الجزء 1 · صفحة 1
غُنْيَة المُتَمَلّي شرح مُنْيَة المُصَلِّي
من بداية الكتاب إلى نهاية الطَّهارة الصُّغرى
من كتاب للإمام إبراهيم بن مُحَمَّد بن إبراهيم الحلبيّ:
دراسة وتحقيق وتعليق
Ghoniat Al-Motamali Shareh Moneat Al-Mosali
from the Beginning of the Book Until the End of the Al-Taharah Al-Sughra from Book by the Imam Ibrahim bin Muhammad bin Ibrahim Al -Halabe:
Studying Text Editing and Commenting
إعداد
خالد يوسف عبد الرحمن الشرمان
إشراف
الأستاذ الدكتور: صلاح مُحمد أبو الحاج
قدّمت هذه الرسالة استكمالًا لمتطلبات درجة الماجستير في الفقه الحنفي وأصوله في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان 20/ 5/2021م
الجزء 1 · صفحة 2
Ghoniat Al-Motamali Shareh Moneat Al-Mosali
from the Beginning of the Book Until the End of the Al-Taharah Al-Sughra from Book by the Imam Ibrahim bin Muhammad bin Ibrahim Al -Halabe:
Studying Text Editing and Commenting
Prepared by
Khaled Yousef Abdelrahman AlShorman
Supervised by
Pro. Dr. Salah Mohammed Abu Al – Hajj
“Thesis Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Master of Arts in Hanafi Jurisprudence and its Fundamentals at The World Islamic Science & Education University”.
The World Islamic Science & Education University
Amman
Date: 20/ 5/2021
الجزء 1 · صفحة 3
الملخص
«غنية المتملي شرح منية المصلي»
من بداية الكتاب إلى نهاية الطَّهارة الصُّغرى
من كتاب للإمام إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي
دراسة وتحقيق وتعليق
إعداد: خالد يوسف عبد الرحمن الشرمان
إشراف: الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
تاريخ المناقشة: 20/ 5/2021م
تهدف هذه الدّراسة إلى خدمة نصّ كتاب «غنية المتملي شرح منية المصلي»؛ لإخراجه قريبًا مما أراده مصنفه مع إثرائه بالحواشي والتّعليقات النّافعة لطالب العلم عمومًا وللمتخصص في المذهب الحنفي خصوصًا.
لذا فقد بدأ الباحث بذكر مشكلة بحثه، ثم أهمية البحث، ثم انتقل لذكر أهداف البحث والدّراسات السابقة والمنهجيّة المتّبعة في التّحقيق.
انتقل الباحث بعد ذلك للمبحث الأول والذي جعله تحت عنوان ترجمة الشّارح العلّامة الحلبي - رحمه الله -، ثم المبحث الثّاني وقد أتى بعنوان ترجمة المصنّف العلّامة الكاشغري - رحمه الله -، ثم المبحث الثّالث والذي أتى بعنوان التعريف بالكتاب (الشّرح)، ثم المبحث الرّابع وهو بعنوان التعريف بالمتن (منية المصلّي).
انتقل الباحث بعد ذلك إلى عرض النّصّ المُحَقّق والذي ابتدأه الشّارح - رحمه الله - بحمد الله تعالى الذي جعل الصّلاة عماد الدّين، وصلّى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي جُعلت قرّة عينه في الصّلاة.
وبيّن أهميّة العبادات، وأن الصّلاة أهمّها، وأنّه أحبّ أن يشرح متن «مُنية المُصلّي» بتوضيح مسائله ومعانيه.
الجزء 1 · صفحة 4
وشرح أن أنواع العلوم كثيرة، وأهمها مسائل الصّلاة، وبيّن أهمية الصّلاة وأنها فرضٌ، وذكر ادلّة فرضيتها من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وشرح نصوص القرآن الكريم والأحاديث الشريفة المتعلّقة بالصّلاة.
ثم ذكر شرائط الصّلاة وفرائضها وأركانها وواجباتها وسُننها، وتكلم في معنى الشّرط والفرض والرّكن والواجب والسُّنَّة والأدب والكراهة.
وذكر الطّهارة الصّغرى وهي الوضوء، والطّهارة الكبرى وهي الاغتسال.
وتكلّم في فرائض الوضوء من خلال شرح آية الوضوء، ثم سنن الوضوء كالبسملة والمضمضة والاستنشاق والنّيّة والتّرتيب والدّلك وغير ذلك، ثم آداب الوضوء من التّأهب للصلاة واستقبال القبلة وعدم الكلام واستعمال السّواك والدّعاء والتّشهّد، وأخيراً ذكر المناهي كاستقبال القبلة وقت الاستنجاء وكشف العورة وغير ذلك.
عرض الباحث في نهاية تحقيق هذا المخطوط أهم النّتائج التي توصّل إليها، وختم بذكر المصادر والمراجع التي نقل منها في هذا التّحقيق.
والحمد لله ربّ العالمين.
الجزء 1 · صفحة 5
Abstract
Ghoniat Al-Motamali Shareh Moneat Al-Mosali
from the Beginning of the Book Until the End of the Al-Taharah Al-Sughra from Book by the Imam Ibrahim bin Muhammad bin Ibrahim Al -Halabe:
Studying Text Editing and Commenting
Prepared by: Khaled Yousef AbdulRahman AlShorman
Supervised by: Pro. Dr. Salah Mohammed Abu Al – Hajj
Discussion date: ???? \ ?? \ ????????
This study aims to serve the text of the book «Ghoniat Al Motamali shareh Moneat Al-Mosali» to get it out near to what its author wanted, and to enrich it with useful footnotes and comments for the scholars in general and to the specialist in the Hanafi doctrine in particular.
Therefore, the researcher began by mentioning the problem of his research, then the importance of the research. Then he moved to mention the aims of the research, previous studies, and the methodology that been used in the investigation.
Then the researcher moved to the first topic, that made it under the title of the biography of the explainer Al-Allama Al-Halabi, then the second topic, and it came under the title of the biography of the Classifier Al-Allama Al-Kashgari. Then the third topic, which came under the title of introducing the book (Al-Sharh), then the fourth topic, which is titled Definition of the Body (Miniat Al-Musalli).
The researcher then started by presenting the verified text, which the explainer began by thanking Allah almighty who make the Salah the heart of religion and prayed on his Prophet who the Salah is the apple of his eye.
Then he indicated the importance of the worships, and that the Salah is the most important one. And that he liked to explain the main text of (Moneat Al-Mosali) by clarifying its matters and meanings.
He explained that the types of sciences are many and that the most important ones are matters of prayer. He clarified the importance of prayer and that it is an obligation. He mentioned pieces of evidence of its mandatory from the Qur’an, Sunnah and consensus. And he explained the texts that are related to prayer from the Qur’an and Hadiths.
Then he mentioned the prayer requisites, its obligations, its pillars, its duties and its supererogatorirs. He spoke about the meaning of the requisite, obligatory, pillar, dutie, supererogator, proprieties, hatred.
الجزء 1 · صفحة 6
He mentioned minor purity, which is wudu, and major purity, which is Ghusl.
He spoke about the requisites of ablution by explaining the verse of wudu'. Then he spoke about the supererogators of wudu' such as basmala, rinsing, inhalation, intention and correct ordering, rubbing and so on. then he talked about the etiquette of wudu' such as preparing for prayer, turning the direction to Kiblah, not talking, using the siwaak, duaa' and tashahhud. And finally, he mentioned the forbiddens, such as urning the direction to Kiblah at the time of cleaning one's private parts, uncovering the private parts, and so on.
At the end of the investigation of this manuscript, the researcher presented the most important results that he reached and concluded by mentioning the sources and references from which he was quoted in this investigation.
And all Praise is due to Allah, the Lord of the worlds.
الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: مقدّمة المشروع:
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا مُحَمَّدٍ، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطّيبين الطّاهرين، وأصحابه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ:
فإنَّ الله تعالى قد منّ على هذه الأمّة المحمّدية بعلماءَ أجلّاء، نذروا حياتهم لله تعالى، وشغلوا وقتهم، ليله ونهاره، في العلم وخدمته، تأليفًا وتحقيقًا وتأصيلاً وتفريعًا.
وقد ترك لنا علماؤنا تراثًا علميًّا ضخمًا، ومؤلفاتٍ كثيرةً جليلة، غير أن الكثير منها بقي حبيس المكتبات العالميّة، على شكل مخطوطات لا تتناولها أيدي طلبة العلم، ولا يعرف عنها إلا القليل ممن وجد همًّة وبُلغة، فينظر فيها ويأخذ منها، غير أنّ الكثيرين لا يستطيعون الوصول إليها، ولا الأخذ من الكنوز المكنونة في طياتها.
وأضحت هذه المخطوطات العلميّة في غالبها، مجرد مخزون تراثي يدل على ماضٍ مشرق، يزين بها الفضلاء والوجهاء مكتباتهم، ولم تخدم بالطرق المنهجيّة السّليمة، خاصة فيما يتعلق بالمذاهب الفقهيّة التي تعتمد على مدارس منهجيّة منضبطة، قَلَّ من يتقن مصطلحاتِها وقواعدَها، في حين أنَّ هذه المخطوطات تحوي علوماً وكنوزًا يُنتفع بها إن تمَّ تحقيقها وتنقيحها ودراستها والتّعليق عليها، حتى يتصل الإسناد بين الماضي والحاضر.
وقد سلك كثير من العلماء طريق تحقيق الكتب القديمة، وهو مسلك لا يقل أهمية عن التأليف على وجه الاستقلال؛ لأنَّ فيه إحياءً لتراثٍ علميٍ لا يمكن الاستغناء عنه في مختلف المجالات، ومنها علم الفقه الذي
الجزء 1 · صفحة 8
يعدّ من أكثر العلوم الشّرعية التي تناولها العلماء السّابقون بالبيان والتأليف، على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم.
وتُعد مدرسة السّادة الحنفيّة من أعرق المدارس، وأقدمها، وأُولى المدارس المذهبيّة، وقد بلغت مؤلفاتها الزّاخرة عددًا ضخمًا يصعُب إحصاؤه.
ومن بين المخطوطات النّفيسة التي تداولها العلماء والطّلاب تدريسًا وفهمًا ونقلًا جيلًا عن جيل، كتابُ «غنية المتملي شرح منية المصلّي» لمؤلفه العالم الرّباني الحنفي: إبراهيم بن مُحَمَّد بن إبراهيم الحلبي، المتوفى سنة 956هـ، وهذا الكتاب قد عُرف باسم «حلبي كبير».
ولأجل القيام ببعض الواجب لهذا الدّين العظيم، وإحياءً لبعض تراث الأمّة الإسلاميّة، أولت كلية الفقه الحنفي هذا الكتاب عنايةً خاصةً: دراسة وتحقيقًا وتعليقًا، حيث قسّمت أجزاؤه بين طلبة الدّراسات العليا في برنامج الماجستير؛ للقيام بهذا الواجب، فكان الجزء الموكل إليَّ: من بداية الكتاب إلى نهاية الطّهارة الصغرى من المخطوط.
ثانيًا: مشكلة البحث:
يعتبر كتاب «غنية المتملي شرح منية المصلّي» من الكتب المهمة ذات المكانة الرفيعة لدى العلماء وطلاب العلم في المذهب الحنفي، والذي تناقلوه جيلاً بعد جيل، إلا أنّه من خلال البحث والتّحري وجد الباحث أنّ هناك جوانبَ لا بد من بيانها والإجابة عليها وإعادتها بشكل وعرض جديدين، ومن هنا جاءت مشكلة البحث وفق الأسئلة الآتية:
1 - ما الدّراسة السّليمة للمخطوط من حيث التّعليق والتّحشية والتّعليقات النّافعة؟
2 - ما النّص الصّحيح والأكمل والأفضل للمخطوط؟
3 - ما المعتمد في المذهب مما ذُكر في الكتاب، وما هو غير المعتمد؟
4 - ما صحة نسبة الكتاب للمؤلف؟
ثالثًا: أهمية البحث:
تكمن أهمية التّحقيق لهذا الكتاب في:
الجزء 1 · صفحة 9
1 - كون هذا الكتاب من أكثر الكتب توسّعًا في باب المياه والطّهارة وأحكام الصّلاة، فهو فريدٌ في بابه، غاص فيه مصنّفُه في دقائق تفاصيل المسائل.
2 - حاجة المكتبة الإسلامية لمثل هذا الكتاب الفريد من نوعه في المذهب الحنفي، ببيانه وتوضيحه وعرضه بشكل مناسب.
3 - حاجة طلاب العلم الشّرعي لمعرفة الكتاب، من حيث التّرجيح والتّقعيد والموازنة بين الأقوال المعتمدة في المذهب الحنفي ليكون مرجعًا لهم.
4 - حاجة الباحثين لمعرفة قواعد المذهب الحنفي من حيث التّأصيل وبناء المسائل والاستنباطات.
5 - حاجة طلاب العلم للتّحشية والتّعليقات الخادمة للمخطوط؛ للاعتماد عليها وفكّ غوامضها.
6 - حاجة طلاب العلم لهذا الكتاب لنقل الأحكام للناس، فما هو موجود في طياته لا يُستغنى عنه في زمان ولا مكان.
رابعًا: أهداف البحث:
يهدف الباحث من خلال البحث إلى الآتي:
1 - بيان الدّراسة السّليمة للمخطوط من حيث التّحشية والتّعليقات النّافعة.
2 - إثبات النّص الصّحيح والأكمل والأفضل للمخطوط، وإثبات فروقه وتصحيحه والإشارة إليه في الحواشي.
3 - تحقيق المخطوط وتقديمه بصورة حديثة مناسبة للمكتبة الإسلاميّة، مظهرًا الفروع الفقهيّة بصورة أكثر وضوحًا، وبشكلٍ يتلاءم والمنهج الحديث؛ ليكون متاحًا بين يدي طلبة العلم.
4 - بيان المسائل التي ذُكرت في المخطوط مخالفة للمذهب، وبيان المعتمد في المذهب موثّقًا من مظانّه من كتب المتقدّمين والمتأخرين.
خامسًا: الدراسات السابقة:
لم أطّلع على دراسات سابقة قامت بتحقيق المخطوط بطريق ومنهجية سليمة، إلّا ما كان من تحقيق وتعليق محمد سعيد أنور المظاهري رئيس دار التّحقيق صالح فور بمديرية سمستي فور (بهار) الهند، والتي طبعته دار الكتب العلميّة، بيروت سنة 2020م ولكنه يكاد لا يمتّ إلى التّحقيق بصلة حيث إنّه مجرد طباعة للمخطوط مع الإشارة أحياناً الى تخريج بعض الأحاديث من مصادرها، فجلّ ما وجد نسخ طبعت بطباعة
الجزء 1 · صفحة 10
مسمارية قديمة وطبع حجرية لا تتوافق والإخراج الجيد والبحث العلمي، كما خلت من التّحقيق العلمي والتّعليق والدّراسة والتّحشية، وهذه الطبعات هي:
1 - الطبعة الحجرية التركية، القسطنطينية، مكونة من 671 صفحة، بخط المولوي حميد الدين، تاريخ النسخ سنة: 1283هـ، عليها حواشي باللّغة التّركيّة، بدون طبعة، تحتاج إلى الخدمة والتّعليق والتّحشية، ناهيك عن عدم وضوحها وحاجتها للتّرميم.
2 - الطبعة الحجرية الباكستانية، لاهور، مكونة من 577 صفحة، بدون طبعة، بخط عبد العزيز ابن أحمد، عليها حواشي باللّغة الأوردية على الجوانب، تحتاج إلى خدمة وتعليق وتحشية.
سادسًا: المنهجيّة المتّبعة في التّحقيق:
1 - المنهج الاستقرائي: ويكون في التّعليق والتّحشية من كتب المذهب فيما يتعلق بالمسائل المطروحة، والتّأكد من نسبتها وصحتها.
2 - المنهج التّاريخي (الاستردادي): ويكون في تحقيق المخطوط من تصحيح وضبط ومقابلة؛ تيسيرًا لفهمه.
3 - المنهج الجدلي: وذلك من خلال مناقشة المؤلِّف في اختياراته واعتمادها.
سابعًا: منهجيّة العمل في التّحقيق:
سيكون منهج عمل الباحث في التّحقيق كالآتي:
*أولًا: منهجي في المقابلة والتّعليق:
1 - بيان النّسخ التي اعتمدت للتحقيق ووصفها، وتحديد مكانها، وعدد الأوراق، وتاريخ كتابتها، وعدد أسطرها، وغيرها من الأمور التي لها شأنٌ في توضيح المخطوط وتوثيق مصدره، بالإضافة إلى صورة الورقة الأولى والأخيرة من القسم المحقّق لكل نسخة وإثباتها عند الوصف.
2 - توضيح المسائل الغامضة في المخطوط ذات الخفاء، أو الألغاز لشدّة اختصارها؛ لإزالة الإبهام عن العبارات، وشرحها وتوضيحها من الكتب الفقهيّة المعتبرة، وصولًا لأسهل عبارة، وتثبت بالحاشية مع مراجعها.
الجزء 1 · صفحة 11
3 - التّعليق على جميع الآراء التي خالف فيها المؤلِّفُ معتمدَ المذهب، كأن يأتي بتخريج ضعيف في المذهب، أو يذكر رأيًا مخالفًا للمعتمد، فأعمل على التّعليق والتّنبيه على ذلك الرأي في الحاشية، مبيّنًا ضعفَه وردَّه وعدم اعتماده، مستعينًا بالكتب الفقهيّة، ومدلِّلًا من عبارات الفقهاء وفق أصول قواعد التّرجيح.
4 - إثبات النّص الأصلح والأصحّ في الأعلى، وذكر الفروق الأخرى في الحاشية، فلا يتجاوز الباحث في مرحلة تمحيص المخطوط كلمة كلمة إلا بالاقتناع أنها هي الصحيحة؛ من خلال التّرجيح بين النّسخ واختيار الأصحّ، لا الاعتماد على نسخة أمّ في التّحقيق في الأعلى، وما سواه نثبته في الحاشية، فهذه طريقة تشوّش القارئَ، ولا فائدة علميّة منها.
5 - مناقشة كلّ مسألة نص المخطوط عليها بعبارة من عبارات التّرجيح، مثل: وهو الصّحيح أو الأصح، أو المختار، أو وبه يفتى، أو عليه الفتوى؛ لبيان الأقوال الأخرى في ذات المسألة، وبيان الرّاجح فيها وفق أصول التّرجيح.
6 - ذكر الأقوال التي لم يذكرها صاحب المخطوط إذا كان قد ذكرها غيرُه، ولو لم تكن معتمدة؛ لبيان سعة المذهب.
7 - توثيق العبارة من الكتاب الذي ذكره صاحب المخطوط ونقل منه، وخاصًّة إن كان قد نقله بالمعنى، فتتمُّ الإشارة إلى أن في العبارة تصرّفًا من صاحب المخطوط، فإن كان التّصرّف قليلًا، قال الباحث: بتصرف يسير.
8 - بيان الرّوايات الضّعيفة التي نقلها صاحب المخطوط بدون التّنبيه عليها، نتيجة اعتماده على كتاب غير معتمد، مع التّعليق في الحاشية بما يثبت ضعفها وعدم اعتمادها.
9 - إثبات الصّحيح في الأعلى والإشارة إليه في الحاشية فيما يتعلق بالنّصوص النّبويّة التي يشير صاحب المخطوط لمصادرها، أو أسماء بعض الرّواة الذين ورد ذكرهم، مثل: بِشْر، والصّحيح: بُسْر، فيثبت الباحث الصّحيح في الأعلى ويشير إليه في الحاشية، ويذكر أن في نقل الاسم خطأ.
10 - التّنبيه على عبارات التّساهل في المخطوط، وهذا ليس من قبيل الخطأ؛ لكنّه من قبيل التّسامح في العبارات، وكذلك العبارات التي يطلقها المصنّف أو الشّارح، ولا تكون على إطلاقها، فيشير الباحث إلى استدراكات العلماء على ذلك موثقًا ذلك من مظانّه.
الجزء 1 · صفحة 12
11 - بيان المعنى الاصطلاحي للمفردات من مظانِّها عند الحنفيّة؛ للوصول إلى مراد الحنفيّة من هذا المصطلح، وعدم الاقتصار على معرفة المعنى في اللّغة، وكذا عند المدارس الفقهيّة الأخرى عند الحاجة.
12 - بيان المقادير والموازين بحسب المستعمل في زماننا، كذكر مقدار المدّ والصّاع ونحو ذلك.
13 - تخريج أسماء الكتب التي ذكرها المؤلِّف في المخطوط؛ لأنّها مصادره، سواء كانت بالواسطة أو مباشرة بكتابة اسم الكتاب، ومؤلّفه، وطباعته، ومكان المخطوط إن لم يكن مطبوعًا ومحققًا، والرّجوع لها بقدر الإمكان للتّدقيق في العبارة، ورؤية مدى التّطابق في نقل العبارة، والإشارة إليه في الحاشية.
14 - تخريج الأحاديث بذكر الكتب التي خرَّجته، واكتفيت بذكر الجزء والصفحة بدل الكتاب والباب خشية الإطالة؛ لأنَّ كثيرًا من الأحاديث غير مذكورة في الصِّحاح، فاحتاج إلى ذكر عدد كبير من كتب السُّنَّة الوارد فيها، فلو ذكرت الكتاب والباب، لاستغرق تخريج كثير منها أكثر من صفحة.
*ثانيًا: منهجي في التوثيق كالآتي:
1 - القيام بترميز نسخ المخطوطات بحرف، مثلا: (أ)، (ب)، (ج)، ويمكن أن يكون الرمز مشيرًا إلى مزية في النّسخة مثل: مطبوعة (م).
2 - توثيق كل الأقوال الواردة في المخطوط بنسبتها لأصحابها، ويستثنى من ذلك قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه الإمامين: أبي يوسف و محمد بن الحسن، وزفر بن هذيل، والحسن بن زياد؛ لأنّ كتب الفقه في المذهب وضعت من أقوالهم، فهي مظانّها، إلا في حالة اضطراب الرّأي في مسألة ما، فيتم التّحري للتّأكد من نسبة القول من أجل التّصحيح.
3 - توثيق أقوال أئمة المذاهب: الإمام مالك بن أنس، والإمام الشّافعي محمد بن إدريس، والإمام أحمد بن حنبل، فيتم توثيقه من كتب المذهب؛ للتّأكد من نسبة القول وصحته، وإن ظهر غير ذلك يتم التّنبيه في الحاشية.
4 - توثيق النّقل عن علماء التّفسير أو الحديث أو اللّغة من كتبهم، فإن كان مفقودًا يوثق ممن نقل عنه؛ بشرط أن يكون متقدمًا على مؤلف المخطوط.
5 - وضع علامة التنصيص «» لكل نصّ في المخطوط نقل بحروفه من كتاب آخر، أو مختصرًا، والتّنبيه على ذلك بالقول: إنه ملخص، فيجعل في نهاية النقل ويذكر في الحاشية: انتهى من كتاب كذا،
الجزء 1 · صفحة 13
أو انتهى من كتاب كذا مختصَرًا، وإن كان في نهاية النّصّ في المخطوط لفظ «انتهى» يكتب في الحاشية: من كتاب كذا، ويكتب عبارة «بتصرف» أو «بتصرف يسير» إذا كان النّقل ليس بحرفه.
6 - إذا كان الاختلاف في كلمة واحدة فإني أضع علامة الحاشية عليها بدون وضعها بين معكوفيتن، هكذا: بُسْر (*).
7 - إن كان الاختلاف في كلمتين فأكثر، فإني أضع علامة الحاشية على معكوفتين هكذا: [] (*) ثم أقول في الحاشية: زيادة في كذا، أو ساقط من كذا، دون ذكر عبارة «ما بين معكوفتين».
8 - إذا سقطت كلمة أو كلمات من نسخة أو نسخ، يثبت في الحاشية ساقطة من ب، أو ساقطة من أ، ب، أو يمكن أن يعبّربـ: زيادة في د.
9 - إذا كان الاختلاف في تركيب كلمة أو كلمات، أثبت الصّحيح في الأعلى، وأذكر الصّور المرجوحة في الأسفل، مثال: في ج، د: (كذا)، فإذا كان الاختلاف على أكثر من صورتين أثبتُّ الصّور المرجوحة في الأسفل مثال: في ج: (كذا) وفي د: (كذا).
10 - توثيق الآيات في الأعلى ببيان اسم السّورة ورقم الآية، ويكون التّوثيق بين معكوفين مربعين []، مع ذكر اسم السّورة، وإن لم يتم ذكرها، دون الإشارة إلى ذلك في الحاشية.
11 - تثبيت الفروق ما عدا الاختلاف في صيغ الصّلاة على النّبيّ ح، وصيغ التّرحم على العلماء والتّرضي على الصّحابة ش؛ لأنّها في الدّرجة الأولى من النّساخ لا من المؤلِّف، بسبب التّفاوت الكبير فيها بين ذكرها وحذفها، لذا سأقوم بتثبيت شكل الصّلاة كالآتي (ح)، وكذا اختلاف النّسخ بصيغة التّرحم والتّرضي على من يذكر من العلماء والصّحابة وعدمه بذكر شكل التّرحم (:)، والتّرضي (- رضي الله عنه -، ل، ب، ش) دون الإشارة إلى ذلك في الحاشية.
*ثالثًا: منهجي في ترجمة الشّخصيات:
1 - ترجمة لجميع الأعلام التي تذكر في المخطوط، بذكر الاسم واللّقب والوفاة والكتب التي ألفها كذكر كتابين على الأقل، ونسبته إليه مع توثيق رقم الصفحة والكتاب الذي أقتبس منه، مع نبذة لا تتجاوز الثّلاثة أسطر عن كل عالم من مصادر قديمة وحديثة.
2 - يستثنى من ترجمة الأعلام: الخلفاء الأربعة ش، والإمام أبو حنيفة وأصحابه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن بن زياد ش، والأئمة الثّلاثة: مالك والشّافعي وأحمد ش، وأصحاب الكتب السّتّة في الحديث: البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي وابن ماجة وأبو داوود ش، فلم أترجم لأحد منهم؛ وذلك لشهرتهم ومعرفتهم بين العامّ والخاصّ، كما أني لم أترجم للرجال الواردة أسماؤهم في سند حديثٍ ما،
الجزء 1 · صفحة 14
إلا أن يكون في بعضهم جرحٌ أو تعديل أورده الشّارح، فأترجم له حينئذ، كما أترجم للصّحابي الوارد في سند الحديث فقط.
*رابعًا: منهجي في التّعامل مع النّصّ:
1 - انتقاء النّصّ الأصحّ والأفضل من مجموع النّسخ، وتثبيت الفروق بين النّسخ في الحاشية.
2 - وضع المتن بين قوسين () بخط غامق، وضبطه بالشّكل.
3 - تقسيم المخطوط لفقرات تتناسب مع المواضيع والمعاني.
4 - وضع علامات التّرقيم والرّسم الإملائي المناسب.
5 - ضبط الكلمات التي تُشْكِلُ على القارىء.
6 - الاعتناء بمواضع الهمزات، والشّدّات المناسبة، وفق المدارس الإملائية والنّحْوية في مدارس اللّغة العربيّة.
7 - توضيح بعض الكلمات التي تحتاج إلى توضيح لغوي من المعاجم؛ لكشف خفائها.
تاسعًا: المخطط التّفصيلي للتّحقيق:
بما أن موضوع الرّسالة يتعلق بتحقيق مخطوط من كتب التّراث الإسلامي؛ فقد اتبعت فيه منهجيّة علميّة تستلزم عمل دراسة حول النّصّ المحقّق، واختيارات الشّارح فيه، وضبط النّصّ بالشّكل، والتّعليق عليه بما يثري النّصّ ويجعل عبارته سهلة لا غموض فيها.
وبناء عليه فإنّ الرّسالة تشتمل على مقدّمة وأربعة مباحث والنّصّ المحقّق وخاتمة:
أما المقدّمة فقد احتوت على نبذة عن أهمية المخطوط وسبب اختياره، وما تضمنه التّحقيق، والمنهج الذي اتبعته، ومشكلة البحث.
وأما المبحث الأول فقد جعلته بعنوان ترجمة الشارح، وجاء في تسعة مطالب:
المطلب الأول: عصره.
المطلب الثاني: في تحقيق اسمه وما يتصل به.
المطلب الثالث: ولادته ونشأته.
المطلب الرابع: أسفاره ورحلاته.
الجزء 1 · صفحة 15
المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه.
المطلب السادس: مؤلفاته.
مطلب خاص: في متون المذهب وكتب ظاهر الرواية.
المطلب السابع: مكانته الفقهيّة وثناء العلماء عليه.
المطلب الثامن: درجته في الاجتهاد.
المطلب التاسع: وفاته.
وأما المبحث الثاني فقد جعلته بعنوان ترجمة المصنف، وجاء في ثمانية مطالب:
المطلب الأول: عصره.
المطلب الثاني: في تحقيق اسمه وما يتصل به.
المطلب الثالث: ولادته ونشأته.
المطلب الرابع: أسفاره ورحلاته.
المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه.
المطلب السادس: مؤلفاته.
المطلب السابع: مكانته الفقهيّة.
المطلب الثامن: وفاته.
وأما المبحث الثالث فقد جعلته للحديث عن الشرح، وجاء في سبعة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب.
المطلب الثاني: توثيق نسبته.
المطلب الثالث: سبب تأليفه.
الجزء 1 · صفحة 16
المطلب الرابع: وصف النسخ المعتمدة في تحقيق الشرح.
المطلب الخامس: منهج الشارح في كتابه.
المطلب السادس: مسامحات الشارح - رحمه الله -:
أولاً: المسائل التي ذكرت على خلاف معتمد المذهب.
ثانياً: المواضع التي فيها تسامح في نقل العبارة عن الكتب المتقدمة.
ثالثاً: المواضع التي ذكرت فيها عبارات فيها تساهل.
المطلب السابع: المصادر الذي نقل عنها الشارح - رحمه الله -.
وأما المبحث الرابع فجاء للحديث عن المتن، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب (المتن).
المطلب الثاني: توثيق نسبة المتن.
