. قال القاضي الإمام أبو على النسفي رحمه الله تعالى: ذكر هشام في نوادره عن محمد رحمه الله تعالى: إذا استيقظ الرجل، فوجد البلل في إحليله، ولم يتذكر حلماً إن كان ذكره منتشرا قبل النوم فلا غسل عليه، إلا إذا تيقن أنه مني، وإن كان ذكره ساكنا قبل النوم فعليه الغسل. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: هذه المسألة يكثر وقوعها، والناس عنها غافلون، فيجب أن يحفظ.
???- إذا نام الرجل قاعداً، أو قائماً، أو ماشياً، ثم استيقظ، فوجد بللا، فهذا وما لو نام مضطجعاً، سواء.
293 - وإذا احتلم الرجل وانفصل المنى عن مكانه إلا أنه لم يظهر على رأس الإحليل فلا غسل عليه؛ لأن الخروج لا يتحقق، ألا ترى أنه لا يلزمه الوضوء بزوال البول إلى هذا الموضع.
294 - المرأة إذا احتلمت ولم تربللا، روى عن محمد رحمه الله تعالى في غير رواية الأصول: أنها إذا تذكرت الاحتلام والإنزال والتلذذ، فعليها الغسل وإن لم تر بللا، وبه أخذ بعض المشايخ. قال شمس الأئمة الحلواني: هذه المسألة يكثر وقوعها، فلا نأخذ بهذه الرواية؛ لأن النساء يقلن: إن المنى من المرأة
الجزء 1 · صفحة 68
يخرج من الداخل، كمنى الرجل. وفي ظاهر الرواية: يشترط الخروج من الفرج الداخل إلى الفرج الظاهر لوجوب الغسل، حتى لو انفصل منها عن مكانه، ولم يخرج عن الفرج الداخل إلى الفرج الخارج لا غسل عليها. ويه كان يفتى الفقيه أبو جعفر وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله تعالى.
295 - وفى صلاة ابن عبدل: امرأة قالت: معى جنى يأتيني في النوم مراراً، وأجد في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي ذكر أنه لا غسل عليها.
296 - رجل وامرأةناما فلما استيقظا وجدا منيا بينهما وكل واحد منهما ينكر الاحتلام وينكر أن المنى منه كان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد ابن الفضل رحمه الله يقول بوجوب الغسل عليهما وهو الاحتياط. ومن المشايخ رحمهم الله تعالى من قال: إن كان ذلك الماء أبيض غليظا فهو من الرجل، وإن كان رقيقًا أصفر فهو من المرأة. ومنهم من قال: إن وقع طولا فهو من الرجل، وإن وقع مدوراً فهو من المرأة.
297 - الرجل إذا صار مغشياً عليه ثم أفاق ووجد مذيا على فخذه وثيابه، فلا غسل عليه. وكذلك السكران إذا أفاق ووجد مذيًا على فخذه أو ثوبه، فلا غسل عليه. وليس هذا كالنوم.
نوع من هذا الفصل في المتفرقات
??? - اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فى سبب وجوب الاغتسال، فقال بعضهم: سبب وجوبها الجنابة. وقال بعضهم: سبب وجوبها إرادة ما حرم عليه بسبب الجنابة، وسيأتي بيان ما حرم عليه بسبب الجنابة فى النوع الذي يلى هذا النوع.
??? - قال محمد رحمه الله تعالى في الأصل: أدنى ما يكفي في غسل الجنابة من الماء صاع؛ لحديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع فقيل له: إن لم يكفنا فغضب وقال: لقد كفي لمن هو خير منكم وأكثر شعراً.
300- والصاع ثمانيةأرطال كل رطل نصفمن، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى وسيأتي بيان ذلك في كتاب الصوم، إن شاء الله تعالى. وهذا
التقدير إنما هو للإفاضة فإن أراد تقديم الوضوء زاد مدا، وكل ذلك ليس بتقدير لازم، بل يستعمل
الجزء 1 · صفحة 69
من الماء بقدر ما يقع عنده أنه حصل التطهير.
301- ولا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد؛ لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من إناء واحد، فكنت أقول له: أبق لى، وهو يقول: أبق لي.
302- وإذا أجنبت المرأة ثم أدركها الحيض فهى بالخيار، إن شاءت اغتسلت؛ لأن فيه زيادة تنظيف وإزالة أحد الحدثين، وإن شاءت أخرت الاغتسال حتى تطهر؛ لأن الاغتسال للتطهير حتى تتمكن من أداء الصلاة، ألا ترى أن الجنب إذا أخر الاغتسال إلى وقت الصلاة لا يأثم، دل أن المقصود من الطهارة الصلاة، وهى لا تتمكن من الصلاة، فكان لها أن لا تغتسل.
???- وفي صلاة فتاوى الشيخ الإمام الفقيه أبى الليث رحمه الله تعالى: ثمن ماء الاغتسال على الزوج وكذا ماء وضوءها عليه، غنية كانت أو فقيرة. وفي وصايا الفتاوى عن محمد بن سلمة رحمه الله تعالى: أن على الزوج الماء الذي تغسل المرأة به ثوبها وبدنها من الوسخ، وليس عليه أن يشترى لها ماء الوضوء والغسل، كما لا يلزمه الدواء، قال ثمه: وهكذا قول أصحابنا رحمهما الله تعالى فقد قيل: ينبغى أن يجب عليه ماء الاغتسال، ولا يجب عليه ماء الوضوء؛ لأنه سبب لوجوب الاغتسال عليها. وما هو سبب لوجوب الوضوء عليها، بل وجوب الوضوء عليها بإيجاب الله تعالى ابتداء.
304 - وينبغى للجنب أن يدخل إصبعه في سرته، إلا إذا علم أن الماء وصل إليها من غير إدخال الإصبع، فحينئذ لا يلزمه ذلك.
305 - المرأة إذا أجنبت ثم أدركها الحيض، أو الحائض إذا أجنبت ثم ظهرت حتى وجب عليها الاغتسال، فإذا اغتسلت فهل هذا الاغتسال يكون من الجنابة، أو من الحيض؟ حكى عن الشيخ الإمام الزاهد أبي محمد عبد الرحيم بن أحمد الكرسى رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: اختلفت عبارات أصحابنا رحمهم الله تعالى، فظاهر الجواب: أن الاغتسال يكون منهما جميعا. وقال أبو عبد الله الجرجاني رحمه الله تعالى: يكون من الأول، ولا يكون من
الثاني.
