الجزء 1 · صفحة 5
الإيثار لحل المختار
تأليف
العلامة الفقيه الشيخ
مُحيي الدين مُحَمَّد بن إلياس الشهيد
المشهور بـ (جَوي زادَه)
المتوفى سنة 954هـ رحمه الله تعالى
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب تمم بالخير
الحمد الله الذي هدانا إلى الشرع المستقيم، ووفقنا لنهج الدين القويم ويسر لنا اقتداء العلماء مصابيح الدجى والظلم، حمداً لا يُعَدُّ، ولا يُحْصَى بِنَمَقِ القلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها وصول رحمته وفضله وأستدبر بها وُفُورَ نِعمه وكرمه.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي جُمعَ ببعثته شمل الحق بعد تشتته، وزَهَقَ أهل الباطل بعد تغلبه.
صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه، وأتباعهم صلاةٌ دائمةً بدوامه، باقية ببقائه.
أما بعد:
فيقول العبد المفتقر إلى ربه الحميد، أفقرُ الناس محمد بن إلياس الشهيد، غفر الله له ولوالديه، ولمن أحسَنَ إليهم، وجاد لهم بدعائه لما رأيتُ «المختار» متداولا في الأيدي وجيز، الألفاظ والمباني، أنيق الفَحَاوِي والمعاني، ولم يشرحه أحد من علماء العصر، ولا من فضلاء الدَّهْرِ، شرحاً يُحِلُّ مشكلاته، ويبين معضلاته، ويفك مغلقاته، فَشَرَحْتُ بعد ما استخرتُ الله تعالى أنا وبعض أصحابي، معترفا بقلة بضاعتي، ومقرّاً بنزر عُدَّتِي، عملا بما قيل: «جهدُ المُقِل خَيْر من عذرِ المُخِل»، شرحاً يُزيل عن وَجْنَة تراكيبه صعابه، ويَكشِف) عن وجه معانيه نقابه، مغنياً عن بقية الشروح في الإيضاح، إغناء الصُّبْحِ عن المصباح، عارياً عن الإطناب الممل، وناكباً عن الإيجاز الْمُخِل، مُسْتَمسكاً بما جاء في أخبار صادق القول: «خير الكلام ما قل ودَلَّ»، والزوائد على ما فيه هرباً عما كثر وأمَل، إلا ما حملتني كثرة وقوعها عليها، ودعتني الضرورة إليها، حِسْبَةٌ الله تعالى، وطلباً لمرضاته، يوم يُجْزَى كلُّ شخص بحسناته وسيئاته، موسوماً بـ «الإيثار لحل المختار».
الجزء 1 · صفحة 7
وأسأل الله تعالى أن يُوَفِّقَنِي للإِثْمَامِ، ويَجْعَلَهُ للخواص والعوام، وسيلة إلى المقصودِ التام، وأستعينه على إتمامه بالخير، وهو نصير، وبإجابة أدعية عباده جدير
كتاب الطهارة
اختيار لفظ «کتاب» على «باب»؛ لأن فيه معنى الجمع، يقال: «كَتَبْتُ الخَيْلَ» أي جَمَعْتُ، وكان الغرض بيان أنواع الطهارة، لا نوعاً.
واكتفى بلفظ الواحد مع كثرة الطهارات؛ لأن الأصل في المصدر ألا يُثَنَّى ولا يُجمع، لكونها اسم جنس يشمل جميع أنواعها وأفرادها.
وخَصَّ الطهارة من بين شروط الصلاة، لكونها أهم؛ لأنها لا تسقط بعذر، بخلاف سائر الشروط من استقبال القبلة، وستر العورة، وغيرهما.
ثم إنَّ الطهارة لغة: مطلق النظافة.
وشرعاً: النظافة عن النجاسات الحقيقية والحكمية.
(مَنْ أَرَادَ الصَّلاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ) الواو للحال، أي: والحال أنه محدث.
ويدخل كلمة «مَنْ» في صفة من يعقل، مفرد اللفظ ومجموع المعنى. (فَلْيَتَوَضَّا)؛ لأن سبب فرضية الوضوء: إرادة الصلاة، لقوله تعالى: {إِذَا قُمتُم إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: إن أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون.
الوضوء في اللغة: عبارة عن الحسن
وفي الشريعة: عبارة عن غسل الأعضاء المخصوصة.
(وَفَرْضُ الْوُضُوءِ):
1 - (غَسْلُ الْوَجْهِ) وفرضيته بما تلوناه آنفاً.
الجزء 1 · صفحة 8
والغَسْلُ: هو الإسالة.
والوجه من مبدأ سطح الجبهة - وهو قُصاص الشعر غالباً - إلى أسفل الذَّقَنِ طولاً، وما بين شحمتي الأُذُنَين عَرْضاً.
وسقط غَسْلُ باطن العينين لما فيه من المشقة، وخَوفِ الضَّرَر بهما، وبه
تسقط الطهارة.
ويجب غسلُ ما بين العِذارِ والأذن؛ لأنه من الوجه، خلافاً لأبي يوسف رحمه الله بعد نبات اللحية، لسقوط ما تحت العِذار، وهو أقرب منه، فما هو أبعد أولى.
قلنا: سقط ذلك للحائل، ولا حائل هنا.
ثم إن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي من الكتاب، أو السنة المتواترة، أو الإجماع. والواجب ما ثبت بدليل ظني من الآية المؤولة، والحديث المأوَّلة، وخبر الواحد.
والسنة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، مع تركه أحياناً.
فإن كانت مواظبته على سبيل العبادة فسنن الهدى، وتركها ضلال.
وإن كانت على سبيل العادة، فسنن الزوائد، وتركها لا بأس به، كلُبس الثياب، والأكل، وغير ذلك.
3،2 - (وَالْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحُ رُبع الرَّأْسِ)؛ لأن ذكر الآية مجملة في مسح الرأس، يحتمل، إرادة الجميع، كما قاله مالك رحمه الله، ويحتمل إرادة ما تناوله اسم المسح؛ لأن المسح هو الإصابة، كما قاله الشافعي رحمه الله، ويحتمل إرادة بعضه، كما ذهب إليه أصحابنا رحمهم الله، وقد صح أن النبي الله، توضأ، فمسح، بناصيته، فكان بياناً للآية، وحُجةٌ عليهما، والمختار في مقدار الناصية ما ذُكِرَ في الكتاب»، وهو الرُّبعُ، ولا يزيد على مرة واحدة؛ لأن بالتكرار يصير غسلًا، والمأمور به هو المسحُ.
4- (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ والكعب في رواية هشام عن محمد رحمهما الله: هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشّرَاك، لكن الأصح أنها العظم الناتئ، الذي ينتهي إليه عظم الساق، كذا في «شرح الوقاية» لصدر الشريعة، خلافاً لزفر رحمه الله، فإن عنده لا يدخل المرفقان والكعبان في الغسل:
الجزء 1 · صفحة 9
لأن «إلى» للغاية، وهي لا تدخل تحت المغيا، كالليل في الصوم.
قلنا: إن هذه الآية لإسقاط ما وراءها؛ إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل، وفي باب الصوم لمد الحكم إليها؛ إذ الصومُ يُطْلَقُ على الإمساك ساعةً.
(وَسُنَّتُهُ) أي: سنة الوضوء.
1- تَسْمِيَةُ الله تَعَالَى فِي ابْتِدَائِهِ) أي: في ابتداء الوضوء، لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها
والأصح أنها مستحبة، وإن سماها في الكتاب سنة، كذا في «الهداية».
والتسمية المروية عنه: بسم الله والحمد لله على الإسلام:
? - (وَالسَّوَاكُ):أي استعماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه.