المطلب الثالث: مسامحات المصنف - رحمه الله -.
أولاً: المسائل التي ذكرت على خلاف معتمد المذهب.
ثانياً: المواضع التي نسب فيها كتاب لغير مؤلفه.
ثالثاً: المواضع التي ذكرت فيها عبارات فيها تساهل.
المطلب الرابع: مصادر المصنف - رحمه الله -.
وأما النّصّ المحقّق: فقد جعله الشّارح في فصل عنوانه: الطّهارة الصّغرى.
وأما الخاتمة: ففيها بيان لأهم النّتائج التي توصل لها الباحث في هذا العمل.
أتبعت ذلك بفهارس للمراجع التي وثّقت منها مرتّبة على الحروف الألفبائية.
إن أصبت فمن الله تعالى الكريم المنّان، وإن أخطأت أو جانبت الصّواب فمن نفسي ومن الشّيطان.
والحمد لله ربِّ العالمين
الجزء 1 · صفحة 17
المبحث الأول
تَرْجَمَةُ الشارح (الْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ - رضي الله عنه -)
المطلب الأول: عَصْرُهُ (¬1):
عاشَ العلَّامةُ الحلبيُّ - رضي الله عنه - في ظلِّ الخلافةِ العُثمانيّةِ العَلِيَّةِ، الَّتِي قامتْ بحياطةِ هذا الدِّينِ، وحمايةِ المسلمينَ، ودعتْ إلى الخيرِ، وأمرتْ بالمعروفِ ونهتْ عن المنكرِ؛ فكانت من المفلحين.
ثمَّ وقفتْ في طريق أوروبا حاجزاً منيعاً، وسوراً حصيناً، ثم اهتمَّتْ بالإصلاحِ؛ فصار لها بين الدُّولِ المقامُ الأوَّل، والقولُ النَّافذُ (¬2).
فكانتْ لا تضاهيها دولةٌ من الدُّول، ونالتْ من العِزَّةِ ما يَجْدُرُ بكلِّ مسلمٍ أنْ يتذكرَه؛ لِما كان لها ولا يزالُ من الحسناتِ على كافةِ بني الإنسانِ.
وإليك لمحة عن الوضع العلميّ والسّياسيّ والاجتماعيّ للعصر الذي عاش فيه الإمام الحلبي - رضي الله عنه -.
أولاً: الحالة العلميَّة:
عُرف العثمانيون بعنايتهم بالجانب العلميّ واهتمامهم باللّغة العربيَّة وآدابها رغم أنَّ اللُّغة التُّركيَّة هي لغة الدَّولة الرّسميَّة، وعرف عن حكامهم أيضاً حرصهم على تقدير العلماء، ووضعهم بالمكانة اللائقة بهم.
¬
(¬1) ((ينظر: تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة ص 58 وما بعدها.
مُحمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العليَّة العثمانية، دار الجيل، بيروت، طبعة 1977م.
(¬2) ((ينظر: الدّولة العثمانيّة عوامل النّهوض وأسباب السّقوط ص552.
الصَّلَّابي، علي مُحمد مُحمد، الدَّولة العثمانيَّة عوامل النُّهوض وأسباب السقوط، دار ابن كثير، دمشق ـ بيروت، الطبعة الخامسة، 2018م.
الجزء 1 · صفحة 18
ولعل السُّلطان مُحمد الفاتح - رضي الله عنه - (¬1) هو أول من وضع لبنة رعاية العلماء والأدباء والاعتناء بهم، فقرّبهم ورفع قدرهم وشجّعهم على العمل والإنتاج وبذل لهم الأموال، ووسع لهم في العطايا؛ ليتفرغوا للعلم والتَّعليم (¬2).
وإنّ من مظاهر رعاية الدَّولة للعلم نشرها للمدارس والمعاهد في المدن الكبيرة والصَّغيرة، وحتى القرى، وتنظيمها وترتيبها على درجات ومراحل، والعناية بالمناهج، وتحديد العلوم والمواد التي تدرس في كل مرحلة.
ووضعوا لها نظام الامتحانات فلا ينتقل طالب من مرحلة إلى أخرى إلا بعد إتقانه لعلوم المرحلة السّابقة ويخضع لامتحان دقيق.
وكانت المواد التي تدرس في تلك المدارس: التَّفسير، والحديث، والفقه، والأدب، والبلاغة، وعلوم اللّغة من المعاني والبديع والبيان، والهندسة، وغيرها (¬3).
يقول الدكتور علي مُحمد الصَّلَّابي في كتابه «الدَّولة العثمانيَّة عوامل النُّهوض وأسباب السُّقوط»:
«كان السُّلطان مُحمد الفاتح محباً للعلم، والعلماء، ولذلك اهتم ببناء المدارس، والمعاهد في جميع أرجاء دولته. وقد كان السّلطان أورخان أول من أنشأ مدرسةً نموذجيةً في الدولة العثمانيَّة، وسار بعده سلاطين الدَّولة على نهجه، وانتشرت المدارس، والمعاهد في بروسة، وأدرنة، وغيرهما من المدن.
ولقد فاق مُحمد الفاتح أجدادَه في هذا المضمار، وبذل جهوداً كبيرةً في نشر العلم، وإنشاء المدارس، والمعاهد، وأدخل بعض الإصلاحات في التَّعليم، وأشرف على تهذيب المناهج، وتطويرها، وحرص على نشر المدارس، والمعاهد في جميع المدن الكبيرة، والصغيرة، وكذلك القرى، وأوقف عليها الأوقاف العظيمة.
¬
(¬1) ((هو السلطان محمد الثاني الفاتح ابن السلطان مراد الثاني، أبو البركات، ولد سنة 833هـ = 1429م، حكم ثلاثين سنة، فاتح القسطنطينية، من أعاظم رجال الدهر ومن حسنات الإسلام الكبرى (ت: 886هـ = 1481م). ينظر: تاريخ الدّولة العثمانيّة لشكيب أرسلان ص95، والدّولة العثمانيّة للصّلابي ص89.
(¬2) ((ينظر: الدّولة العثمانيّة للصّلابي ص149.
(¬3) ((ينظر: الدّولة العثمانيّة للصّلابي ص149ـ 154.
الجزء 1 · صفحة 19
ونظم هذه المدارس، ورتَّبها على درجات، ومراحل، ووضع لها مناهج، وحدَّد العلوم، والمواد التي تدرَّس في كل مرحلة، ووضع لها نظام الامتحانات، فلا ينتقل طالب من مرحلة إلى أخرى إلا بعد إتقانه لعلوم المرحلة السابقة ويخضع لامتحانٍ دقيقٍ.
وكان السُّلطان الفاتح يتابع هذه الأمور، ويشرف عليها، وأحياناً يحضر امتحانات الطَّلبة، ويزور المدارس بين الحين والحين، ولا يأنف من الدروس التي يلقيها الأساتذة.
وكان يوصي الطَّلبة بالجدِّ والاجتهاد، ولا يبخل بالعطاء للنَّابغين من الأساتذة والطلبة، وجعل التَّعليم في كل مدارس الدولة بالمجَّان.
وأنشأ بجانب مسجده الذي بناه في القسطنطينية ثمانيَ مدارس، على كل جانب من جوانب المسجد أربع، يتوسطها صحنٌ فسيحٌ، وفيه يقضي الطَّالب المرحلة الأخيرة من دراسته، وألحقت بهذه المدارس مساكن للطَّلبة، ينامون فيها، ويأكلون فيها طعامهم، ووضعت لهم منحة ماليَّة شهرية، وكان الموسم الدِّراسي على طول السَّنة في هذه المدارس، وأنشأ بجانبها مكتبة خاصة، وكان يشترط في الرجل الذي يتولى أمانة هذه المكتبة أن يكون من أهل العلم والتقوى، متبحراً في أسماء الكتب، والمؤلفين.
وكان المشرف على المكتبة يُعِيرُ الطَّلبةَ، والمدرسين ما يطلبونه من الكتب بطريقة منظمّة ودقيقة، ويسجل أسماء الكتب المستعارة في دفتر خاص، وهذا الأمين مسؤولٌ عن الكتب التي في عهدته، ومسؤول عن سلامة أوراقها، وتخضع هذه المكتبة للتفتيش كل ثلاثة أشهر على الأقل.
وكان منهاج هذه المدارس تتضمن نظام التَّخصُّص، فكان للعلوم النَّقليَّة، والنَّظرية قسم خاص، وللعلوم التَّطبيقيَّة قسم خاص أيضاً.
وكان الوزراء والعلماء من أصحاب الثَّروات يتنافسون في إنشاء المعاهد، والمساجد، والمدارس، والأوقاف الخيرية» (¬1).
اهتمام السُّلطان مُحمَّد الفاتح بالعلماء:
¬
(¬1) ينظر: الدَّولة العثمانيَّة عوامل النُّهوض وأسباب السقوط ص 149 ـ 154.
الجزء 1 · صفحة 20
لقد كان للعلماء والأدباء مكانةٌ خاصةٌ لدى مُحمَّد الفاتح، فقرب إليه العلماء، ورفع قدرهم، وشجَّعهم على العمل، والإنتاج وبذل لهم الأموال، ووسع لهم العطايا، والمنح، والهدايا؛ ليتفرغوا للعلم، والتعليم، وأكرمهم غاية الإكرام، ولو كانوا خصومه.
وكان السُّلطان مُحمد الفاتح يحترم العلماء، وأهل الورع، والتقى، وقد تستبد به في بعض الأحيان نزوة جامحة، أو غضبة طارئة، ولكنه ما يلبث أن يعودَ إلى وقاره، واحترامه لهم.
وتحدِّثنا كتب التّاريخ: أنَّ السُّلطان محُمداً بعث مع أحد خدمه بمرسوم إلى الشّيخ أحمد الكوراني (¬1) - وكان حين ذاك يتولَّى قضاء العسكر- فوجد فيه أمراً يخالف الشّرع، فمزَّقه، وضرب الخادم، وشقَّ ذلك على السُّلطان مُحمد، وغضب من فِعل الشيخ، وعزله من منصبه، ووقع بينهما نفور وجفوة.
ورحل الكوراني إلى مصر حيث استقبله سلطانها قايتباي (¬2) وأكرمه غاية الإكرام، وأقام عنده برهة من الزمن، وما لبث الفاتح أن ندم على ما كان منه، فكتب إلى السُّلطان قايتباي يطلب منه أن يرسل الشّيخ الكوراني، فحكى السّلطان قايتباي كتاب السُّلطان مُحمد خان للشيخ الكوراني، ثم قال له: لا تذهب إليه فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو، قال: نعم هو كذلك إلا أن بيني وبينه محبةٌ عظيمةٌ كما بين الوالد والولد، وهذا الذي جرى بيننا شيءٌ آخر، وهو يعرف ذلك مني، ويعرف أني أميل إليه بالطّبع، فإذا لم أذهب إليه يفهم: أنّ المنع من جانبك، فتقع بينكما عداوةٌ، فاستحسن السُّلطان قايتباي هذا الكلام، وأعطاه مالاً جزيلاً، وهيأ له ما يحتاج إليه من حوائج السفر، وبعث معه هدايا عظيمةً إلى السُّلطان مُحمد خان.
وأسند إليه الفاتح القضاء، ثمَّ الإفتاء، وأجزل له من العطاء، وأكرمه إكراماً لا مزيد عليه.
¬
(¬1) ((هو أحمد بن إسماعيل الكوراني، شمس الدّين، كان عارفاً بعلم الأصول، قرأ القراءات العشر بطريق الاتقان والإحكام، وقرأ الحديث والتفسير وأجازه علماء عصره وأجازه ابن حجر، من مؤلفاته: «غاية الأماني في تفسير السّبع المثاني»، و «الكوثر الجاري على رياض البخاري»، و «حواشي على شرح الجعبري على الشّاطبية»، (ت983هـ). ينظر: الشّقائق النّعمانيّة ج1، ص51 - 55، والفوائد البهيّة ج1، ص84ـ85، والطّبقات السّنية ج1، ص83، ومعجم المؤلفين ج1، ص376، والجامع للمؤلفات والمؤلفين المشهورين ج1، ص33.
(¬2) ((هو السّلطان قايتباي الجركسي المحمودي الأشرفي ولد تقريبا في بضع وعشرين وثمان مائة، وقدم به تاجر يقال له محمود إلى ديار مصر في سنة 839هـ فاشتراه الأشرف برسباى ثم ملكه الظاهر جقمق ثم ترقى في الخدم حتى صار أمير عشرة ثم أمير طبلخانة ثم صار أتابكا ثم صار سلطانا فى يوم الإثنين ثالث رجب سنة 872 هـ، وثبت قدمه في السّلطنة وتمكنت هيبته وصار مقبلا على أفعال الخير مقربا للعلماء والصلحاء، لم يكن له نظير في ملوك الجراكسة، (ت:901هـ). ينظر: البدر الطالع ج2، ص55ـ56، وديوان الإسلام ج4، ص6.
الجزء 1 · صفحة 21
وقد ترجمه صاحب «الشَّقائق النُّعمانيّة» (¬1) ترجمةً حافلةً فقال: «وإنَّه كان يخاطب السلطان باسمه، ولا ينحني له، ولا يُقبِّل يده، بل يصافحه مصافحة، وإنَّه كان لا يأتي إلى السُّلطان إلّا إذا أرسل إليه.
وكان السُّلطان مُحمد الفاتح لا يسمع عن عالم في مكانه أصابه عوزٌ، وإملاقٌ إلا بادر إلى مساعدته وبذل له ما يستعين به على أمر دنياه.
وكان من عادة الفاتح في شهر رمضان أن يأتي إلى قصره بعد صلاة الظهر بجماعة من العلماء المتبحِّرين في تفسير القرآن فيقوم في كلِّ مرةٍ واحدٌ منهم بتفسير آيات من القرآن الكريم، وتقريرها، ويناقشه في ذلك سائر العلماء، ويجادلونه، وكان الفاتح يشارك في هذه المناقشات، ويشجع هؤلاء العلماء بالعطايا، والهدايا، والمكافآت المالية الجزيلة.
اهتمامه بالشعراء والأدباء:
ذكر مؤرخو الأدب العثماني (¬2) أن السُّلطان مُحمد الفاتح راعٍ لنهضة أدبية وشاعرٌ مجيدٌ، شاد دُور العلم، ودُور العبادة، فعرف أبي الخيرات.
وكان مهتمَّاً بالأدب عامَّةً، والشِّعر خاصةً، وكان يصاحب الشُّعراء، ويصطفيهم، واستوزر الكثيرَ منهم مثل: أحمد باشا محمود، ومحمود باشا، وقاسم الجزري باشا، وهؤلاء شعراء.
وكان في بلاطه ثلاثون شاعراً يتناول كل منهم راتباً شهرياً قدره ألف درهم، وكان طبيعياً بعد هذا الاهتمام أن يتفنن الشُّعراء، والأدباءُ في مدحه لما قدَّمه إلى العلم، والأدب من كريم الرِّعاية، وجميل التَّشجيع.
اهتمامه بالتَّرجمة:
¬
(¬1) هو كتاب «الشَّقائق النُّعمانيَّة في علماء الدَّولة العثمانيَّة» للمولى أحمد بن مصطفى المعروف بـ طاشكبري زاده، (ت:968هـ)، قال: ولقد دوَّن المؤرخون مناقب العلماء، ولم يلتفت أحد إلى جمع أخبار علماء هذه البلاد، وكاد أن لا يبقى اسمهم ورسمهم على ألسن كلّ حاضر وباد، ولمَّا شاهد هذا الحال بعضُ أرباب الفضل والكمال التمس مني أن أجمع مناقب علماء الروم فأجبته إلى ملتمسه كما في كشف الظنون ج2، ص1057.
(¬2) ((ينظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص247.
محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق.
الجزء 1 · صفحة 22
كان متقناً للّغة الرّوميّة، ومن أجل أن يبعث نهضة فكرية في شعبه أمر بنقل كثير من الآثار المكتوبة باليونانيّة، واللاتينيّة، والعربيّة، والفارسيّة إلى اللّغة التّركيّة.
وكان مهتماً باللُّغة العربيَّة؛ لأنَّها لغة القرآن الكريم، ومن ذلك أنه طلب إلى المدرّسين بالمدارس الثّماني أن يجمعوا بين الكتب السِّتَّة في علم اللُّغة كالصِّحاح، والقاموس، وغيرها.
ودعم حركة التَّرجمة، والتّأليف لنشر المعارف بين رعاياه بالإكثار من نشر المكتبات العامة، وأنشأ في قصره خزانةً خاصة كان بها اثنا عشر ألف مجلد» انتهى (¬1).
وأذكر لك بعض علماء السَّادة الحنفيّة الذين عاصرهم الإمام إبراهيم الحلبيّ وشيئاً من سيرتهم (¬2):
1ـ ابن الحنَّائي (¬3)، هو المولى، علاء الدين، علي جلبي بن أمر الله بن عبد القادر، الحميدي، الرومي، وقد اشتهر بابن الحنَّاوي، أو حناوي زاده.
ومعنى جلبي: أي سيدي، وهو لفظ رومي، وقع خلاف في سنة مولده، فقيل: 918هـ، وقيل: 916هـ، وقيل 919هـ، في قصبة إسباريه من لواء حميد.
ووالده كان أحد قضاة بعض القصبات. درس الحنَّائي على عدد كبير من المشايخ أشهرهم:
ـ الشيخ مُحمد، المشتهر بجوي زاده (¬4).
¬
(¬1) ((من الدّولة العثمانيّة ص154.
(¬2) ينظر: طبقات الحنفية ص38 وما بعدها.
ابن الحنَّائي، المولى علاء الدين علي جلبي بن أمر الله بن عبد القادر الحميدي الرّومي، 1425هـ طبقات الحنفيّة، اعتناء: سفيان بن عايش بن محمد وفراس بن خليل مشعل، ط1، دار ابن الجوزي، عمان.
(¬3) ((لترجمة ابن الحنائي ينظر: معجم المفسرين من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر لعادل نويهض ج1، ص356.
عادل نويهض، معجم المفسرين من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر، قدم له: مُفتي الجمهورية اللبنانية الشَّيْخ حسن خالد، الناشر: مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة: الثالثة، 1409 هـ - 1988 م
(¬4) ((هو محمد بن إلياس الحنفي الرومي، محيي الدين، المعروف بجوي زاده: قاض تركي الأصل والمنشأ، عربي الآثار. ولي القضاء بمصر، فقضاء العساكر الأناضولية. ثم عين مفتيا بالقسطنطينية، قال ابن العماد: «كان غزير العلم بالفقه والتفسير والأصول، مشاركا في سائر العلوم، سيفا من سيوف الحق قاطعاً»، له تعليقات لم تشتهر، و «فتاوي جوي زاده» و «ميزان المدعيين في إقامة البينتين» و «رسالة في تحرير دعوى الملك» (ت:954هـ) ينظر: شذرات الذهب ج8، ص303، والأعلام ج6، ص40.
الجزء 1 · صفحة 23
ـ بدر الدين الغزي (¬1)، وقد أجازه، وحصل بينهما مطارحات.
ـ أبو السعود أفندي (¬2)، وقد عرض عليه الحنائي رسالة في «نفس الأمر»، فقلَّده أبو السُّعود المدرسة الجامية.
ـ اتصل أخيراً بخدمة ابن كمال باشا (¬3). وغيرهم الكثير.
وأما تلاميذه: فأشهرهم: الشيخ شمس الدين، مُحمد بن عبد اللهِ بن أحمد بن تمرتاش الغزي الحنفي (¬4)،.
المناصب التي تقلَّدها:
ـ المدرسة الجامية، بأدرنه.
ـ مدرسة الامير حمزه، في بروسه.
ـ قضاء دمشق.
¬
(¬1) ((هو محمد بن محمد بن محمد الغَزِّي العامري الدمشقيّ، أبو البركات، بدر الدين ابن رضي الدين، ولد سنة 904هـ= 1499م، عالم بالأصول والتفسير والحديث. مولده ووفاته في دمشق. له مئة وبضعة عشر كتابا، منها ثلاثة تفاسير، وحواش وشروح كثيرة، ورسائل منها «المراح في المزاح» و «المطالع البدرية في المنازل الروميّة» و «جواهر الذخائر في الكبائر والصغائر»، لزم العزلة في أواسط عمره، فكان لا يزور أحدا من الأعيان ولا الحكام بل يقصدونه، (ت:984هـ =1577م). ينظر: شذرات الذهب ج8، ص403، والأعلام ج7، ص59.
(¬2) ((هو أبو السعود أفندي الإمام الكبير عالم الروم، برع في جميع الفنون وفاق الأقران ولد سنة 900هـ، وأخذ عن أكابر علمائها ودرس بمدارسها وصار قاضيا بمدينة بروسا ثم صار قاضيا للعسكر ثم صار مفتيا بقسطنطينية وعين له السلطان كل يوم مائتين وخمسين درهما وله تصانيف منها التفسير المشهور «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم»، وكان قد تناهت عظمته في الممالك الرومية وصار المرجع في جميع ما يتعلق بالعلم، (ت:982هـ). ينظر: البدر الطالع ج1، ص261، وديوان الإسلام ج3، ص30.
(¬3) ((هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا، شمس الدين، تركي الأصل، قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه. تعلم في أدرنه، وولي قضاءها ثم الإفتاء بالآستانة إلى أن مات. له تصانيف كثيرة، منها «طبقات الفقهاء» و «طبقات المجتهدين» و «مجموعة رسائل» تشتمل على 36 رسالة، وغيرها الكثير (ت:940هـ= 1534م). ينظر: الشقائق النعمانيّة ج1، ص420، وهدية العارفين ج1، ص141، والكواكب السّائرة ج2، ص107، والأعلام ج1، ص132.
(¬4) ((هو محمد بن عبد الله بن أحمد، الخطيب العمري التمرتاشي الغزي الحنفي، شمس الدين: شيخ الحنفية في عصره. من أهل غزة، مولده في غزة سنة 939هـ = 1532م، من كتبه «تنوير الأبصار»، و «منح الغفار»، و «مسعف الحكام على الأحكام»، و «الوصول إلى قواعد الأصول»، و «معين المفتي على جواب المستفتي»، ورسائل كثيرة منها رسالة في النقود، (ت:1004هـ =1596م). ينظر: خلاصة الأثر ج4، ص18، والأعلام ج6، ص239 ـ 240، وديوان الإسلام ج2، ص24.
الجزء 1 · صفحة 24
ـ قضاء بروسه.
ـ قضاء أدرنه.
ـ قضاء القسطنطينية، وغير ذلك.
مكانته العلميَّة: شيخ العربية ـ في زمانه ـ، ولعله أحسن علماء الروم شعراً، له معرفة بالأدب والتاريخ، وغيرها.
2ـ مولانا خُسْرُو: صاحب «الدُّرر» و «الغُرر» (¬1).
3 - مولانا كوراني: له «شرح» لطيف على «صحيح البُخاري» (¬2).
4 - مولانا يوسف الشهير بسنان باشا بن خضر شاه بن جلال، أخذ عن أبيه الفاضل الخضر بن جلال، له: «حواشي على مباحث الجواهر من شرح المواقف» (¬3).
5 - مولانا يعقوب باشا بن مولانا الخضر بن جلال (¬4).
6 - مولانا، مُصلح الدّين مصطفى بن مُحمد القسطلاني، الشّهير بـ: الكَسْتَلِي (¬5).
¬
(¬1) ((هو مُحمد بن فراموز بن علي، محي الدّين، الشّهير بمُلَّا خسرو، ومولى خسرو، ومنلا خسرو، ومولانا خسرو، الحنفي، رومي الأصل، عالم بفقه الحنفية والأصول، ولي قضاء القسطنطينية، وعمَّر عدة مساجد فيها، له: «غُرَر الأحكام» وشرحه «دُرَر الحكام» و «حواشي التلويح»، و «مرآة الأصول»، (ت:885هـ)، كما في معجم المؤلفين ج11، ص123، و كشف الظنون ج2، ص1199، والأعلام ج6، ص328.
(¬2) ((مرّت ترجمته.
(¬3) ((هو يوسف سنان الدين بن خضر خير الدين بن جَلَال الدِّين الرُّومي، غزير الاطلاع على العلوم العقلية. من أهل الآستانة. كان معلما ونديما للسلطان محمد خان العثماني، ولد سنة 844 هـ = 1440م، استوزره السلطان ثم غضب عليه وعزله وحبسه، واحتج العلماء، وهددوا بإحراق كتبهم، فأطلقه، (ت:891 هـ = 1486م) بالآستانة. من كتبه العربية: «حاشية على شرح المواقف» في علم الكلام، و «حاشية على شرح الجغميني لقاضي زاده». ينظر: الطبقات الحنفيّة ج1، ص218، والتّحفة البهيّة ج1، ص13، الأعلام ج8، ص228.
(¬4) ((هو يعقوب بن خضر بن جلال الدين، قاضي حنفي تركي، صنّف بالعربية، كان مدرسا في بروسة، ثم ولي قضاءها إلى أن مات سنة 891هـ. له: «حواش على شرح الوقاية»، و «تعليقات على المواقف». ينظر: طبقات الحنفيّة ج1، ص219، والشقائق النّعمانيّة ج1، ص198، وشذرات الذهب ج7، ص352، وهدية العارفين ج2، ص546.
(¬5) ((قرا على موالي الروم، لما بنى السلطان الفاتح المدارس الثمان بالقسطنطينية أعطاه واحدة منها، ولي القضاء، له: «حاشية مقبولة على شرح العقائد النسفية» و «رسالة في جهة القبلة» و «تعليقة على التوضيح» (ت:901هـ) ودفن بجوار الصّحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -. ينظر: شذرات الذهب ج8، ص10، ومعجم المؤلفين ج12، ص282.
الجزء 1 · صفحة 25
وغيرهم.
ثانيًا: الحالة السياسيَّة (¬1):
إن من يقرأ تاريخ الدّولة العثمانيَّة يرى أنهم قاموا بإعمال جليلة في خدمة الإسلام، فقد قاموا ببناء الدّولة العثمانيَّة الإسلاميَّة السُّنيَّة امتداداً للسّلاجقة.
فهم تعاملوا مع سنن اللهِ في بناء الدّولة، كسنَّة التَّدرج، وسنَّة الأخذ بالأسباب، وسنَّة تغيير النُّفوس، وسنَّة التَّدافع، وسنَّة الابتلاء، وكيف حقق القادة الأوائل شروط التَّمكين، وكيف أخذوا بأسبابه المادِّيَّة والمعنويَّة؟
وإن فتح القسطنطينية نتيجة جهود تراكمية شارك فيها العلماء والفقهاء والجنود والقادة على مرِّ العصور، وكرِّ الدُّهور، وتوالي الأزمان.
وإنَّ النُّهوض العثماني كان شاملاً في كافة المجالات العلميَّة، والسياسيَّة، والاقتصاديَّة، والإعلاميَّة، والحربيَّة.
فمن الأعمال الجليلة التي قدَّمتها للأمة: حماية الأماكن المقدسة الإسلاميّة من مخططات الصّليبيَّة البرتغاليَّة، ومناصرة أهالي الشّمال الأفريقي ضد الحملات الصّليبيَّة الإسبانيَّة، وإيجاد وحدة طبيعية بين الولايات العربيَّة، وإبعاد الزّحف الاستعماري عن ديار الشّام، ومصر، وغيرها، ومنع انتشار المذهب الاثني عشري الشّيعي الرّافضي إلى الولايات الإسلاميَّة التَّابعة للدّولة العثمانيَّة، ومنع اليهود من استيطان فلسطين، ودورها في نشر الإسلام في أوروبا، وغير ذلك الكثير (¬2).
ثالثاً: الحالة الاجتماعية:
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذّهب ج10، ص198.
عبد الحي بن أحمد بن مُحمد، شذرات الذّهب في أخبار من ذهب (حقَّقه: محمود الأرناؤوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط) الناشر: دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى 1986م.
(¬2) ((ينظر: الدّولة العثمانية ص8 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 26
إنَّ المطَّلع على المجتمع في الدَّولة العثمانيَّة في الحقبة التي عاشها العلامة الحلبي - رضي الله عنه - يجده متنوع القوميات والطَّوائف، ويلحظ أن أهم ما يميزه هو الصفة الإسلاميَّة البارزة.
فالمجتمع مسلم يدين معظمه بالإسلام، وأكبر ديانة فيه هي الدّيانة الإسلاميّة، وتأتي بعدها الدّيانة النّصرانيّة، فيوجد فيه أهل الكتاب الذين يعيشون في ظل المسلمين وفي حماية الدّولة الإسلاميّة مكفولي الحرية والأمان وبقية الحقوق الأخرى.
وقد قسم بعض الباحثين طبقات المجتمع إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الحكّام، وهم أصحاب النّفوذ العالي، أي أهل الدّولة من الحكّام والسّلاطين.
القسم الثّاني: طبقة أولي اليسار من التجار وأولي النّعمة من الرّفاهية.
القسم الثّالث: طبقة متوسطي الحال وهم أهل الزّراعات والباعة.
القسم الرّابع: طبقة الفقراء وذوي الحاجة والمسكنة، وهؤلاء يشكلون الأغلبية في المجتمع (¬1).
ولم يهمل العثمانيون الجوانب الحضاريّة التي بنوا عليها خلافتهم الإسلاميّة، فقد كان سلاطينهم يرون أنّ الدّولة هي الهيئة التّنفيذيّة والمعبرة عن رأي الأمة، والمكلفة بحماية مصالحها.
فمسؤولية الدّولة ليست خاصة بالأمن والدّفاع فقط، وإنما هي مسؤولة عن رعاية المصالح الاجتماعيّة وحماية بيت المال من الإسراف والتّبذير والمحافظة على مصادر وموارد بيت المال.
فاعتنت الدّولة العثمانيّة بجمع الزّكاة المفروضة وتوزيعها في مصارفها المشروعة.
وترتيب الخراج على أملاك الدّولة المعمورة وتحصيل عائداته للإنفاق العام على الجيش وتنمية المرافق العامة، وجباية الجزية على المعاهدين مقابل إعفائهم من القتال مع المسلمين.