306- وكذلك الرجل إذا رعف ثم بال، فإن الوضوء يكون من الأول، ولا يكون من الثاني على قوله. وقال الشيخ الإمام الفقيه أبو جعفر الهندواني: إن كانا من جنسين متحدين، يكون من الأول لا من
الجزء 1 · صفحة 70
الثاني، كما إذا بال ثم بال. أما إذا كانا من جنسين مختلفين، فإنه يكون منهما جميعا، كما إذا رعف ثم بال، وروى عن خلف بن أيوب رحمه الله تعالى، أنه كتب إلى محمد بن الحسن رحمه الله تعالى يسأله عمن رعف ثم بال، أن الوضوء يكون من الثاني أو من الأول؟ فكتب إليه: أن الوضوء منهما جميعا، هكذا روى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فى غير رواية الأصول أن الوضوء يكون منهما جميعاً.
وثمرة الخلاف إنما تظهر في مسألة وصورتها: إذا قال الرجل: إن توضأت من الرعاف فامرأتي طالق فرعف ثم بال، ثم توضاً، فإنه يقع الطلاق عليها على الأقوال كلها، أما على قول أبي عبد الله الجرجاني؛ لأنه وجد الرعاف أولا، وأما على قول الفقيه أبي جعفر الهندواني، وهو رواية عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى؛ فلأن الوضوء منها. وأما إذا بال ثم رعف ثم توضأ، فعلى قول أبي عبد الله الجرجاني رحمه الله تعالى لا يقع الطلاق عليها في هذه الصورة؛ لأن شرط وقوع الطلاق ههنا الوضوء من الرعاف، والوضوء ههنا وقع من البول عنده؛ لأنه هو الأول، وعلى القول الآخر يقع الطلاق؛ لأن على القول الآخرالوضوء منهما.
قال الشيخ الإمام الزاهد عبد الرحيم رحمه الله تعالى كنا نقول: الوضوء يكون لأغلظهما حتى إن الرجل إذا رعف ثم بال، فالوضوء يكون منهما لاستواءهما. فأما إذا رعف ثم أجنب، أو بال ثم أجنب، فالوضوء الذي يكون في الاغتسال من الجنابة؛ لأنها أغلظ ثم وجدنا رواية عن أبي حنيفة أن الوضوء منهما، فرجعنا عن ذلك، وأخذنا بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
307- وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة رحمه الله تعالى في شرحه: أن الاغتسال على أحد عشر نوعاً:
خمسة منها فريضة: الاغتسال من الحيض والنفاس، ومن التقاء الختانين وغيبوبة الحشفة، ومن الاحتلام إذا أنزل، ومن إنزال المني عن شهوة دفقا. وأربعة منها سنة: غسل يوم الجمعة، والعيدين، وغسل يوم عرفة، وعند الإحرام. وواحد منها واجب وهو غسل الميت، حتى لا تجوز الصلاة عليه قبل الغسل، والآخر
مستحب وهو الكافر إذا أسلم يريد به إذا لم يجنب قبل الإسلام، فإنه يستحب له أن يغتسل.
وههنا فصل آخر
308- إن الكافرة إذا أسلمت بعدما انقطع دم الحيض أو النفاس، فإنه يستحب لها أن تغتسل، ولا
الجزء 1 · صفحة 71
يجب عليها ذلك وإن كان انقطاع الدم بعد الإسلام، فإنه يفترض عليها الغسل. والكافر إذا أجنب قبل الإسلام ثم أسلم، فقد ذكرنا أن فى وجوب الغسل عليه اختلاف المشايخ، وذكرنا أن الصحيح أنه يجب، وفرّقنا بين الحيض والنفاس.
309 - وههنا فصلان آخران: أحدهما: الصبى إذا بلغ بالاحتلام. والثاني: الصبية إذا بلغت بالحيض هل يجب عليها الغسل؟ وفي الفصلين جميعاً اختلاف المشايخ رحمهم الله تعالى والاحتياط في القول بالوجوب.
ومما يتصل بهذا الفصل بيان أحكام الجنابة وفيها كثرة:
310 - منها: حرمة الصلاة لقوله تعالى: {وَلا جنبًا إلا عابرى سبيل} معطوفا على قوله: {وَلا تَقربوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارى}.
311 - ومنها: حرمة دخول المسجد. وإنها ثابتة بالسنة عندنا، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). وعند الشافعي رحمه الله تعالى بالكتاب، وهو قوله تعالى: إلا عَابِرِى سَبِيل. حتى يجوز له الدخول عنده في المسجد على سبيل العبور دون القعود. وعندنا لا يجوز له الدخول فى المسجد أصلا، لا للعبور ولا للقعود؛ لأنه لا فصل في السنة.
والمراد من قوله تعالى: إلا عابري سبيل عندنا المسافرون، سماهم الله تعالى بهذا الإسم؛ لعبورهم على السبيل، كما أن المسافر سمى ابن السبيل لمروره في السبيل.
312- ومنها حرمة الطواف بالبيت؛ لأن البيت في المسجد، ولا يحل له الدخول في المسجد، فلا يحل له الطواف ضرورة.
???- ومنها: حرمة قراءة القرآن؛ فقد روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن
رسول الله كان ينهى الجنب عن قراءة القرآن. وروى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة والآية وما دونها في تحريم القراءة سواء عند الشيخ الإمام أبي الحسن الكرخي؛ لأن الكل قرآن.
وقيد الطحاوي رحمه الله تعالى حرمة القراءة بآية تامة؛ لأن المتعلق بالقرآن حكمان: أحدهما: جواز الصلاة والثاني حرمة القرآن على الجنب، ثم في أحد الحكمين - وهو جواز الصلاة - يفصل بين الآية وما دونها، فكذا في حكم الآخر، وهو حرمة القراءة على الجنب، وهذا إذا قصد القراءة، فإن لم يقصدها فلا
الجزء 1 · صفحة 72
بأس به نحو قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} على سبيل الشكر وكذلك إذا قال: {بسم الله الرحمن الرحيم} إن قصد به القراءة يكره، وإن قصد به افتتاح الكلام لا يكره وكذلك إذا ذكر دعاء في القرآن، وهو أية تامة يريد به الدعاء لا يكره.
314- ولا يكره له قراءة دعاء القنوت فى ظاهر مذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى؛ لأنه ليس بقرآن، وعند محمد رحمه الله تعالى أنه يكره؛ لأنه قرآن عند بعض الصحابة.