وفي المقدمة الغزنوية»: قال صلى الله عليه وسلم: «الوضوء شَطْرُ الإيمان، والسواك شطر الوضوء». و قال: ركعتان يستاك فيها خير من سبعين ركعة، لا يستاك فيها إلى هنا كلامه.
والأصح أنه مستحب، كذا في «الاختيار».
وهو من شجر مرّ في غِلظ الخنصر في طول الشبر، وعند فقده يعالج بالأصبع.
وفي الخلاصة: ينال بالأصبع ثواب السواك.
أما، وقته فقيل: قبل الوضوء
وفي زاد الفقهاء»: إنه سن حالة المضمضة، تكميلاً للإنقاء.
وفي «التوفيق»: وكيفيته: أن يأخذه بيده اليمنى، ويبدأ بالأسنان العليا من حانب الأيمن، ثم بالأيسر، ثم بالسفلى من جانب الأيمن، ثم بالأيسر.
3، 4- (وَالْمَضْمَضَةُ، وَالاسْتِنْشَاقُ ثَلاثاً ثَلاثاً) يأخذ لكل مرة ماءً جديداً، المواظبته على ذلك كذلك، خلافاً للشافعي رحمه الله، فإن المسنون عنده: أن يُمَضْمِضَ ويَسْتَنْشِقَ بغَرفةٍ واحدةٍ، ثم هكذا ثم هكذا، ومتمسكه فعله هكذا.
ه - (وَمَسْحُ جَمِيع الرَّأْسِ) لما روي أنه توضأ، ومسح بجميع رأسه. وقد تقدم أنه مَسَحَ بناصيته،
الجزء 1 · صفحة 10
فكان فرضاً، ويكون مَسحُ الجميع سنة. وقال الشافعي رحمه الله: السنة في رحمه الله: السنة في مسحه التثليث، اعتباراً بالمغسول. ولنا: أن أنساً رضي الله عنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، وقال: هذا وضوء رسول الله
6- (وَالْأُذُنَيْنِ بمَاءٍ وَاحِدٍ)، خلافاً للشافعي رحمه الله، فعنده: بماء جديد؛ لأنه أخذ للأذنين ماء جديداً».
قلنا: إنه اغترف غرفةٌ من ماء، فمسح بها رأسه وأذنيه، فيحمل ما رواه على أنه لم يبق في كفه بله
7 - (وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ) لما روي أنه إذا توضأ شبك أصابعه في لحيته، كأنها أسنان المشط.
وقيل: هو سنة عند أبي يوسف رحمه الله، جائز عندهما رحمها الله؛ لأن السنة إكمال الفرض في محله، وباطنُ اللحية لم يبق محلاً للفرض، فيحمل ما روي على الفضيلة.
ووقته: بعد تثليث الغَسْلِ، كذا في «الاختيار».
8 - (وَالأصابع))؛ لأنه إكمال الفرض في محله.
9- (وَتَثْلِيتُ الغَسْلِ) لمواظبته عليه.
فالواحدة، فرض والثالثة سنة، والثانية دونها في الفضيلة.
وقيل: الثانية سنة، والثالثة إكمال السنة، كذا في «الاختيار».
(وَمُسْتَحَبُّهُ) أي: مستحب الوضوء:
1 - (النِّيَّةُ) ليكون مفتاحاً للصلاة، فينوي رفع الحدث، واستباحة الصلاة.
وعند الشافعي رحمه الله: فرض.
ولوقوعه قربة فرض اتفاقاً، كذا في «التوفيق».
له: في «الخلافية»: أن الوضوء طهارة حكمية، فلا يصح إلا بالنية كالتيمم. ولنا: أن الوضوء شرط الصلاة، فلا يفتقر إلى النية، قياساً على سائر شروطها، وقياسه على التيمم غير مستقيم؛ لأن الماءَ خُلِقَ مطهّراً، كما قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}، والتراب ليس كذلك: لأنه ملوّث.
الجزء 1 · صفحة 11
2- (وَالتَّرْتِيبُ) وهو البداية بالوضوء بما بدأ الله تعالى بذكره.
وعند الشافعي رحمه الله: هو شرط صحة الوضوء.
أما غسل اليسرى قبل اليمنى جائز اتفاقاً.
وكذا غسل اليدين من المرفقين جائز إجماعاً، لكن خالف السنة، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
له: الأمر بغسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة بالفاء يمنع البداية بغيره، تحقيقاً للوصل، وعطف سائر الأعضاء عليه يقتضي أن يكونَ غَسلُ ذلك على الترتيب؛ لأن العطف يقتضي المشاركة في الحكم المذكور.
ولنا: أن الفاء لتعقيب الجملة بدون الترتيب في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه}
وفيمن قال لآخر: إذا ذهبت إلى مكان كذا، فاشتر خُبزاً، ولحماً، وفاكهة، فكذا هنا. وقيل: إنهما سنتان، وهو الأصح، المواظبته عليهما، كذا في «الاختيار».
3 - (وَالتَّيَامُنُ) لقوله: «إن الله يحب التَّيَامُنَ في كل شيء».
4- (وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ) يبدأ من قفاه إلى الحلقوم، ولا يمسحه، فإن مسحه بدعة؛ لأنه مسح عليها مع الترك أحياناً.
وقيل: إنه سنة.
{فصل في نواقض الوضوء]
(وَيَنْقُضُهُ) أي: ينقض الوضوء.
والنقض: إبطال التأليف في الأجسام، وفي غيرها إخراجه عما هو المطلوب منه. (كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ) أي: سبيلي الحدث؛ لقوله تعالى: {أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ)، ولقوله صلى الله عليه وسلم حين قيل له: ما الحدث؟ ما يخرج من السبيلين».
الجزء 1 · صفحة 12
وكلمة «ما» عامة يتناول المعتاد، وغيره، كخروج الدودة من الدبر، والحصاة من الذكر.
وأما الدودة الخارجة من الجُرح، فغير ناقضة؛ لأن النجس الذي عليها من الرطوبة قليل غير سائل، وإذا خرجت من السبيل، فما عليها من النجس وإن كان قليلاً، فحدث بالنص.
فإن قلت: قوله: «كل ما خرج كيف يتناول غير المعتاد، وقد قالوا: الريحُ الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل غير ناقض؛ لأنها لا تنبعث من محل النجاسة، وإن خرجت ريح من المفضاة، وهي التي صارت سبيلاها واحداً، فإن كانت منتنة ينقض وإلا فلا؟
قلت: المراد أن كل ما خرج من السبيلين بعد ما يكون الخارج نجساً يتناول المعتاد وغيره.
(وَمِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ) أي: وينقض الوضوء الخارج من غير سبيلي الحدث. إِنْ كَانَ نَجِساً) أي: إن كان الخارج نجساً، وإن لم يكن نجساً، كالدمع وغيره لا ينقض الوضوء.
وفي «التوفيق»: ما يخرج من بدن الإنسان، كماء الفم، والأذن، والعين، والقيء القليل، والقيح، إذا خرج بالعصر لا يكون نجساً، كدم البعوض، والدماء التي تبقى في العروق بعد الذبح.
(وَسَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ)، خلافاً لزفر رحمه الله، فإنه لم يشترط السَّيلان، قياساً على الخارج من مَسْلَكِ الحدث.
ولنا: أن ناقض الوضوء خروجُ النجس، فلا يَحْضُلُ الخروج بدون السيلان؛ لأن بدونه يكون ظهوراً لا خروجاً، بخلاف مسلك الحدث؛ لأن رأس العورة ليس محلا للنجس، فيكون ظهور النجس خروجاً، وإذا عَصَرَها، فخرج بعصره لا ينقض؛ لأنه مُخرج، لا خارج.
وعند الشافعي رحمه الله: لا ينقض بالسيلان.