وتحصيل عشور التّجارة على الواردات من خارج نطاق الدّولة العثمانيّة، والتّوظيف بقدر الحاجة على أفراد الأمة سواء كان تطوعياً أو إلزامياً، لإنفاقها في دروب الجهاد وسائر المصالح العامة طبقاً لقاعدة المصالح المرسلة.
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الأثر ج3، ص134ـ139.
محمد أمين بن فضل الله بن محب الدّين الحموي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 27
وتشغيل الموارد وحمايتها كالحمى والمناجم وإحياء الموات، وتحصيل أنصبة الدولة منها لاستخدامها في مجالات الإنفاق الحكومي.
وقد عاصرَ الشيخُ إبراهيم الحلبيُّ - رضي الله عنه - أربعةً من أعظمِ سلاطين آلِ عثمانَ وهم (¬1):
1ـ السُّلطانُ الغازي مُحَمَّدٌّ خَان الثَّاني فاتحُ القسطنطينيةِ:
وُلِدَ هذا السُّلطانُ سنة 1429م، وهو سابعُ سلاطين آلِ عثمانَ، تحقَّقَ فيه قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لتُفتحنَّ القسطنطينية فلنعم الأميرُ أميرُها، ولنعم الجيشُ ذلك الجيش» (¬2)، بعد أنْ حاصرَ المسلمونَ القسطنطينيةَ إحدى عَشْرَةَ مَرَّةً، فتحَ المدينةَ سنة 1453م، وجعل كنيستها آيا صوفيا مسجداً.
يلقب بالفاتح، وأبي الخيرات، حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً كانت خيراً وعزةً للمسلمين.
امتاز السُّلطان مُحمَّد الفاتح بشخصية فذَّة، جمعت بين القوة والعدل، كما أنَّه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها، وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره، وميله الشديد لدراسة كتب التاريخ، مما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال.
وخلاصة أعمال السُّلطان مُحمَّد الفاتح أنَّه فتح القسطنطينية، وكان ذلك فتحاً مبيناً، انتهت به القرون الوسطى، فصيَّرها عاصمة للإسلام، وفتح أيضاً ملحقاتها، وفتح مملكتي الصرب والبوسنة، وبلاد الأرناؤوط، وجمع جميع آسية الصُّغرى في ملكه.
ولم يكن السُّلطان الفاتح من أعظم الفاتحين في الحروب فقط، بل امتاز بحسن الإدارة، وتنظيم الملك، وهو الذي حرَّر النِّظام المسمى بقانون نامه، وفيه جميع أنظمة السّلطنة من علميّة، وإداريّة، وسياسيّة، وعسكريّة، وسارت الدّولة العثمانيّة بموجب هذه الأنظمة مدة طويلة، ولا سيما التَّراتيب المتعلقة بالقضاء والعلماء والمدرّسين، فإنَّه اعتنى بها الفاتح أشد الاعتناء.
¬
(¬1) ينظر: تاريخ الدولة العثمانية لشكيب أرسلان ص89 وما بعدها، والدولة العثمانية للصَّلابي ص89 وما بعدها.
شكيب أرسلان، تاريخ الدَّولة العثمانيَّة (جمع أصوله وحقَّقه وعلَّق عليه: حسن السماحي سويدان) دار ابن كثير، دمشق ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 2016م.
(¬2) ينظر: مسند أحمد ج4، ص335.
الجزء 1 · صفحة 28
وكان الفاتح نفسه على جانب عظيم من العلم وحسن الثقافة، يتكلم بلغات متعددة، وكان بدون شك من أعاظم رجال الدهر، ومن حسنات الإسلام الكبرى، وجميع هؤلاء السّلاطين من عثمان إلى الفاتح لم يوجد منهم إلا بطل مجاهد، وسلطان عظيم الشأن، وقلما تصادف ذلك في دولة أخرى هذا النَّسق خلفاً عن سلف.
وفي زمن السلطان مُحمد الفاتح نبغ من العلماء:
المولى خسرو (¬1) قاضي العسكر المنصور، كان السّلطان ينظر إليه من مكانه ويقول لوزرائه: انظروا هذا أبو حنيفة زمانه.
ومنهم: مصلح الدّين مصطفى بن يوسف البروسوي الشّهير بخواجه زاده (¬2)، والمولى شمس
الدّين أحمد بن موسى الشّهير بالخيالي (¬3)، والمولى مصلح الدّين مصطفى القسطلاني الشّهير بكستلي (¬4)، والمولى علي بن مجد الدين مُحمد الشّهير بالمولى مصنفك (¬5)، والمولى علاء الدّين علي بن يوسف بالي بن المولى شمس الدّين الفناري (¬6).
¬
(¬1) مرّت ترجمته في ص16.
(¬2) هو مصطفى بن يوسف بن صالح البروسوي، مصلح الدين، المعروف بالمولى خواجه زاده، قاض، اتصل بالسّلطان محمد خان فجعله معلما له، ثم عين قاضيا للعسكر في أدرنة فقاضيا بها ثم في القسطنطينية. ومات السلطان محمد فولاه السلطان بايزيد الفتوى في بروسة فاستمر الى أن توفي. له كتاب «التهافت» في المحاكمة بين تهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت الحكماء لأبي الوليد ابن رشد، صنفه بأمر السلطان محمد الفاتح العثماني، و «حاشية على شرح المواقف» ألفها بأمر السلطان بايزيد، ولم يتمها، وحواش وشروح في الحكمة وغيرها، (ت:893هـ =1488م) في بروسة. ينظر: الكواكب السّائرة ج1، ص71، والبدر الطّالع ج2، ص306، والشقائق النّعمانيّة ج1، ص135، وشذرات الذهب ج7، ص354، والفوائد البهيّة ج1، ص214، والأعلام ج7، ص247.
(¬3) هو أحمد بن موسى الخيالي الرومي، برع في العلوم العقلية وفاق أقرانه ودرس بمدارس الروم وكان دقيق الذهن باهر الذكاء أفحم أكابر علماء عصره في دقائق العلوم وكان كثير الدرس قليل الأكل حتى صار نحيفا بحيث إنه كان يحلق بإصبعه السبابة والإبهام ويدخل فيها يده فينتهي العضده وله مصنفات منها «حواشي شرح العقائد» و «حاشية على أوائل حاشية التجريد»، (ت: 870هـ) وله ثلاث وثلاثون سنة شاباً. ينظر: الفوائد البهيّة ج1، ص43، ومعجم المطبوعات ج1، ص852، وكشف الظنون ج1، ص347، وشذرات الذهب ج11، ص208، والبدر الطالع ج1، ص121، والأنساب للسمعاني ج5، ص251، والأعلام ج1، ص247.
(¬4) مرّت ترجمته.
(¬5) هو على بن مجد الدين محمد، المعروف بالمولى مصنفك، لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف في حداثة سنه، ولد سنة 803هـ، له «حاشية شرح المفتاح للتفتازاني»، و «حاشية التلويح»، و «شرح المصابيح للبغوي» وله مصنفات فارسية كأنوار الأحداق وحدائق الإيمان وتحفة السلاطين وله غير ذلك من المصنفات، من مشايخه جلال الدين يوسف أحد تلامذة سعد الدين التفتازاني، (ت: سنة 875هـ) بالقسطنطينية. ينظر: البدر الطالع ج1، ص497.
(¬6) هو علاء الدّين علي بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدّين الفناري، كان عالماً فاضلاً متقناً متفنناً محقّقاً مدقّقاً ماهراً في أقسام العلوم الرياضيّة كلّها، وفي علم الكلام وعلم الأصول وعلم الفقه وعلم البلاغة، قال المولى الكوراني للسّلطان الفاتح ـ مرّت ترجمتهما ـ: لا تتم سلطنتك إلا بان يكون عندك واحدٌ من أولاد المولى الفناري، (ت: سنة 901هـ). ينظر: الشقاق النّعمانيّة ج1، ص111ـ114، وهدية العارفين ج1، ص739، ومعجم المؤلفين ج2، ص545.
الجزء 1 · صفحة 29
ومنهم: آق شمس الدّين (¬1).
وغيرهم الكثير (¬2).
2ـ السُّلطانُ الغازي بايزيد خان الثاني (¬3):
وُلِدَ سنة 1447م، كان ميالاً للسِّلمِ مشتغلاً، بالعلومِ الأدبيّةِ، لكن دعته سياسةُ الدَّولةِ للاشتغالِ بالحربِ.
ونشطت العلاقات الدّبلوماسيّة بين الدّولة العثمانيّة وأوروبة، وكانت من قبل مقصورة على البلاد الواقعة على حدودها، ولكنها أقيمت بينها وبين البابوية، وفلورنسا، ونابولي، وفرنسا، وعقد صلحاً مع البنادقة، والمجر.
اهتم بايزيد بإنشاء مباني عامة، وفعل الخيرات، فبنى الجوامع، والمدارس والعمارات، ودور الضّيافة، والتّكايا والزّوايا، والمستشفيات للمرضى، والحمامات، والجسور.
ورتَّب للمفتي ومن في رتبته من العلماء في ما بين زمنه كل عام عشرة آلاف عثماني، ولكل واحد من مدرسي المدارس السلطانية ما بين سبعة الآف، وألفي عثماني.
وكذلك رتب لمشايخ الطّرق الصّوفيّة، ومريديهم، ولأهل الزّوايا كل واحد على قدر رتبته، وصار ذلك أمر جارياً ومستمراً، وكان يحب أهل الحرمين الشريفين: مكة، والمدينة.
¬
(¬1) هو مُحمد بن حمزة الشّهير بـ: آق شمس الدّين نجل العارف بالله شهاب الدّين السّهروردي، ولد بدمشق سنة 792هـ =1389م، وكان طبيباً للأبدان كما هو طبيب للأرواح، كان له دور عظيم في فتح القسطنطينية حتى قيل: إنَّه الفاتحُ المعنويُّ. برع في علوم ولغات شتّى. ينظر: شذرات الذهب ج11، ص27، وكشف الظنون ج1، ص864.
(¬2) ينظر: تاريخ الدّولة العثمانيّة ص95.
(¬3) ينظر ترجمته في: تاريخ الدّولة العثمانيّة ص69 وما بعدها، والدّولة العثمانيّة ص67 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 30
وحدثت في زمانه زلازل عظيمة في القسطنطينية، فأخربت ألفاً وسبعين بيتاً، ومئة وتسعة جوامع، وجانباً عظيماً من القصور، وأسوار المدينة، وعطلت مجاري المياه، وصعد البحر إلى البرّ، فكانت أمواجه تتدفق فوق الأسوار، ولبثت تلك الزلزلة تحدث يومياً مدة خمسة وأربعين يوماً، وما أن سكنت الأمور؛ كلف السّلطان خمسة عشر ألفاً من العمال بإصلاح ما تهدَّم.
عاش سبعة وستين عاماً، وكان قوي البنية، أحدب الأنف، أسود الشعر، رقيق الطبع، محباً للعلوم، مواظباً للدرس، وشاعراً أديباً، ورعاً تقياً، يقضي العشرة الأخيرة من شهر رمضان في العبادة، والذّكر، والطّاعة.
وكان بارعاً في رمي السّهام، ويباشر الحروب بنفسه، وكان يجمع في كل منزل حلَّ من غزواته ما على ثيابه من غبار، ويحفظه، ولما دنا أجل موته، أمر بذلك الغبار فضرب منه لبنة صغيرة، وأمر أن توضع معه في القبر تحت خدِّه الأيمن، ففعل ذلك، وكأنه أراد بذلك فحوى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرّم اللهُ عليه النار» (¬1).
وكانت مدة ملكه إحدى وثلاثين سنة إلا أياماً.
وفي زمانه نبغ من العلماء:
لطف اللهِ الطوقاني الشهير بمولانا لطفي (¬2)، والمولى علاء الدين علي بن احمد الجمالي (¬3)، والشيخ بابا يوسف السفر حصاري (¬4)، وغيرهم خلق كثير.
¬
(¬1) ينظر: صحيح البخاري ج2، ص7.
(¬2) هو لطف الله التوقاتي الرومي، الشهير مولانا لطفي، قال طاشكبرى زاده: كان فاضلاً لا يجارى، وعالما لا يبارى، وكان يطيل لسانه على أقرانه وعلى السلف أيضاً، ولكثرة فضائله حسده أقرانه، ولإطالة لسانه أبغضه العلماء العظام؛ ولهذا نسبوه إلى الإلحاد والزندقة فأبيح دمه وقتل. وله تصنيفات تنبئ عن مكانته، منها: «حواشي على شرح المفتاح للسيد الشريف»، و «حواشي على شرح المطالع»، و «السبع الشداد»، و «أقسام العلوم الشرعية والعربية» (ت:900هـ). ينظر: الشّقائق النّعمانيّة ج1، ص169 - 171، وشذرات الذهب ج11، ص566، والجامع للمؤلفات والمؤلفين المشهورين ج1، ص38.
(¬3) هو علي بن أحمد بن محمد الجمَّالي الحنفي المفتي بالرُّوم، علاء الدين، كان فقيهاً أصوليّاً أديباً نحوياً مفسراً محدّثاً متبحراً في الفنون العقلية والنَّقلية. من مؤلفاته «المختارات» (ت:932هـ). ينظر: الشّقائق النعمانية ج1، ص173 - 176، و كتائب أعلام الأخيار ج1، ص396، ولآلئ المحار ج1، ص22، والجامع للمؤلفات والمؤلفين المشهورين ج1، ص5، والاعلام ج2، ص136.
(¬4) هو بابا يوسف السفر يحصاري، العارف بالله تعالى، كان صاحب أدب ووقار وكان مراعيا لآداب الشريعة ومحافظا لحدود الطريقة وكان يعظ الناس ويذكرهم الله تعالى وكان لنفسه تأثير عظيم في النفوس ولما بنى السلطان بايزيد جامعه بمدينة القسطنطينية حضر السلطان في اول جمعة بعد بنائه فصعد الشيخ المذكور المنبر والسلطان حاضر يسمع فوعظ الناس وذكرهم وحصل من نفسه تأثير عظيم في قلوب السامعين حتى غلب عليهم الحال وحصل لهم شوق عظيم ولما شاهد هذا الحال بعض السامعين من النصارى المستمعين من خارج الجامع أسلم ثلاثة منهم على يد الشيخ ففرح السلطان بايزيد خان لذلك فرحا عظيما وأعطاهم مالا جزيلاً. ينظر: الشّقائق النّعمانيّة ج1، ص224.
الجزء 1 · صفحة 31
3ـ السُّلطانُ الغازي سليمُ الأوَّل الملقبُ بالقاطعِ (¬1):
تربع السُّلطان سليم الأول على العرش العثماني في عام 918هـ، وقد أظهر سليم منذ البداية حكمة ميلاً إلى تصفية خصومه، ولو كانوا إخوته، وأبناءهم، وكان يحب الأدب، والشِّعر الفارسي، والتَّاريخ، ورغم قسوته فإنَّه كان يميل إلى صحبة رجال العلم، وكان يصطحب المؤرخين، والشُّعراء إلى ميدان القتال، ليسجلوا تطوُّرات المعارك، وينشدوا القصائد التي تحكي أمجاد الماضي.
عندما ارتقى السُّلطان سليم الأول على العرش العثماني كانت الدَّولة العثمانيَّة قد وصلت إلى مفترق الطرق، هل تظل على هذا الوضع، وهذا القدر من الاتساع دولةً بلقانية أناضولية؟ أم تستمر في التوسع الإقليمي في أوروبا؟ أو تتجه نحو المشرق الإسلامي؟
والواقع: أنَّ السُّلطانَ سليمَ الأوَّلَ قد أحدث تغييراً جذرياً في سياسة الدولة العثمانيَّة الجهاديَّة، فقد توقف في عهده الزحف العثماني نحو الغرب الأوروبي، أو كاد أن يتوقف، واتجهت الدَّولة العثمانيَّة اتجاها شرقيَّاً نحو المشرق الإسلامي، وقد ذكر بعض المؤرخين الأسباب التي آلت الى تغير السياسة العثمانية، منها:
1. التَّشبُّع العسكري العثماني في أوربة، إذ يرى أصحاب هذا الرأي: أنَّ الدَّولة العثمانيَّة كانت قد بلغت مرحلة التَّشبُّع في فتوحاتها الغربية بنهاية القرن الخامس عشر، وأنَّه كان عليها في أوائل القرن السَّادس عشر أن تبحث عن ميادين جديدة للنشاط، والتَّوسع، وهذا الرأي يخالفه الصَّواب، لأنَّ الفتوحات العثمانية لم تنقطع تماماً من الجبهة الغربية، ولكن لا ريب في أن مركز الثقل في التوسع العثماني قد انتقل نهائياً من الغرب إلى الشرق ليس بسبب التَّشبُّع، كما تقول بعض المصادر غير المدركة للواقع.
2. كان تحرك الدَّولة العثمانيَّة نحو المشرق من أجل إنقذ العالم الإسلامي بصورة عامة والمقدسات الإسلامية بصورة خاصة من التَّحرُّك الصليبي الجديد من جانب الإسبان في البحر المتوسط، والبرتغاليين
¬
(¬1) ينظر: الدّولة العثمانيّة ص189، وتاريخ الدّولة العثمانية ص137.
الجزء 1 · صفحة 32
في المحيط الهندي، وبحر العرب، والبحر الأحمر، الذين أخذوا يطوِّقون العالم الإسلامي، ويفرضون حصاراً اقتصادياً عليهم ابتلاعه.
3. سياسة الدَّولة الصَّفوية في إيران، والمتعلقة بمحاولة بسط المذهب الشِّيعي في العراق، وآسيا الصُّغرى هي التي دفعت الدولة العثمانية إلى الخروج إلى المشرق العربي , لحماية آسيا الصُّغرى بصفة خاصة، والعالم السُّنِّي بصفة عامة.
إنَّ سياسة الدَّولة العثمانيَّة في زمن السُّلطان سليم سارت على هذه الأسس، ألا وهي القضاء على الدَّولة الصَّفوية الشِّيعيَّة، وضم الدَّولة المملوكية، وحماية الأراضي المقدسة وملاحقة الأساطيل البرتغالية، ودعم حركة الجهاد البحري في الشمال الأفريقي للقضاء على الإسبان، ومواصلة الدَّولة جهادها في شرق أوروبة.
فالسُّلطان قادَ الجيوشَ العُثمانيَّةَ بنفسه لملاقاة الجيوشِ الصَّفويةِ في معركة جالديران سنة 1514م، فأيده الله بنصرٍ مؤزرٍ، ثم قاد الجيوشَ لملاقاةِ قانصوه الغوري المملوكي (¬1)؛ لتحالفه مع الصفويين، فتقابلَ الجيشانِ في مرج دابق، وقُتل الغوريُّ وهُزِمَ جيشُه، ثم دخلَ العثمانيون القاهرةَ سنة 923هـ (¬2).
وقد نبغ من العلماء في عصر السُّلطان سليم:
المولى شمس الدّين أحمد بن سليمان بن كمال باشا (¬3)، وله تصانيف كثيرة في التُّركيَّة والفارسيَّة، والمولى محيي الدين مُحمد شاه بن علي بن يوسف بالي بن المولى شمس الدين الفناري (¬4)، وغيرهما خلق كثير.
¬
(¬1) هو قانصوه بن عبد الله الظاهري (نسبة إلى الظاهر خشقدم) الأشرفي (نسبة إلى الأشرف قايتباي) أبو النصر، سيف الدِّين، ولد سنة 850هـ، هزمه السلطان سليم العثماني في معركة مرج دابق فمات قهراً سنة 922هـ. ينظر: الأعلام ج5، ص187، والكواكب السائرة ج1، ص295.
(¬2) ينظر: الدّولة العثمانيّة ص189 وما بعدها، وتاريخ الدّولة العثمانية ص137 وما بعدها.
(¬3) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرومي، الشهير بابن كمال باشا زاده، الإمام العلامة الرحالة الفهامة، كان بارعا في العلوم وقل ما يوجد فن إلا وله فيه مصنف أو مصنفات، من مؤلفاته: «الإصلاح والإيضاح»، و «تغيير التنقيح» شرحه بـ «تجريد التّجريد»، و «حواشي شرح الجغميني»، (ت:940هـ). ينظر: الشّقائق النُّعمانيّة ج1، ص226 - 228، والفوائد البهية ج1، ص42 - 44، وطبقات الحنفية ج1، ص443، والطبقات السّنيّة ج1، ص106، والكواكب السائرة ج2، ص108، والأعلام ج1، ص133.
(¬4) هو محي الدّين محمد شاه ابن المولى علي ابن المولى يوسف بالي ابن المولى شمس الدّين الفناري الإسلامبولي الحنفي، العالم العامل الفاضل الكامل، صاحب أخلاق حميدة وطبع زكي ووجه بهي وكرم وفي، من مؤلفاته: «حواش على شرح المواقف للسيد الشريف»، و «حواش على شرح الفرائض السّراجيّة»، و «حاشية على شرح الاصفهاني على مطالع الأنوار» مات شاباً. ينظر: معجم المؤلفين ج3، ص270، وهدية العارفين ج2، ص230، وكشف الظنون ج1، ص893، وج2، ص1717.
الجزء 1 · صفحة 33
4ـ السُّلطانُ الغازي سُليمانُ خان الأوَّلُ القانونيُّ (¬1):
وُلِدَ سنة 900هـ، وبلغتِ الدَّولةُ العَلِيَّةُ في مُدَّتِهِ أعلى درجاتِ الكمالِ، كان يستهلُّ خطاباتِه بالآيةِ الشَّريفةِ {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [النمل:30].
امتاز بعلو الهمّة، وسعة العقل، ومتانة العزم، وشدّة البأس، مع محافظته التَّامة على الشَّريعة الإسلاميَّة، ومع حبه للنِّظام والضبط، ومع تثميره للمملكة وخيراتها، ومراعاة الاقتصاد مراعاةً لا تخل بشيء من إظهار عظمة الملك والبذخ في مقام البذخ.
وكان السَّلطان سليمان مُحِباً للعلم والعلماء، وموقراً لهم، عارفاً لهم، عارفاً بأقدارهم، لا يألو جهداً في الإحسان اليهم والاعتناء بشانهم.
كان سلطاناً سعيداً، مَلِكا أيده الله بنصر الإسلام تأييداً، وَلِيَ السلطنة بعد وفاة أبيه السّلطان سليم خان في سنة ستٍ وعشرين وتسعمئة، وجلس على تخت السّلطنة وما دمي أنف أحد، ولا أريق في ذلك محجمة من دم، ومولدة الشريف سنة تسعمئة.
استمر في السّلطنة تسعاً وأربعين سنة، وهو سلطان غازٍ في سبيل الله تعالى، مجاهد لنصرة دين الله تعالى، مرغم أنوف عداه، بلسان سيفه وسنان قناه، كان مؤيداً في حروبه ومغازيه، مسدداً في آرائه ومغازيه، مسعوداً في معانيه ومغانيه، مشهوداً في وقائعه ومراميه، أيان سلك ملكَ، وأنى توجه فتح وفتك، وأين سافر سفر وسفك.
وصلت سراياه الى أقصى الشّرق والغرب، وافتتح البلدان الشّاسعة الواسعة بالقهر والحرب، وأخذ الكفار والملاحدة بقوة الطّعن والضّرب.
¬
(¬1) ينظر: الدّولة العثمانيّة ص217 وما بعدها، وتاريخ الدّولة العثمانية ص153 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 34
وكان مجدد دين هذه الأمّة المُحمدية في القرن العاشرـ الهجري ـ، مع الفضل الباهر، والعلم الزاهر، والأدب الغضّ، الذي يقصر عن شأوه كلُّ أديب، وشاعر إن نظم فعقود الجواهر، أو نثر فمنثورَ الأزاهر، وإن نطق قلد الأعناق نفائسَ الدُّر الفاخر.
له ديوان فائق بالتّركي، وآخر عديم النّظير بالفارسي، تتداولهما بلغاء الزّمان، وتعجز أن تنسج على منوالهما فضلاءُ الدوران، وكان رؤوفاً شفوقاً، صادقاً صدوقاً، إذا قال صدقَ، وإذا قيل له صدّق، لا يعرف الغِّلَّ والخداع، ويتحاشى عن سوء الطباع، ولا يعرف المكر ولا النفاق، ولا يألف مساوئ الأخلاق, بل كان صافي الفؤاد، صادق الاعتقاد، منور الباطن، كامل الإيمان، سليم القلب، خالص الجنان.
وما تناهيتُ في بثّي محاسنَه ... إلّا وأكثرُ ممّا قلتُ ما أدَعُ
وأطال صاحب «الأعلام» (¬1) في ترجمته وترجمة أولاده، وذكر غزواته، فذكر له أربعَ عشْرةَ غزوةً، انتصر وفتح في جميعها.
وذكر كثيراً من مآثره، فمن ذلك الصدقة الرومية، التي هي الآن مادة حياة أهل الحرمين الشريفين، فإنَّه أضاف إليها من خزائنه الخاصة مبلغاً كبيراً، ومنها صدقات الجوالي، وهي جمع جالية- ومعناه ما يؤخذ من أهل الذمة في مقابل استقرارهم في بلاد الإسلام تحت الذمة، وعدم جلائهم عنها- وهي من أجلِّ الأموال، ولأجل حلّها جُعلت وظائفَ للعلماء والصلحاء، والمتقاعدين من الكبراء.
ومنها إجراء العيون، ومن أعظمها إجراء عين عرفات إلى مكة المشرفة، ومنها بمكةَ المدارس الأربع السليمانية، ومنها تكيَّته ومدرسته العظيمة الشأن الكائنة بمرجة دمشق، إلى غير ذلك مما لا يحصى، فرحمه الله رحمة واسعة (¬2).
ولم يعهد أنَّ السَّلطنة العثمانيَّة أنجبت في عصر من الأعصار من أعاظم الرجال بقدر ما أنجبت في عهد السُّلطان سليمان:
فقد نبغ فيها من رجال السياسة: إبراهيم باشا، ورستم باشا، وصوقلي باشا.
ومن رجال البحر: خير الدين بربروس، وطورغوت، ودراغوت، وبيالي.
¬
(¬1) ((هو خير الدّين بن محمود بن محمد الزِّرِكْلي الدّمشقي، (ت:1396هـ). ينظر: مقدمة الأعلام ج1، ص6.
(¬2) ينظر: تاريخ الدولة العثمانيّة ص 168و169.
الجزء 1 · صفحة 35
ومن قادة الجيوش: فرهاد باشا، وأرسلان باشا، وحمزه باشا، وميكال أوغلي.
ومن الفقهاء: أبو السُّعود أفندي، وابن كمال باشا.
ومن الشعراء: عبد الباقي، الذي كان عند الاتراك كما كان المتنبي عند العرب.
ومن العلماء: المولى خير الدين ـ معلم السلطان ـ، والشيخ مُحمد بن إلياس المشتهر بجوي زاده، والشيخ مُحمد التونسي المغوشي، وأحمد بن مصطفى بن خليل الطاش كوبري صاحب كتاب «الشَّقائق النُّعمانيَّة في علماء الدَّولة العثمانيَّة».
ومنهم شيخنا العلَّامة الإمام إبراهيم الحلبي - رضي الله عنه -.
المطلب الثاني: اسمُ الشارح وما يتصل به:
لم يحظَ الإمام إبراهيم الحلبيُّ - رضي الله عنه - من الرِّعاية والعناية في كتب التَّراجم ما يتناسب مع شهرته الواسعة، ومكانته العلميَّة، وكثرة مؤلفاته، فمع قلَّة مَن ترجم له، فإنَّ كلَّ مَن عرَّف به فعل ذلك بإيجاز واقتضاب، ولذا فإن الباحث لا يكاد يعرف عن سيرته وحياته إلَّا النَّزر اليسير جداً.
أولًا: اسمه ونسبه:
اتفقَ كلُّ مَن ترجم له (¬1) على أنَّ اسمَه ونسبَه هو:
إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ إبراهيمَ الحلبيّ، ثمَّ القُسطنطينيّ (¬2)، الإمام، الفقيه، المحدِّث، الحنفي، علَّامة محقّق، وتقي فاضل، فهامة مدقّق.
وكلُّ مَن ترجم له مِن العلماء توقَّف عند ذكر جدِّه، ولم تذكر كتب التَّراجم من سلسلة نسبه إلَّا ما ذكرتُ.
ثانيًا: نسبته:
الإمام إبراهيم هو حلبيّ، نسبة إلى مدينة حلب الشَّهباء (¬3)، المشهورة على مرِّ الزّمان.
¬
(¬1) ينظر: الأعلام ج1، ص66، ومعجم المؤلفين ج1، ص80، ومعجم المطبوعات ج1، ص13، والطّبقات السّنيّةج1، ص6، والشقائق النّعمانيّة ج1، ص295.
(¬2) نسبة إلى القسطنطينية، كان اسمها بيزنطة وعندما ملكها قسطنطين الأكبر سمَّاها القسطنطينية، وسمّيت الأستانة، ودار السَّعادة، واسمها اليوم إستانبول أي: بلاد الإسلام. ينظر: معجم البلدان ج4، ص347.
(¬3) وسيأتي الكلام عن مدينة حلب بعد قليل في الصفحة التالية.
الجزء 1 · صفحة 36
ثالثاً: لقبه وكنيته:
لم أجد في كتب التَّراجم من ذكر للعلامة الحلبي أيَّ لقب أو كنية.
المطلب الثالث: ولادتُه ونشأَتُه:
وُلِدَ بحلب، ولمْ أجِدْ مصدراً من المصادر الَّتي راجعتُها يذكرُ سنةَ ولادتِه، فلم تحدِّد لنا كتب السِّير والتَّراجم سنة مولده، وإنَّما يذكرونَ سنةَ وفاتِه وعددَ السَّنواتِ الَّتِي عاشَها، فتكون سنة ولادته 860هـ = 1456م تقريباً واللهُ تعالى أعلم، بعد أنْ نعرفَ أنَّ وفاتَه كانت سنة 956هـ =1549م عن عمر ناهزَ السِّتةَ والتسعين عاماً وهو ما أجمعت عليه كتب التَّراجم (¬1).