315- ولا يكره التهجي بالقرآن؛ لأن التهجى بالقرآن ليس بقراءة القرآن.
316 - ويكره له قراءة التوراة والزبور والإنجيل.
317- وذكر الشيخ الإمام الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى في الفتاوى: ولا يمس المصحف ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن ولا الدرهم المكتوب عليه سورة الإخلاص؛ لقوله تعالى: {لا يمسه إلا الْمُطَهَرُونَ}، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض القبائل: الايمس القرآن حائض ولا جنب وكما لا يحل له مس الكتابة لا يحل له مس البياض.
???- وإن مس المصحف بغلافه فلا بأس به، والكلام في الغلاف في حق الجنب نظير الكلام فيه في حق المحدث. وإذا مسه بكمه أو ذيله فهو على الاختلاف الذي ذكره في
??? - وإذا أراد أن يغسل الفم ويقرأ القرآن، أو يغسل اليد ويمس المصحف، فإنه لا يحل له القراءة والمس؛ لأن الجنابة لا تتجزأ زوالا كما لا تتجزأ ثبوتاً.
??? ويكره له مس كتب التفسير ومس كتب الفقه، وما هو من كتب الشريعة، وقد ذكرنا الوجه في حق المحدث والمشايخ المتأخرون رحمهم الله تعالى وسعوا في مس كتب الفقه.
321 - ويكره له كتابة القرآن عند محمد رحمه الله تعالى، وهو قول مجاهد والشعبي وابن المبارك؛ لأنه فى حكم مس المصحف. ويقولهم أخذ الشيخ الإمام الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى. وكذلك الشيخ الإمام الفقيه أبو جعفر رحمه الله أفتى بقولهم، إلا أن يكون أقل من آية. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه لا بأس به إذا كانت الصحيفة على الأرض؛ لأنه ليس بحامل القرآن، والكتابة توجد حراً حرفًا.
???- وإذا أراد الجنب الأكل فينبغي أن يغسل يديه، ثم يمضمض ثم يأكل – والله أعلم بالصواب.
الجزء 1 · صفحة 73
الفصل الرابع
في المياه التي يجوز بها الوضوء والتي لا يجوز بها الوضوء
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في الماء الجاري
323- يجوز التوضؤ بالماء الجارى، ولا يحكم بتنجسه بوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير طعمه، أو لونه أو ريحه، وبعد ما تغير أحد هذه الأوصاف وحكم بنجاسته، لا يحكم بطهارته ما لم يزل ذلك التغير بأن يرد عليه ماء طاهر حتى يزول ذلك التغير؛ وهذا لأن إزالة عين النجاسة عن الماء غير ممكن، فيقام زوال ذلك التغير الذى حكم بالنجاسة لأجله مقام زوال عين النجاسة. والدليل على أن العبرة فى الماء الجارى لتغير أحد الأوصاف التي ذكرناها، ما ذکر محمد رحمه الله تعالى في كتاب الأشربة: إذا صب من جب الخمر في الفرات، ورجل أسفل منه يتوضأ به أجزأه إذا لم يتغير إحدى أوصاف الماء.
324- بعد هذا الكلام في تحديد أدنى ما يكون من الجريان في حق جواز الوضوء وقد اختلف المشايخ فيه.
فقال بعضهم: إذا كان يذهب بالنجاسة قبل اغتراف الغرفة الثانية فهو ماء جار وإن كان بخلافه فهو ليس بجار.
وقال بعضهم: إذا كان بحال لو ألقى فيه تبن أو ورق يذهب به فهو جار وإن كان بخلافه فهو ليس بجار.
وقال بعضهم: إن كان بحال لو اغترف المتوضئ في أعمق موضع من الجدول انقطع جريانه ثم امتلأ حتى جرى فهو ليس بجار، وإن لم ينقطع فهو جار. وقال بعضهم: إن كان بحال لو وضع إنسان يده عليه عرضاً، ينقطع الجريان، فهو ليس بجار. وإن كان بخلافه فهو جار.
وقال بعضهم: إن كان بحال لو رفع باليد ينجس ما تحته منه وينقطع الجريان، فهو ليس بجار. وإن كان بخلافه، فهو جارٍ. وهذا القائل لا يشترط الاعتراف من أعمق المواضع.
325- وهذا إذا كانت النجاسة غير مرئية. فإن كانت النجاسة مرئية، فإنه لا يتوضأ من الموضع الذي فيه النجاسة، وإنما يتوضأ من موضع آخر، هكذا قاله بعض المشايخ، وبعض المشايخ قالوا: إن توضأ من الموضع الذي وقع فيه النجاسة بقرب النجاسة جاز إذا لم يتغير أحد أوصاف الماء.
الجزء 1 · صفحة 74
326- وإذا جلس الناس صفوفًا على شط النهر فتوضأ وا بماءه جاز. وهو الصحيح.
???- وفى النوازل: إذا كان الماء يجرى ضعيفا، فأراد إنسان أن يتوضأ منه، فإن كان وجهه إلى مورد الماء يجوز، وإن كان وجهه إلى مسيل الماء لا يجوز، إلا أن يمكث بين كل غرفتين مقدار ما يذهب الماء بغسالته. قالوا: ودلت المسألة على فضيلة أهل الدرب، حيث يجوز طهارة عالمهم وجاهلهم.
وفي نظم الزندويسي رحمه الله تعالى: إذا توضأ في الماء الجاري - وهو قليل أو كثير - فالأفضل أن يجعل يمينه إلى أعلى الماء، يعنى: إلى مورد الماء ويأخذ الماء من الأعلى، وإن لم يفعل كذلك، وجعل يمينه إلى أسفل الماء، يعنى إلى مسيل الماء، وأخذ الماء من الأسفل، ففى الماء الكثير يجوز وفى الماء القليل ينبغي أن يتوضأ على التأني والوقار، حتى يمر عنه الماء المستعمل. وهذا إذا كان الماء لا يجرى جرياً عاجلا. وأما إذا كان يجرى جرياً عاجلا يجوز كيف ما فعل. ومشايخ بخاري رحمهم الله تعالى توسعوا في ذلك، وجوزوا التوضؤ كيف ما توضاً؛ العموم البلوى إذا كان الماء كثيراً.
???- ماء النهر إذا انقطع من أعلاه، ويبقى الجريان في أسفل النهر، فتوضأ رجل من أسفل النهر جاز؛ لأنه ماء جار هكذا ذكره في واقعات الناطفي.