له: ما روي أنه احتجم، ولم يتوضأ.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «الوضوء من كل دم سائل».
(وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ) أي ينقض الوضوء القيء ملء الفم. وهو أن يكون مانعاً من الكلام، خلافاً للشافعي رحمه الله، فإن عنده لا ينقض القيء الوضوء؛ لأنه روي أنه قاء ولم يتوضأ
الجزء 1 · صفحة 13
ولنا: قوله: «القَلْسُ حَدَثُ».
وقال زفر رحمه الله: ينقض مطلقاً، لإطلاق الحديث من غير فصل بين القليل والكثير.
ولنا: ما نُقل عن علي رضي الله عنه أنه قال حين عَدَّ الأحداث: «أو دَسْعَةٌ بملأ الفم. الدسعة: القيئة.
(إِلَّا الْبَلْغَمَ) أي لا ينقض الوضوء قيء البلغم وإن ملأ الفم.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إن كان صاعداً من الجوف ينقض؛ لأنه محل النجاسة، فأشبه الصفراء.
قلنا: البلغم طاهر؛ لأنه لو كان يأخذه بطَرَفِ ردائه وهو في الصلاة، ولهذا لا ينقض النازل من الرأس إجماعاً، وهو لِلْزُوجَتِهِ لا تَتَدَاخِلُه النجاسة، بقي ما تُجَاوِرُه من النجاسة، وهو قليل، والقليل غير ناقض، بخلاف الصفراء، فإنها تمَازِجُهَا.
(وَيَنْقُضُهُ) أي الوضوءَ (الدَّمُ وَالْقَيْحُ) أي قيء الدم، والقيح (وَإِنْ لَمْ يَمْلاً القم) «إن» هذه للوصل، يتصل إلى «نقضه أي ينقض الوضوء قيئهما وإن لم يملأن الفم، خلافاً لمحمد رحمه الله، فإن عنده لا ينقض ما لم يملأ الفم، كغيره من الأخلاط.
ولنا: أن المَعِدَةَ ليست موضعَ الدم فيكون من قرحة في الجوف، فينقض ما يسيل منها، حتى لو قاء عَلَقاً لا ينقض ما لم يملأ الفم؛ لأنه يكون في المعِدَةِ. (وَإِذَا اخْتَلَطَ الدَّمُ بِالْبُصَاقِ؛ فَإِنْ غَلَبَهُ) أي غلب الدم البصاق (أَوْ سَاوَاهُ) أي ساوى الدم البصاق (نَقَضَ) الوضوء.
وإن غلبه البصاقُ لا ينقض؛ لأن القليل مستهلك في الكثير، فيصير عدماً. وإذا اصفر البزاق من الدم لا ينقض، وإن احمر ينقض، كذا في «شرح الوقاية» لصدر الشريعة.
(وَالإغْتمَاءُ، وَالْجُنُونُ) الإغماء: كون العقل مغلوباً، فيدخل فيه السكر.
والجنون: كون العقل مسلوباً.
(وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعاً، أَوْ مُتَّكِتَا، أَوْ مُسْتَئِداً يَنْقُضُ) الوضوء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «العينُ وكَاءُ السَّهِ، فإذا نامت العين انحلَّ الوِكَاءُ».
وينتقض بالإغماء والجنون؛ لأنهما فوق النوم في الغفلة.
الجزء 1 · صفحة 14
(وَالنَّوْمُ قَائِاً، وَرَاكِعاً، وَسَاجِداً وَقَاعِداً) وقال مالك رحمه الله: ينتقض بطول القعود؛ لأن بطوله استرخت مفاصله.
وفي حد الطول: الحاكم هو العُرْفُ.
ولنا: إطلاق قوله: ليس الوضوء على من نام قائماً، أو قاعداً، أو راكعاً، أو ساجداً».
(وَمَسُّ الْمَرْأَةِ وَالذَّكَرِ: لَا يَنْقُضُ) الوضوء، خلافاً للشافعي رحمه الله فيهما، فإن عنده ينقض، لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، فإن قوله تعالى: «لامستم» على قراءة معطوف على «جاء»، فيكون حدثاً.
وقوله: من مس فرجه، فليتوضأ».
ولنا في الأول: ما روت عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقَبِّلُ بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة، ولا يتوضأ».
وأما اللمس في الآية، فكناية عن الجماع، كما قال تعالى حكاية عن مريم: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر}، والحَمْلُ عليه أولى، ليكون بياناً أن التيمم رافع للحدث الأصْغَرِ والأكبر، مع احتياج الناس إلى بيانها.
وفي الثاني: ما روي أنه قال لمن سأله: «أنتوضأ من مس الفرج؟ قال: لا، وما رواه محمول على غسل اليد؛ لأن عدم الاستنجاء بالماء كان من عادتهم.
وقال مالك رحمه الله: مَسُّ المرأةِ ينقض الوضوء إن كان بشهوة؛ لأن المس بشهوة مظنة خروج المذي، فيقام مقام الحدث.
ولنا: ما تقدم من الدليل.
(وَالْقَهْقَهَةُ) وهي: ضحك يكون مسموعاً لصاحبه والجيرانه (في الصَّلَاةِ: تَنْقُضُ الوضوء، خلافاً للشافعي رحمه الله، فعنده: لا تنقض؛ لأنها ليست بخارجةٍ نجس، كما لا تنقض خارج الصلاة.
ولنا: قوله: «من ضحك منكم قهقهةً، فليعد الوضوء والصلاة جميعاً»، وهذا حديث عَمِلَ به الصحابة والتابعون، وبمثله يُترك القياسُ، فالأثر وَرَدَ في صلاة مطلقة، فيقتصر عليها، فلا ينقض غير القهقهة اتفاقاً.
الجزء 1 · صفحة 15
أما الضحك فهو الذي يسمعه صاحبه فقط، يُبطل الصلاة فقط.
والتبسم وهو ما لا صوت له، لا يُبْطِلُ أصلاً.
ولا القهقهة في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، ولا قهقهه الصبي، والنائم، والمغتسل، كذا في شرح المجمع لابن ملك.
وإن شك في بعض وضوئه؛ فإن كان أول شكه أعاد؛ لأنه تيقن بالحدث، وشك في زواله. وإن كان يحدث له كثيراً لم يُعِدْ دَفْعاً للحرج.
ومن أيقن بالحدث، وشك في الطهارة أو بالعكس، أخَذَ باليقين، كذا في «الاختيار».
فصل [في أحكام الغسل]
فَرْضُ الْغُسْلِ) أي مفروضه: (الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ) وهما سنتان عند الشافعي رحمه الله، كما هما في الوضوء، لقوله: عشر من الفطرة» أي من السنة، وذكر منها المضمضة والاستنشاق.
ولنا: قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا)، وهو أمر بتطهير جميع البدن، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه خارج عن النص، بخلاف الوضوء؛ لأن الواجب فيه غسل الوجه، والمواجهة فيهما منعدمة. والمراد بما رَوَى حالة الحدث، بدليل قوله: إنهما فرضان في الجنابة، سنتان في الوضوء».
(وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ) أي: ظاهره، حتى لو بقي العَجِينُ في الظفر، فاغتسل، لا يجزئ، وفي الدَّرَن يجزئ؛ إذ هو متولد من هناك. وكذا الطين؛ لأن الماء ينفذ فيه، وكذا الصبغ والحناء، كذا في «شرح الوقاية» لصدر الشريعة.
(وَسُنَتُهُ) أي سُنَّةُ الغُسْل (أنْ يَغْسِلَ) المغتسِلُ (يَدَيْهِ، وَفَرْجَهُ، وَيُزِيلَ نَجَاسَةٌ عَنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ أي: وضوءه للصلاة، إلا رجليه إن كانتا في مستنقع الماء؛ لأنه لا يُفيد الغسل، وإلا، لا يؤخره.