قرأَ بحلب على علماءِ عصرِه، وغرفَ منها ما أراد.
وحلب، وهي مدينةٌ كبيرةٌ عتيقةٌ في شمال سوريا، وصفها ياقوتُ الحمويُّ (¬2) في كتابه «معجم البلدان (¬3)» فقال:
مدينةٌ عظيمةٌ، واسعة كثيرة الخيرات، طيبةُ الهواء، صحيحةُ الأديم والماء، سمّيت حلب؛ لأن إبراهيمَ عليه السَّلام، كان يحلب فيها غنمه في الجمعات ويتصدّق به، فيقول الفقراءُ: حلب حلب، فسمّي به، وقال قومٌ: إن حلبَ وحمصَ وبرذعةَ كانوا إخوة من بني عمليق فبنى كلّ واحد منهم مدينة فسمّيت به.
وقلعة حلب مقام إبراهيم الخليل، وفيه صندوق به قطعة من رأس يحيى بن زكرياء، عليهما السَّلام، ظهرت سنة 435هـ.
¬
(¬1) ينظر: الأعلام ج1، ص66، ومعجم المؤلفين ج1، ص80، ومعجم المطبوعات ج1، ص13، والطّبقات السّنيّةج1، ص6، والشقائق النّعمانيّة ج1، ص295.
(¬2) هو ياقوت بن عبد الله، الحموي، أبو عبد اللهِ، شهاب الدِّين، البغدادي المنشأ، الرومي الأصل، الحموي المولى،، مؤرخ ثقة، من أئمَّة الجغرافيين، ولد سنة 574هـ، من تصانيفه: «معجم البلدان» و «معجم الشعراء»، و «معجم الأدباء»، و «إرشاد الأريب»، و «المبدأ والمآل» (ت: 626هـ) بحلب. ينظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ج6، ص127، والأعلام ج8، ص131، وتاريخ إربل ج1، ص319.
(¬3) لياقوت بن عبد اللهِ الحموي، الرومي، البغدادي المنشأ (ت: 626هـ). ينظر: كشف الظنون ج2، ص1733.
الجزء 1 · صفحة 37
قال المؤلفُ - رحمه الله -: وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت به على أن الله تعالى خصّها بالبركة وفضّلها على جميع البلاد، فمن ذلك أنه يزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذيا لا يسقى إلا بماء المطر، ويجيء مع ذلك رخصا غضّا رويّا يفوق ما يسقى بالمياه والسيح في جميع البلاد، وهذا لم أره فيما طوّفت من البلاد في غير أرضها.
وأما فتحها فذكر البلاذري (¬1) أنَّ أبا عبيدة (¬2) رحل إلى حلب وعلى مقدمته عياضُ بن غنم الفِهْري (¬3)، فوجد أهلها قد تحصنوا، فنزل عليها فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم وسور مدينتهم وكنائسهم ومنازلهم والحصن الذي بها، فأعطوا ذلك واستثنى عليهم موضع المسجد، وكان الذي صالحهم عياض، فأنفذ أبو عبيدة صلحه، وقيل: بل صالحوا على حقن دمائهم وأن يقاسموا أنصاف منازلهم وكنائسهم، وقيل: إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا لأن أهلها انتقلوا إلى أنطاكية وأنهم إنما صالحوا على مدينتهم بها ثم رجعوا إليها (¬4).
وأما قلعتها فبها يضرب المثل في الحسن والحصانة؛ لأن مدينة حلب في وطاءٍ من الأرضِ وفي وسط ذلك الوطاء جبل عال مدوّر صحيح التدوير مهندم بتراب صح به تدويره، والقلعة مبنيّة في رأسه، ولها خندق عظيم وصل بحفره إلى الماء، وفي وسط هذه القلعة مصانع تصل إلى الماء المعين، وفيها جامع وميدان وبساتين ودور كثيرة (¬5).
¬
(¬1) هو أحمد بن يحيى بن جابر، أبو بكر، البلاذري، مؤرخ، جغرافي، نسَّابة، من أهل بغداد، جالس المتوكل العباسي، ومات في أيام المعتمد، وله في المأمون مدائح، وكان يجيد الفارسيَّة، من كتبه: «فتوح البلدان»، و «القرابة وتاريخ الأشراف»، و «التاريخ الكبير» (ت:270هـ). ينظر: وفيات الأعيان ج1، ص155، وسير أعلام النّبلاء ج13، ص162، والأعلام ج1، ص267.
(¬2) هو عامر بن عبد اللهِ بن الجراح، الفهري، القرشي، صحابي جليل، الأمير القائد، فاتح الدّيار الشاميَّة، وأحد العشرة المبشرين بالجنَّة، أمين الامَّة، ولد بمكة، وشهد المشاهد كلّها، له 14 حديثاً (ت: 18هـ) بطاعون عمواس. ينظر: الوافي بالوفيات ج16، ص328، وسير أعلام النّبلاء ج1، ص5، والأعلام ج3، ص252.
(¬3) هو عياض بن غنم بن زهير، الفهري، وقيل: الأشعري، صحابي جليل، قائد من شجعان الصّحابة وغزاتهم، أسلم قبل الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، نزل الشام، ابن عم أبي عبيدة بن الجراح، فتح بلاد الجزيرة صلحاً أيام عمر، يقال له زاد الركب لكرمه (ت:20هـ). ينظر: معرفة الصّحابة لأبي نعيم ج4، ص2162، وسير أعلام النّبلاء ج2، ص354، والأعلام ج5، ص99.
(¬4) ينظر: فتوح البلدان ج1، ص148.
(¬5) ((ينظر: معجم البلدان ج2، ص285.
الجزء 1 · صفحة 38
المطلب الرابع: أسفارُه ورحلاتُه (¬1):
تُعَدُّ الرِّحلةُ في طلبِ العلمِ أمراً مهماً وأساسياً؛ لتكوينِ الثَّروةِ الفقهيَّةِ والفكريَّةِ، لذلك طفق شيخُنا - رضي الله عنه - بالرِّحلة ليروي ظمأه.
فارتحلَ إلى مِصْرَ، وقرأ على علمائِها الحديثَ والتَّفسيرَ والأصولَ والفروعَ، ومنها إلى بلادِ الرُّوم حيثُ استقرَّ وتوطنَ في القسطنطينيةِ، وأخذَ العلمَ عن العلماءِ الَّذِين كانوا فيها، وصارَ إماماً ببعضِ الجوامعِ، ثمَّ صارَ إماماً وخطيباً بجامع المرحوم السُّلطانِ مُحَمَّد خان الفاتح عليه الرحمة والرضوان، وصار مُدَرِّساً بدارِ القُرَّاءِ الَّتِي بناها المولى الفاضلُ سعدي جلبي المُفتي.
وبَقِيَ هكذا إلى أنْ ماتَ - رضي الله عنه - وهو على تلك الحالِ من المُثابرةِ في طلبِ العلمِ والجدِّ والاجتهادِ والتَّفاني في دين الله والدفاعِ عنه.
قال صاحب «الشَّقائق النُّعمانيَّة في علماء الدَّولة العثمانيَّة»:
«العالِم الفاضل المولى الشيخ إبراهيم الحلبي، الحنفي، خطيب جامع السُّلطان مُحمد خان بمدينة القسطنطينية.
كان رحمه اللهُ من مدينة حلب، وقرأ هناك على علماء عصره، ارتحل إلى مصر المحروسة، وقرأ ثمَّ على علمائها الحديثَ، والتَّفسيرَ، والأصولَ، والفروع، ثمَّ أتى بلادَ الروم وتوطن بقسطنطينية، وصار إماماً ببعض الجوامع، ثمَّ صار إماماً وخطيباً بجامع السُّلطان مُحمد خان بقسطنطينية، وصار مدرِّساً بدار القُرَّاء التي بناها المولى الفاضل سعدي جلبي المفتي.
ومات - رضي الله عنه - على تلك الحال، وقد جاوز التِّسعين من عمره.
كان - رضي الله عنه - عالماً بالعلوم العربية، والتَّفسير، والحديث، وعلوم القراءات، وكانت له يد طولى في الفقه والأصول، وكانت مسائل الفروع نصب عينه.
وكان ورعاً، تقياً، نقياً، زاهداً، متورعاً، عابداً، ناسكاً، وكان يقرئ الطَّلبة وانتفع به كثيرون، وكان ملازماً لبيته مُشتغِلاً بالعلم، ولا يراه أحدٌ إلا في بيته أو في المسجد، وإذا مشى في الطريق يغض بصرَه عن النَّاس، ولم يسمع منه أحد أنَّه ذكر واحداً من النَّاس بسوء.
¬
(¬1) ينظر: الشَّقائق النُعمانيَّة في علماء الدَّولة العثمانيَّة ج،1 ص 295 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 39
ولم يتلذذ بشيءٍ من الدُّنيا إلا بالعلم، والعبادة، والتَّصنيف، والكتابة.
وله عدَّةُ مصنفات من الرسائل والكتب أشهرها كتاب في الفقه سمَّاهُ بملتقى الأبحر وله شرح على مُنية المصلي سمَّاهُ بقنية المتحلي في شرح مُنية المصلي ما أبقى شيئاً من مسائل الصَّلاة إلَّا أوردها فيه مع ما فيها من الخلافيات على أحسن وجه وألطف تقرير، روَّح اللهُ تعالى روحه ونوَّر ضريحه وزاد في أعلى غرف الجنان فتوحه» انتهى (¬1).
وجاء في «الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة» (¬2) في ترجمة الشَّيخ الحلبيّ:
وقال ابن الحنبلي: كان سعدي جلبي مفتي الديار الرومية يعول عليه في مشكلات الفتاوي، ولمَّا عمَّرَ داراً للقراء جعله شيخَها إلَّا أنَّه كان مُنتقداً على ابن عربي، كثير الحطِّ عليه، ومع هذا كان متبحراً في التجويد، والقراءات، والفقه، وله تآليف عدة منها: شرح على مُنية المصلي، قال في «الشَّقائق»: سمَّاه بُغية المُتملّي (¬3)، ما أبقى شيئاً من مسائل الصَّلاة إلَّا أورده فيه من الخلافيات، على أحسن وجهٍ وألطفِ تقريرٍ.
قال ابن الحنبلي: وفيه استمداد زائد من شرحها لابن أمير حاج (¬4)، ومن مصنفاته كتاب في الفقه سمَّاه بملتقى الأبحر، قال ابن الحنبلي: جمع فيه بين القُدوري والمختار والكنز والوقاية، مع فوائد أخرى، قال: ولنعم التأليف هو.
قلت: واجتمع به شيخ الإسلام الوالد في رحلته إلى الروم سنة ست وثلاثين وتسعمائة، وأثنى عليه في المطالع البدرية.
وقال: اجتمع فيه مرات وصار بيننا وبينه أعظم مودة، وأعارني من كتبه عدَّة أيام تأليف ما ألفت ببلاد الروم، كتفسير آية الكرسي، وشرح البردة» انتهى (¬5).
¬
(¬1) من الشَّقائق النُّعمانيَّة ج1، ص295ـ296.
(¬2) لمُحمد بن مُحمد بن مُحمد، الغزي، العامري، نجم الدَّين، الدمشقي (ت: 1061هـ). ينظر: إيضاح المكنون ج4، ص392.
(¬3) رجعت إلى النسخة المطبوعة من الشَّقائق النُّعمانيَّة ج1، ص295ـ296، فوجدت طاش كبري زاده قد ذكره بعنوان: «قنية المتحلي»، والله تعالى أعلم بالصواب.
(¬4) هو مُحمد بن مُحمد بن مُحمد، شمس الدِّين، المعروف بان أمير حاج، ويقال له ابن الموقت، من مؤلفاته: «التقرير والتحبير»، و «حَلَبة المُجَلِّي شرح مُنية المُصلِّي» (ت:879هـ). ينظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان ج1، ص161، والأعلام ج7، ص49.
(¬5) من الكواكب السّائرة ج2، ص77.
الجزء 1 · صفحة 40
المطلب الخامس: شيوخُه وتلاميذُه:
أولاً: شيوخُه:
إنَّ شخصيةً عظيمةً مهمةً، كشخصيةِ إبراهيمَ الحلبيِّ - رضي الله عنه - ينبغي أنْ لا يكونَ فيها غموضٌ، ولكنَّ كلَّ مَنْ ترجمَ له ذكرَ أنَّه قدْ أخذَ العِلْمَ عن عُلماءِ عصرِه، بَيدَ أنِّي وبعدَ البحثِ الطويلِ والمتابعةِ الحثيثةِ لمْ أعثرْ على أسماءِ مشايخِه.
رغم تنقله من حلب إلى مصر، فالقسطنطينيَّة، وهذه بلاد لها شهرة عظيمة في الآفاق، حيث كانت تعتبر من أشهر بلاد المسلمين التي احتفت بالعلم وأهله، واحتضنت عدداً كبيراً من مشاهير العلماء الأجلاء.
ولا شكَّ أنَّ الإمام الحلبي - رضي الله عنه - تتلمذ على أيدي الكثيرين منهم، وأخذ عنهم، ونهل من علومهم، يؤكد هذا ما ذكره صاحب الشَّقائق النُّعمانيَّة عنه حيث قال: كان - رحمه الله - من مدينة حلب، وقرأ هناك على علماء عصره، ارتحل إلى مصر المحروسة، وقرأ ثمَّ على علمائها الحديثَ، والتَّفسيرَ، والأصولَ، والفروع، ثمَّ أتى بلادَ الروم وتوطن بقسطنطينية، لكن كتب التّراجم والسّير لم تذكر لنا شيوخه!.
ثانيًا: تلامذتُه:
حظي الإمام الحلبيُّ - رضي الله عنه - بالرضا والقبول عند أئمَّة النَّاس وعامتهم، وقضى حياته بالاشتغال في العلم تعلُّماً وتعليماً، وعلى هذا يقول صاحب الشَّقائق النُّعمانيَّة: وصار إماماً ببعض الجوامع، ثمَّ صار إماماً وخطيباً بجامع السُّلطان مُحمد خان بقسطنطينية، وصار مدرِّساً بدار القُرَّاء التي بناها المولى الفاضل سعدي جلبي المفتي.
ولم يزل على ما هو عليه من العلم والتَّدريس حتى أدركه أجله. ولا شكَّ أن مَن هذا حاله سيكون له أتباع وتلاميذ كثر، وخاصة انَّه عمَّر طويلاً، ولكن ونتيجة لعدم توسع كتب التَّراجم في الكلام عن سيرته فإنني لم أقف إلَّا على عدد محدود جداً.
وكلُّ ما عثرتُ عليه في كتب من ترجم له هو ذِكْرُ عدد قليل من التَّلاميذ ومن الذين حضروا دروسه وهم:
الجزء 1 · صفحة 41
1ـ علي بن عبد اللهِ الحلبيّ (¬1).
2ـ يوسف أفندي الذوق (¬2).
3ـ الشيخ أحمد بن موسى بن داود أبو الصلاح العروسي، الشَّافعي، المصري، الأزهري (¬3).
4ـ الشيخ أحمد شهاب الدِّين بن مُحمد بن عبد الوهاب السّمنودي، المحليّ، الشَّافعي (¬4).
5ـ الشيخ حسن بن حسين بن مُحمد الدِّمشقي، الحنفي، العطار (¬5).
المطلب السادس: مؤلفاتُه:
اتفق المترجمون للإمام الحلبي - رضي الله عنه - على أنَّه كان ذا علم غزير، وثقافة واسعة، شملت الكثير من أنواع العلوم والمعارف، من الفقه، والتفسير، والقراءات، وغيرها، مما جعله يفوق أقرانه، ويبزُّ أنداده.
وإن مما يشهد للإمام الحلبي - رضي الله عنه - بهذا ما خلَّفه للأمَّة الإسلاميَّة من التَّصانيف والتآليف التي تنوعت في موضوعاتها.
¬
(¬1) المتوفى سنة 967هـ، وسببُ ذِكْرِهِ هو أنَّ هذا التِّلميذَ قامَ بشرحِ كتابِ شيخِه إبراهيمَ الحلبيِّ المُسَمَّى «مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ» وكلُّ ما ذكرَه عنه هو اسمه ووفاته والكتاب الَّذِي قامَ بشرحِهِ، ينظر: هدية العارفين ج5، ص746، ومعجم المؤلفين ج7، ص154.
(¬2) وهو ابن عمر بن عبد اللهِ الطّرابلسي الشّهير بالذوق، الشيخ الفاضل، العالم البارع، الأديب، الشاعر، المتصوف، ولد سنة خمس وعشرين ومائة وألف هجرية، ونشأ في عفةٍ، وديانةٍ، وطلب العلم، فأخذ عن جماعة في بلدته منهم: الشَّيخ مُحمد التَّدمري، والشَّيخ علي الإسكندري، والشَّيخ عبد اللهِ الخليلي، ورحل إلى الأزهر وأخذ به عن جملة من شيوخه، ومن جملة شيوخه الشيخ إبراهيم الحلبيّ نزيل القسطنطينية. ينظر: سلك الدّرر في أعيان القرن الثّاني عشر ج4، ص251.
(¬3) هو علَّامة العلوم والمعارف، وروضة الآداب الوريقة وظلها الوارف، جامع المزايا والمناقب، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف هجرية، قدم الأزهر وتفقَّه، ... ، وحضر دروس الشيخ إبراهيم الحلبيّ ينظر: حلية البشر في تاريخ القرن الثّالث عشر ج1، ص171، وتاريخ عجائب الآثار في التَّراجم والأخبار ج2، ص162 و163
(¬4) الإمام العلَّامة، بقية المحققين، وعمدة المدققين، من بيت أهل العلم والصلاح، والرشد والفلاح، وأصله من سمنود، وولد بالمحلة، وقدم الجامع الأزهر، وتلقى عن السيد علي الضرير والشيخ مُحمد الغلاني الكشناوي مشاركاً للشيخ حسن الجبرتي وللشيخ إبراهيم الحلبي. ينظر: حلية البشر في تاريخ القرن الثّالث عشر ج1، ص175، وتاريخ عجائب الآثار في التَّراجم والأخبار ج2، ص168
(¬5) الشهير بالمدرس، أخذ عن علَّامة الأقطار الشيخ عبد الرحمن الكزبري الكبير، وعن الشيخ مُحمد بن سليمان المدني، والعلَّامة إبراهيم الحلبي ينظر: حلية البشر في تاريخ القرن الثّالث عشر ج1، ص535.
الجزء 1 · صفحة 42
ولمْ يكنِ العَلَّامةُ الحَلَبِيُّ - رضي الله عنه - يهتمُ بشيءٍ قدرَ اهتمامِه بالعلمِ والعبادةِ والتَّصْنِيفِ والكتابةِ، فكانَ كُلُّ انشغالِه بالعلمِ وبذله الجهد فيه، فعنى بالتَّصْنِيفِ عنايةً كُبْرى (¬1)، وهو مكثرٌ في مُصنفاتِه، ذو أسلوبٍ واضحٍ وسهلٍ.
فَلَهُ عِدَّةُ مُصنفاتٍ من الرَّسائلِ والكتبِ منها:
ـ تلخيصُ واختصارُ لفتحِ القدير لابْنِ الهُمامِ من شروحِ الهدايةِ، وانتقدَ عليه في بعضِ المواضعِ انتقاداتٍ لا بأسَ بها (¬2).
ـ تلخيصُ القاموسِ المحيطِ للفيروز أبادي (¬3).
ـ رسالة في الرَّدِّ على رسالة السّيوطي المُسَمَّاة مسلك الحنفاء في آباء المصطفى - صلى الله عليه وسلم - (¬4).
ـ رسالة في المسح على الخفين (¬5).
ـ تلخيصُ الفتاوى التاتارخانية (¬6)، لَخَّصَهُ في مجلّدٍ، وانتخبَ منه ما هو غريبٌ أو كثيرُ الوقوعِ وليس في الكتبِ المتداولةِ، والتزمَ بتصريحِ أسامي الكتبِ.
¬
(¬1) ينظر: الطّبقات السّنية ج1، ص67 وما بعدها.
(¬2) لم أجد من نسب هذا الكتاب له إلا الزركلي في الأعلام ج1، ص67، وهدية العارفين ج1، ص27، ولم أجد الكتاب مطبوعاً أو مخطوطاً.
(¬3) لم أجد من نسب هذا الكتاب له إلا في هدية العارفين ج1، ص27، ولآلئ المحار ج1، ص214، والموسوعة الفقهية الكويتية ج3، ص351، ولم أجد الكتاب مطبوعاً أو مخطوطاً.
(¬4) لم أجد من نسب هذا الكتاب له إلا في لآلئ المحار ج1، ص214، ولم أجد الكتاب مطبوعاً أو مخطوطاً.
(¬5) كتبها: رداً وجواباً لرسالة جوي زاده ذكر فيها: أن مفتيًا أفتى بعدم جواز المسح على الخف تحته خف آخر من جوخ، ونحوه، فسأل السلطان سليمان من علمائه، وفيه رسالة للمولى محيي الدين الفناري أولها: الحمد لله الذي خفف التكاليف الشاقة ... الخ، ولمولانا ابن كمال باشا مختصر في ورقة أوله: الحمد لله الذي جعل المسح سنة في دين الإسلام، ولمولانا قادري أفندي أولها: الحمد لله الذي جعل الإطاعة ... الخ، ولمولانا: جوي زاده أولها: الحمد لله شارع الشرائع ... الخ ذكر فيها مقدمة، وفصلين، وللمولى: ساجلي (صاجلي) أمير أولها: وبحمده نحمده على أن جعلنا ... الخ، كما في كشف الظنون ج1، ص890.
مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة جامع الزيتونة/ تونس [عدد 63 خصوصي]- (ضمن مجموع)
برنامج المكتبة الصادقية 4/ 1372،و نسخة جامعة بولونيا- إيطاليا [(244) N? 3478/ 5] ... ملاحظات على المخطوطات الشرقية (مجموعة مارسيلي) 61، ونسخة دار الكتب الوطنية/ تونس [17908]- (9و) ... ف. م. (ح. ح. عبد الوهاب) 122.
(¬6) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، اسم الدولة: المملكة العربية السعودية، اسم المدينة: الرياض، رقم الحفظ: 02339
الجزء 1 · صفحة 43
ـ تسفيهُ الغبي في تنزيهِ ابْنِ عربي (¬1) (¬2).
ـ درَّةُ المُوَحِّدِينَ ورِدَّةُ المُلْحِدِينَ (¬3).
ـ الرهصُ (¬4) والوقصُ (¬5) لمستحلِ الرَّقْصِ (¬6)، في الردِّ على رسائلِ الشَّيخِ سنبل (¬7) (¬8).
¬
(¬1) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مكتبة برنستون (مجموعة بريل)، اسم الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية، اسم المدينة: برنستون رقم الحفظ: هـ1 496/ 8, هـ2 1140/ 8، ونسخة مكتبة الظاهرية، اسم الدولة: سوريا، اسم المدينة: دمشق، رقم الحفظ: 439، ونسخة المكتبة الازهرية، اسم الدولة: مصر، اسم المدينة: القاهرة، رقم الحفظ: [775 مجاميع] حليم34822، ونسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، اسم الدولة: المملكة العربية السعودية، اسم المدينة: الرياض، رقم الحفظ: ب 17984 - 17985.
(¬2) قال محمد صديق خان في كتابه «التّاج المكلل من جواهر مآثر الطِّراز الآخر والأول» ج1، ص383 عند ترجمته لشيخنا الإمام إبراهيم الحلبي - رضي الله عنه -: وله كتاب سمّاه «تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي» ردّاً على السّيوطي، ولعله يقصد كتاب الإمام جلال الدّين السيوطي «تنبيه الغبي في تخطئة ابن عربي، أو تنبئة الغبي بتبرئة ابن عربي» والله أعلم.
(¬3) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مكتبة كوبرلي، اسم الدولة: تركيا، اسم المدينة: استانبول رقم الحفظ: 720.
(¬4) الرَّهْصُ: شدّة العصر كما في لسان العرب ج7، ص44، وتهذيب اللغة ج6، ص69، وتاج العروس ج17، ص607.
(¬5) الوَقْصُ: دقّ العنق وكسرها كما في المغرب ج2، ص365، والمصباح المنير ج2، ص668، ولسان العرب ج7، ص106.
(¬6) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، اسم الدولة: المملكة العربية السعودية، اسم المدينة: الرياض، رقم الحفظ: ب 44641، و نسخة كتبت سنة 1067هـ/ 1656م، ... تكلي أوغلو/ أنتاليا (07 Tekli 900/ 3(- ( و30ب-38أ)، ... ف. ج. م. تركيا 07/ 4/ 206، و نسخة كتبت سنة 1068هـ/ 1657م، ... الأزهرية/ القاهرة ((406) 46469 (- (8و) ... ف. الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 3/ 47، ونسخة كتبها عبد اللّه بن حسن سنة 1083هـ/ 1672م ... الظاهرية/ دمشق (7667 (- (و85 - 92) ... ف. م. الظاهرية (الفقه الحنفي-2) 328، وغيرها.
أولها: الحمد لله العلي الكبير الحكيم العدل اللطيف الخبير، العالم الذي لا يعزب عن علمه صغير ولا كبير، المطلع على ما يفوه به اللسان وما يكنه الضمير، له الخلق والأمر، وبيده النّفع والضّرّ، وله الحكم في خلقه والتّدبير. أحمده على ما هدانا إليه من اتباع الشرع المنير، وأشهد أن لا إله إلّا الله الذي حمانا ووقانا من اتباع كلّ شيطان مبير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده الدّاعي إلى كلّ ما فيه الرشد والجزالة، النّاهي عن كلّ بدعة وضلالة، المبجل بالتعظيم والتوقير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه التّابعين لسنته المتمكنين بمحاسن شرعته، المتجافين عن زيغ الشيطان وبدعته، المتحلين بكل امر خطير، وبعد: فهذه رسالة مسماة بالرَّهْص والوَقْص لمستحلّ الرَّقص، وذلك أن طائفة ممن يدّعي التّصوف وهو فيه دعيّ بالتصلف قد اتخذوا الرقص واللعب ديناً واعتقدوه تديناً وخلطوا العبادة باللعب، وافتروا على الله الكذب ... الخ،
الخاتمة: واذا وجب صون المساجد عن الامور المباحة كالبيع والشراء وانشاد الضالة فصونها عن فعل البدع المكروهة اوجب واوجب وبالله التوفيق عصمنا الله من أفعال المبتدعين وحشرنا في زمرة الذين لم يزالوا للسُّنَّة متبعين بمنّه وكرمه إنه أرحم الراحمين.
(¬7) كما في كشف الظنون ج1، ص934، وهدية العارفين ج1، ص27.
(¬8) الشيخ سنبل هو يوسف بن يعقوب، سنان الدّين المرزفوني الخلوتي، مؤسس الطريقة الخلوتية، المشهور بسنبل سنان له: رسالة التحقيقية في جواز سماع ودوران الصوفية (ت:936هـ). ينظر: هدية العارفين ج2، ص564، ومعجم المؤلفين ج2، ص282.
الجزء 1 · صفحة 44
ـ سلكُ النِّظامِ شرح جواهرِ الكلامِ في العقائدِ (¬1).
ـ شرحُ ألفيَّةِ العراقيِّ في الحديثِ (¬2).
ـ شرحُ التَّائيةِ للمقري في التَّذكيرِ (¬3).
ـ اختصرَ «الجَوَاهِرَ المُضِيئَةِ»، واقتصرَ فيه على من حوله تصنيفٌ، أو له ذِكْرٌ معروفٌ في كتبِ المذهبِ (¬4).
ـ «غُنْيَةُ المُتَمَلِّي شرحُ مُنْيَةِ المُصَلِّي» (¬5)، وهو الكتابُ الَّذِي بين أيدينا، وسيأتي الكلام عنه تفصيلًا في مبحث خاص.
¬
(¬1) كما في إيضاح المكنون ج4، ص23، وهدية العارفين ج1، ص27.
مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، اسم الدولة: المملكة العربية السعودية، اسم المدينة: الرياض، رقم الحفظ: 04938، ونسخة مكتبة قوله اسم الدولة: مصر اسم المدينة: القاهره رقم الحفظ: 1/ 191، ونسخة مكتبة دار الكتب المصرية اسم الدولة: مصر اسم المدينة: القاهرة رقم الحفظ: 1/ 188.
أوله: الحمد لله الذي أيدنا في مواقف توحيده إلخ كما في إيضاح المكنون ج4، ص23.
(¬2) لم أجد من نسب هذا الكتاب له إلا الزركلي في الأعلام ج1، ص67، والباباني في هدية العارفين ج1، ص27.
(¬3) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مكتبة برنستون، اسم الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية، اسم المدينة: برنستون، رقم الحفظ: 3128.
(¬4) كما في الأعلام ج1، ص67، وكشف الظنون ج2، ص1886ـ1887، ومعجم المؤلفين ج1، ص25و80.
(¬5) ينظر: الشَّقائق النُّعمانيَّة ج1، ص295، وطرب الأماثل ج1، ص443، وكشف الظنون ج2، ص1814 ـ 1816، وهدية العارفين ج1، ص27، ومعجم المؤلفين ج1، ص80، والأعلام ج1، ص69.
الجزء 1 · صفحة 45
- «الشَّرْحُ الصَّغِيرُ»: وقد ذكر في مقدِّمتِه أنَّه كانَ قدْ شرحَ «مُنْيَةَ الْمُصَلِّي» شرحاً مطولاً، وربما أوجبَ للمبتدئينِ والقاصرينِ المَلَالةَ، فأحبَّ أنْ يختصرَه تسهيلاً للطالبين عليه، وعنوانه «مُخْتَصَرُ غُنْيَةِ الْمُتَمَلِّي»، وقد اشتهرَ هذا الكتابُ باسم «حلبي صغير»، أوله: الْحَمْدُ لله الَّذِي جَعَلَ الْعِبَادَةَ مِفْتَاحَ السَّعَادَةِ، ومَطْمَحَ السِّيَادَةِ، ومَلْمَحَ الْحُسْنَى والزِّيَادَةِ ... .