329- وفيه أيضاً عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: ساقية صغيرة فيها كلب ميت، قد سد عرضها، فجرى الماء عليه لا بأس بالتوضؤ أسفل منه. وذكر الناطفي رحمه الله تعالى هذه المسألة بعينها في الأجناس، وأجاب بما أجاب في الواقعات، ثم قال: وعندى أن هذا قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يجوز الوضوء به.
??? - وفى الطحاوي و النوازل: لو كان القدر الذي يلاقي الجيفة من الماء دون الذي لا يلاقي الجيفة، جاز التوضؤ أسفل منه وإن كان مثله أو أكثر، لا يجوز. قال:
وإذا كانت الجيفة ترى من تحت الماء؛ لقلة الماء لا لصفاءه كان الذي يلاقيها أكثر إذا كان سد عرض الساقية، وإن كانت لا ترى أو لم تأخذ إلا أقل من النصف، لم يكن الذي يلاقيها أكثر.
??? - ونظير ما ذكر في الطحاوى و النوازل، ماء المطر إذا جرى في ميزاب السطح، وكان على السطح عذرة، فالماء طاهر؛ لأن الماء الذي يجرى على غير العذرة أكثر، وإن كانت العذرة عند الميزاب إن كان الماء كله أو أكثر، أو نصفه يلاقي العذرة، فهو نجس، وإلا فهو طاهر.
332- وإن كان على السطح نجاسات كثيرة، إن كان أكثر الماء يجرى على النجاسة أو نصفه، فالماء
الجزء 1 · صفحة 75
نجس، وإن كان أقل الماء يجرى على النجاسة، فالماء طاهر.
وقال محمد رحمه الله تعالى: إن كانت النجاسة في جانب واحد من السطح، فالماء طاهر، وكذلك إذا كانت في جانبين، وإن كانت في ثلاث جوانب، فالماء نجس.
??? -ورأيت مسألة المطر فى بعض الفتاوى وكان المذكور ثمه: وقال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى: المطر ما دام يمطر فله حكم الجريان، حتى لو أصاب العذرات على السطح، ثم أصاب ثوباً، لا ينجس إلا أن يتغير.
334- وفى متفرقات الفقيه أبي جعفر رحمه الله تعالى: المطر إذا أصاب السقف، وفي السقف نجاسة، فوكف وأصاب الماء ثوباً، ينظر إن كانت النجاسة في جميع السقف، فجميع ما وكف من السقف نجس. وإن كانت النجاسة في بعض السقف، وعامة السقف طاهر، فما وكف من السقف لا يكون نجساً، ويكون العبرة للغالب وعامة السقف طاهر، فيكون الغالب إنما هو الماء الطاهر، فلا يحكم بنجاسته، كماء جار في بعضه نجاسة والغالب هو الطاهر. وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى يزيف هذا التفصيل، وكان يقول: النجاسة وإن كانت في بعض السقف، إلا أن الماء قد مر عليها فينجس، فهذا ماء جار نجس، ولكن الصحيح: أنه ينظر في الذي يسيل من السقف والثقب إن كان مطراً دائما لم ينقطع بعد، فما سال من الثقب فهو طاهر، وأما إذا انقطع المطر وسال من السقف شيء فما سال فهو نجس.
335- وسئل الشيخ الإمام الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى عن كلب ميت احتبس في النهر، والماء يجرى فى جانبى الكلب قال: ينظر إن كان الماء الذى يجرى في جانبي الكلب له
قوة الجريان، ومعناه: أنه لو انفرد يجرى بنفسه يجوز له التوضؤ به. وكذلك إذا كان الماء يجرى على أعلى الكلب، يجوز التوضؤ به وإن كان جميع الماء يجرى في جميع الكلب، وليس في جانبه قوة الجريان، فالماء نجس. وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى، لا يفرق بينهما، ويقول: الماء نجس في الأحوال كلها.
336- وفى المنتقى: إذا كان بطن النهر نجسا وجرى الماء عليه، فإن كان الماء كثيراً بحيث لا يرى ما تحته لا يتنجس، وإن كان جميع بطن النهر نجساً، وهذه المسألة نظير مسألة الطحاوي و النوازل.
نوع آخر منه في ماء الحياض والغدران والعيون
الجزء 1 · صفحة 76
337- يجب أن يعلم أن الماء الراكد إذا كان كثيراً فهو بمنزلة الماء الجاري لا يتنجس جميعه بوقوع النجاسة في طرف منه، إلا أن يتغير لونه أو طعمه، أو ريحه، على هذا اتفق العلماء، وبه أخذ عامة المشايخ رحمهم الله تعالى.
??? - وإذا كان قليلا فهو بمنزلة الجباب والأوانى، يتنجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه. وقال مالك رحمه الله تعالى: لا يتنجس ما لم يتغير أحد أوصافه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى فيما دون القلتين مثل قولنا، وإذا بلغ الماء قلتين وزيادة، مثل قول مالك رحمه الله تعالى والقلتان خمسقرب، كل قربة خمسون منا، فيكون الجملة مائتين وخمسين منا. وقد قيل: الجملة ثلاثمائة من.
حجة مالك رحمه الله تعالى ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن بئر بضاعة، وما يلقى فيها من النجاسات، فقال عليه الصلاة والسلام: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)). فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى تنجس جنس المياه، إلا بتغير أحد الأوصاف الثلاثة.
حجة الشافعي رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا
حجتنا على مالك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم اليسير ولا يغتسلن فيه عن جنابة))، والغسل عن الجنابة لا يوجب تغير الطعم واللون والريح، فلولا أن الماء الراكد اليسير يتنجس بوقوع النجاسة فيه على كل حال، وإلا لم يكن لهذا النهي معنى وفائدة.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت يده)). أمر بغسل اليد بطريق الاحتياط حال توهم النجاسة، وإدخال مثل هذا اليد في الإناء لا يوجب تغير الطعم واللون والريح، فلولا أن النجاسة إذا كانت متيقنة يتنجس الماء على كل حال، وإلا لم يكن لهذا الاحتياط حال التوهم معنى وفائدة. ولأن القياس فى الكثير أن يتنجس أيضا؛ لأن الجزء الذى لاقاه النجاسة يتنجس بملاقاة النجاسة إياه، كما في غير الماء من المائعات، وإذا تنجس ذلك الجزء يتنجس الجزء الذي يجاوره، ثم وثم حتى يصير الكل نجساً كما في غير الماء من المايعات، ولكن تركنا القياس في الكثير لأجل الضرورة؛ لأن صون الكثير بالأوانى غير ممكن، ولا ضرورة في القليل؛ لأن صون القليل فى الأوانى ممكن، فيعمل في القليل بالقياس.