وفي شرح الإيضاح من اغتسل من الجنابة، ثم أراد أن يصلي، فله أن يتوضأ بعد الغُسل: لأن الوضوء قبل الغُسل سنة، وبعد الغسل فريضة للصلاة.
(ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ ثَلَاثَاً) هكذا حكت ميمونة رضي الله عنها اغتسال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجزء 1 · صفحة 16
أما الدلك: فليس بشرط عندنا.
وقال مالك رحمه الله: هو شرط في الغُسل؛ لأن الدلك كان شرطاً في تطهير الثوب عن النجاسة الحقيقية، فيكون شرطاً في تطهير البدن عن النجاسة الحكمية. ولنا: أن الدلك متمم، فيكون مستحباً، وليس البدنُ كالثوب؛ لأن النجاسة تخللت في الثوب، فلا يزول إلا بالعصر والدلك، كذا في «المبسوط».
وفي «الأسرار»: الدلك شرط عنده في الوضوء أيضاً.
(وَيُوجِبُهُ) أَي الغُسَلَ (غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِ، أَوْ دُبُرٍ، عَلَى الْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ به) لقوله: «إذا التقى الختانان وجب الغسل، أنزل أو لم يُنْزِل».
وكذا الإيلاج في الدبر؛ لأنه محل مشتهى مقصود بالوطء كالقُبل. ويجب على المفعول به احتياطاً، بخلاف البهيمة؛ لأن السببية ناقصة، كذا في «الهداية».
(وَإِنْزَالُ الْمَنِي عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ) خلافاً للشافعي رحمه الله، فعنده يجب الغسل بخروج المني كيف ما كان، لقوله: «الماء من الماء» أي الغُسل من المني.
قلنا: إن الأمر بالتطهير يتناول الجنب.
والجنابة في اللغة: عبارة عن خروج المني على وجه الشهوة، يقال: «أجْنَبَ الرَّجُلُ» إذا قَضَى شهوته من المرأة، وما رواه محمول على خروج المني عن شهوة. ثم الشرط انفصاله عن موضعه عن شهوة؛ لأن بذلك يُعرف كونه منيّاً، لا عند خروجه عن العضو.
وعند أبي يوسف رحمه الله: خروجه عن العضو بشهوة شرط؛ لأن حكمه إنما يثبت بعد الخروج، فيعتبر وقتئذ.
ولهما: أن انفصال المني يوجب الاغتسال، لكونه بشهوة، وخروجه لا يوجبه، لكونه بلا شهوة، فيجب احتياطاً.
وثمرة الخلاف تظهر في موضعين
1 - فيمن أمسك ذكره، حتى سكنت شهوته، ثم خرج المني بلا دفق، يجب الغُسلُ عندهما، خلافاً له.
الجزء 1 · صفحة 17
2 - فيمن أمنى، واغتسل من ساعته قبل أن يبول، أو ينام، أو يمشي، ثم سال منه بقية المني بلا شهوة، يعيد الغُسل عندهما، خلافاً له.
ولو اغتسل بعد ما بال أو نام، أو مشى، ثم خرج المني لا يجب الغسل اتفاقاً، كذا في «المحيط».
(وَانْقِطَاعُ الحَيْضِ وَالنَّفَاسِ أما الحيض، فلقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد، أي يغتسلن، مَنَعَ قربانهن بغير غُسل، ولولا وُجُوبُه لَمَا مَنَعَ
وأما النفاس، فبالإجماع.
وكذا يجب على المستحاضة إذا كملت أيام حيضها؛ لأنها في أحكام الحيض كالطاهرات، كذا في «الاختيار».
(وَمَنِ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ فِي ثِيَابِهِ مَنِيّاً، أَوْ مَدْياً) وهو: بسكون الذال المعجمة الماء الرقيق الأبيضُ الخارج عند ملاعبة الرجل أهله (فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ).
أما المني، فلقوله: من ذكر حلماً، ولم ير بللاً، فلا غُسل عليه، ومن رأى بللاً، ولم يذكر حلماً، فعليه الغُسلُ».
وأما المذي، ففيه خلافُ أبي يوسف رحمه الله؛ لأن المذي لا يوجب الغسل، كما في حالة اليقظة.
قلنا: إن الظاهر أنه مني قد رَقَّ، فيجب الغُسلُ احتياطاً.
قيد بـ «الاستيقاظ»، لأن المغشي عليه لو أفاق، أو السكران لو صحا، ثم وَجَدَ عليه بللاً، لا غُسل عليه اتفاقاً، كذا في «الخلاصة».
وقيد بـ وجدانه)»، لأنه إن لم يجد بللا، فلا غُسل عليه اتفاقاً وإن (2) تذكر احتلاماً، من «الحقائق».
وفي «الخانية»: إنما يجب الغُسل عندهما في المذي إذا كان ذكره ساكناً حين نام. أما إذا كان منتشراً، فما وجد من البلة بعد الانتباه يكون من آثار ذلك الانتشار، فلا يلزمه الغُسل، إلا أن يكون أكثر رأيه أنه مني، فيلزمه الغُسل.
وفي «الاختيار»: والمرأة إذا احتلمت ولم تر بللاً؛ إن استيقظت وهي على قفاها، يجب الغُسلُ:
الجزء 1 · صفحة 18
لاحتمال خروجه، ثم عَودِهِ، لأن الظاهر في الاحتلام الخروج، بخلاف الرجل، فإنه لا يعود لضيق المحل. وإن استيقظت وهي على جهة أخرى، لا يجب.
(وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالإحْرَامِ: سُنَّةٌ).
وكذا الغُسل في عرفة.
وقيل: هذه الأربعة مستحبة؛ لأنه يوم ازدحام، فيستحب لئلا يتأذى البعضُ برائحة البعض.
وسمى محمد رحمه الله الغُسل في يوم الجمعة حَسَناً، في «الأصل».
وقال مالك رحمه الله: هو واجب لقوله لا من أتى الجمعة فليغتسل، الأمر للوجوب.
ولنا قوله: (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل، فهو أفضل»، وبهذا يحمل ما رواه على الاستحباب، أو على النسخ.
ثم هذا الغُسلُ للصلاة عند أبي يوسف رحمه الله، وهو الصحيح، لزيادة فضيلتها على الوقت، واختصاص الطهارة بها.
وعند الحسن رحمه الله لليوم، كذا في «الهداية».
وأدنى ما يكفي من الماء في الغُسل صاع، وفي الوضوء مُدِّ.
والصاح: ثمانية أرطال، والمد رطلان، لما روي أنه كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد، وهذا ليس بتقدير لازم، حتى لو أسْبَغَ الوضوء، والغُسل بدون ذلك جاز ما لم يُسرف، فهو المكروه، كذا في الاختيار».
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحدِثِ، وَالْجُنُبِ مَسُّ الْمُصْحَفِ) لقوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (إلا بغلافِهِ) المراد به الجلد المشرز؛ لأن مسه ليس مَسَّ القرآن حقيقة.
وقيل المراد به ما يكون متجافياً عنه؛ لأن المتصل به تبع له، وهذا أقرب إلى التعظيم، والأوّلُ أقْرَبُ إلى القياس.
وأما مسه بالكم:
الجزء 1 · صفحة 19
فقيل: إنه ممنوع؛ لأنه تابع للحامل، فلا يكون حائلاً.
وقيل: لا بأس به؛ لأن المس هو المباشرة باليد من غير حائل، كذا في «شرح المجمع لابن ملك.
ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان؛ لأن في المنع تضييع حِفْظِ القرآن، وفي الأمر بالتطهير حرجاً لهم، كذا في شرح الأكمل.