قال في الشَّقائق النُّعمانيَّة: «ما أبقى شيئاً من مسائل الصَّلاة إلَّا أورد فيه مع ما فيه من الخلافيّات على أحسن وجه وألطف تقرير» (¬1).
ـ القولُ التَّامُ عندَ ذِكْرِ ولادتِه عليه السَّلامُ (¬2).
ـ نعمةُ الذَّريعةِ في نُصرةِ الشَّريعةِ (¬3)؛ رداً للفصوصِ (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الشّقائق النّعمانيّة ج1، ص296.
(¬2) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة المكتبة الملكية (مكتبة الدولة)، اسم الدولة: المانيا، اسم المدينة: برلين، رقم الحفظ: 9546.
(¬3) مخطوطاتها: نسخة المخطوطة في العالم منها: نسخة مكتبة برنستون (مجموعه بريل)،اسم الدولة: الولايات المتحدة الامريكية اسم المدينة: برنستون، رقم الحفظ: هـ1 496, هـ2 1146، نسخة مكتبة يني جامع، اسم الدولة: تركيا، اسم المدينة: استانبول رقم الحفظ: 728، نسخة مكتبة الفاتح، اسم الدولة: تركيا، اسم المدينة: استانبول، رقم الحفظ: 2880، نسخة مكتبة آيا صوفيا، اسم الدولة: تركيا، اسم المدينة: استانبول، رقم الحفظ: 1745/ 6، نسخة مكتبة عاشر أفندي، اسم الدولة: تركيا، اسم المدينة: استانبول، رقم الحفظ: 2/ 155، نسخة مكتبة معهد المخطوطات العربية، اسم الدولة: مصر، اسم المدينة: القاهرة، رقم الحفظ: 537 عن الازهر،34822/ 775 مج حليم، نسخة المكتبة الأزهرية، اسم الدولة: مصر اسم المدينة: القاهرة، رقم الحفظ: [775 مجاميع] حليم 34822، نسخة مكتبة معهد المخطوطات العربية، اسم الدولة: مصر، اسم المدينة: القاهرة، رقم الحفظ: عن الأزهرية 775 مج حليم (34822) تصوف، نسخة مكتبة برنستون، اسم الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية، اسم المدينة: برنستون، رقم الحفظ: 1146 h (7)، نسخة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية اسم الدولة: المملكة العربية السعودية اسم المدينة: الرياض رقم الحفظ: ب 17984، والكتاب مطبوع بتحقيق: علي رضا بن عبد الله بن علي رضا، النّاشر: دار المسير، الرياض، الطبعة الأولى 1419هـ. = 1998م.
أوله: «الحمد لله ربّ العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه أجمعين، محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين، وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى وائمّة الدّين، وعلى سائر عباد الله الصّالحين، صلاةً وسلاماً دائمين متّصلين إلى يوم جمع الأولين والآخرين، وبعدُ: فهذه أبحاث ظهرت للخاطر الفاتر على مواضع من كتاب «الفصوص» قصدت بها نصرت الشّريعة وأهلها وبينت ضلال فرقة الوجودية وجهلها وسمّيته «نعمة الذريعة في نصرة الشريعة» والله المطّلع على النّيّات وما تشتمل عليه الطويات، وهو حسبي ونعم الوكيل ... ».
(¬4) يقصد كتاب فصوص الحكم للشيخ ابن عربي - رحمه الله -.
الجزء 1 · صفحة 46
ـ مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ (¬1) (¬2)، وهو من الكتبِ المشهورةِ من طبقةِ الكتبِ المعتمدةِ، جعلَه مُشْتَمِلاً على مسائلِ القُدُورِيِّ والمُخْتَارِ والكَنْزِ والوِقَايَةِ، بعبارةٍ سهلةٍ واضحةٍ، وأضافَ إليه بعضَ ما يُحْتَاجُ إليه من مسائلِ مَجْمَعِ البحرين، ونبذةً من الهدايةِ.
وعلى كتاب «ملتقى الأبحر» شروح كثيرة، منها:
1ـ الدُّر المنتقى في شرح الملتقى (¬3).
2ـ الدُّر المنتقى في شرح الملتقى (¬4).
3ـ سَكب الأنهر على فرائض ملتقى الأبحر (¬5).
4ـ مجرى الأنهر على ملتقى الأبحر (¬6).
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1814، وهدية العارفين ج1، ص27.
(¬2) ولهذا الكتاب المبارك نسخ كثيرة في المكتبات العالمية، ولم أذكرها خشية الإطالة.
(¬3) لمُحمد بن مُحمد بن رجب الدِّمشقي المعروف بابن البهنسي خطيب دمشق، وصل فيه إلى كتاب البيع، وله تعليقات على شرح الكنز لشيخه قطب الدين أبي عبد اللهِ مُحمد بن عمر الصالحي، جاء في ترجمته في الكواكب السَّائرة بأعيان المئة العاشرة ج3، ص12: مُحمَّد بن مُحمَّد بن رجب، الشيخ الإمام، شيخ الإسلام الفقيه العلَّامة، النَّبيه الفهَّامة، شمس الدِّين، وقيل: نجم الدِّين البهنسي الأصل الدِّمشقي المولد والمنشأ، أحد الرؤساء بدمشق، وخطيب خطبائها، ولد سنة 927هـ، وتوفي سنة 987هـ، ينظر: هدية العارفين ج2، ص255.
(¬4) للعلاء الحصكفي مُحمد بن علي بن مُحمد بن عبد الرحمن بن مُحمد بن حسن الحصني الأصل الحنفي المفتي بدمشق، جاء في مقدمة النسخة الأزهرية المخطوطة: التمس مني بعض المترددين من أفاضل المشتغلين بعد شروعه بقراءة المتن المسمَّى بملتقى الأبحر الذي سار بذكره الركبان، واعتبره الأعيان في غالب البلدان لشيخ شيوخنا فريد العصر والأوان إبراهيم الحلبي نزيل القسطنطينية المحميَّة عليه رحمة رب البريّة ... ، ولد سنة 1021هـ، وتوفي سنة 1088هـ، ينظر: كشف الظنون ج2، ص1815.
(¬5) لعلي بن ناصر الدِّين مُحمد الطرابلسي الدِّمشقي علاء الدِّين الحنفي، الإمام بجامع الأموية بدمشق، مقرئ مجود فرضي، شيخ الإقراء بدمشق وإمام الجامع الأموي، كان علامة في القراءات والفرائض والحساب والفقه وغيرها، قال في مقدمته: سألني بعض الأفاضل الإخوان، من السادات الأعيان، ان أكتب شرحاً على فرائض ملتقى الأبحر تأليف إمام الإسلام والمسلمين، وبرهان الشريعة والدِّين، ذي التصانيف الأنيقة والفنون العجيبة الرشيقة، الشيخ إبراهيم الحلبي الحنفي نزيل القسطنطينية تغمده الله برحمته ... ، ولد سنة 950هـ، وتوفي سنة 1032هـ، ينظر: خلاصة الأثر ج3، ص186
(¬6) لمحمود بن بركات بن مُحمد الدِّمشقي الحنفي، نور الدين، مدرس القيمرية المعروف بالباقاني (باقة من قرى نابلس)، قال: لما كان «ملتقى الأبحر» أجلَّ متون المذهب، وأجمعها وأتمّها فائدة وأنفعها أردت أن أشرحه ....
ولد بدمشق، (ت: سنة 1003هـ)، ينظر: خلاصة الأثر ج4، ص317، والاعلام ج7، ص166، ولآلئ المحار ج1، ص295.
الجزء 1 · صفحة 47
5ـ مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (¬1).
6ـ مهتدى الأنهر إلى ملتقى الأبحر (¬2).
وغير ذلك من الشروح.
وقدَّمَ من أقاويلِهم ما هو الأرجح وأخَّر غيره، واجتهد في التَّنبيه على الأصحِّ والأقوى وما هو المختار للفتوى، وفي عدم ترك شيء من مسائل الكتب الأربعة، ولهذا بلغ صيته في الآفاق، ووقع قبوله بين الحنفيَّة بالاتفاق.
قال: «وقد تمَّ تبييضه بين الصَّلاتين من يوم الثٌّلاثاء ثالث عشر رجب سنة 923هـ»، وشرحه تلميذه الحاج علي الحلبيّ المتوفى سنة 967هـ، أورد فيه الاعتراض والجروح على شروح المتون الأربعة، وشرحه المولى مُحمد التيروي المعروف بعيشي (¬3)، وابن البهنسي (¬4) (¬5).
¬
(¬1) لعبد الرحمن بن مُحمد بن سليمان أفندي الكليبولي المدعو بشيخي زاده، الحنفي، القاضي بعسكر روم إيلي، ويعرف بداماد شيخ الإسلام، فقيه مفسِّر، قال في مقدمته: ... ، إنَّ الكتاب المسمَّى بملتقى الأبحر بحر زاخر، وغيث ماطر، وإن كان صغير الحجم ووجيز النَّظم، لكن جميع الواقعات قد يوجد في قعره أو في الساحل، ... .، فأردت تبيين مكنونه عن كلِّ محكم وغامض، وتحقيق لبّه من كلِّ حلو وحامض، من غير إطناب مملّ، وإيجاز مخلّ، وألحقت به كثيراً من الفوائد الجمَّة، والمسائل المهمَّة، متوغلاً في تخليص الحق والصواب، وتمييز القشر عن اللباب، وسمَّيته بمجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، (ت: 1078هـ)، ينظر: هدية العارفين ج1، ص549.
(¬2) لمُحمد وحدتي بن مُحمد الحنفي، تركي الأصل، مستعرب، أصله من أدرنة، ومولده في أسكوب، ذكره ابن عابدين الابن، (ت: 1135هـ)، ينظر: الأعلام ج7، ص133.
(¬3) هو محمد التيروي، المعروف بالعيشي، مفسر، فقيه، واعظ، من آثاره: «تفسير القرآن»، و «مختصر الطريقة المحمدية للبركلي»، و «مختصر روضة العلماء للزندويستي»، و «شرح ملتقى الابحر في فروع الفقه الحنفي»، (ت:1016هـ =1607م). ينظر: معجم المؤلفين ج9، ص143.
(¬4) هو محمد بن محمد بن رجب الدمشقي الحنفي المعروف بابن البهنسى خطيب دمشق، صنف «شرح ملتقى الابحر في الفروع إلى كتاب البيع»، (ت: سنة 987هـ) ينظر: هدية العارفين ج2، ص255.
(¬5) ((نسب بعض العلماء كتاب «تحفةُ الأخيارِ على الدُّرِ المُخْتارِ شرح تنويرِ الأبصار»، للشيخ إبراهيم الحلبي صاحب «غنية المتملي» خطأً، والصحيح أن هذا الكتاب ليس للشيخ إبراهيم الحلبي صاحب الغنية، بل لإبراهيم الحلبي المداري، حيث يوجد فرقان بين صاحبي الكتابين، الأول: أن صاحب الغنية هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي، بينما صاحب تحفة الأخيار هو إبراهيم بن مصطفى بن إبراهيم الحلبي، والثاني: أن صاحب الغنية توفي سنة 956هـ، بينما توفي صاحب التحفة سنة 1190هـ، وينظر: إيضاح المكنون ج3، ص240، ولآلئ المحار ج1، ص81، كما نسب الزركلي في الأعلام ج1، ص67 كتاب «مختصر طبقات الحنابلة» للشيخ الحلبي، ولم أجد من وافقه عليه فلم أورده في كتبه.
الجزء 1 · صفحة 48
مطلب خاص: في متون المذهب وكتب ظاهر الرواية:
يُعدُّ «مُلتقى الأبحرِ» من المتون المعتمدة المتأخرة عند الحنفيَّة، وهذه المتون هي:
1ـ مختصر القُدُوري (¬1).
2ـ البداية للمرغيناني (¬2).
3ـ مختار الفتوى للموصلي (¬3).
4ـ وقاية الرِّواية لتاج الشَّريعة (¬4).
5ـ كنز الدَّقائق للنَّسفيِّ (¬5).
¬
(¬1) للإمام أحمد بن مُحمد القُدُوري البغدادي الحنفي، أبي الحسين، قال السَّمْعَانيُّ: انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بالعراق، وعزَّ عندهم قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، مديماً لتلاوة القرآن، (ت: 428هـ)، أول مختصره: الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والصَّلاة والسَّلام على رسوله مُحمد وآله أجمعين ... ، وهو الذي يطلق عليه لفظ الكتاب في المذهب، وهو متنٌ متينٌ معتبرٌ متداولٌ بين الأئمة الأعيان، وشهرته تغني عن البيان، وشروحه كثيرة جداً، منها شرح الإمام أحمد بن مُحمد المعروف بأبي نصر الأقطع، ثم ذكر ما يزيد على ثلاثين شرحاً، ولعل آخرها شرح العلامة عبد الغني الميداني وسمَّاه «اللُّباب في شرح الكتاب»، وكان مقرراً في الدراسة الأزهرية، ويدرس في جهات عديدة من العالم الإسلامي، ينظر: الفوائد ص30، تاج التراجم ص98 ..
(¬2) للإمام عليُّ بن أبي بكر بن عبد الجليل، الفَرْغاني المَرْغِينانيُّ، أبو الحسن، برهان الدين، لم ترَ العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، تفقَّه على الأئمة المشهورين، منهم: نجم الدين أبو حفص عمر النَّسفيّ، والصَّدر الشَّهيد، وغيرهما من أعيان العلم، أقر له بالفضل والتقدم أهلُ عصرِه، من تصانيفه: «مختار مجموع النَّوازل»، و «كفاية المنتهي»، و «مختارالفتاوى»، (ت:593هـ)، ينظر: تاج التَّراجم ص206، ومعجم المؤلفين ج7، ص457، وكتائب أعلام الأخيار ج3، ص5، وطبقات الحنفيَّة ص241 ..
(¬3) للإمام عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، أبو الفضل، مجد الدين، والموصلي نسبة إلى الموصل في جزيرة ابن عمر، قال اللكنوي: وهو من المشايخ المعتبرين، من مؤلفاته: «المختار للفتوى» وشرحه «الاختيار لتعليل المختار»، و «المشتمل على مسائل المختصر»، (ت:683هـ) ينظر: الجواهر المضيئة ج2، ص349 - 350، وتاج التّراجم ص176، و الفوائد البهية ص180.
(¬4) للإمام عمر بن صدر الشريعة الأول أحمد بن عبيد اللهِ، المحبوبي البخاري الحنفي، وهو الجدُّ الصّحيح لصدر الشريعة الأصغر عبيد الله بن مسعود، (ت:672هـ) والله أعلم، له: «نهاية الكفاية في دراية الهداية» كما في معجم المؤلفين ج7، ص273، وهدية العارفين ج1، ص787، ولآلئ المحار ج1، ص245.
(¬5) للإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، فقيه حنفي، مفسر، من أهل إيذج من كور أصبهان، نسبته إلى نسف ببلاد السند، بين جيحون وسمرقند، له مصنفات جليلة، منها «مدارك التنزيل» في تفسير القرآن، و «كنز الدقائق» في الفقه، و «المنار» في أصول الفقه و «كشف الأسرار»، و «الوافي» في الفروع، و «الكافي في شرح الوافي»، وغيرها (ت:710هـ =1310م). ينظر: الدرر الكامنة ج3، ص17، ومعجم المؤلفين ج6، ص32، والاعلام ج4، ص67.
الجزء 1 · صفحة 49
6ـ النُّقاية لصدر الشَّريعة (¬1).
7ـ مُلتقى الأبحر للإمام إبراهيمَ الحلبيِّ (¬2).
فإنَّ هذه المتون موضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرِّواية، ـ بخلاف متن «الغُرر» لمنلا خسرو، ومتن «التَّنوير» للتُّمُرْتاشي الغزّي، فإنَّ فيها كثيراً من مسائل الفتاوى ـ وأصحابها متفقون على الالتزام بذكر قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، والرَّاجح في المذهب في كل ما يوردون، ويهتمون كثيراً جداً بجمع مسائل كثيرة في متونهم، مع اختصار شديد في العبارة، ويختلفون في أنَّ بعضهم يذكر بعض المسائل وبعضهم لا يذكرها (¬3).
وهذه المتون مقدَّمة على غيرها من الكتب؛ لأنَّها اشتملت على أصول بناء المذهب وقواعده، وتُعَدُّ أعلى الكتب رتبةً (¬4).
والمراد بمسائل ظاهر الرِّواية: المسائل المرويَّة عن أصحاب المذهب، وهم: الإمام أبو حنيفة النُّعمان بن ثابت المتوفى سنة 150هـ، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفى سنة 182هـ، ومُحمد ابن الحسن الشَّيباني المتوفى سنة 189هـ، ويلحق بهم الإمام زُفَرُ بنُ الهذيل المتوفى سنة 158هـ، والحسن بن زياد اللؤلؤي المتوفى سنة 204هـ.
وأما كتب ظاهر الرواية فهي كتب الإمام مُحمد بن الحسن الخمسة: المبسوط، ويقال له: الأصل، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسِّير الكبير، والزِّيادات.
¬
(¬1) للإمام عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفى صدر الشريعة الأصغر من علماء أصول الفقه والدين له كتاب التنقيح فى أصول الفقه وشرح التوضيح وكتاب شرح الوقاية فى فقه الأحناف، (ت:747هـ). ينظر: الفوائد البهية ص185، وكتائب أعلام الأخيار ج1، ص287.
(¬2) له ترجمة كاملة في مبحث مستقل.
(¬3) ينظر: مقاصد الوسائل ص 302.
(¬4) ينظر: مقاصد الوسائل ص303.
الجزء 1 · صفحة 50
قال العلَّامةُ ابن عابدين - رضي الله عنه -: في رسالته «عقود رسم المفتي» (¬1):
وكتبُ ظاهر الروايةِ أتتْ ... ستّاً (¬2) وبالأصول أيضاً سمِّيتْ
صنَّفها مُحمَّدُ الشَّيباني ... حرَّر فيها المذهبَ النُّعماني
الجامعُ الصغيرُ والكبيرُ ... والسِّيرُ الكبيرُ والصغيرُ
ثمَّ الزياداتُ مع المبسوطِ ... تواترتْ بالسندِ المضبوطِ
وسُمِّيت بظاهر الرِّواية لأنَّها رويت عن مُحمَّد بن الحسن برواية الثِّقات، فهي ثابتة عنه، إمَّا متواترة أو مشهورة، وتُعدُّ كتبُ ظاهر الرِّواية الأصلَ المعتمدَ الذي يُرجَع إليه في فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وحيث نُصَّ على المسألة فيها فهي المذهب، وغيرُه لا اعتبار لما يرويه إذا خالفها إلا في مسائل قليلة.
وقد عني العلماء بكتب مُحمد بن الحسن من القديم، فشرحوها، وخرَّجوا مسائلها، وأصَّلوا أصولَها, وفرَّعوا عليها.
وقد قام في أوائل المئة الرابعة الهجريَّة الإمام الكبير، أبو الفضل مُحمد بن مُحمد بن أحمد المروزي، المشهور بالحاكم الشَّهيد (¬3) بجمعها في كتاب واحد سماه «الكافي» ذكر فيه ما جاء في كتب الإمام مُحمد الخمسة، وحذف المكرر من المسائل؛ لأن مُحمداً - رضي الله عنه - كان يذكر المسألة الواحدة في أكثر من كتاب من كتبه أحيانا، وقد اكتفى الحاكم الشَّهيد بذكر المسألة مرةً مرةً.
¬
(¬1) ينظر: شرحه للمنظومة المسمّاة بعقود رسم المفتي ص97.
(¬2) الراجح المختار: أن كتب ظاهر الرواية خمسة كتب لا ستة، وأن «السير الصغير» هو جزء من كتاب «الأصل» وليس كتابًا مستقلاً، ولتفصيل المسألة ينظر: المدخل المفصل ص548 وما بعدها، وأسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية ص49 وما بعدها.
الخليلي، لؤي بن عبد الرؤوف، أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية، ط2، 2016م، دار الفتح، عمان.
(¬3) هو محمد بن محمد بن أحمد المروزي السلمي البلخي، أبي الفضل، الحاكم الشهيد، قال السمعاني: إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره، ومن مؤلفاته: «المنتقى»، و «الكافي»، و «المختصر»، (ت: سنة334هـ)، ينظر: الجواهر المضيئة ج3، ص313 - 315، والفوائد البهية ص305 - 306.
الجزء 1 · صفحة 51
وقد شرح كتابَ «الكافي» شمسُ الأئمة السَّرَخْسِيُّ المتوفى سنة 490هـ في كتاب كبير جليل سماه «المبسوط» (¬1)، وهو في ثلاثين مجلداً، وقد أفاض في بيان أصول المسائل وأدلتها وأوجه القياس فيها، ويُعَدُّ عند أهل العلم حُجَةٌ في المذهب في كل ما اشتمل عليه.
ويُعَدُّ مذهبُ الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أوَّلَ المذاهب الأربعة المتبوعة التي حُرِّرَتْ وهُذِّبَتْ ورُتِّبَتْ، وبُوبت، وتناولتِ المسائل، وتصدت لكبريات المشاكل، ورُويت بالطرق الصحيحة، وسايرت حوادث الزمن، وحققت كلَّ الفرض في تلك القرون الطويلة الماضية، وستلبي بعون الله حاجاتِ المكلفين في الأجيال المقبلة الباقية.
وجديرٌ بكلِّ عاقلٍ أن يُقدِّرَ جهودَ هؤلاء الفقهاء المجتهدين، ويوليَهم عنايته، ويترسَّم منهجهم في التفقُّهِ، لأنَّه أمثلُ المناهج وأصحُّها، فقد بذلوا رحمهم الله غاية وسعهم في سبيل إسعاد أمتهم، وخلَّفوا علماً نافعاً وثروةً فقهيَّةً واسعةً ينتفع بها المسلمون في كل عصر ومصر ويهتدون بهديها، ويقتبسون من نورها، ويعوِّلون عليها في بناء حضارتهم المميزة، وتحقيق سعادتهم، وإشاعة العدل والطمأنينة في المجتمع الإسلامي المنشود.
وبعد هذا الاستطراد، نعود إلى كتاب «مُلتقى الأبحر»:
قال في مقدمته: «الحمد لله الذي وفقنا للتفقُّه في الدِّين، الذي هو حبْلُه المتين، وفضلُه المبين، وميراثُ الأنبياء والمرسلين، وحجَّتُه الدَّامغة على الخلق أجمعين، ومَحَجَّتُه السالكةُ إلى أعلى علّيين، والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه مُحمَّدٍ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، والعلماء العاملين.
وبعدُ:
فيقولُ المفتقِرُ إلى رحمة ربه الغنيِّ، إبراهيمُ بنُ مُحمد بنِ إبراهيمَ الحلبيُّ: قد سألني بعضُ طالبي الاستفادةِ أن أجمع له كتاباً يشتمل على مسائل القُدُوري والمُختار والكنز والوقاية بعبارة سهلة غير مغلقة، فأجبته إلى ذلك، وأضفتُ إليه بعضَ ما يحتاج إليه من مسائل المَجْمَعِ، ونُبذةً من الهداية.
¬
(¬1) للإمام محمد بن أحمد بن أبى سهل السّرخسى، شمس الائمّة الفقيه الحنفي، صنّف: «شرح أدب القاضى لأبي يوسف»، و «شرح الجامع الصغير للشيباني» و «شرح الحيل الشرعية للخصاف»، و «شرح مختصر الطحاوي»، و «المبسوط» في الفروع وهو شرح الكافي للحاكم الشهيد، (ت:483هـ). ينظر: هدية العارفين ج2، ص76، ومعجم المؤلفين ج8، ص239، والأعلام ج5، ص315.
الجزء 1 · صفحة 52
وصرَّحت بذكر الخلاف بين أئمتنا، وقدمت من أقاويلهم ما هو الأرجح، وأخَّرتُ غيرَه إلَّا إن قيَّدتُه بما يفيد الترجيح.
وأما الخلاف بين المتأخِّرين، أو الكتب المذكورة فكلُّ ما صدَّرتُه بلفظ (قيل) أو (قالوا) وإن كان مقروناً بالأصح ونحوِه فإنَّه مرجوحٌ بالنسبة إلى ما ليس كذلك، ومتى ذكرت لفظ التثنية من غير قرينةٍ على مرجعها فهو لأبي يوسف ومُحمد رحمهما اللهُ تعالى.
ولم آلُ جهداً في التَّنبيه على الأصحّ والأقوى، وما هو المختار للفتوى.
وحيث اجتمع فيه الكتبُ المذكورة سمَّيته (بملتقى الأبحر) ليوافق الاسمُ المسمَّى.
واللهَ سبحانه وتعالى أسالُ أن يجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى اللهَ بقلب سليم» انتهى.
وصف الباقاني (¬1) كتاب «ملتقى الأبحر»: بأجلِّ متون المذهب وأجمعها، وأتمّها فائدة وأنفعها (¬2).
وقال عنه الحصكفي: سار بذكره الرُّكبان، واعتبره الموالي والأعيان في غالب البلدان (¬3).
وقال عنه شيخ زاده: «إنَّ الكتاب المسمَّى بملتقى الأبحر بحر زاخر، وغيث ماطر، وإن كان صغير الحجم ووجيز النظم، لكن جميع الواقعات من المسائل قد يوجد في قعره أو في الساحل، وهو أنفع متون المذهب وأجلّها، وأتمُّها فائدة وأكملها، خالٍ عن الزوائد المُمِلَّة والاختصارات المُخِلَّة، وشهرته فوق الإطناب في مدحته، رحم اللهُ مؤلفه وتغمده بمغفرته.
¬
(¬1) في كشف الظنون ج2، ص1815 هو نور الدين علي الباقاني القادري تلميذ البهنسي، وفي لآلئ المحار ج1، ص295 هو نور الدين محمود بن بركات بن محمد الدمشقي الحنفي مدرس القيمرية المعروف بالباقاني من قرى نابلس، فقيه واعظ، أصله من باقة، ولد بدمشق وتوفى بها رحمه الله سنة 1003.
(¬2) كما في كشف الظنون ج2، ص1815، ولآلئ المحار ج1، ص295.
(¬3) وتمام عبارة الحصكفي - رضي الله عنه -: «التمس مني بعض المترددين أفاضل المشتغلين بعد شروعه في قراءة المتن المسمّى بملتقى الأبحر الذي سار بذكره الركبان، واعتبره الموالي والأعيان في غالب البلدان لشيخ شيوخنا فريد العصر والأوان الشيخ إبراهيم الحلبي نزيل القسطنطينية المحميّة، عليه رحمة ربّ البريّة ... ». ينظر: مقدمة الدّر المنتقى بهامش الملتقى ص8.
الجزء 1 · صفحة 53
وقد شرحه بعض من العلماء، وكشف عن حقائقه غير واحد من الفضلاء، إلَّا أنَّ منهم من أطنب بلا فائدة، ومنهم من أوجزَ بلا ربط ولا قاعدة، لا يرى فيما قالوا: شفاء لعليل ولا رواء لغليل، بل لا يخلو من زيغان الأبصار على النَّاظرين، والتَّخالج في بال أكثر المتأملين.
فأردت تبيين مكنونه عن كلِّ محكم وغامض، وتحقيق له من كلِّ حلو وحامض، من غير إطناب ممل، وإيجاز مخلّ، وألحقت به كثيراً من الفوائد الجمَّة، والمسائل المهمَّة، متوغلاً في تلخيص الحقِّ والصَّواب، وتمييز القشر عن اللُّباب، مع قلَّة البضاعة وكثرة الهموم والآلام، واشتعال نيران شدائد الطريق في اللّيالي والأيام، واختلال الحال، وتراكم بواعث الملال، ... » انتهى (¬1).
وقدِ انْتهى من تأليفِه سنة 923هـ، وشرحَه تلميذُه الحاج عليّ الحلبيُّ المتوفى سنة 967هـ، وأورد فيه الاعتراض والجروح على شرح المتون الأربعة.
المطلب السابع: مكانتُه الفقهيةُ، وثناءُ العَلماءِ عليه:
يُعتبر الإمام إبراهيم الحلبيُّ - رضي الله عنه - من كبار الفقهاء؛ لغزارة علمه، حيث كان جبلاً من جبال العلم، وكان يجمع مع هذا العلمِ الزُّهذَ والتَّقوى، والأخلاق الكريمة.
والعلَّامةُ الحلبيُّ - رضي الله عنه - بتراثِه الضَّخْمِ، وما تركَه لنا من مُصنفاتٍ تعكسُ لنا صورةً واضحةً عن الحالةِ العِلميَّةِ والفكريةِ الَّتِي كانتْ في عصرِه، ومقدرتَه الفائقةَ على البحثِ والبسطِ والإيضاحِ، وهو ما أشارَ إليه العُلماءُ في الثَّناءِ عليه، فهو:
العالِمُ الفاضلُ المولى الشَّيخُ الفقيهُ الحنفيُّ.
ذكره الشيخُ «بدر الدِّين الغزيُّ» في رحلته، وقال في حقِّهِ: الشيخُ الصالحُ، العالمُ الأوحدُ، الكاملُ الخير، الجيّدُ، المقرىءُ الْمُجَوِّدُ (¬2)، وذكر أنَّه اجتمعَ به مرَّات عديدة، وأنه كان يستعيرُ منه بعضَ الكتبِ، وأثني عليه، ودعا له.
¬
(¬1) من مجمع الأنهر ج1، ص 8.
(¬2) ينظر: الطَّبقات السَّنيّة ج1، ص67 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 54
وذكرَه صاحبُ «الشَّقائق» وبالغَ في الثَّناء عليه، وحكى: أنه صارَ مُدَرِّساً بدار القُرَّاءِ الَّتي عمَّرَها المفتي سعدي افندي (¬1)، وأنَّه كان ماهراً في العلومِ العربيةِ، والتفسيرِ، والحديثِ، وعلومِ القراءاتِ، والفقه، وكانتْ له فيها يدٌ طولى، وكانت أكثرُ فروعِ المذهبِ نُصْبَ عينيه.
وكان ورعاً تقيَّاً، نقيَّاً، زاهداً، متورعاً، عابداً، ناسكاً، متجمعاً على النَّاس، وكان يُقْرِىءُ الطَّلبةَ.