وأما حديث بئر بضاعة فليس بثابت، ولو ثبت فهو محمول على أن ماءه كان كثيراً أو كان جاريا؛ فإنه روى: أنه كان يسقى منه خمس بساتين، أو سبع بساتين. و حجتنا على الشافعي رحمه الله تعالى: أن
الجزء 1 · صفحة 77
رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بنجاسة ماء البئر لوقوع الفأرة فيه وكذلك الصحابة أجمعوا على نجاسة ماء البئر لوقوع الفأرة فيه وماء البئر في العادة يكون أكثر من مائتين وخمسين منا.
وأما ما تعلق به الشافعي رحمه الله تعالى قلنا: لا يصح التعلق به من وجوه: فإن في سنده ضعفًا، روى عن علي بن المدينى - أستاذ البخارى رحمه الله تعالى - أنه قال:
لا يصح هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي متنه اضطراب، روى إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا. نا. وروى إذا بلغ الماء أربعين قلة والقلة مجهولة، تذكر ويراد بها قامة الرجل، وتذكر ويراد بها رأس الجبل، وتذكر ويراد بها الجرة، فلا يتعين البعض إلا بدليل.
وقوله: لا يحمل خبثا، يحتمل معنيين: يحتمل ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى، ويحتمل معنى الضعف، يعنى: لا يحتمل النجاسة لضعفه، فينجس لقلته. كما يقال: فلان لا يحتمل الضرب، أي: يضعف عن تحمل الضرب وهذه الدابة لا تحتمل هذا الحمل أي: لا تطيق حمله، فلا يصح التعلق به مع هذه الوجوه. وعن أبي يوسف في تأويل الحديث: أن يكون عينا ينبع، وهو مقدار القلتين، وهو جار ولها منبعان فتوضأ رجل من نبعاته، فلا بأس به؛ لأنه في معنى الماء الجاري.
339- وفي متفرقات الشيخ الإمام الفقيه أبي جعفر رحمه الله تعالى: وقال بعض المتأخرين رحمهم الله تعالى: الوضوء بالماء الراكد لا يجوز، وإن كان عشراً في عشر أو أكثر منه. ووجه ذلك: أنا أجمعنا على أن الحوض إذا كان أقل من عشرة في عشرة، أنه لا يجوز التوضؤ فيه، وإنما لا يجوز لأن بالاستنجاء يصير الماء نجساً؛ لكونه قليلا، فيحصل التوضؤ بالماء النجس.
وإذا كان عشراً في عشر، فبالاستنجاء يتنجس من ذ ذلك الجانب مقدار ما يتنجس إذا كان أقل من عشرة من ذلك الجانب، فيحصل التوضؤ بالماء النجس، ولكن هذا ليس بشيء؛ لأن فيه كلاما أن النجاسة إذا كانت غير مرئية هل يتنجس موضع وقوع النجاسة؟ وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولئن سلمنا ذلك إلا أنه يظهر بالتحريك في حالة الاغتراف؛ لأن الماء النجس يطهر بالاختلاط بالماء الطاهر، ألا ترى أن الماء الراكد في النهر إذا تنجس، فنزل من أعلاه ماء طاهر، أو أجراه وسيله فإنه يطهر، وإنما يطهر باختلاطه بالماء الطاهر وبورود الماء الطاهر عليه، فكذا ههنا يجعل ما بقى من الماء طاهراً وارداً على ما تنجس؛ توسعة للأمر على الناس.
340- ثم لا بد من حد فاصل بين الكثير والقليل فنقول: إذا كان الماء بحيث يخلص بعضه إلى
الجزء 1 · صفحة 78
بعض، بأن تصل النجاسة من الجزء المستعمل إلى الجانب الآخر، كان قليلا، وإن
كان لا يخلص كان كثيراً. وإذا اشتبه الخلوص فالجواب فيه كالجواب فيما إذا لم يخلص. ثم اتفقت الروايات عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى في الكتب المشهورة: أن الخلوص يعتبر بالتحريك إذا حرك طرف منه. إن لم يتحرك الطرف الآخر فهو مما لا يخلص، وإن تحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص، فيستدل بوصول الحركة إلى الجانب الآخر على أن النجاسة وصلت إليه، وبعدم وصول الحركة على أن النجاسة لا تصل إليه.
وهذا لأنه تعذر معرفة الخلوص بوصول عين النجاسة؛ لأن من النجاسات ما لا يرى وصوله إلى الجانب الآخر كالبول والخمر، فيعتبر الخلوص بشيء آخر، فأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى اعتبروا الخلوص بالتحريك. والمتأخرون اعتبروا الخلوص بشيء آخر، فعن أبي نصر بن محمد بن سلام رحمه الله تعالى أنه قال: إن كان الماء بحال، لو اغتسل فيه، وتكدر الجانب الذي اغتسل فيه، ووصلت الكدرة إلى الجانب الآخر، فهو مما يخلص بعضه إلى بعض. وأبو حفص الكبير رحمه الله تعالى اعتبر الخلوص بشيء آخر، وهو الصبغ فقال: يلقى فيه الصبغ من جانب، فإن أثر الصبغ من الجانب الآخر فهو مما يخلص بعضه إلى بعض. وأبو سليمان الجرجاني رحمه الله تعالى يقول: إن كان عشراً في عشر، فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، وإن كان أقل من ذلك، فهو مما يخلص.
وعن محمد رحمه الله تعالى في النوادر: أنه سئل عن هذه المسألة فقال: إن كان مثل مسجدى هذا، فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، فلما قام مسح مسجده، فكان ثمانا في ثمان في رواية، وعشراً في عشر في رواية، واثنى عشر في اثني عشر في رواية. وأكثر مشايخ بلخ رحمهم الله تعالى على أنه إن كان خمسة عشر في خمسة عشر، لا يبقى فيه شبهة وإن كان ثمانية في ثمانية، يحتاط فيه.