ورُخَّصَ لأهل الكتب الشرعية مسُّها بالكم؛ لأن تكرر الحاجة إليها يورث ضرورةً مُرَخّصةً في الأخذ بالكم، كذا في «التوفيق».
(وَلَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لقوله: «لا يقرأ الحائض، ولا الجنب شيئاً من القرآن».
وقيدها الطحاوي بالآية التامة، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وعليه الأكثر؛ لأن النظم والمعنّى يَقْصُرُ فيما دونها.
ذكر صاحب «الهداية» في «التجنيس»: الآية وما دونها مساوية في الحرمة، وهو الصحيح؛ لأن ما دون الآية شيء من القرآن، وقد دَلَّ الحديث على منعه، هذا إذا قرأ على قصْدِ التلاوة. ولو قرأ على قصد الثناء أو الدعاء لا بأس به.
ولو تمضمض الجنب، أو غَسَلَ يديه فعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا بأس بمس المصحف وقراءته، كذا في شرح «المجمع لابن ملك.
(وَيَجُوزُ لَهُ): أي للجنب (الذِّكْرُ، وَالتَّسْبِيحُ، وَالدُّعَاءُ) وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن المنع وَرَدَ عن القرآن خاصةً.
(وَلَا يَدْخُلُ) الجنبُ الْمَسْجِدَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ) لقوله: «ا أُحِلُّ المسجد لجنب ولا حائض، فإن احتاج إلى ذلك تيمَّمَ ودَخَلَ: لأنه طهارة عند عدم الماء.
وإن نام في المسجد فأجنَبَ:
قيل: لا يباح له الخروج، حتى يتيمم.
وقيل: يباح، كذا في «الاختيار».
الجزء 1 · صفحة 20
(وَالْحَائِضُ، وَالنُّفَسَاءُ: كَالجُنُبِ): أي في المس، والقراءة، ودخول المسجد.
فصل [فيما يتطهر به]
(تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ فِي نَفْسِهِ، مُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ) أَي: لغير الماء (كَالْمَطَرِ، وَمَاءِ الْعُيُونِ، وَالآبَارِ) أي وماء الآبار، وكذا ماء الأودية والبحارِ (وَإِنْ تَغَيَّرَ) «إن» هذه للوصل أي الماءُ بِطُولِ الْمُكْثِ) لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا).
وتوضأ رسول الله له من آبار المدينة، وقال: «الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيء، إلا ما غَيَّر طعمه، أو لونه، أو ريحه»، ومطلق الاسم يُطلق على هذه المياه، وطول المكث لا ينجسها، فتبقى طاهراً. (وَتَجُورُ) أي وتجوز الطهارة (بِمَاءٍ خَالَطَهُ) أي خالط ذلك الماءَ شَيْءٌ طَاهِرُ، فَغَيَّرَ أحَدَ أَوْصَافِهِ) أي: أوصاف الماء، وهي: طعمه، ولونه، وريحه، ولم يزل رقته (اللَّبَنِ) وفيه روايتان (وَالزَّعْفَرَانِ وَالأُشْنَانِ) وهو الحرض (وَمَاءِ الْمَدِّ) وهو السيل.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز؛ لأن اسم الماء المطلق يزول عنه، ويضاف إلى المختلط، ويقال: ماء زعفران مثلاً.
ولنا: ما روي أنه اغتسل بماء فيه أثر العجين.
والاختلاف فيما إذا كان المختلط من غير أجزاء الأرض، وإن كان منها، فالوضوء جائز اتفاقاً؛ لأن الماء لا يخلو عن مخالطتها غالباً، ولا يزول بها عنه اسم الماء المطلق، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَلَا تَجُوزُ) أي ولا تجوز الطهارة (بماءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) أي غلب على الماء غيرُ الماء (فَأَزَالَ عَنْهُ) أي عن الماء (طَبْعَ الْمَاءِ) وطبعه: كونه سيالاً مُرَطْباً مُسَكِّناً للعطش (كَالأَشْرِبَةِ، وَالْخَلِّ، وَمَاءِ الْوَرْدِ).
(وَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ: بِالأجْزَاء) لا باللون، وهو الصحيح.
فكل ما غَلَبَ على الماء، وأخرجه عن طبعه، ألحقْنَاهُ بالخل، وما غلب عليه الماء، وطبعه باقي
الجزء 1 · صفحة 21
ألحقناه بالماء المطلق؛ لأنه على حكم الإطلاق، وإضافته إليه كإضافته إلى العين والبئر، وإن تغيّر بالطبخ كالْمَرَقِ لا يجوز، إلا ما يُقصد به التنظيف، كالسدر والحرض والصابون ما لم يَنْخُنْ، فإنه يجوز لورود السنة في غسل الميت بذلك، كذا في «الاختيار».
(وَالْمَاءُ الرَّاكِدُ) أي الواقفُ (إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ) أَي بذلك الماء.
وقال مالك رحمه الله: يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه، لما روينا، وهو قوله: «الماء طهور» الحديث.
وقال الشافعي رحمه الله: يجوز إن كان الماء قُلَّتَيْنِ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خَبَثاً». والقلة: اسم لجرة يسعها مائتان وخمسون رطلاً.
ولنا: حديث المستيقظ من منامه، وقوله: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة من غير فصل. والذي رواه مالك وَرَدَ في بئر بضاعة، وماؤه كان جارياً إلى البساتين، وما رواه الشافعي ضعفه أبو داود.
و معنى عدم احتماله: أنه ضعيف لا يقاوم النجاسة، بل ينجس، كذا في «الهداية».
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) أي ذلك الماءُ (عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرَةٍ) بذراع الكرباس، وهي أربع وعشرون أصبعاً، وعرضُ كل أصبع ستُ شعيرات مضمومة بطون بعضها ببعض، لا ذراع المساحة، وهي سبع قبضات بأصبع قائمة في كل قبضة، وهو الصحيح؛ لأن الأولى أقصر، وفيه توسعة للناس، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الماء الكثير لا يتنجس، إلا إذا غَيَّرَتِ النجاسة أحد أوصافه.
واختلفوا في حده؟
فمنهم من اعتبر تحرك طرفه بتحريك الآخر، وهو قول المتقدمين.
ومنهم من اعتبر المساحة، وهو قول المتأخرين، بحيث يكون كل جانب من جوانبه الأربع عشرة أذرع، حتى لو فُرِشَ فوقه مئة لبن طول كل لبن، وعرضه ذراع لَوَسِعَه، وإنما قُدرَ هذا بعشر في عشر، بناءً على قوله: «من حفر بئراً فله حولها أربعون ذراعاً، فيكون له حريمها من كل جانب عشرة»، ففهم من هذا أنه إذا أراد آخر أن يحفر في حريمها بئراً يمنع منه؛ لأنه ينجذب الماء إليها، وينقص الماء في البئر الأولى، وإن أراد أن يحفر بئراً بالوعة يمنع أيضاً؛ لسراية النجاسة إلى البئر الأولى، وتنجيس مائها. ولا
الجزء 1 · صفحة 22
يمنع فيما وراء الحريم، وهو عشر في عشر. فعلم أن الشرع اعتبر العشر في العشر في عدم سراية النجاسة، حتى لو كانت النجاسة تسري لحكم بالمنع، كذا في شرح الوقاية» لصدر الشريعة.
والمعتبر في مقدار الحوض وقتُ الوقوع، حتى لو انتقص بعده لا يتنجس، وفي عكسه لا يطهر والظاهر أن ذلك مفوّض إلى رأي المستعمل، كذا في «التوفيق». وإن كان له طول ولا عَرْضَ له، فالأصح أنه إن كان بحال لو ضُمَّ طوله إلى عرضه يصير عشراً في عشر، فهو كثير، كذا في «الاختيار».