وانتفعَ به كثيرون، وكان ملازماً لبيته، مشتغلاً بالعلمِ، لا يكاد يُرَى إلَّا في المسجدِ أو في بيتِه، ولا يلتذُّ بشيءٍ سوى العبادةِ والعلمِ ومذاكراتِه والتَّصنيفِ والكتابةِ.
وإذا مشى في الطَّريقِ يَغُضُّ بصرَه عن النَّاسِ، ولم يسمعْ منه أحدٌ أنَّه ذكرَ واحداً من النَّاسِ بسوءٍ (¬2).
وبالجُمْلةِ فقد كانَ من الفُضَلاءِ والمشهورينَ، والعلماءِ العاملينَ. رحمه اللهُ تعالى.
المطلب الثامن: درجته في الاجتهاد (¬3):
يُعَدُّ العلَّامةُ الحلبيُّ - رضي الله عنه - مِن طبقة المُتَأَخِّرِينَ من مجتهدي المذهب، وهذه الطبقة تشملُ علماءَ القرنِ التَّاسعِ الهجريِّ وما بعده، ويتلخصُ عملُهم فيما يلي:
1. التَّخريج على أُصول الأئمَّة وفروعهم، لكنَّه قليل بالنِّسبة إلى مَن سبقهم.
2. التَّرجيح والتَّصحيح للأقوال على حسبِ قواعدِ رسمِ المفتي، لكن نجد أنَّ تصحيحَهم وتضعيفَهم أقل درجة ممَّن سبقهم، لانتشار فكرة محدثي الفقهاء، والاعتماد عليها، وشيخنا إبراهيم الحلبي ممن ينتسب إلى مدرسة محدّثي الفقهاء.
¬
(¬1) هو سعد اللهِ بن عيسى بن أمير خان الشهير بسعدي جلبي مفتي الديار الرومية، له «حاشية على تفسير البيضاوي» و «حاشية على العناية شرح الهداية» ورسائل وتحريرات معتبرة، ذكره حافظ الشام البدر الغزي في رحلته، وبالغ في الثناء عليه (ت: 945هـ). ينظر: الكواكب السّائرة ج1، ص209، وشذرات الذّهب ج10، ص444، والأعلام ج3، ص88.
(¬2) ينظر: الشّقائق النّعمانيّة ج1، ص295ـ296.
(¬3) ينظر: شرح المنظومة المسماة بـ عقود رسم المفتي ص 171 ـ 177، والمدخل المفصل للفقه الحنفي ص 218و222و367و371و421، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ج1، ص13، وإسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي ص450.
الجزء 1 · صفحة 55
3. تمييز ظاهر الرِّوايةِ من غيره، والصَّحيح من الضَّعيف، لكنَّه أضعف من الطبقة التي سبقتهم، حيث إنَّهم ذكروا في متونهم وكتبهم بعض مسائل الفتاوى والنوادر وغيرها مما ليس بمعتمد في المذهب ومشوا عليه.
4. التَّقرير للمسائل الفقهيّة في الواقع بمراعاة بنائها وقواعد رسم المفتي.
5. جمع الأقوال المُصَحَّحَةِ والمُرَجَّحَةِ، إذ ظهرت الحاجة للتمييز بين الأقوال العديدة التي رُجِّحت وصُحِّحت في الطّبقات السّابقة، فاهتمَّ علماء هذه الطّبقة بجمعها وتنقيح الخلاف فيها، وبيان أقواها تصحيحاً وترجيحاً: كما فعل ذلك إسماعيل النّابلسي والبيري وابن عابدين.
6. الاهتمام بتقعيد على رسم المفتي، وجمع قواعده المختلفة من كلام السَّابقين، بما يدلُّ عليه فعل الفقهاء في كتبهم، فهو عبارة عن شذرات متفرقة من كتب علماء الطّبقات السّابقة.
7. كثرة الاستدلال بالسُّنَّةِ بطريق المُحَدِّثِينَ لمسائل الحنفية.
8. التَّوضيح والتَّقييد والتَّفصيل بالتَّحشية على شروح الطبقة التي سبقتهم وشروح طبقتهم.
9. الاهتمام بالأصول بطريقةِ الجمعِ بين طريقة المتكلمين والفقهاء.
10. تخريج أحاديث الكتب الَّتِي اشتهرت مِمَنْ سبقهم، ونسبتها إلى مظانِّها من الكتب الحديثية.
11. تقعيد القواعد الفقهية وترتيبها بهيئة واضحة المعالم (¬1).
ومن الواجب التَّنبيه على أن مدرسة محدّثي الفقهاء من متأخري الحنفيَّة وافقوا سير طبقة المجتهدين المنتسبين في اعتمادهم أُصولاً للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطَّبقة في التَّمكُّن من الأصول والفروع، يظهر في ضعف ترجيحاتهم بخلاف هذه الطبقة فإنَّ ترجيحها من أقوى التَّرجيحات وكذلك تخريجها، والأصول التي اعتمدوها قويةٌ بالمقارنة مع أصول الأئمة.
وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولها على أصول المحدِّثين مع ضعف ظاهر منهم؛ لما يوردون من أحاديث في استدلالاتهم يرجِّحون من خلالها، وغفلة واضحة عن طريقة الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقبولها وردها.
¬
(¬1) ينظر: وسائل المقاصد ص 115.
الجزء 1 · صفحة 56
قال الجصّاص (¬1): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريقة المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم»، لا سيما أن الوقوف على النُّصوص الحديثيَّة بصورتها الأدقّ والأحكم بالنِّسبة إلى هذه الطبقة أقوى؛ لقربها من العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأثبتُ وأصوبُ (¬2).
وكما صرَّح الذّهبيُّ (¬3): «وهذا في زماننا يعسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنَّ أولئك الأئمة كالبُخاريّ وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عِلَلَها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيدُ، وفُقِدَت العباراتُ المُتَيقَّنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَنُ على الحاكم في تصرُّفِه في المستدرك».
وعدم انتباه مَن في هذه المدرسة لقضية النقل المدرسي المتوارث المعتبر عند الحنفيَّة والمالكيَّة.
وهذا يفسر رد ابن عابدين على أقوالهم وترجيحاتهم والرجوع إلى مَن سبقهم في الوقوف على المعتبر في المذهب.
ونقصد بهذه المدرسة المتأخرة: ابن الهمام- وهو شيخها - ومن جاء بعده: كابن أمير الحاج، وشيخنا إبراهيم الحلبيّ، والقاري، والشُّرُنْبُلالي، واللّكنوي، وغيرهم (¬4).
قال في مقاصد الوسائل: «وما حصل من ظهور مدرسةٍ متأخِّرةٍ عند الحنفيَّة يُسمّون: فقهاء المحدِّثين ففي تقديري سببُه: عدم اطِّلاعهم الكافي على حقيقة النّقل المدرسيّ عند مجتهدي الحنفيَّة، وعدم انتباههم إلى أصول الحنفيَّة الخاصَّة في تمحيص ما ورد عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطرق فصَّلها عيسى بن أبان (¬5) وذكرها الجصاص في «الفصول في علم الأصول» (¬6).
¬
(¬1) في شرح مختصر الطّحاوي ج4، ص244.
(¬2) ينظر: أسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي ج1، ص23.
(¬3) في كتابه «الموقظة في علم مصطلح الحديث» ص46.
(¬4) ينظر: مقاصد الوسائل ص 112 و113.
(¬5) عيسى بن أبان بن صدقة بن موسى، أحد الأئمة الأعلام، تفقّه على محمد بن الحسن، وصحبه، وولي قضاء البصرة، ووُصِف بالذكاء والسخاء وسعة العلم، له: «الحجة الصغير»، و «الحجة الكبير»، و «خبر الواحد»، (ت:221هـ)، ينظر: الجواهر المضية ج1، ص401، وتاج التراجم 226 – 227.
(¬6) الفصول في الأصول لأحمد بن علي الرازي الجصاص، أبي بكر، وانتهت إليه رئاسة الحنفية، وسئل العمل بالقضاء فامتنع، تفقه على أبي الحسن الكرخي وتخرج به، وكان على طريقة من الزهد والورع، له: «أحكام القرآن»، و «شرح مختصر الكرخي»، و «الفصول في الأصول» وهو مقدّمة وضعها لكتابه «أحكام القرآن»، (ت:370هـ)، ينظر: تاج التراجم ص96، والجواهر ج1، ص84.
الجزء 1 · صفحة 57
وتوسعت فيها في عدة أبحاث، وهذا مما دعا هذه المدرسة أن تحاكي طريقة المحدِّثين، فتخالف بعض فروع الحنفيَّة، وتصحِّح في الفقه بناء على الحديث لا على التأصيل الفقهي في بعض المسائل ... .
وعلى كلٍّ فهي مدرسة لها وجودها في المذهب تمثِّل اتجاهاً أيَّد المذهب الحنفيّ حتى بطريق المحدِّثين، فجزاهم اللهُ خير الجزاء» انتهى (¬1).
وبتطبيق القواعد آنفة الذكر، وبالنّظر إلى كتب الشيخ إبراهيم الحلبي نجد أنّه ينقل معتمد المذهب بدقة عالية كما فعل في كتابه «ملتقى الأبحر»، فهو من المتون المعتمدة كما سبق تفصيله، فكان ـ - رضي الله عنه - ـ منهجه في الملتقى أنَّه التزم تقديم القول المعتمد، فقد قال - رضي الله عنه -: «قد سألني بعض طالبي الاستفادة أن أجمع له كتاباً يشتمل على مسائل القُدُوريّ والمختار والكنز والوقاية بعبارة سهلة غير مغلقة، فأجبته إلى ذلك، وأضفت إليه بعض ما يحتاج إليه من مسائل المجمع ونبذة من الهداية وصرحت بذكر الخلاف بين أئمتنا.
إلى أن قال - رضي الله عنه -: وقَدَّمتُ من أقاويلِهم ما هو الأرجحُ، وأخَّرتُ غيرَه إلّا إن قيدته بما يفيد التَّرجيح، وأمَّا الخلافُ الواقعُ بينَ المُتَأخِّرين أو بين الكتبِ المذكورةِ فكل ما صَدَّرتُهُ بلفظ قيل أو قالوا إن كان مقروناً بالأصحِّ ونحوه فإنَّه مرجوح بالنِّسبة إلى ما ليس كذلك، ومتى ذكرتُ لفظَ التَّثنية من غير قرينةٍ تدلُ على مرجعها فهو لأبي يوسف ومُحمد - رضي الله عنهما -.
ولم آلُ جُهداً في التَّنبيه على الأصحِّ والأقوى، وما هو المُختارُ للفتوى، وحيث اجتمع فيه سَمَّيتُه بـ «مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ» ليوافقَ الاسمُ المسمى» (¬2).
وحيث إنَّ المتونَ مقدّمةٌ على الشّروح والحواشي فيكونُ كتابُه من الكتبِ المعتمدةِ، وهي أصحُّ الكتبِ في المذهبِ، وكتب هذه الطّبقة هي أرفع الطّبقات وأقواها وأحراها بالقبول، وإليها يُحْتَكَمُ عند اختلاطِ عباراتِ الكتبِ.
قال ابن عابدين (¬3) في منظومة عقود رسم المُفْتِي (¬4):
¬
(¬1) من مقاصد الوسائل ص92.
(¬2) ينظر: مقدمة شيخنا إبراهيم الحلبي - رضي الله عنه - في مقدمة كتابه ملتقى الأبحر ص15ـ16.
(¬3) هو مُحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز، الشهير بابن عابدين، الحسيني، أمين الفتوى، علامة محقق، صاحب الحاشية الشهيرة، ولد بدمشق سنة 1198هـ، مشايخه: سعيد الحموي، ومحمد شاكر العقاد، ومُحمد الكزبري، وغيرهم الكثير، وتلاميذه: أخوه عبد الغني، ابن أخيه احمد بن عبد الغني عابدين، وحسن البيطار، والغنيمي، ومحمود الآلوسي، وعارف حكمت، حفظ القرآن والقراءات، كما حفظ «الشاطبية» و «الجزرية» وغيرها من العلوم، له مؤلفات كثيرة جداً، أشهرها: ردُّ المحتار على الدُّر المختار شرح تنوير الأبصار (ت:1252هـ). ينظر: أعلام الحنفيَّة من أهل البيت ص154 وما بعدها.
(¬4) تتكون من 74 بيتاً.
الجزء 1 · صفحة 58
وسابقُ الأقوالِ في الخانية ... وملتقى الأبحر ذو مزيَّة
لكن مؤلفاته الأخرى تحتاج إلى تدقيق وتحقيق وبحث في مدى ذكره للمسائل المعتمدة من غيرها، فنجد في كتاب «غنية المتملي» أموراً قد تنزل في الكتاب عن درجة الاعتماد، وهذه المسائل على قلتها لكن لا بد من الإشارة إليها:
أولاً: نقل الشيخ إبراهيم الحلبي مسائل على خلاف معتمد المذهب: مثال ذلك: ما ذكره من أن الماء المستعمل في إقامة السنة يتسامح فيه فلا يشترط فيه أن يكون بماء جديد، وهذا محل نظر، إذ الماء لا يصير مستعملاً إلا بالانفصال عن العضو، وتطهيرُ الحدث لا يكون إلا بالماء المطهر (¬1).
ومن المسائل التي نقلها الشيخ إبراهيم الحلبي - رحمه الله - مخالفاً فيها معتمد المذهب ما نقله عن ابن الهمام في اعتراضه على ما «جوامع الفقه» و «المحيط» من أن الماسح على الخف إنما ينزع إذا تمت المدة إذا لم يخف ذهاب قدميه من البرد، فإن خافه فله أن يمسح مطلقاً، وهذا الاعتراض من ابن الهمام ومتابعة العلامة الحلبي له محل نظر، فإن المنقول في المذهب المسح لا التيمم (¬2).
ثانياً: بما أن العلامة الحلبي - رحمه الله - ينتسب لمدرسة الفقهاء المحدثين فإنّه يرجح بظواهر الأحاديث في بعض الأحيان مخالفاً المنقول المعتمد في المذهب، من ذلك ما قاله بعد الحديث عن المسح على الخفين في أنّ المسح بثلاث أصابع يقوم مقام الكلّ ثم استدرك بعده بقوله: إلا أنه قد يقال الكمية مقصودة بالذات أي المقدار فينبغي ألا يجوز الاقتصار على قدر ثلاث أصابع بالقياس من غير نصّ اهـ (¬3).
¬
(¬1) لتفصيل المسألة ينظر ما ذكره المولى خسرو في درر الحكام ج1، ص36 وردّه على ما أورده صدر الشريعة في شرح الوقاية ج2، ص74 في هذه المسألة.
(¬2) المنقول في الكتب المعتمدة في المذهب أنّ المعتبر المسح لا التّيمم، النّسفي في الكافي ل14/أ، والفتاوى الخانية ج1، ص50، وخلاصة الفتاوى ل19/أ، والفتاوى التاتارخانية ج1، ص276، والفتاوى الوالوالجية ج1، ص61، والحاوي القدسي ص126، وتبيين الحقائق ج1، ص50، وقال ابن عابدين - رحمه الله - في ردّ المحتار ج1، ص276 بعدما نقل عن كثير من كتب المذهب أنّ المنقول هو المسح لا التّيمم: وقد قال العلامة قاسم: لا عبرة بأبحاث شيخنا ـ يعني ابن الهمام ـ إذا خالفت المنقول.
(¬3) والمعلوم أنّ المعتمد في المذهب ما في المتون، قال في ردّ المحتار ج3، ص59: والمتون مقدمة على الشّروح اهـ، وفي الشّرنبلالية ج2، ص276: ونحفظ عن مشايخنا تقديم ما في المتون والشّروح على ما في الفتاوى اهـ، فكيف وقد نقل القول بأنّ الثّلاث تقوم مقام الكلّ في المتون والشّروح والفتاوى بل وفي ظاهر الرّواية أيضاً، حيث قال محمد - رضي الله عنه - في المبسوط: المعتبر مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد اهـ.
الجزء 1 · صفحة 59
ثالثاً: باستقراء عبارات العلامة الحلبي - رضي الله عنه - نجد أن بعضها لا يخلو عن نوع تسامح، كأن يطلق في موضع فيه تقييد، أو أن يذكر مسألةً توهم عدم الخلاف فيها وغير ذلك، مثاله: ما أطلقه في حكم خروج أصحاب الاعذار من أعذارهم إذا أمكنهم رد العذر ولم يذكر فيه خلافاً، وهذا الاطلاق محل نظر إذ الحكم في رد المستحاضة لعذرها مختلف فيه (¬1).
كما نقل العلامة الحلبي - رضي الله عنه - حكم الريح الخارجة من الذكر والقبل في نقض الوضوء حيث قال: لا خلاف في الخارجة من الذكر ولا في الخارجة من القبل إذا لم تكن منتنة اهـ، والقول بأن الحكم متفق عليه في المسألتين من غير نقل خلاف فيه نظر إذ الصحيح أن في المُفضاة خلافاً ولو لم تكن منتنةً (¬2).
وكذلك نقل العلامة الحلبي - رضي الله عنه - مسألة من قاء دوداً من جوفه وأنه طاهر وأن ما يحمله قليل لا يملأ الفم وهذا محل نظر إذ المسألة مختلف فيها في كون هذا الدود طاهر أو نجس (¬3).
المطلب التاسع: وفاته (¬4):
نيفٌ وتسعون عاماً قضاها العَلَّامةُ الحلبيُّ - رضي الله عنه - في خدمةِ العلمِ وطلابِه، توفي - رضي الله عنه - سنة 956هـ = 1549م، بعد أن صارَ مُدَرِّساً بدار القُرَّاءِ في القسطنطينيةِ على تلكَ الحالِ، فرحمه اللهُ وجميعَ فقهاءِ المسلمينَ، ورفعَ درجاتِه في عِلِّيِّينَ، وجعلَه برفقةِ سيّدِ المُرسلينَ صَلى اللهُ عليه وآلِه وأصحابِه أجمعين، والحَمْدُ لله ربِّ العالمينَ.
¬
(¬1) ذكر هذا الخلاف في حلبة المجلي ج1، ص382، والمحيط البرهاني ج1، ص57، والبحر الرائق ج1، ص227، بل إن الطحطاوي في حاشيته على المراقي ص149 قد قال: وبحث بعضهم إلحاق السلس والاستطلاق بالاستحاضة اهـ.
(¬2) لتفصيل المسألة ينظر: المحيط البرهاني ج1، ص50، وبدائع الصنائع ج1، ص25، وخلاصة الفتاوى ل15/ب، والفتاوى التاتارخانية ج1، ص14.
(¬3) لتفصيل المسألة ينظر: المحيط البرهاني ج1، ص50، وبدائع الصنائع ج1، ص27، والبحر الرائق ج1، ص36، والنهر الفائق ج1، ص54.
(¬4) ينظر: الأعلام ج1، ص66، والطّبقات السّنيّة ج1، ص295 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 60
المبحث الثاني
تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ الْكَاشْغَرِيِّ (¬1)
المطلب الأول: عَصْرُهُ (¬2):
عاشَ الإمام الكاشغريُّ (¬3) - رضي الله عنه - في زمن شهدت فيه بلاد الإسلام أحداثاً جساماً، كسقوط بغداد وقتل معظم أهلها، وضعف خلفاء بني العبّاسِ، وتولي المماليك زِمامَ الأمورِ في مصرَ، وانتصارهم على التتار في موقعةِ عينِ جالوت.
فقد عاش الإمام الكاشغري - رضي الله عنه - في القرن السَّابع ومطلع القرن الثَّامن الهجري، وهو عصر مليءٌ بالأحداث والحروب والصّراعات في شتّى مجالات الحياة.
وسأعرض فيما يلي نبذةً موجزةً لأهم مظاهر ذلك العصر في الحياتين السِّياسيَّة والعلميَّة، وأبرز الظّروف التي أحاطت بحياة الإمام وشخصيته.
أولًا: الحالة السِّياسيَّة:
لقد كان القرنُ السَّابع الهجري من أسوأ القرون التي مرت بالإسلام والمسلمين؛ وذلك لكثرة ما وقع فيه من الأحداث الجسيمة، والحروب الطاحنة، وما تعرَّضت له الأمَّةُ الإسلاميَّةُ من الهجمات والنكبات، على أيدي ألدّ وأعتى الأعداء، وهم المغول والتتار.
¬
(¬1) ينظر: السُّلوك في طبقات العلماء والملوك ج2، ص143، والجواهر المضيئة ج2، ص339، وبغية الوعاة ج1، ص230، والأعلام ج7، ص32، ومعجم المؤلفين ج11، ص249، والعقود اللؤلؤيّة في تاريخ الدّولة الرّسوليّة ج1، ص303، وكشف الظنون ج2، ص160.
(¬2) ينظر: البداية والنهاية ج17، ص316 وما بعدها
(¬3) نسبة إلى كاشغر: وهي مدينة في وسط بلاد التّرك، وأهلها مسلمون، ينظر: معجم البلدان ج4، ص430.
الجزء 1 · صفحة 61
ففي أواخر سنة 616هـ قامت جنود المغول الكافرة الظّالمة بغزو العالم الإسلامي، ابتداءً ببلاد ما وراء النَّهر، فقتلوا العبادَ، وخرَّبوا البلاد، ولم يمض جزءٌ من العام الذي يليه، حتى أتمَّ المغولُ الاستيلاءَ على جميع بلاد ما وراء النَّهر، بما فيها مدينة سمرقند، حاضرة بلاد ما وراء النَّهر، وكان ذلك في اليوم العاشر من شهر اللهِ المحرم سنة 617هـ.
ثمَّ انسحبت جيوش المغول من هذه البلاد سنة620هـ، بعد أن عينوا نائباً موالياً لهم؛ لتبقى البلاد تحت سيطرتهم، غير أنَّ اضطرابات وصراعات على السُّلطة، كان سببها عدم وجود نظام واضح لتداول الحكم لدى المغول، ولذا فإننا نجد الحروب، والاستعداد لها، قد سيطرت على مجريات هذا العصر سيطرة كبيرة، فازدادت الفتن، وتلاحقت المحن، كما أنَّ الضرائب لتمويل تلك الحروب والانقلابات قد أرهقت أبناء البلاد.
وفي سنة 606هـ دخل المغول بغدادَ عاصمةَ الخلافة الإسلاميَّة آنذاك، فقتلوا أهلها، ونهبوا أموالها، وعثوا فيها الفساد، وكانت من أشد البلاد تضرراً من هذا الغزو، وكان هذا بتآمر وتدبير مع أبي العلقمي الرافضي (¬1) ـ عليه من اللهِ ما يستحق ـ وزير المستعصم بالله البغدادي (¬2)، آخر خلفاء الدولة العباسيَّة.
وفي سنة 657هـ واصلت جنود المغول زحفها نحو بلاد الشَّام، فاستولوا على أغلب بلادها، وجرى على أهلها ما جرى عل أهل بغداد، من سفك، وهتك، ونهب، وتخريب، وقضاء على جميع مظاهر الحياة هناك.
وتتابعت الأحداثُ بعد ذلك بزحف الجيوش متوجهة إلى بلاد مصر بدافع الانتقام والفساد والتّخريب، لكنَّ اللهَ أذلّهم، وأوقف مدَّهم، ونصرَ المسلمين عليهم، على يد القائد العظيم الملك المظفر قطز، سنة 658هـ.
¬
(¬1) هو محمد بن محمد بن علي البغدادي، مؤيد الدين ابن العلقمي، الوزير المبير، الرافضي، وزير المستعصم، أفشى الرفض، فعارضه السنة، وأكبت، فتنمر، ورأى أن هولاكو على قصد العراق، فكاتبه وجسره، وقوى عزمه على قصد العراق، ليتخذ عنده يدا، وليتمكن من أغراضه، وحفر للأمة قليبا، فأوقع فيه قريبا، وذاق الهوان، وبقي يركب كديشا وحده، بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب سلطان، فمات غبنا وغما، وفي الآخرة أشد خزيا وأشد تنكيلا. ينظر: سير أعلام النبلاء! ج23، ص362، وفوات الوفيات ج3، ص252، ومرآة الجنان وعبرة اليقظان ج4، ص105، وعقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ج1، ص49.
(¬2) هو المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله ابن المستنصر بالله الهاشمي، الخليفة الشهيد، ولد: سنة609هـ، لم يكن في حزم أبيه، وتيقظه، وعلو همته، وإقدامه، ثم إنه استوزر المؤيد ابن العلقمي الرافضي، فأهلك الحرث والنسل، وحسن له جمع الأموال، وأن يقتصر على بعض العساكر، فقطع أكثرهم، وكان يلعب بالحمام. ينظر: سير أعلام النبلاء ج23، ص175، وفوات الوفيات ج2، ص230، وعقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ج1، ص9.
الجزء 1 · صفحة 62
ثم تبعتها الانتصارات على التّتار حتى حرِّرت آخر مدن الشّام من أيديهم سنة 691هـ، وتواصلت مسيرة الجهاد الإسلامي في عهد المماليك على أيدي الملوك الصالحين، يحرِّرون البلاد، ويوقفون زحفَ المغول وعدوانَ الصَّليب.
وفي سنة 702هـ أعاد المغولُ الكرَّةَ وهاجموا بلاد الشّام، ووجهوا إليها عدداً من الغزوات، ولكنّ الجيوش الإسلاميّة تصدّت لهم، وكسرت شوكتهم، وهزمتهم شر هزيمة، وقتلوا الكثير منهم، وهرب من سلم منهم إلى المشرق (¬1).
وبعد هذا العرض الموجز نجد أنّ حياة المسلمين في هذه العصر كانت مليئةً بالحوادث الجسام، والمصائب العظام، ولا شك أنَّ الإمامَ الكاشغري عايش تلك الاضطرابات والأحداث، فسمع الكثير عما جرى فيه، وأثرت فيه.
ثانيًا: الحالة العلميَّة:
إنَّ من أهمِّ ما خسره العالمُ الإسلاميُّ بسبب غزو التتار في هذا العصر هو قتل العلماء وتشريدهم، وإتلاف الكثير من آثارهم ومؤلفاتهم حرقاً وغرقاً، بالإضافة إلى هدم المساجد والمكتبات، وتدمير المدارس والمراكز العلميّة، ولا شك أن كان لهذه الأفاعيل الشّنيعة آثار سلبيّة كبيرة على الحالة العلميّة (¬2).
فكان من أبرز آثار تلك الحروب والاضطرابات السّياسيّة أنّه مرَّ بالعلم وأهلِه مرحلة ركود وفتور، فقعدت الهمم عن الاجتهاد، ومالت إلى التّقليد، وبدأ عهد جديد من التّأليف، وهو عهد المتون والمختصرات، فلم يكن هذا العصر عصر إبداع كعصور الاجتهاد، بل كان في جملته عصر نقل وجمع، وتحقيق وتحرير، وتصحيح وتذهيب.
ومع عظيم ما حصل للأمَّة الإسلاميَّة في هذا العصر من نكبات وويلات، إلا أنَّ الحالةَ العلميَّةَ لم تصل إلى ما وصلت إليه الحالة السِّياسيَّة من التَّدهور والضَّعف الشَّديد، فقد برز عدد من العلماء الذين استشعروا المسؤولية، وعقلوا دورهم في هذه الفترة الحرجة، وأدركوا أهمية العلم وتعليمه، وجمع شتات
¬
(¬1) لقراءة أحداث تلك الفترة العصيبة ينظر: البداية والنهاية لابن كثير ج14.
(¬2) ولا أدل على ذلك من سقوط خلافة بغداد وتغريق كتبها في نهر دجلة، ينظر أحداث تلك الفترة في البداية والنهاية ج13، ص204 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 63
ما مُزِّقَ منه وتناثر، والعمل على حفظ تراث الأمة وإحيائه، فنشط التأليف، وصنفت الكتب الجامعة، والموسوعات النافعة.
وإن ممَّا يؤكد ذلك ما حفلت به كتب التّاريخ والسّير والتَّراجم من أسماء العلماء والأئمة، ومن المصنّفات والتّآليف في مختلف أنواع المعارف والعلوم، فقد حظي هذا العصر بعدد كبير من العلماء في أجزاء متفرقة من بلاد المسلمين في مختلف العلوم، فظهر منهم المفسرون (¬1)، والمحدِّثون (¬2)، والأصوليون (¬3)، والفقهاء (¬4)، واللُّغويون (¬5)، والمؤرخون (¬6)، والأطباء (¬7)، وغير ذلك.
ويذكر الباحث بعض علماء السَّادة الحنفيَّة الذين عاصرهم الإمام الكاشغريّ - رحمه الله - وشيئاً من سيرتهم:
1ـ العلامةُ بدر الدّين مُحمد بن محمود بن عبد الكريم الكَرْدَريُّ، المعروف بخُواهَرْ زادَه (¬8).
2ـ حافظ الدِّين، أبو البركات، النَّسَفِيُّ، عبد الله بن أحمد بن محمود (¬9).
3ـ الإمام يوسف سِبط ابن الجوزي (¬10).
¬
(¬1) أمثال: مُحمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، ت 671هـ، والقاضي عبد اللهِ بن عمر البيضاوي (ت:685هـ).
(¬2) كعثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح (ت: 643هـ)، ومحيي الدين يحيى بن شرف النّووي (ت: 676هـ).
(¬3) كشمس الدين مُحمد بن مُحمد الأصفهاني (ت: 688هـ)، وأحمد بن علي المعروف بابن الساعاتي (ت:694هـ)، وعلاء الدين علي ابن مُحمد الباجي (ت: 714هـ).
(¬4) وهم كثير، منهم: سلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت: 660هـ)، وأبو الفضل عبد اللهِ بن مًحمد الموصلي (ت: 683هـ)، وشهاب الدّين القرافي (ت: 684هـ)، وابن دقيق العيد علي بن وهب (ت: 702هـ).
(¬5) ومنهم: جمال الدين مُحمد بن عبد اللهِ بن مالك (ت: 672هـ)، ومُحمد بن مكرم ابن منظور (ت:711هـ).