وعامة المشايخ رحمهم الله تعالى أخذوا بقول أبي سليمان رحمه الله تعالى. وقالوا: إذا كان عشراً في عشر فهو كثير، وبعضهم اعتمدوا على التحريك؛ لأنه تعذر اعتبار الكدرة والصبغ، لأن في النجاسات ما يرق نحو البول والخمر، فيصل إلى الجانب الآخر قبل وصول اللون والكدرة إليه. ولأن قدر الصبغ يتفاوت والكدرة قد تكون وقد لا تكون.
وتعذر اعتبار المساحة؛ لأن الروايات فيه قد اختلف عن محمد رحمه الله تعالى، وقد صح أنه قد
الجزء 1 · صفحة 79
رجع عنه، فيعتبر التحريك بعد هذا.
روى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يعتبر التحريك بالاغتسال؛ لأن حاجة الإنسان إلى الغسل في المياه الجارية والحياض أكثر من حاجته إلى الوضوء، فإن الوضوء يكون في البيوت غالبًا. وفى رواية أخرى عنه: أنه يعتبر التحريك بالوضوء؛ لأن التحريك بالوضوء أخف، ومبنى الماء في حكم النجاسة على الخفة دفعا للضرورة، فإن القياس أن يتنجس الكثير، ولكن سقط حكم النجاسة عن الكثير تخفيفًا، فكما اعتبر التخفيف في أصل الماء، كذا يعتبر التخفيف فى التحريك. وعن محمد رحمه الله تعالى: أنه يعتبر التحريك بغسل اليد؛ لأن التحريك باليد أخف، قال مشايخنا رحمهم الله تعالى: وإنما يعتبر تحريك الجانب الآخر من ساعته لا بعد المكث، ولا يعتبر نفس التحريك وحباب الماء؛ فإن الماء وإن كثر يعلو ويتحرك وإنما اشترط أن يرتفع وينخفض من الجانب الآخر من ساعته، وبنحوه روي الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
جئنا إلى بيان مقدار العمق فنقول:
341- ذكر المعلى رحمه الله تعالى في كتابه: أنه ينبغى أن يكون عمقه قدر ذراعين. وهذا على قول من يعتبر التحريك بالاغتسال؛ لأن على قوله ينبغي أن يكون الماء بحاله يتأتى فيه الاغتسال، وذلك قدر ذراعين.
وبعضهم قالوا: يشترط أن يكون بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه لا ينحسر ولا يظهر ما تحته.
وقال بعضهم: لو حرك وجه الماء تارة لا يتكدر وجه الأرض. وحكى عن الشيخ الإمام الزاهد أبى بكر بن حامد رحمه الله تعالى أنه قال: قدر مشايخنا العمق بأربعة أصابع مفتوحة.
342 - ثم الحوض إذا كان كبيراً بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض متى وقع فيه نجاسة، حتى لا يتنجس جميعه، هل يننجس شيء منه؟ فهذا على وجهين: إما إذا كانت النجاسة مرئية أو غير مرئية، فإن كانت مرئية لا يتوضأ من الجانب الذى وقعت فيه النجاسة، وإنما يتوضأ من
ناحية أخرى، كما في الماء الجارى.
343- بعد هذا اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى قال بعضهم: يحرك الماء بيده مقدار ما يحتاج إليه عند الوضوء والاستقاء، فإن تحرك النجاسة لم يستعمل الماء من ذلك الموضع. وقال بعضهم: يتنجس حول البعر مقدار حوض صغير وما وراءه طاهر. وقال بعضهم: يتحرى في ذلك، إن وقع تحريه أن نجاسته لم تخلص إلى هذا الموضع، توضأ وشرب منه.
الجزء 1 · صفحة 80
344- ويبتنى على هذا ما إذا توضأ فى مصنعة فوجد فيها النجاسة بعد ما فرغ من الوضوء إن كانت النجاسة غير مرئية، بأن بال فيها إنسان أو اغتسل فيها جنب حكى عن مشايخ العراق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: لا فرق بين النجاسة المرئية وغيرها فإنه يجوز التوضؤ من جانب آخر. و مشايخ بخاري و مشايخ بلخ رحمهم الله تعالى فرقوا بين المرئية وغيرها، فقالوا في غير المرئية: يتوضأ من الجانب الذى وقعت فيه النجاسة، كما يتوضأ من الجانب الآخر، بخلاف المرئية؛ لأن الحوض الكبير بمنزلة الماء الجارى. والجواب في الماء الجارى على هذا الوجه إن كانت النجاسة مرئية الا يتوضأ من الموضع الذى وقعت فيه النجاسة، ويتوضأ من موضع آخر، وإن كانت غير مرئية يتوضأ من أى جانب شاء بدليل مسألة كتاب الأشربة، وقد مر ذكرها.
345 - ويبتنى على هذا ما إذا غسل وجهه فى حوض كبير فسقطت غسالة وجهه في الماء، فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك قالوا: على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوز ما لم يحرك الماء؛ لأن الذي وقع فيه ماء مستعمل، والماء المستعمل عنده نجس، وإلى هذا القول كان يميل الشيخ الإمام القاضي أبو جعفر الأستروشني رحمه الله تعالى، وغيره من مشايخ بخارى رحمهم الله تعالى جوزوا ذلك، وجعلوه كالماء الجارى لكثرة الماء، وتوسعوا فيه لعموم البلوى.
346- ومن هذا الجنس مسألة أخرى وصورتها: إذا كانت به قرحة، فغسل الدم أو
القيح عنها أو غسل النجاسة عن موضع من أعضاءه أو ثوبه، أو استنجى ووقع ذلك في الماء، أما إذا تغير الماء، لا شك أنه يتنجس موضع التغير. وإن لم يتغير يدخل فيه شبهة قول أبي يوسف رحمه الله تعالى.
347- وفي أجناس الناطفى: أن من اغتسل من حوض، فللآخر أن يتوضأ في ذلك المكان. وليس لرجل أن يغتسل في الحوض الكبير بناحية الجيفة.
348- وإذا كان الماء في الفارقين أو خندق، وله طول مثلا مائة ذراع، وعرضه ذراع أو ذراعان، فاعلم بأن في جنس هذه المسائل أقوال ثلاثة: على قول أبي سليمان الجوزجاني رحمه الله تعالى: يجوز التوضؤ منه من غير تفصيل، ولو وقع فيه نجاسة يتنجس من طوله عشرة أذرع. وقال محمد بن إبراهيم الكبير: إن كان هذا الماء مقداراً لو جعل في حوض عرضه عشرة في عشرة ملأ الحوض، وصار عمقه قدر شبر، يجوز التوضؤ منه، وما لا فلا. وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو بكر بن طرخان يقول: لا يجوز الوضوء فيه، وإن
الجزء 1 · صفحة 81
كان من بخاري إلى سمر قند. فقيل له: فما الحيلة في جواز الوضوء منه؟ قال: يحفر له حفيرة قريبا من الخندق، ثم يحفر نهيرة من الخندق إلى الحفيرة، حتى يسيل الماء من الخندق إلى الحفيرة في النهيرة، فيصير الماء في الخندق جاريًا، فيتوضأ إن شاء من الخندق وإن شاء من النهيرة، وهذه حيلة حسنة.