وفيه إن كانت النجاسة مرئيةً لا يتوضأ من موضع الوقوع، للتيقن بالنجاسة برؤية عينها، وإن كانت غير مرئية، فلو توضأ منه، جاز لعدم التيقن بالنجاسة، لاحتمال انتقالها.
ومنهم من قال: لا يجوز أيضاً؛ لأن الظاهر بقاؤها في الحال.
وفي شرح الوقاية لصدر الشريعة وإن كانت غير مرئية يتوضأ من جميع الجوانب، وكذا من موضع غُسَالتِهِ.
(وَعُمْتُهُ) أي عمقُ ذلك الماء (مَا لَا تَنْحَسِرُ) أي لا تنكشف (الأَرْضُ بِالغَرْفِ) بفتح الغين المعجمة مصدر، وهو أ أخذ الماء باليد والمراد به: الغَرْفُ للاغتسال، وهو مروي عن أبي يوسف رحمه الله.
وقيل: للتوضؤ، وهو مروي عن محمد رحمه الله، وهو الأصح؛ لأنه هو الأوسط، كذا في شرح المجمع» لابن ملك.
(وَإِذَا وَقَعَتِ النَّجَاسَةُ فِى الْمَاءِ الْجَارِى وَلَيُرَ لَهَا) أي لتلك النجاسة (أَثَرُ: جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ) أي من ذلك الماء من أي موضع شاء.
(وَالأثَرُ: طَعْمُ، أَوْ لَوْنُ، أَوْ رِيحٌ)؛ لأنها لا تبقى مع الجريان.
والجاري: ما يذهب بتبنة.
وقيل: ما يَعُدُّه الناسُ جارياً، هو الأصح.
ولو وقعت جيفةٌ في نهر كبير لا يتوضأ من أسفل الجانب الذي فيه الجيفة، ويتوضاً من أسفل الجانب الآخَرِ.
الجزء 1 · صفحة 23
وإن كان النهر صغيراً إن كان يَجْرِي أكثر الماء عليها لا يجوز، وإن كان أقله يجوز، وإن كان نصفه يجوز، والأحوط الترك.
وعن محمد رحمه الله في ماء المطر إذا مر بالنجاسة، ولا يوجد أثرها يتوضأ منه؛ لأنه كالجاري، كذا في الاختيار».
ولو كانت العَذِرَة على السطح في مواضع لا تُنَجِّسُ ماء المطر؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري.
ولو كانت عند الميزاب تُنجِّسُ.
ولو تَنجَّسَ، حوض، فدخل الماء فيه، وخرج منه، فالأصح أنه يطهر؛ لأن الماء الجاري لما اتصل به صار في حكم الجاري.
وكذا حوض الحمام إذا انصَبَّ فيه الماء، واغترف الناسُ منه، كذا في «شرح المجمع لابن ملك.
(وَمَا كَانَ مَائِيَّ المَوْلِدِ مِنَ الحَيَوَانِ: فَمَوْتُهُ) أي موتُ مائي المولد (فِي المَاءِ لَا يُفْسِدُهُ) أي الماء كالسمك، والضفدع، والسرطان.
وقال الشافعي رحمه الله: يُفسده إلا السمك؛ لأن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة.
ولنا: أنه مات في معدنه، فلا يُعْطَى له حكم النجاسة، كبيضة تغيرت صفرتها دماً؛ ولأنه لا دم فيها؛ إذ الدموي لا يسكن الماء، والدم هو المنجس.
وفي غير الماء: قيل: غير السمكِ يُفْسِدُهُ، لانعدام المعدن.
وقيل: لا يُفْسِدُهُ، وهو الأصح.
والضفدع البحري والبري سواء.
وقيل: البري مفسد، لوجود الدم فيه وعدم المعدن، كذا في «الهداية».
(وَكَذَا) أي كمائي المولد لا يُفسد الماء موتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ) أي دم (سَائِلَةٌ، كَالذُّبَابِ، وَالْبَقِّ) وهو كبير البعوض، كذا في السامي، وكذا الزنبور، والعقرب، ونحوهما.
وقال الشافعي رحمه الله: ينجسه لما مر آنفاً، بخلاف دود الخل وسوس الثمار؛ لأن فيهما ضرورة.
الجزء 1 · صفحة 24
ولنا: قوله: «موت ما ليس له نَفْسُ سائلة في الماء لا يُفسده»، وحرمة الأكل قد يوجد في الطاهر كالطين
وكذا الحكم فيما مات في الخارج، فألقي في الماء في الصحيح.
والثوب لا ينجس بما ليس فيه دم سائل وإن كثر، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَمَا عَدَاهُمَا) أي موت ما سوى هذين النوعين:
أحدهما: مائي المولد.
والثاني: ما ليس له نفس سائلة.
(يُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ) وهو ضد الكثير.
وحد الكثير ما قررناه؛ لأنه دموي تَنَجَّسَ بالموت، فيُنَجِّسُ مَا يُجَاوِرُهُ.
الآدمي الميت إذا وقع في الماء ينجسه؛ لأنه تنجس بالموت، وإن وقع بعد الغسل فكذلك إن كان كافراً، وإن كان مسلماً لا ينجسه؛ لأنه لما حكم بجواز الصلاة على المسلم حكم بطهارته، ولا كذلك الكافر فافترقا، كذا في «الاختيار».
(وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ: لَا يُطَهِّرُ الأَحْدَاثَ) خلافاً لمالك والشافعي رحمهما الله؛ لأن الطهور ما يُطَهِّرُ غيره مرةً بعد أخرى، كالقطوع.
وقال زفر رحمه الله - وهو أحد قولي الشافعي: إن كان المستعمل متوضئاً، فهو طهور، وإن كان محدثاً، فهو طاهر؛ لأن العضو طاهر حقيقة، وباعتباره يكون الماء طاهراً وطهوراً، لكنه نجس حكم، وباعتباره يكون الماء نجساً، فقلنا: بانتفاء الطَّهورية، وبقاء الطهارة عملاً بالشبهين.
وقال محمد رحمه الله: وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله هو طاهر غير طهور؛ لأن ملاقاة الطاهر الطاهر لا يوجب التنجس، إلا إذا أقيمت به قربةٌ، فتغيرت صفته كمال الصدقة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: هو نجس، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن من الجنابة؛ ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية، فيُعتبر بماء أزيلت به
الجزء 1 · صفحة 25
النجاسة الحقيقية.
ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمها الله نجاسة غليظة اعتباراً بالماء المستعمل في النجاسة الحقيقية.
وفي رواية أبي يوسف عنه: وهو قوله نجاسة خفيفة، لمكان الاختلاف في نجاسته، كذا في «الهداية».
(وَهُوَ) أي الماء المستعملُ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثُ) بأن توضأ محدث للتبرد أو للتعليم (أوِ اسْتُعْمِلَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) أي قصد به القربة، بأن توضأ للصلاة، أو مس المصحف، أو دخول المسجد، أو توضأ على وضوء، ليكون نوراً على نور.
وقال محمد: لا يصير الماء مستعملاً، إلا بإقامة القربة؛ لأن نجاسة الآثام تنتقل حينئذ إليه. ولنا: أن الحدثَ نجاسة حكمية، فإذا زالت بالماء تفسده.
لو غَسَلَ يَدَه للطعام أو منه صار الماء مستعملاً؛ لأنه أقام به قربةَ السُّنَّةِ. ولو غسل يده من الوَسَخ لا يصير مستعملاً، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك. (وَيَصِيرُ) الماءُ (مُسْتَعْمَلَا إِذَا انْفَصَلَ) الماءُ عَنِ الْعُضْوِ).