(¬6) ومن أشهرهم: أحمد بن مُحمد المعروف بابن خلكان (ت: 681هـ).
(¬7) ومن أبرزهم: علاء الدّين علي بن أبي الحزام الدمشقي المشهور بابن النّفيس (ت: 687هـ).
(¬8) وهو ابن أخت شمس الأئمة الكَرْدَري، أخذ عن خاله شمس الأئمَّة الكَرْدَري، وهذا اللفظ يقال لجماعة من العلماء، كانوا أولاد أخت عالم، والمشهور بهذه النّسبة عند الإطلاق اثنان: أحدهما متقدم في الزمان، والآخر متأخر عنه. فالمتقدم أبو بكر، مُحمد بن حسين البخاري، ابن أخت القاضي أبي ثابت، مُحمد بن أحمد البخاري، وقد تكرر ذكره في «الهداية» بلقبه هذا؛ وهو مراد صاحب الهداية. والمتأخر خُواهَرْ زادَه، هو هذا الإمام بدر الدين، مُحمد بن محمود الكَرْدَري، ابن أخت شمس الأئمَّة الكَرْدَري. توفي سنة 651هـ، ودفن عند خاله. ينظر: شذرات الذهب ج11، ص208، والأعلام ج6، ص100.
(¬9) أخذ عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، والإمام زين الدين العَتَّابيّ، صاحب: «المنار»، و «الكافي»، و «الكنز»، زاهد المتأخّرين، صاحب التّصانيف المفيدة في الفقه والأصول، له: «المستصفى» في شرح «المنظومة»، وله شرح «النافع»، سمَّاه بـ «المنافع»، وله «الكافي في شرح الوافي»، و «الوافي» تصنيفه - أيضاً –، وله «كنز الدقائق»، وله «المنار» في أصول الفقه، وله «المنار» في أصول الدين، وله «العمدة»، وقد مّرت ترجمته سابقاً.
(¬10) هو يوسف بن قزأوغلي أو قزغلي ابن عبد الله، أبو المظفر، شمس الدين، سبط أبي الفرج ابن الجوزي، ولد سنة 581هـ = 1185م، مؤرخ. من الكتاب الوعاظ. ولد ونشأ ببغداد، ورباه جده. وانتقل إلى دمشق، فاستوطنها وتوفي فيها. من كتبه «مرآة الزمان في تاريخ الأعيان»، و «الجليس الصالح»، و «كنز الملوك في كيفية السلوك»، ... وأُعطِيَ القبولَ من الملوك والأمراء والعلماء، (ت:654هـ=1256م). ينظر: ميزان الاعتدال ج3، ص333، وشذرات الذهب ج5، ص266، والنجوم الزاهرة ج7، ص39.
الجزء 1 · صفحة 64
4ـ مختار بن محمود الزاهدي (¬1).
5ـ مجد الدِّين، أبو الفضل، الموصليُّ، عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود (¬2).
6 - إسماعيل بن عثمان، رشيد الدين، المعروف بابن المعلم (¬3).
7 - نجم الدين، أبو الطاهر إسحاق بن علي بن يحيى (¬4).
8 - قاضي القضاة، أبو العباس، السَّرُوجيُّ، أحمد بن إبراهيم (¬5).
¬
(¬1) هو مختار بن محمود بن مُحمد الزاهديّ، أبو الرجاء المزميني الإمام الملقب نجم الدين، من مؤلفاته: «المجتبى شرح القُدُوري»، و «القُنية»، له رسالة لطيفة سمَّاها «النَّاصرية»، قال الإمام اللكنوي: طالعتهما فوجدتهما على المسائل الغريبة حاويين، ولتفصيل الفوائد كافيين، إلا أنه صرح ابن وهبان، وغيره: أنَّه معتزلي الاعتقاد، حنفي الفروع، وتصانيفه غير معتبرة ما لم يوجد مطابقتها لغيرها؛ لكونها جامعة للرطب واليابس (ت: 658هـ) كما في الجواهر المضيئة ص396، والفوائد البهيَّة ص349، وكشف الظّنون ج2، ص1357.
(¬2) هو عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل، ولد بالموصل سنة 599هـ، فقيه حنفي، من كبارهم، ورحل إلى دمشق، وولي قضاء الكوفة مدة. ثم استقر ببغداد مدرسا، وتوفي فيها، وحدَّث عن ابن طَبَرْزَذ، وكان فقيهاً، عارفاً بالمذهب، وليَ القضاء بالكوفة، ثم عزل، ورجع إلى بغداد، ودرس بمشهد الإمام أبي حنيفة، وأفتى، (ت: سنة 683هـ)، له: كتاب «المختار»، وكتاب «الاختيار لتعليل المختار»، وغيرهما. ينظر: الاعلام ج4، ص135، والجواهر المضيئة ج2، ص349، وتاج الّتراجم ص176، والفوائد البهية ص180.
(¬3) هو إسماعيل بن عثمان بن محمد، رشيد الدين أبو الفضل القرشي التيماني ثم الدّمشقي الحنفي، ابن المعلم، قال الذهبي: «ولد سنة 623هـ، بدمشق، تلا بالسبع على السّخاوي، وسمع من الزبيدي، وبرع في الفقه والعربية، ودرس وأفتى. وكان ذا زهد وانقباض»، عمر دهراً، أخذ عن جمال الدين محمود الحَصِيريِّ، وسمع من الإمام ابن الصلاح، وكان الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، يُعظِّمه، ويُثني على علمه، وفضله، وديانته، وعنده زهد، وانقطاع عن الناس، (ت: بالقاهرة في الخامس من رجب، سنة 714هـ)، ودفن بالقرافة، ينظر: بغية الوعاة ج1، ص451، والوفي بالوفيات ج9، ص93، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ج2، ص398، وأعيان العصر وأعوان النصر ج5، ص431.
(¬4) هو إسحاق بن علي بن يحيى، أبو الطاهر الحلبي، نزيل القاهرة شيخ الحنفية في وقته تفقه ومهر حتى شرح الهداية وناب في الحكم عن معز الدين النعماني ودرس بالأزكوجية والمنصورية والفارقانية ومات بالأزكوجية في خامس المحرم سنة 711 هـ، وله حواشٍ على «الهداية» في مجلدين. ينظر: الدّرر الكامنة ج1، ص425، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ج2، ص363، ومعجم المؤلفين ج2، ص235.
(¬5) هو أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، الحنفي شمس الدين أبو العباس السّروجي القاضي، ولد سنة 637هـ وقيل 639هـ، وتفقه أولا حنبليّاً وحفظ المقنع ثم تحول حنفيّاً وحفظ الهداية، قال الذهبي: كان نبيلا وقورا كثير المحاسن وله رد على ابن تيمية بأدب وسكينة وصحة ذهن ورد ابن تيمية على رده ويقال أنه شرب ماء زمزم لقضاء القضاة فحصل له قضاء بديار مصر، وصنَّف وأفتى، ووضع شرحاً على كتاب «الهداية» وسمَّاه «الغاية»، تفقَّه على قاضي القضاة، صدر الدِّين، سليمان بن أبي العز وهيب، وعلى نجم الدَّين أبي الطاهر، إسحاق بن علي بن يحيى، وصاهرَه. ومات بالمدرسة السُّيوفيَّة في مصر، سنة 710هـ، ودفن بتربته بقرافة مصر، جوار قبة ضريح الإمام الشّافعي - رضي الله عنه -. ينظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ج1، ص468، والنّجوم الزّاهرة ج9، ص212، والدّرر الكامنة ج1، ص103، ومرآة الجنان وعبرة اليقظان ج4، ص186، والعبر في خبر من غبر ج4، ص24، والأعلام ج1، ص86، ومعجم المؤلفين ج1، ص140.
الجزء 1 · صفحة 65
9 - حسام الدين، الصِّغناقيُّ، الحسين بن علي بن حجاج (¬1).
10ـ أحمد بن السَّاعاتيّ (¬2).
11ـ جلال الدِّين الخبَّازيّ (¬3).
12ـ علي بن بَلَبَان بن عبد اللهِ، الفارسي (¬4).
¬
(¬1) هو الحسين بن علي بن حجاج، حسام الدين الصغناقي، الحنفي، الفقيه الكبير، البارع المفنن، تفقه على الإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر، وفوض إليه الفتوى والتدريس وهو شاب، وعلى العلامة فخر الدين محمد بن محمد المايمريمي، وروى عنهما الهداية بسماعهما عن شمس الأئمة الكردري، دخل مصر وحج، ودخل بغداد، وشرح الهداية على مذهبه، وأصول الفقه للإخسيكتي، ودرس بمشهد الإمام أبي حنيفة، ورفع إلى بلده، فأدركته المنية؛ فتوفي بمرو سنة 711هـ. ينظر: المنهل الصافي ج5، ص163، ومعجم المؤلفين ج4، ص28.
(¬2) هو أحمد بن علي بن تغلب أو ثعلب، البغداديّ، البَعْلَبكيّ الأصل، مظفرُ الدين ابن الساعاتي وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة على باب المُستَنْصرية ببغداد، ولد في بعلبكّ، وانتقل مع أبيه إلى بغداد فنشأ بها في المدرسة المستنصرية وتولى تدريس الحنفية فيها، قال اليافعي: كان ممن يضرب به المثل في الذكاء والفصاحة وحسن الخطّ، له مصنفات منها «مجمع البحرين وملتقى النيرين»، و «بديع النظام الجامع بين كتابي فخر الإسلام البزدوي والإحكام للآمدي» في أصول الفقه، و «الدر المنضود في الرد على ابن كمونة فيلسوف اليهود»، و «نهاية الوصول إلى علم الأصول» إمام كبير، عالمٌ علَّامةٌ، وكان الشيخ شمس الدِّين الأصبهانيُّ يُفَضِّله ويثني عليه، ويرجِّحه على الشيخ جمال الدِّين ابن الحاجب، ويقول: هو أذكى منه، (ت:694هـ). ينظر: مرآة الجنان ج4، ص227، والفوائد ص26، وهدية العارفين ج1، ص100، والجواهر المضيئة ج1، ص80، والاعلام ج1، ص175.
(¬3) هو عمر بن محمد بن عمر، أبو محمد الخجندي، أحد مشايخ الحنفية الكبار، أصله من بلاد ما وراء النهر، واشتغل هناك، ودرس بخوارزم، وأعاد ببغداد، ثم قدم دمشق، وكان فاضلا، بارعا، منصفا مصنفا في فنون كثيرة، وقال الذهبي في حقه: المفتي الزاهد الحنفي، رأيته لما قدم دمشق فدرس بالمعزية البرانية، ثم حج، ودرس بالخاتونية البرانية، من تصانيفه «الحواشي على الهداية» المشهورة، و «المغنى في أصول الفقه»، (ت: سنة 691هـ). ينظر: تاج التّراجم ص35، والجواهر المضيئة ج1، ص398، والفوائد البهية ص151، وشذرات الذهب ج5، ص419، ومعجم المؤلفين ج7، ص315.
(¬4) هو علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسيّ، المنعوت بالأمير: فقيه حنفي، ولد سنة 675هـ، سكن القاهرة وتوفي بها، أخذ الفقه عن السّروجي، من كتبه «المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية»، و «الأحاديث العوالي»، و «شرح تلخيص الجامع الكبير للخلاطي»، و «السيرة النبويّة» مختصر، و «المناسك»، و «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان»، و «تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق»، (ت:739هـ). ينظر: الجواهر المضيئة ج1، ص354، والفوائد البهية ص118، والدرر الكامنة ج3، ص32، وبغية الوعاة ج1، ص331، والأعلام ج4، ص267، ومعجم المؤلفين ج7، ص48، وأعيان العصر وأعوان النصر ج3، ص312، والوافي بالوفيات ج20، ص166.
الجزء 1 · صفحة 66
13ـ علاء الدين ابن التركماني (¬1).
14ـ فخر الدِّين، أبو عمر، الزيلعيّ (¬2).
15ـ قِوام الدِّين، الأتقانيّ (¬3).
16ـ الرضيُّ الرومي (¬4).
17 - ابن الفصيح (¬5).
¬
(¬1) هو علي بن عثمان بن إبراهيم المارديني، قاضي القضاة، الشهير بابن التركماني، أبو الحسن: قاض حنفي، من علماء الحديث واللغة. من أهل مصر، مولده سنة 683هـ، وكان إماماً في الفقه، والتفسير، والحديث، والأصول، والفرائض، والحساب، والشّعر، والعروض، أفتي، ودرَّس، وأفاد، وصنَّف، وله: كتاب «المنتخب في علم الحديث»، و «المؤتلف والمختلف»، وكتاب «الضعفاء والمتروكين»، وكتاب «الجوهر النَّقي في الرد على البيهقي»، وغيرها الكثير، (ت: 750 هـ). ينظر: النجوم الزاهرة ج10، ص246، والفوائد البهية ص123، والأعلام ج4، ص311.
(¬2) هو عثمان بن علي بن محجن الصوفيّ، البارعيّ، قدم القاهرة سنة 705هـ، فدرَّس، وأفتى، وكان مشهوراً بمعرفة الفقه، والنَّحو، والفرائض، فأجاد وأفاد، وحرَّر وانتقد، وصحَّح ما اعتمد، له «تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق»، و «تركة الكلام على أحاديث الأحكام»، و «شرح الجامع الكبير» (ت: سنة 743هـ). ينظر: الدرر الكامنة ج2، ص446، والفوائد البهية ص115، مفتاح السعادة ج2، ص143، والاعلام ج4، ص210.
(¬3) هو أمير كاتب بن أمير عمر العميد، ابن العميد أمير غازي الأتقاني، ولد بأتقان سنة 685هـ، درَّس بمشهد الإمام، بظاهر بغداد، وقدم دمشق مرَّتين، ثمَّ انتقل، ثمَّ انتقل إلى مصرَ، ودرَّسَ بالجامع المارداني، فلمَّا عمَّرَ الامير صرغتمش مدرسته المجاورة لجامع ابن طولون أجلسه بها مدرِّساً. كان رأساً في مذهب الحنفية، بارعاً، فائقاً في الفقه واللغة العربية، كثير الإعجاب بنفسه، شديد التعصب على من خالف المسطور في حكمه. صنَّف: شرح الهداية وسمَّاه «غاية البيان ونادرة الأقران في آخر الزمان»، وله: «رسالة في مسألة رفع اليدين»، وأخرى في «عدم صحة الجمعة في موضعين من البلد»، (ت: سنة 758هـ). ينظر: الدرر الكامنة ج1، ص414، والفوائد البهية ص50، النجوم الزاهرة ج10، ص325، والاعلام ج2، ص14.
(¬4) هو: إبراهيم بن سليمان الحموي المِنْطيقي، رضيُّ الدين الروميّ. درس بدمشق، ومات بها بعد الجمعة، في 26 ربيع الأول، سنة 732هـ، وقد جاوز الثمانين، وكان قد حجّ سبع مرات، شرح «الجامع الكبير» في ست مجلدات، وشرح «المنظومة» في مجلدين. وكان فقيهاً، نحوياً، مفسراً، منطقياً، ديِّنا، متواضعاً. ينظر: العبر ج4، ص92، وأعيان العصر ج2، ص372، وشذرات الذهب ج11، ص560.
(¬5) هو أحمد بن علي بن أحمد الكوفي البغدادي، أبو طالب، فخر الدين ابن الفصيح: فاضل، من فقهاء الحنفية، ولد سنة 680هـ، له نظم ونثر. أصله من الكوفة وانتقل إلى بغداد، وتصدّى للإفتاء والتدريس بدمشق، وتوفي فيها، من كتبه «نظم الكنز» باسم «مستحسن الطرائق في نظم كنز الدقائق»، و «نظم السراجية» في الفرائض، و «نظم المنار» 903 أبيات، في أصول الفقه، (ت: سنة 755هـ). ينظر: الأعلام ج1، ص175، والنجوم الزاهرة ج10، ص297، والدرر الكامنة ج1، ص204، والجواهر المضيئة ج1، ص79.
الجزء 1 · صفحة 67
18 - إسحاق بن أبي بكر النَّحاس (¬1).
19 - القطب الحلبي (¬2).
وغيرهم خلق كثير لا يتسع المقام لذكرهم.
المطلب الثاني: اسمُه وما يتصل به:
إنَّ المتتبع والباحث لا يكاد يعرف عن حياته إلَّا الشيء القليل؛ لقلَّة من ترجم له، ومَن ترجم له عرَّف به بإيجاز شديد.
أولاً: اسمه ونسبه ونسبته (¬3):
هو مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عليِّ، الكاشْغَريُّ.
وكلّ من ترجم له لم يذكر من سلسلة نسبه إلَّا ما ذكرت (¬4).
¬
(¬1) هو إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم، الأسدي الحلبي، كمال الدين، أبو الفضل، ابن النحاس، ولد سنة 630هـ، سمع من يوسف بن خليل فأكثر عنه ومن محمد بن أبي القاسم القزويني والنظام ابن البلخي والمؤتمن بن قميرة والعز ابن رواحة في آخرين أكثر عنه الطلبة مع عسر فيه وكانت له مشاركة ونسخ بخطه أجزاء كثيرة وكانت سماعاته على ابن خليل خاصة ستمائة جزء وقال الذهبي في المعجم المختص كتب أجزاء بخطه في صباه وكان يدري سماعاته معه وكان له حانوت نحاس ثم تركها أخيرا، (ت: سنة710هـ). ينظر: أعيان العصر ج1، ص484، ومرآة الجنان ج4، ص187، والدرر الكامنة ج1، ص423، وشذرات الذهب ج8، ص41.
(¬2) هو عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، قطب الدين، حافظ للحديث، حلبي الأصل والمولد، مصري الإقامة والوفاة، ولد سنة 663هـ، سمع العزّ الحرّاني، وابن خطيب المزة، وابن العماد، وكتب العالي والنّازل، وخرَّج وألَّف. شرح البخاري، وبلغ النّصف. وعمل «تاريخ مصر» فبلغ مجلدات دون التّمام، وله غير ذلك، مع الفهم، والبصر بالرّجال، والمشاركة الجيدة في الفنون وشرح «السّيرة النّبويّة» (ت: سنة 745هـ): ينظر: الفوائد البهية ص100، وحسن المحاضرة ج1، ص358، وذيل طبقات الحفاظ ص13، وغاية النهاية ج1، ص402، والنجوم الزاهرة ج9، ص306، والاعلام ج4، ص53.
(¬3) ينظر: الإصابة في تمييز الصّحابة ج1، ص80، والأعلام ج7، ص32، والعقود اللؤلؤيّة ج1، ص303، وبغية الوعاة ج1، ص230، وطبقات المفسرين ج2، ص245، ولآلئ المحار ج1، ص319.
(¬4) ينظر: الأعلام ج7، ص32، والعقود اللؤلؤيّة ج1، ص303، وبغية الوعاة ج1، ص230، وطبقات المفسرين ج2، ص245.
الجزء 1 · صفحة 68
ثانيًا: لقبه:
لم تختلف كتب التَّراجم في أنَّه يُلقب بـ سَديد الدِّين (¬1).
ثالثًا: كنيته:
يُكنَّى بأبي عبد الله (¬2).
المطلب الثالث: ولادته ونشأته:
لمْ تذكرْ كتبُ التَّراجمِ سنةَ ولادتِه، ولكنَّها ذكرتْ أنَّه وُلِدَ في كاشْغَر (¬3)، ونشأَ بها، وهي مدينةٌ ذكرها ياقوتُ الحمويُّ في «معجم البلدان» (¬4) أنه يُسافَرُ إليها من سمرقندَ، وقال: إنَّها في وسطِ بلادِ التُّركِ، كما أنَّ أهلَها مسلمون.
والكَاشْغَري بفتح الكاف وسكون الألف والشين والغين المعجمة مفتوحة في آخرها راء نسبة إلى مدينة من بلاد الشرق يقال لها كاشغر (¬5).
¬
(¬1) وما جاء في النسخ المخطوطة كمخطوطة جامعة عليكرة في الهند برقم (352) 17/ 61ـ362.
(¬2) ينظر: معجم المؤلفين ج11، ص 249، وكشف الظنون ج2، ص1886ـ1887.
(¬3) ويقال لها: كاجغر كما في الأنساب للسمعاني ج11، ص9، وهي مدينة عظيمة على ضفة نهر صغير يأتي من شمالها يقع من جبل وبهذا الجبل معادن الفضة الطيبة الفائقة السهلة التخلص كما في خريدة العجائب وفريدة الغرائب ج1، ص132، وتقع في تركستان الصينية وتسمى سولو في الكتب الصينية القديمة، كما في الدرر المباحة للنحلاوي ج1، ص300، وقال ابن خلدون في مقدمته «ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» ج3، ص85: أجمع قتيبة بن مسلم الباهلي - رضي الله عنه - لغزو مدينة كاشغر سنة 96هـ وهي أدني مدائن الصين، فسار لذلك وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعها بسمرقند وعبر النهر، وقيل: إنّ بلاد تركستان هي كاشغر وبلاساغون وختن وطراز وغيرها مما يجاورها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية الأتراك كما في الكامل في التاريخ ج9، ص116، وتاريخ الإسلام ج36، ص217، ووفيان الأعيان ج5، ص157و284، وتاريخ الطبري ج6، ص500، والبداية والنهاية ج9، ص157، وذكرها صاحب المسالك والممالك ج1، ص164 فقال: مدينة عظيمة آهلة عليها سور وأهلها مسلمون،
(¬4) لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي (ت: 626هـ)، وقال: هي مدينة وقرى ورساتيق يسافر إليها من سمرقند وهي في وسط بلاد الترك كما في معجم البلدان ج4، ص427و430و431، وذكرها ابن الأثير في الكامل في التّاريخ ج7، ص646 فقال: وأما كاشغر وهي مدينة تركستان.
(¬5) هكذا ضبطها السمعاني في الأنساب ج10، ص325، ولب الألباب في تحرير الأنساب للسيوطي ج1، ص218، ومراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ج3، ص1143، والجواهر المضيئة ج2، ص339.
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، لب الألباب في تحرير الأنساب، دار صادر، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 69
ويُنسَبُ إليها من العلماء:
أبو المعالي طغرلشاه الكاشغري الواعظ (¬1)، وأبو عبد اللهِ الحسين بن علي بن خلف بن جبرائيل بن الخليل بن صالح بن مُحمد الألمعي الكاشغري (¬2)، وغيرهما (¬3).
وتقعُ هذه المدينةُ اليومَ في تركستانَ الشَّرقيةِ على نهر تاريم، قُرْبَ الحدودِ الشَّرقيةِ لتركستانَ الغربيةِ.
المطلب الرابع: أسفارُه ورحلاتُه:
كان الإمامُ سديدُ الدِّينِ الكاشغريُّ حنفيَّ المذهبِ، وعُرف بتنقُّلِه في البلدانِ.
¬
(¬1) هو أبو المعالي طغرلشاه محمد بن الحسن بن هاشم الكاشغري الواعظ، ولد سنة 490هـ، وكان فاضلا، سمع الحديث الكثير وطلب الأدب والتفسير، كان واعظًا حسن الوعظ، كثير المحفوظ، أفنى ريعان شبابه في طلب التفسير والحديث والأدب، وكان يحفظ الأحاديث بأسانيدها، ويسردها في مجالس وعظه، سمع بهراة: أبا بكر محمد بن أبي محمد بن أبي القصير البلخي، وأبا الفضل يحيى بن صاعد بن سيار القاضي، وبنيسابور: أبا الحسن علي بن محمود النصراباذي، وأبا عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، وغيرهم، وكان بمرو مدة، ويعظ بها مع القباء والقلنسوة، ثم أزعج من مرو، وله قبول بين العوام، وصاهر بعض الأتراك بهراة،، (ت:550هـ) ينظر: معجم البلدان ج4، ص430، والمنتخب من معجم شيوخ السمعاني ج1، ص925ـ926.
(¬2) هو الحسين بن علي بن خلف بن جبرائيل بن الخليل بن صالح بن محمد الألمعي الكاشغري، أبو عبد الله، كان شيخا فاضلا واعظا وله تصانيف كثيرة وغلب على حديثه المناكير، سمع الحافظ أبا عبد الله محمد بن علي الصوري وأبا طالب بن غيلان وغيرهما، روى عنه أبو نصر محمد بن محمود السّرمدي الشجاعي وغيره، وصنف من الحديث زائداً على مائة وعشرين مصنفاً، (ت: سنة 484هـ) ببغداد. ينظر: معجم المؤلفين ج4، ص31، ومعجم البلدان ج4، ص430، والأعلام ج2، ص246ـ247، والأنساب للسمعاني ج10، ص324، والضعفاء والمتروكين ج1، ص216، وميزان الاعتدال ج1، ص544، ولسان الميزان ج2، ص305.
(¬3) ذكر السمعاني في الانساب ج11، ص9: عدداً من علماء كاشغر فقال: عبد الغافر بن الحسين الألمعي الكاجغرى بالجيم، وأبو إسحاق إبراهيم بن يوسف المشهدي الكاجغرى، روى عن أبى الطيب طاهر بن الحسين، روى عنه الألمعي، وأبو المظفر إبراهيم بن أبى إبراهيم الأديب الكاجغرى، روى عن أبى يعقوب يوسف بن عاصم، سمع منه الألمعي الكاجغرى وأبو إسحاق إبراهيم بن يوسف البارانى الكاجغرى، حدث عن أبى الحسن على بن إبراهيم الخطبيّ، سمع منه الألمعي وأبو الفضل إدريس بن قلوح الحاج الكاجغرى، روى عن أبى محمد عبد الله بن الحسين، روى عنه الألمعي وأبو صابر أيوب بن بلال الكاجغرى المتفقه، روى عن أبى الحارث محمد بن خلف، روى عنه الألمعي وأبو موسى بن عبد الله المؤذن الكاجغرى، روى عن أحمد بن محمد المقرئ، سمع منه الألمعي وأبو محمد جعفر بن المحسن الزينبي الكاجغرى، حدث عن محمد بن يحيى بن سراقة، سمع منه الألمعي
الجزء 1 · صفحة 70
بدأ رحلتَه إلى مكةَ عندما قصدها حاجًّا، فأقام فيها أربعة عشر عاماً، أخذَ العلمَ على يد أكابرِ علمائِها في تلكَ الفترةِ، وقِيلَ: كان نزيلَ المدينةِ المنورةِ، ثم بعد ذلك رحلَ إلى اليمنِ، وأخذَ التَّفسيرَ والوعظَ على القاضي بهاء الدين في المدرسة المظفرية بتعز (¬1)، واتَّخذَ أراضي في ساحل موزع (¬2)، وغرس فيها نخلاً كثيراً يختلف إليه في أيام ثمره، ثم يعود إلى مدينةِ تعز.
تحَّولَ شافعياً، وقال - رضي الله عنه -: «رأيتُ القيامةَ قد قامتْ، والنَّاسُ يدخلونَ الجنَّةَ زمرةً بعد زمرةٍ، فَعَبَرْتُ مع زمرةٍ، فجذبني شخصٌ وقالَ: يدخلُ الشَّافعيةُ قبل أصحاب أبي حنيفة، فلأجل ذلك أردت أن أكون مع المتقدمين» (¬3)، فقرأ كتب الشافعية كالمهذب في إب على الفقيه يحيى بن إبراهيم (¬4).
تَصَوَّفَ، وابتنى رُبطاً كثيرة في أماكن متفرقة.
جاء في كتاب «السُّلوك في طبقات العلماء والملوك» (¬5): مُحمد بن علي الكاشغري نسبة إلى بلد بأقصى بلاد التُّرك، وشينُها معجمة ساكنة هكذا قال ابن خلكان (¬6) في وفياته (¬7).
كان في أول قدومه اليمن حنفي المذهب، فأقام بمكةَ أربع عشرة سنة صنَّف بها كتاباً سمَّاه «مجمع الغرائب ومنبع العجائب» في أربع مجلدات.
ابتنى رباطاً في أماكن متفرقة، ولمَّا رأى أن الغالب في اليمن مذهب الشافعي تظاهر به، وقرأ كتبه، فقرأ المذهب في إب على الفقيه يحيى بن إبراهيم، وأمَّا النَّحو واللغة فوصل من بلدة وهو عارف بهما ماهر فيهما وفي كتب التفسير والوعظ وغالب مصنفات ابن الجوزي (¬8).
¬
(¬1) بالفتح ثم بالكسر والزاي مشددة، هي اليوم من مدن اليمن المشهورات كما في معجم البلدان ج2، ص34.
(¬2) بفتح الزاي، موضع باليمن، وهو المنزل السادس لحاج عدن كما في معجم البلدان ج2، ص34.
(¬3) ينظر: العقود اللؤلؤيّة في تاريخ الدَّولة الرَّسوليَّة ج1، ص303
(¬4) كما في العقود اللؤلؤية ج1، ص304.
(¬5) للقاضي أبي عبد اللهِ يوسف بن يعقوب المعروف بالبهاء الجندي اليمني، (ت: 723هـ)، جمع فيه غالب علماء اليمن، وأضاف إليهم طرفاً من أخبار الملوك كما في كشف الظنون ج2، ص999، وهدية العارفين ج2، ص556.
(¬6) هو أحمد بن مُحمد بن إبراهيم، شمس الدِّين، أبو العباس، مؤرخ، ولد في إربل سنة 608هـ، (ت:681هـ) في دمشق كما في طبقات الشّافعيين ج1، ص917، ووفيات الأعيان ج1، ص1، والأعلام ج1، ص220.
(¬7) ينظر: وفيات الأعيان ج5، ص157.
(¬8) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج، ولد ببغداد سنة 508هـ،: علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، ونسبته إلى مشرعة الجوز من محالها. له نحو ثلاث مئة مصنف، منها: «تلقيح فهوم أهل الآثار في مختصرالسير والأخبار»، و «الأذكياء وأخبارهم»، و «مناقب عمر بن عبد العزيز»، و «روح الأرواح»، و «الموضوعات في الأحاديث المرفوعات»، وغيرها الكثير، (ت: سنة597هـ) ببغداد. ينظر: الأعلام ج3، ص317، ووفيات الأعيان ج1، ص279، ومفتاح السعادة ج1، ص207.