349 - الحوض الكبير إذا انجمد ماءه، فنقب إنسان نقبًا ليتوضأ فهذه المسألة على أربعة أوجه:
الأول: أن يخرج الماء من النقب، وصار على وجه الجمد، والجواب فيه كالجواب على ما إذا كان على وجه الأرض من اعتبار العرض والطول والعمق.
350 - والوجه الثاني: أن يكون الماء تحت الجمد منفصلا عن الجمد، وفي هذا الوجه يجوز التوضؤ منه، ويكون الجمد كالسقف.
351- الوجه الثالث: أن يكون الماء تحت الجمد، إلا أنه متصل بالجمد، ففي هذا الوجه اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى، بعضهم اعتبروا النقب، وقالوا: إن كان ماء النقب
كثيراً على التفسير الذي قلنا: يجوز التوضؤ به وما لا فلا. وبعضهم اعتبروا جملة الماء، وقالوا: إذا كان جملة الماء كثيراً على التفسير الذي قلنا يجوز التوضؤ به، وما لا فلا. وبه كان يفتى عبد الله بن المبارك، والشيخ الإمام الزاهد أبو حفص البخاري رحمه الله تعالى.
352- وعلى هذا التوابيت التي في المشارع فعند بعض المشايخ رحمهم.
الله تعالى يعتبر جملة الماء، وعند بعضهم: يعتبر ماء التوابيت إذا كان الماء متصلا بالألواح واتصال ماء المشرعة بالماء الخارج منها لا ينفع كحوض كبير انشعب منه حوض صغير، فإنه لا يجوز التوضؤ من الحوض الصغيروإن كان ماء الحوض الصغير متصلا بماء الحوض الكبير.
وكذلك لا يعتبر اتصال ماء المشرعة بما تحتها إذا كانت الألواح مشدودة. وإن كان الماء أسفل من ألواح المشرعة قليلا يجوز التوضؤ به والزندويسى رحمه الله تعالى اعتمد على الجواز في مسألة الجمد، وفى هذه المسألة، ولكن شرط تحريك الماء في كل مرة برفع الماء.
353 - الوجه الرابع: أن يكون الماء في النقب كالماء في الطشت ذکر الزندويسي رحمه الله تعالى في نظمه: أن التوضؤ لا يجوز منه عند عامة العلماء إلا إذا كان النقب عشراً في عشر.
فإن تنجس الماء الذى في النقب، ثم ذاب الجمد ذكر هذا الفصل في فوائد شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: أن هذا الماء طاهر.
الجزء 1 · صفحة 82
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى في مشرعة يدخل فيها الماء، ويخرج إلا أنه لا يظهر حركة الماء، أنه يجوز التوضؤ منها. وإن كان الماء لا يذهب، كما وقع من يده ويدور فيها، فلا خير فيها.
354- وفى متفرقات الشيخ الإمام الفقيه أبى جعفر رحمه الله تعالى: لو توضأ في أجمة القصب إن كان لا يخلص بعضها إلى بعض جاز. قال: واتصال القصب بالقصب اتصال الماء بالماء. وكذا لو توضاً من أرض فيها، زرع وبعض الزرع متصل بالبعض لا يمنع يجوز.
355- وإذا توضأ من غدير وعلى جميع وجه الماء جفراوة فقد قيل: إن كان بحال لو
حرك يتحرك الماء يجوز.
356- إذا توضأ في حوض المنجمد ماءه، إلا أنه رقيق ينكسر بتحريك الماء، جاز وضوءه فيه. وإن كان الجمد على وجه الماء قطعاً قطعاً، إن كان كثيراً لا يتحرك بتحرك الماء، لا يجوز الوضوء به وإن كان قليلا يتحرك بتحرك الماء، يجوز التوضؤ به، بمنزلة ما لو كان على وجه الماء عود، لا يتحرك بتحريك الماء، لا يجوز الوضوء منه، وإن كان يتحرك يجوز.
357- الحوض إذا كان أقل من عشر في عشر لكنه عميق فوقعت فيه النجاسة حتى تنجس، ثم انبسط وصار عشراً في عشر، فهو نجس؛ لأن النجس لا يظهر بالانبساط والتفرق، ولو وقعت فيها النجاسة وهو عشر في عشر ثم اجتمع الماء، وصار أقل من عشر في عشر، فهو طاهر. 358- في فتاوى الشيخ الإمام الفقيه أبى الليث رحمه الله تعالى: وفيه أيضا: حوض هو عشر في عشر قل ماءه، ووقعت فيه نجاسة حتى تنجس ثم امتلأ الحوض، ولم يخرج منه شيء، لا يجوز التوضؤبه؛ لأنه كلما دخل الماء يتنجس.
359- وفى الجامع الأصغر: سئل أبو نصر الدبوسي رحمه الله تعالى عن غدير كبير لا يكون فيه ماء في الصيف، وتروث فيه الدواب والناس ثم ملأ في الشتاء ماء، ويرفع الناس عنه الجمد، ويتوضأون منه قال: إن كان الماء الذى دخل الغدير أولا يدخل على مكان نجس، فالماء والجمد نجس، وإن كثر الماء بعد ذلك؛ لأنه كلما دخل صار نجساً، فلا يظهر بعد ذلك، وإن كان كثيراً. وإن كان الماء الذي يدخل الغدير أولا يدخل على مكان طاهر، ويستقر فيه حتى يصير عشراً في عشر، ثم انتهى إلى النجاسة، فالماء والجمد طاهران؛ لأن الماء صار كثيراً قبل وصوله إلى النجاسة، والماء الكثير لا يتنجس باتصال النجاسة ما لم يظهر فيه أثر النجاسة. وكذلك الغدير إذا قل ماءه، وصار أربعًا في أربع فوقعت فيه نجاسة، ثم دخل
الماء، إن صار الداخل عشراً في عشر، قبل أن يصل إلى النجاسة فهو طاهر، وما لا فلا.