وقال بعضهم: لا يكون مستعملاً، حتى يستقر في مكان، لكن الصحيح ما في «الكتاب: لأن سقوط حكم الاستعمالِ قبل الانفصال كان للضرورة، ولا ضرورة بعده، ولهذا قالوا: لو بقيت لمعة على عُضوِ المتوضى، فَبَلَّها ببلل عضو آخر لا يجوز؛ لأنه لما أزيل عن ذلك عن العضو صار مستعملاً، ولو بَلَّها ببلل ذلك العضو جاز. وأما بَلُّ اللمعة في الاغتسال فجائز كيف ما كان؛ لأن الأعضاء كلها مغسولة في الجنابة كعضو واحد، وفي الوضوء ليس كذلك؛ لأن بعض أعضائه ممسوح، كذا في شرح المجمع» لابن ملك.
(وَكُلُّ إِهَابٍ) وهو جلد الميتة (دبغَ فَقَدْ طَهُرَ) لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيها إهاب دبغ فقد طهر»، خلافاً لمالك والشافعي رحمهما الله لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تنتفعوا من الميتة بشيء».
ولنا: ما مر آنفاً، فيكون المنهي عنه الانتفاع من جهة الأكل.
وحد الدباغة: أن يخرج عن حد النتن والفساد، حتى إذا دَبَغَه بالتراب أو الشمس، فقد دبغه
الجزء 1 · صفحة 26
عندنا.
والدباغة: عند الشافعي: لا يكون إلا بالقرظ، أو العفص، أو نحوهما، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(إِلَّا جِلْدَ الآدَمِيٌّ: لِكَرَامَتِهِ) فَيَحْرُمُ الانتفاع بشيء من أجزائه، لما فيه من الإهانة. (وَالْخِنْزِيرِ: لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ) قال تعالى: {فَإِنَّهُ رِجس)، وهو أقرب المذكورات، فيُصْرَفُ إليه.
وعن أبي يوسف رحمه الله: إذا ذُبِحَ الخنزيرُ يَظْهرُ جلده بالدباغة، كذا في «الخلاصة».
والفيل كالخنزير عند محمد رحمه الله.
وعندهما: يُنتَفَعُ به، ويَطهُرُ بالذكاة.
وعن محمد رحمه الله: إذا أصْلَحَ مَصَارِينَ ميتة، أو دَبغَ المَثَانَة طَهُرَت، حتى يُتَّخَذَ منها الأَوْتَارُ.
وما طَهُرَ بالدباغ يَطْهُرُ بالذكاة؛ لأنها تزيل الرطوبات كالدباغ، كذا في «الاختيار».
فإن قيل: لو كان لحم الحيوان نجساً يلزم أن يكون جلده كذلك ولا يَطْهُرُ
قيل: له إن بينهما جلداً رقيقاً يمنع تنجس جلده بلحمه، كذا في «التوفيق».
(وَشَعْرُ المَيْتَةِ، وَعَظْمُهَا، وَعَصَبُهَا، وَحَافِرُهَا، وَقَرْنُهَا: طَاهِرُ) وكذا الظلف، والخف، والصوف والوبر، والريش والسن، والمنقار، والمخلب
قال مالك رحمه الله: عظم الميت نجس، وشعره طاهر؛ لأن العظم تَحُلُّ فيه الحياة، ولهذا يتألم بقطعه، والشعر لا تحله الحياة.
وقال الشافعي رحمه الله: كل ما لا حياة فيه من أجزائه نجس؛ لأن الميت نجس، فأجزاؤه تكون تابعة له.
ولنا: أن ما لا تحله الحياة لا يَحُلُّهُ الموتُ، فلا يفسده، وهو المنجس.
وشعر الإنسان وعظمه طاهر، إلا أنه لا يجوز الانتفاع به لما بينا.
الجزء 1 · صفحة 27
أما الخنزير، فجميع أجزائه نجسة، لما مر
وعن محمد رحمه الله: أن شعره طاهر، فلا ينجس الماء بوقوعه، ويَحِلُّ الانتفاعُ به؛ لأن بالناس ضرورة إلى استعماله، كذا في شرح المجمع» لابن ملك.
فصل [في أحكام الآبار]
(إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِيْرِ نَجَاسَةٌ، فَأُخْرِجَتْ): تلك النجاسة فيه إشارة إلى أن النجاسة أخرجت أوَّلاً، ثُمَّ نُزِحَتْ أي نزح ماء البئر، من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال (طَهُرَتْ) البئر.
والقياس: ألا تَطْهُرَ؛ لأنه إذا تنجس الماء تنجس الطين، فإذا نُزِحَ الماء بقي الطين نجساً، فكلما نَبَعَ الماءُ يُنَجِّسُهُ، لكنا خَالَفْنَا القياس بإجماع السلف، وما روي عنهم من الآثار غير معقول المعنى، فالظاهر أنهم قالوه سماعاً.
(وَإِذَا وَقَعَ فِي آبَارِ الْفَلَوَاتِ جمع الفلاة، وهو الصحراء (مِنَ الْبَعْرِ) وهو يُسْتَعْمَلُ في الإبل والغنم (وَالرَّوْثِ) وهو يستعمل في الفرس والحمار (وَالأخْثَاءِ) وهو يستعمل في البقر: (لَا يُنَجِّسُهَا) أي تلك الآبار (مَا لَمْ يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ)؛ لأن آبار الفلوات بغير حواجز والدواب تَبْعَرُ حَوْهَا، والرياح تلقيها فيها، فكان في القليل ضرورة دون الكثير
وحده: أن يأخذ ربع الماء.
وقيل: ثلثه
وقيل: ألا يخلو دلو من شيء منه.
والمختار ما ذكر في (الكتاب»، وهو المروي عن أبي حنيفة رحمه الله.
والرطب، واليابس، والصحيح، والمنكسر سواء، لعموم البلوى.
وآبار الأمصار كذلك.
وقيل: يُعتبر ما ذكرنا من الضرورة، كذا في «الاختيار».
الجزء 1 · صفحة 28
وفي شاة تبعرُ في المحلب بَعْرَةً أو بعرتين قالوا تُرْمَى البَعْرَةُ، ويُشرب اللبنُ، لمكان الضرورة، كذا في «الهداية».
(وَخُرْءُ الحَمَام وَالْعُصْفُورِ) أي وقوعه في البئر (لَا يُفْسِدُهَا) أي البئر، خلافاً للشافعي رحمه الله؛ لأنه استحال إلى نتن وفساد، فأشبه خُرْء الدجاج. ولنا: إجماع المسلمين على اقتناء الحمامات في المساجد مع ورود الأمر بتطهيرها، واستحالته لا إلى نتن، فأشبه الحمأة.
(وَإِذَا مَاتَ فِي الْبِيْرِ فَأَرَةٌ، أَوْ عُصْفُورَةٌ، أَوْ نَحْوُهُما) في الجثة كصعوة، وسودانية، وسام أبرص: (نُزِحَ مِنْهَا) أي من البئر (عِشْرُونَ دَلُوا إِلَى ثَلَاثِينَ) دلوا وسطاً. وهو من دلاء كل بئر ما يُستقى به كثير، كما سيجيء.
وقيل: ما يسعه صاع، أي نُزِحَ بعد إخراج الفأرة، لحديث أنس رضي الله عنه أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر، وأخرجت من ساعتها: «ينزح منها عشرون دلواً والعصفورة ونحوها تُعادل الفأرة في الجنَّةِ، فأخذ حكمها.
فالعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب
وعن أبي يوسف رحمه الله: في الفأرة عشرون إلى أربع، وفي الخمس أربعون إلى تسع، وفي العشر جميع الماء، كذا في «الاختيار».
ولو كانت فأرتان كهيئة الدجاج فأربعون، وفي السنورين ينزح كلها، كذا في «الظهيرية».