الجزء 1 · صفحة 71
ولمَّا أقام في قرية البهاقر ابتنى بها رباطاً، وكان قد بنى بها رباطاً لأصحاب الشيخ أبي السرور فحصل بينهم وبينه تحاسد ومقاولة، وصار هو وهم إلى عند الشيخ فعاتبهم وقال له: إذا ما دعوت شيخك وأجابك وإلا دعوت شيخي وأجابني فاستعفى واستغفروا.
ومن هناك ترك التَّظاهرَ بالتَّصوف ومال إلى طريق الفقه فرتبه القاضي البهاء بالمدرسة المظفرية، وكان قد ابتنى رباطاً في ساحل موزع وغرس به نخلاً كثيراً، وكان يختلف عليه في أيام ثماره ويعود إلى تعز عند فراغه.
وفي سنة خمس وسبعمائة نزل إلى موزع كجاري العادة فأدركته الوفاة هناك فتوفي بها» انتهى (¬1).
المطلب الخامس: شيوخه وتلاميذه:
تشير المصادر إلى أنَّه تنقَّل في العديد من البلدان حتَّى جاور بمكةَ، ودخل المدينة النبويَّة، ودخل اليمن فأقام بتعز.
وهذه البلاد كانت من أشهر بلاد المسلمين التي احتضنت العلماء الأجلاء، ولا شكَّ أن الإمام الكاشغريَّ تتلمذ على أيدي الكثيرين منهم، وأخذ عنهم، ولكن مع كلِّ هذا لم تذكر لنا كتب التَّراجم له شيوخاً أو تلاميذَ!.
المطلب السادس: مؤلفاته:
تكاد أكثر الكتب والمراجع تجمع على أن الإمام سديد الدين الكاشغري ليس له إلا عدد قليل من المؤلفات منها:
¬
(¬1) من: السُّلوك في طبقات العلماء والملوك ج2، ص143.
الجزء 1 · صفحة 72
1ـ «مُنْيَةُ المُصَلِّيّ وغُنْيَةُ المُبْتَدي» (¬1)، وهو كتابٌ معروفٌ متداولٌ بين الحنفيةِ، ولم أجد خلافًا في اسم هذا الكتاب (¬2).
أوَّله: الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسّلام على رسوله مُحمد، وآله، وصحبه أجمعين.
اعلموا ـ وفَّقكم اللهُ وإيانا ـ أنَّ أنواع العلوم كثيرة، وأهم الأنواع بالتحصيل مسائل الصَّلاة، فلمَّا رأيت رغبة المقتبسين في تحصيلها، التقطت ما كَثُرَ وقوعُه للمصلين، وما لا بدَّ لهم منه، من مصنَّفات المتقدّمين، ومن مختارات المتأخِّرين، نحو: الهداية، والمحيط، وشرح الإسبيجابي، والغُنية، والملتقط، والذَّخيرة، وفتاوى قاضي خان، وجامعيه الكبير والصغير.
وسمَّيته: «مُنية المصلّي وغُنية المبتدي».
وأسأل اللهَ تعالى أن يجعلَ ما اعتمدته خالصاً لوجهه، ومكفراً لذنوبي، بفضله ورحمته، وان يغفر لي ولوالديَّ ولأستاذيَّ.
واللهُ الموفق للسداد، ومنه الهداية والرَّشاد.
ويوجد من المخطوط كثير من النسخ (¬3).
¬
(¬1) ينظر: طرب الأماثل ج1، ص548، وكشف الظنون ج2، ص1886، وهدية العارفين ج2، ص140.
(¬2) ينظر: مخطوطات هذا التي مرّت معنا.
(¬3) منها: 1ـ نسخة من مقتنيات مكتبة عارف حكمت تحت رقم (267): وهي في 231 ورقة، وفي كل ورقة صفحتان، وهي بخط نسخي خشن، وفي السطر 4 كلمات، وفي كل صفحة 9 أسطر، ومن هنا تضخَّم حجم النسخة، وتتميز بقلة التصحيف والتحريف والسقط والزيادة، كما تتميز بضبط أواخر الكلمات، وقد نسخها عثمان افندي سنة 1135هـ.
2ـ نسخة في مكتبة بشير آغا التابعة لمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، ورقم الحفظ 837/ 187 في 79 ورقة، وهي مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط والزيادة.
3ـ نسخة في مكتبة عارف حكمت، ورقم الحفظ 299/ 254، وتقع في 62 ورقة، وكتبت سنة 1055هـ، بخط الناسخ حنفي بن عبد اللهِ بن الحاج حسين، في مدينة أضنة التركية، ولا تخلو النسخة من التصحيف والتحريف.
4ـ نسخة في مكتبة بشير آغا بالمدينة المنورة، وعدد أوراقها 115 ورقة، ورقم الحفظ 698/ 48، وعليها حواشٍ باللغة التركية، وفيها سقط وتحريف.
5ـ نسخة في مكتبة بشير آغا بالمدينة المنورة، وعدد أوراقها 134 ورقة، ورقم الحفظ 744/ 94، ولا تخلو النسخة من التصحيف والتحريف والسقط والزيادة، وتاريخ نسخها 1029هـ، وعليها تصويبات من جانب الصفحة.
6ـ نسخة في مكتبة بشير آغا بالمدينة المنورة، وعدد أوراقها 65 ورقة، ورقم الحفظ 835/ 185، ولا تخلو النسخة من التصحيف والتحريف والسقط والزيادة.
الجزء 1 · صفحة 73
شرحَه العلَّامةُ الشيخُ إبراهيمُ بْنُ مُحَمَّدِ الحلبيُّ - رضي الله عنه - شرحاً جامعاً ضخماً سمَّاه «غُنْيَةُ المُتَمَلِّي في شرحِ مُنْيَةِ المُصَلِّي»، وكان عمدةً في إيضاح مشكلاته، فأقبل عليه النَّاسُ وتلقوه بالقبول (¬1).
وشرحَه العلّامةُ شمسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحّمَّدِ بْنِ مُحّمَّدِ المعروفُ بـ ابْنِ أمير حاج (¬2) المتوفى سنة 879هـ، وسماه «حَلْبَةَ المُجَلِّي وبُغْيَةُ المُهْتَدِي في شرحِ مُنْيَةِ المُصَلِّي وغُنْيَةِ المُبْتَدِي في الفقهِ الحنفيِّ».
أوله: الحمدُ لله عظيمِ الفضلِ والطَّولِ، شديد القوة والحَول، ساتر العيب، وماحي الحوب، غافر الذنب وقابل التوب.
وأشهد أن لا إله إلا الله جل جلاله الإله الواحد القدوس، خالق الأفلاك والأملاك والأجساد والنفوس، شهادة يصرف بها عنَّا في الدَّارين كل نقمة وبؤس، ويجزل بها علينا فيهما من كرمه نفائس النفوس.
وأشهد أنَّ سيدنا مُحمداً عبده ورسوله الذي خُصَّ من رب الأرباب ومولى السادات بجزيل الصِّلات وجميع السَّعادات، وجُعلت قرَّةُ عينه في الصَّلاة من بين سائر العبادات، ... .
وبعدُ:
فيقول العبد الفقير إلى اللهِ سبحانه وتعالى ذي الكرم الجزيل والوعد الوفي مُحمد بن مُحمد بن مُحمد المشتهر بابن امير حاج الحلبي الحنفي، عاملهم اللهُ تعالى في الدارين بجزيل إحسانه ولطفه الجلي والخفي:
قد سألني فيما مضى من الزمان بعض الأحبة لديّ والأعزة عليّ من صالحي إخواني، وصادقي المحبة من الخلان في طاعة الرحمن أن أشرح لهم المقدّمة المسمَّاة بـ «مُنية المصلي وغُنية المُبتدي» شرحاً يوضح لهم مقاصدها ويكشف الغطاء عن مصادرها ومواردها لاعتنائهم بقراءتها ومدارستها، واهتمامهم بتحقيق صريحها ومعرفة كنايتها، وتقدير منطوقها وفهم إشارتها، مع فقد تعليق كفيل لهذا المرام، ظنَّاً
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1887، وهدية العارفين ج2، ص140، وطرب الأماثل ج1، ص548.
(¬2) هو مُحمد بن مُحمد بن مُحمد الحلبي الحنفي، أبو عبد الله، يقال له ابن الموقت، شمس الدين، عالم البلاد الحلبية، ولد سنة 825هـ، له: «حلبة المجلي في شرح منية المصلي»، و «التقرير والتحبير» في شرح تحرير شيخه ابن الهمام، و «ذخيرة القصر في تفسير سورة العصر»، (ت: 879هـ). ينظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان للسيوطي ج1، ص161، والأعلام ج7، ص49، وديوان الإسلام لابن الغزي ج1، ص181.
الجزء 1 · صفحة 74
منهم انَّ عند العبد الضعيف صبابة تروي غليل ما بهم من الأوام إلى التروي من هذه المطالب الكرام، ... .
وقال أيضاً: إنَّ المتن خلت مسائله في كثير منها في وجه التنظيم عن حسن الترصيف فيه، فإنَّك تراه في كثير من المواضع في هذا المعنى كحاطب ليل، وفي كونه غُنية للمبتدي نظر، لخلوه عن كثير ممَّا يهمُّ المبتدي كمباحث صلاة الجمعة والعيدين، ... .
رسم حرف الميم: بالمشروح، وحرف الشين: بالشَّرح.
وشرحه عمر بن سليمان (¬1) المتوفى سنة 1075هـ، شرحاً ممزوجاً دون حجم الحلبي، أوَّله: الحمد لله عظيم الفضل والطول ... إلخ، ألَّفه وأتمَّه في سنة 1075هـ (¬2).
وشرحه قرة يحيى الصاروخاني (¬3).
2ـ «مجمع الغرائب ومنبع العجائب» (¬4) في زوائد النهاية لابن الأثير، في أربع مجلدات، صنَّفَهُ عندما كان بمكة.
3ـ «طُلبة الطَّلبة في طريق العلم لمن طلبه» (¬5).
4ـ اختصر كتاب «أسد الغابة في معرفة الص ّحابة» (¬6).
¬
(¬1) كما في معجم المؤلفين ج7، ص285، ولآلئ المحار ج1، ص320.
(¬2) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1886.
(¬3) كما في معجم المؤلفين ج7، ص285، ولآلئ المحار ج1، ص320.
(¬4) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1603، وهدية العارفين ج2، ص140.
(¬5) ينظر: هدية العارفين ج2، ص140. ومن مخطوطاتها نسخة مكتبة عبد الله بن اسماعيل غمضان، اسم الدولة: اليمن، اسم المدينة: صنعاء رقم الحفظ: 45، ونسخة مكتبة الجامع الكبير، اسم الدولة: اليمن، اسم المدينة: صنعاء رقم الحفظ: 67 مج.
(¬6) ينظر: هدية العارفين ج2، ص140، وكشف الظنون ج1، ص81، وسمّاه: مختصر أسد الغابة في معرفة الصّحابة، النّاشر: مكتبة تشستربيتي، دبلن، ومن مخطوطاتها نسخة شستربيتي اسم الدولة: إيرلندا، اسم المدينة: دبلن، رقم الحفظ: 1/ 3213، ونسخة معهد المخطوطات العربية، اسم الدولة: الكويت، اسم المدينة: الكويت، رقم الحفظ: 1089 عن تشستربيتي 3213.
الجزء 1 · صفحة 75
5ـ له كتاب «تاج السعادة» (¬1).
6ـ له كتاب «السّياقات» (¬2).
المطلب السابع: مكانته الفقهية:
برع الإمام الكاشغريُّ في فنون وعلوم عديدة، فقد كان مفسراً، صوفياً، واعظاً، فقيهاً، عالماً بالسّيرة، لغوياً، نحويّاً عارفاً بالنّحو واللّغة (¬3)، حتَّى إنَّ السيوطيَّ (¬4) وصفه بالنَّحْوي (¬5).
المطلب الثامن: وفاته (¬6):
ماتَ - رضي الله عنه - في ساحلِ موزع باليمنِ سنة خمس وسبعمائة من هجرةِ سيد الورى - صلى الله عليه وسلم -، وافقتها سنة 1305 من ميلاد روح الله وكلمته المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام.
المبحث الثالث
التَّعْرِيفُ بِالكِتَابِ (الشَّرح)
المطلب الأول: اسمُ الكتابِ:
¬
(¬1) ينظر: إيضاح المكنون ج3، ص210، وهدية العارفين ج2، ص140.
(¬2) ينظر: كشف الظنون ج2، ص1428، وهدية العارفين ج2، ص140.
(¬3) ينظر: بغية الوعاة في طبقات اللّغويين والنحاة ج1، ص230.
(¬4) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن مُحمد، جلال الدّين، أبو الفضل، الخضيري، الأسيوطي، الشّافعي، ولد سنة 849هـ، ارتحل في طلب العلم إلى بلاد الشّام والحجاز واليمن والهنّد والمغرب، كان آية في سرعة التّأليف، له أكثر من خمسمائة مؤلف، ولما بلغ الأربعين ترك الإفتاء والتّدريس وتجرد للعبادة، وشرع في تحرير مؤلفاته (ت:911هـ). (ملخص من شذرات الذهب: ج10، ص74 – 79) وينظر: الأعلام ج3، ص301، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع ج4، ص65، وعقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث ج63، ص168.
(¬5) في كتابه بغية الوعاة ج1، ص230.
(¬6) ينظر العقود اللؤلؤية ج1، ص303، وبغية الوعاة ج1، ص230، والأعلام ج7، ص32، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 76
كتابُ «غُنْيَةِ (¬1) الْمُتَمَلِّي (¬2) فِي شَرْحِ مُنْيَةِ (¬3) الْمُصَلِّي وَغُنْيَةِ الْمُبْتَدِي» للعَلَّامةِ إبراهيم بن مُحمَّد ابن إبراهيم الحَلَبِيِّ (¬4)، شرحٌ كبيرٌ وواسعٌ ومشهورٌ على متنِ «مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَغُنْيَةِ الْمُبْتَدِي» (¬5) للإمام أبي عبد اللهِ مُحمَّد بن مُحمَّد الكَاشْغري (¬6) الَّذِي حازَ شهرةً واسعةً لافتةً للنّظرِ في أوساطِ أهلِ العِلْمِ.
وقد ورد هذا الكتاب بأسماء متعدّدة لا بد من الإشارة إليها:
1 - «غُنْيَة المُتَمَلّي في شرح مُنْيَة المُصَلّي وغُنْيَة المُبْتَدي»، معظم نسخ المخطوط جاءت بهذا العنوان، وسأذكر بعض النّسخ الموزعة في مكتبات العالم، وجلّها تحت هذا العنوان، وهذا الاسم مع شهرته إلا أنه يكاد يكون غير معروف إلا بين طلبة العلم من مذهب الحنفيّة، لكنّ الشّارح ذكر هذا الاسم في مقدّمة مختصره المسمّى: «حلبي صغير» (¬7)، وكذا ذكره صاحب «شروح القدوري» (¬8)، وصاحب «لآلئ المحار» (¬9)، ومحقّق «الدرر المباحة» (¬10).
2 - «غُنْيَة المُسْتَملي في شرح مُنْيَة المُصَلّي وغُنْيَة المُبْتَدي» حيث أورده بهذا الاسم: اللكنوي في كتبه: النّافع الكبير، وإحكام القنطرة، والسّعاية، والكلام الجليل، والهسهسة، وقوت المغتذين،
¬
(¬1) ((الغُنية: ما يستغني به كما في مختار الصحاح ج1، ص230، وهي الاستغناء كما في لسان العرب ج15، ص137، وهي الغنى كما في المحكم والمحيط الأعظم ج6، ص65.
(¬2) ((المُتملي: الذي يطلب إملاء الحديث من شيخ كما في تاج العروس ج39، ص555.
(¬3) ((المُنية: ما يتمناه الإنسان وتتوجه إليه إرادته كما في العين ج8، ص390، وتاج العروس ج1، ص114.
(¬4) ((وقد مرت ترجمته.
(¬5) ((وقد مر التعريف به.
(¬6) ((وقد مرت ترجمته.
(¬7) ((ينظر: حلبي صغير ص4.
(¬8) ((ينظر: شروح القدوري ص10، 18، 25.
محمد فاتح، شروح القدوري، مسودة مخطوطة المؤلف.
(¬9) ((ينظر: لآلئ المحار ج1، 213.
الخليلي، لؤي بن عبد الرؤوف، لآلئ المحار في تخريج مصادر ابن عابدين في حاشية ردّ المحتار، الطبعة الثانية 2019م، دار الفتح، عمان.
(¬10) ((ينظر: الدّرر المباحة ص223، حيث ذكر الشيخ البرهاني هذا الكتاب بهذا الاسم.
النّحلاوي، خليل بن عبد القادر الشيباني، الدّرر المباحة في الحظر والإباحة، علّق حواشيها ونقّحها ورتّبها: محمد سعيد البرهاني.
الجزء 1 · صفحة 77
ونفع المفتي والسّائل، وعمدة الرّعاية (¬1)، وصاحب الحلّ الضّروري (¬2)، وصاحب الجامع للمؤلفات والمؤلفين المشهورين (¬3).
3 - «قُنْيَة المُتَحَلِّي في شرح مُنْيَة المُصَلِّي وغُنْيَة المُبْتَدي»، حيث أورده صاحب «الشَّقائق النُّعمانيَّة» تحت هذا العنوان (¬4).
4 - «بُغْيَة المُتَمَلِّي» حيث ذكره صاحب «الطّبقات السّنيّة» (¬5) بهذا الاسم.
5 - «حلبي كبير» وأكثر العلماء ينقلون عن العلامة الحلبي في الغنية تحت هذا الاسم، ولعله الأشهر بين من ينقل عنه، حيث ذكره ابن عابدين: في ردّ المحتار، ومنحة الخالق (¬6)، كذا ابن
¬
(¬1) ((ينظر: النّافع الكبير ص108، وإحكام القنطرة ص91، 96، 160، والسعاية ص363، 427، 428، 728، والكلام الجليل ص17، والهسهسة ص46، وقوت المغتذين ص21، 24، ونفع المفتي والسائل ص50، وعمدة الرعاية ج1، ص13.
اللكنوي، محمد عبد الحي، إحكام القنطرة في احكام البسملة، تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، النّاشر: مؤسسة الرّسالة، بيروت، ودار البشير، عمان، ط1، 2000م، واللكنوي، محمد عبد الحي، السّعاية في كشف ما في شرح الوقاية، اعتنى به الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، النّاشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، و اللكنوي، محمد عبد الحي، الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل، تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، النّاشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، و اللكنوي، محمد عبد الحي، الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة، تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، النّاشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، و اللكنوي، محمد عبد الحي، قوت المغتذين بفتح المقتدين، تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، النّاشر: مؤسسة الرّسالة، بيروت، ودار البشير، عمان، ط1، 2002م، و اللكنوي، محمد عبد الحي، نفع المفتي والسّائل بجمع متفرقات المسائل، تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، النّاشر: دار ابن الجوزي، بيروت، ط1، 2001م، واللكنوي، عبد الحي بن عبد الحليم، عمدة الرعاية على شرح الوقاية، دار الكتب العلمية، طبعة 2016.
(¬2) ((ينظر: الحل الضّروري ص12.
(¬3) ((ينظر: الجامع للمؤلفات والمؤلفين المشهورين ص199، 277.
صلاح أبو الحاج، الجامع للمؤلفات والمؤلفين المشهورين، النّاشر: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات.
(¬4) ((ينظر: الشَّقائق النُّعمانيَّة ج1، ص295ـ296.
طاشكبري زاده، أحمد بن مصطفى بن خليل، الشّقائق النّعمانيّة في علماء الدّولة العثمانية، النّاشر: دار الكتاب العربي، بيروت.
(¬5) ((ينظر: الطبقات السّنيّة ص67.
الغزي، تقي الدّين بن عبد القادر التميمي الدّاري، الطّبقات السّنيّة في تراجم الحنفيّة.
(¬6) ((ينظر: رد المحتار ج1، ص138، 143، 406، 511، ومنحة الخالق حاشية البحر الرائق ج1، ص187، 243، 312.
ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز، ردّ المحتار على الدّر المختار، تحقيق: عبد المجيد طعمه الحلبي، دار المعرفة، بيروت، ط5، 2018م.
الجزء 1 · صفحة 78
نجيم في البحر الرّائق، والحموي في غمز العيون البصائر، والطّحطاوي في حاشيته على المراقي (¬1).
ولهذه المخطوطة المباركة نسخ خطيّة كثيرة متفرقة في بقاع شتى في أنحاء العالم كحال باقي تراث هذه الأمة، تحت أرقام الحفظ الآتية:
1 - نسختان في مكتبة السليمانية / تركيا: ب508/ 516.
2 - نسخ في مركز الملك فيصل للبحوث والدّراسات الإسلاميّة، الرياض، تحت أرقام الحفظ: ب16922 - 16926/ 16939 - 16944/ 16952 - 16957/ 13319 - 13326/ 14352 - 14354 / ج126 / ج233/ 1189 - 1 - ف / 12033/ 3858./ 1152 - فب / 1189 - ف / 07548/ 1042 - فب /:3858/ 14525 / 4945/ 325/ 324.
3 - نسخ في مكتبة كلية الآداب والمخطوطات، الكويت، مدينة الكويت، تحت أرقام الحفظ: 1235، 780، 877، 610.
4 - نسخة في مركز البحث العلميّ وإحياء التّراث الإسلامي، مكة المكرمة، تحت رقم الحفظ: 346.
5 - نسخة في المكتبة المركزية بجامعة مُحمد بن سعود، الرياض، تحت أرقام الحفظ: 124، 125.
6 - نسخة في دار الكتب الوطنية، أبو ظبي، تحت أرقام الحفظ:5/ب594/ 50 مج،5/ب 702/ 61.
7 - نسخ في مكتبة الأوقاف، حلب، تحت أرقام الحفظ: 2738/ 497، 2739/ 498، 2744/ 504، 2750/ 510، 2750/ 514، 2763/ 525، 2779/ 546، 2797/ 590.
8 - نسخ في مكتبة الحرم المكي، مكة المكرمة، تحت أرقام الحفظ: 87 حنفي / 490/ 1807.
9 - نسخة في المكتبة المركزيّة، جدّة، تحت أرقام الحفظ: 593، 560.
10 - نسخة في مكتبة دار الكتب القطرية، الدّوحة، تحت أرقام الحفظ: الفقه الحنفي 825، 851، 852، 853، 854.
¬
(¬1) ((ينظر: البحر الرائق ج1، ص60، وغمز العيون البصائر ج1، ص121، وحاشية الطحطاوي على المراقي ص84، 419.
ابن نُجيم، زين الدّين بن إبراهيم بن محمد المصري، البحر الرّائق شرح كنز الدّقائق، النّاشر: دار الكتاب الإسلامي، والحموي، أحمد بن محمد المكي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنّظائر، ط1، 1985م، دار الكتب العلميّة، بيروت، والطّحطاوي، أحمد بن محمد بن إسماعيل الحنفي، حاشية الطّحطاوي على مراقي الفلاح، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، ط1، 1997م، دار الكتب العلميّة، بيروت.
الجزء 1 · صفحة 79
11 - نسخ في مكتبة الأوقاف، تحت أرقام الحفظ: رقم: 3587/ 2186، 3537/ 2128، 2730/ 2843، 488/ 663.
12 - نسخة في دار الكتب الوطنيّة، تونس، رقم الحفظ: 112.
نسخة في المكتبة المركزيّة، الرياض، رقم الحفظ: 273.
وغير ذلك، وكلُّها تحتفظ بنُسَخٍ عديدةٍ من الكتابِ المذكورِ.
وقد نقل عنه خاتمةُ المُحَقِّقِينَ ابْنُ عابدين (¬1): في حاشيته المشهورة «رَدُّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدُّرِّ المُخْتَارِ» نقولاتٍ كثيرةً بلغت المئات، أشرتُ إلى بعضِها في حواشي التَّحقيقِ والتَّعليق.
وأوَّلُ الكتابِ:
الحَمدُ للهِ جاعلِ الصَّلاةِ عمادَ الدِّينِ، وعتادَ المتَّقينَ، وسراجَ اليقينِ، ومنهاجَ المهتدينَ، وأفضلَ أعمالِ المؤمنينَ، وأزكى خِصالِ الموحدينَ.
نحمدُه على أن جعلنا من أهلِها، وبصَّرنا في أحكامِ فرضِها ونفلِها.
ونصلي على نبيه سيدنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - الَّذي جُعلتْ قرةُ عينِه في الصَّلاة، وعلى آلهِ، وأصحابهِ، وكلِّ من تابعَه ووالاه، وَبَعْدُ:
فإنَّ العباداتِ أولى ما صُرفتْ فيه نفائسُ الأوقاتِ، وبُذلتْ فيه جواهرُ الأنفاسِ والحركاتِ والسَّكناتِ، فإنَّ اللهَ سبْحانه لها خلقَ خلقَه، وإياها جعلَ عليهم حقَّه، فهي: سِرُّ الوجودِ، والأصلُ الذي هو بالذاتِ مقْصودُ.
ولمَّا كانت الصَّلاةُ ذروةَ سنامِها، وعمودَ قيامِها؛ إذ هي عَلَمُ الإيمانِ في الدنيا، وأولُ ما يُسأْلُ عنه العبْدُ في العُقْبى.
وكانَ الكتابُ المُسَمَّى بـ «مُنْيَةِ المُصَلِّي وُغُنْيَةِ المُبْتَدِي» مِن أحسن ما صُنِّفَ في بيانِها، وأنفعِ ما رُصِّفَ في جمعِ شروطِها وأركانِها، أحببتُ أنْ أصنعَ له شرحاً يكثرُ فوائدُه، ويغزرُ عوائدُه، بتوضيحِ مسائلِه
¬
(¬1) ((هو مُحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز، الشهير بابن عابدين، الحسيني، أمين الفتوى، علّامة محقّق، صاحب الحاشية الشهيرة، ولد بدمشق سنة 1198هـ، مشايخه: سعيد الحموي، ومحمد شاكر العقاد، ومُحمد الكزبري، وغيرهم الكثير، وتلاميذه: أخوه عبد الغني، ابن أخيه احمد بن عبد الغني عابدين، وحسن البيطار، والغنيمي، ومحمود الآلوسي، وعارف حكمت، حفظ القرآن والقراءات، كما حفظ «الشاطبية» و «الجزرية» وغيرها من العلوم، له مؤلفات كثيرة جداً، أشهرها: ردُّ المحتار على الدُّر المختار شرح تنوير الأبصار (ت:1252هـ). ينظر: أعلام الحنفيَّة من أهل البيت ص154 وما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 80
ومعانيه، وتنقيحِ دلائلِه ومبانيه، وإلحاق ما خلا عنه مما يعولُ عليه، وتمسُّ الضَّرورةُ في الغالبِ إليه، وَسَمَّيتُهُ: «غُنْيَةَ الْمُتَمَلِّي فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي»
واللهَ سبْحانَهُ أسألُ أنْ ينفعني به والمستفيدينَ، وأنْ يجعلَه خالصاً لوجْهِه، وذخراً إلى يومِ الدِّينِ، إنَّه خيرُ مسؤولٍ، وأكرمُ مأمولٍ، وهو حسبي ونِعْمَ الوكيلُ.
وآخِرُهُ: ... ، ونسأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ العاقِبَةِ، لنا ولإخوانِنَا وأحبابِنَا وجميعِ المسلمينَ، إِنَّهُ خيرُ مسؤولٍ وأكرمُ مأمولٍ.
قالَ الفقيرُ إلى عفوِ ربِّهِ ومغفرتِه إبراهيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ إبراهيمَ الحَلَبِيُّ: هذا ما وفقَ اللهُ تعالى ويَسَّرَه، وله الحَمْدُ أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً على كلِّ حالٍ، وصَلَى اللهُ على سيدِنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وسَلَمَ دائماً إلى يومِ الحشرِ والمآلِ انتهى.
وهذا الكتابُ قد اشْتهرَ باسم الشَّرحِ الكبيرِ أو حلبي كبير (¬1)، والعَلَّامةُ الحَلَبِيُّ قد اختصرَه باسم «مُخْتَصَرِ غُنْيَةِ الْمُتَمَلِّي»، وقد ذكرَ في مقدِّمتِه أنَّه كانَ قدْ شرحَ «مُنْيَةَ الْمُصَلِّي» شرحاً مُطَولاً، وربما أوجبَ للمُبْتَدِئِينَ والقاصرينَ المَلَالةَ، فأحبَّ أنْ يختصرَه؛ تسهيلاً للطَّالبين له، وقد اشتهرَ هذا الاختصارُ باسم «حلبي صغير» (¬2)، وتحتفظُ أيضاً المكتباتُ المذكورةُ بنسخٍ كثيرةٍ منه.
المطلب الثاني: توثيق نسبته:
أولاً: نسبة الشارح الكتاب لنفسه (¬3).
ثانيًا: نسبة الكتاب للشارح ممن ترجم له: فَمِنَ المُتَفَقِ عليه بينَ مَن ترجمَ للعلَّامة الحلبيِّ - رضي الله عنه - نِسبةُ هذا الكتاب له (¬4).
¬
(¬1) ((ينظر: كشف الظنون ج2، ص1886ـ1887، وفهرس المكتبة السليمانية ج2، ص183، وفهرس مخطوطات آل البيت ج59، ص19ـ30، وج76، ص33، وغيرها.
(¬2) ((ينظر: فهرس مخطوطات آل البيت ج59، ص19ـ30، وج76، ص33، وج105، ص25، وج155، ص44، ومعجم المطبوعات العربية والمعربة ج2، ص786، وغيرها.
(¬3) ((حيث أشار الشارح نفسُه في ديباجة الكتاب لنسبة هذا الشرح له، وقد مرّت عبارته.
(¬4) ((كما في الطّبقات السّنيّة ج1، ص67، والشّقائق النعمانيّة ج1، ص296، ومعجم المطبوعات ج1، ص13، والأعلام ج1، ص67، ومعجم المؤلفين ج1، ص25.