الجزء 1 · صفحة 83
360 - وفي نظم الزندويسي: الحوض الكبير الحالي إذا بال فيه صبي، أو تغوط، ثم جاء الماء وملأه قال أكثر أهل بلخ وأبو سهل الكبير البخاري رحمه الله تعالى: إن الماء نجس. وقال الشيخ الإمام الفقيه أبو جعفر والشيخ الإمام الفقيه إسماعيل بن الحسن الزاهد البخاري رحمهم الله تعالى: إن الماء طاهر، فيجعل كأنه بال وتغوط بعد ما ملا، قال الزندويسي: وبه أخذ فقهاء بخارى رحمهم الله تعالى. وهكذا أفتى الشيخ الإمام الفقيه عبد
الواحد ألف مرة.
361- وقعت واقعة من هذا الجنس في زماننا ببخارى وصورتها: ماء المطر مر على النجاسات، واجتمع بعد ذلك، ودخل حوض حبان - وهو حوض كبير - وماء المطر كان أكثر من ماء الحوض، فاتفق أجوبة المفتين: أن ماء الحوض لا يتنجس؛ لأن جميع ماء المطر، لا يتصل بماء الحوض بدفعة واحدة، وإنما اتصل بدفعات، وكل دفعة يتصل بماء الحوض، فماء الحوض غالب عليها، فلا يتنجس ماء الحوض بها، حتى لو تصور أن يتصل بماء الحوض بدفعة واحدة، أكثر من ماء الحوض يتنجس ماء الحوض. الحوض إذا كان أعلاه عشراً في عشر، وأسفله أقل من ذلك وهو مملوء، يجوز التوضؤ منه والاغتسال فيه. وإن نقص الماء حتى صار سبعاً في سبع لا يجوز التوضؤ منه .. وإن كان مدوراً يعتبر أن يكون حوله ثمانية وأربعون ذراعاً؛ لأن هذا أقصى ما قالوا فيه، فكان أحوط.
362- والمعتبر عند بعض من اعتبر التقدير بالذراع في الحوض: ذراع الكرباس، لا ذراع المساحة توسعة للأمر على المسلمين. وعند بعضهم المعتبر ذراع المساحة؛ لأن هذا من الممسوحات، وذراع المساحة في الممسوحات والأصح أن يقال: يعتبر في أهل كل زمان ومكان ذراعهم.
363- وإن كان أعلى الحوض أقل من عشر في عشر، وأسفله عشر في عشر أو أكثر، وقعت نجاسة في أعلى الحوض، وحكم بنجاسة الأعلى، ثم انتقص الماء، وانتهى إلى موضع هو عشر في عشر، فتوضأ فيه إنسان أو اغتسل، هل يجوز؟ صارت هذه المسألة واقعة للفتوى واختلف فيه أجوبة المفتين والأصح أنه يجوز التوضؤ والاغتسال فيه. وكان يجعل كأن النجاسة وقعت فيه الآن، وهو نظير الحوض المنجمد إذا كان الماء في نقبه، ونقبه أقل من عشرة في عشرة، فوقع في النقب نجاسة، يحكم بنجاسة ماء النقب. ثم إذا تسفل الماء، كان ذلك الماء طاهراً، يجوز التوضؤ والاغتسال فيه، كذا ههنا.
364- حوض صغير تنجس ماءه، فدخل الماء الطاهر فيه من جانب، وسال ماء الحوض من
الجزء 1 · صفحة 84
الجانب الآخر، كان الشيخ الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقول: كما سال ماء الحوض من الجانب الآخر يحكم بطهارة الحوض، وهو اختيار الصدر الشهيد رحمه الله تعالى. وكان الفقيه أبو بكر ابن سعيد رحمه الله تعالى يقول: لا يحكم بطهارة الحوض حتى يخرج منه ثلاث مرات مثل ما كان في الحوض من الماء النجس، وبه كان يفتى الشيخ الإمام
ظهير الدين المرغيناني رحمه الله تعالى. ومن المشايخ من شرط خروج مثل ما كان في الحوض من الماء النجس مرة واحدة.
365- حوض صغير يدخل الماء فيه من جانب ويخرج من جانب آخر، فتوضأ فيه إنسان، ذكر في مجموع النوازل عن الشيخ الإمام الفقيه أبى الحسن الرستغفني رحمه الله تعالى: أنه إذا كان أربعًا في أربع فما دونه يجوز التوضؤ فيه وإن كان أكثر من ذلك لا يجوز، إلا في موضع دخول الماء وخروجه؛ لأن في الوجه الأول ما يقع فيه من الماء المستعمل يخرج من ساعته ولا يستقر فيه، ولا كذلك في الوجه الثاني.
366 - وحكى عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى، أنه سئل عن عين الماء إذا كان خمساً في خمس، وكان يخرج الماء منه قال: إن كان يتحرك بتحريك الماء من جريانه، وهو يستعين بالحركة يجوز. وسئل الشيخ القاضي الإمام ركن الإسلام على السغدى رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، فأجاب بالجواز مطلقا. ففى الحوض الصغير إذا كان يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب، يجب أن يكون هكذا؛ لأن هذا ماء جار، والماء الجارى يجوز التوضؤ فيه، وعليه الفتوى.
367 - وإذا كان على شط النهر أو على شق الحوض مثل الأفدق، يدخل فيه الماء من الحوض أو النهر والماء الذي فيه متصل بماء الحوض والنهر لأن جريان النهر أو الحوض لا يظهر فيه، فتوضأ رجل في ذلك الموضع إن كان مقدار ما فيه من الماء من حيث الطول يبلغ ذراعين ونصفا لا يجوز التوضؤ فيه، ولا يجعل ذلك تبعاً للحوض والنهر. وإن كان أقل من ذلك يجوز، ويجعل تبعا للحوض والنهر هكذا قيل. وقد قيل: لا يجوز التوضؤ فيه، ولا يجعل تبعا للحوض والنهر على كل حال.
368- حوض صغيرکرى رجل منه نهرا وأجرى الماء فيه وتوضأ، ثم اجتمع ذلك الماء في مكان آخر، فكرى منه رجل آخر نهراً آخر، وأجرى فيه الماء وتوضأ، جاز وضوء الكل، وإن كان بين المكانين مسافة قليلة.
369- وكذلك حفيرتان، يخرج الماء من إحداهما ويدخل في أخرى، فتوضأ إنسان فيما بينهما، فإن