(وَفِي الحَمَامَةِ) أي ونزح في موت الحمامة (وَالدَّجَاجَةِ، وَنَحْوِهِمَا) كالسنور (مِنْ أرْبَعِينَ) دلوا (إِلَى سِتِّينَ) دلواً.
وفي رواية: إلى خمسين، وهو الأظهر، لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر: يُنزح منها أربعون دلواً»، هذا لبيان الإيجاب، والخمسون بطريق الاستحباب، كذا في «الهداية».
(وَفِي الآدَمِيٌّ) أي ونزح في موت الآدمي (وَالشَّاةِ، وَالْكَلْبِ: جَمِيعُ الماءِ)؛ لأن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم أفتيا بنزح ماء البئر كله حين مات زنجي في بئر زمزم.
الجزء 1 · صفحة 29
(وَإِنِ انْتَفَحَ الحَيَوَانُ، أَوَ تَفَسَّخَ صَغُرَ الحيوانُ أَو كَبُرَ (نُزِحَ جَمِيعُ الماء) لانتشار البلة) في أجزاء الماء.
وفائدة قوله: (أو تفسخ وإن عُلِمَ حكمه من قوله: «انتفخ» دفع توهم أن الحكم في التفسخ أزيد من الحكم في الانتفاخ، فذكر دفعاً لهذا التوهم. ولو وقع الحيوان في البئر، ثم أُخْرِجَ حياً، فإن كان طاهراً كالآدمي وما يؤكل لحمه، فإن لم يكن على بدنه نجاسة لم ينزح شيء، وإن كان على مخرجه نجاسة نُزِحَ الجميع.
وكذلك سباعُ الطيرِ والوَحْشُ هو الصحيح.
وكذلك الحمار والبغلُ لا يصير الماء مشكوكاً فيه؛ لأن بدن هذه الحيوانات طاهر، وإن وَصَلَ الماء إلى لعابه أخذ حكمه.
وذكر «القدوري» إن كان الرجلُ مُحْدِثاً نُزِحَ أربعون دلواً، وإن كان جنباً فالجميع. وقال محمد رحمه الله: إن نوى الغُسل أو الوضوء يصير مستعملاً، فيفسد وإلا فلا.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: في الكافر يُنزَحُ جميع الماء؛ لأنه لا يخلو بدنه من النجاسة غالباً، كذا في «الاختيار».
(وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِثْرٍ: دَلْوُهَا) أي دلو تلك البئر؛ لأن السلف رضي الله عنهم أطْلَقُوا، فينصرف إلى المعتاد.
(وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُ جَمِيعِ المَاءِ) لكون البئر مَعِيناً (نُزِحَ مِتَنَا دَلْوِ إِلَى ثَلَائِمئة) دلو؛ لأن غالب ماء الآبار لا يزيد على ذلك. وهذا أيْسَرُ على الناس، وهو المروي عن محمد رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ينزح حتى يغلبهم الماء، ولم يُقَدِّرُ فيه شيئاً، فيعمل بغلبة الظن، فيُرْجَعُ إلى قول رجلين لهما معرفة بذلك.
اعلم أن البئر إذا طهرت يظهر دلوه ورشاؤه، التي نزح كعروة الإبريق يطهر بطهارة اليد النجسة في المرة الثالثة، ويد المستنجي تطهر بطهارة المحل، والدن يطهر إذا صار خمره خلّا، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
الجزء 1 · صفحة 30
وإن وجدوا في البئر فأرة أو غيرها، ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، وغَسَلُوا كل شيء أصابه ماؤها.
وإن كانت قد انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: ليس عليهم إعادة شيء، حتى يتحققوا متى وقعت فيها، وإلا يحكم بنجاستها في الحال لا في الماضي؛ لأن اليقين لا يزول بالشك، وصار كمن رأى في ا ثوبه نجاسة لا يَدْري متى أصابته.
وله: أن الانتفاخ دليل التقادم، فيُقَدَّرُ وقوعه منذ ثلاثة أيام؛ لأنها أقل الجمع، وعدم الانتفاخ دليل على قُرْبِ زمانه، فيُقَدَّرُ بيوم وليلة احتياطاً؛ لأن المقادير في باب الصلاة يوم وليلة.
والثوب ليس كالبئر: لأنه بمرئى عينه، والبئر غائب عن بصره، فافترقا، كذا في «الهداية».
فصل [في أحكام الأسآر]
(سُورُ الآدمي) وهو: ما بقي من الطعام والشراب (وَالْفَرَسِ، وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) أي وسؤرهما (طَاهِرُ)؛ لأن المختلط به اللعاب، وقد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً. ويدخل في هذا الجواب الجنب، والحائض، والكافر.
وعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُورِهِ؛ لأنهما يتولدان من لحمه، كذا في «الهداية».
ولا ينتقض بعرق الحمار: لأنه خص بركوبه عليه مغرورياً.
(وَسُؤْرُ الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ: نَجس) وقال مالك رحمه الله: طاهر؛ لأن الحيوان لا ينجس لدلالة حياته على طهارته، وإنما ينجس بالموت.
وقال الشافعي رحمه الله: سؤر السباع طاهر؛ لأنه سئل عن الحياض التي في الفلوات يشرب منها السباع؟ فقال: «هو لنا شراب وطهور»
ولنا أن لعابها نجس، لتولده من لحم، نجس، فيصير سوره نجساً لاختلاطه بالماء، وما رواه محمول
الجزء 1 · صفحة 31
على الحياض الكبيرة.
(وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ، وَالدَّجَاجَةِ المُخَلَّاةِ) يعني غير المحبوسة (وَسِبَاعِ الطُّيُورِ، وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ) كالحية، والعقرب، والفأرة (مَكْرُوه) كراهة تنزيه في الأصح، كذا في شرح المجمع لابن ملك لاحتمال نجاسة منقار الدجاجة.
وكذا الإبل والبقر الجلالة، لاحتمال بقاء النجاسة في فمهما، ولحرمة لحم غيرها، لكن سقطت نجاسته بعلة الطواف، فبقيت كراهته.
وفي سباع الطير لشربها بمنقارها وهو عظم، ونجاسته غير متيقنة، وليست كسباع البهائم؛ لأنها تشرب بلسانها، وهو رطب بلعابها المتولد من لحمها.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يكره سؤر الهرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يضع الإناء للهرة، فتشرب منه، ثم يتوضأ به.
ولنا: ما مر، وما رواه محمول على ما قبل التحريم. والخلاف في الهرة قبل أكل الفأرة. وأما بعده فسؤره يتنجس اتفاقاً إذا كان على الفور. وإن مكثت ساعةً لا يتنجس عند أبي يوسف رحمه الله: لأنها غسلت فاها بلعابها، ولعابها طاهر، ولم يعتبر الصب هنا للضرورة، ويتنجس عند محمد رحمه الله: لأن فمها ينجس بالفأرة، والنجس لا يَطْهُرُ عنده، إلا بالماء.
حكم الماء المكروه أنه لو توضأ به مع القدرة على ماء آخر يجوز مع الكراهية، وإن كان عادماً للماء توضأ به، ولا يتيمم كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَسُؤْرُ الْبَغْلِ، وَالحِمَارِ: مَشْكُوكٌ) في طهارته.
وقيل: في طهوريته، وهذا هو الأصح؛ لأن سؤرهما طاهر، ولهذا قالوا: لو مَسَحَ رأسه بسؤر الحمار، ثم وجد الماء المطلق لا يجب غسل رأسه. ولو كان الشك في طهارته لوجب.
والمراد بالشك هنا: التوقف بتعارض الأدلة فيه، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
الجزء 1 · صفحة 32
سؤر الحمار طاهر». وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه نجس، ولم يرجح دليل النجاسة لثبوت الضرورة فيه؛ لأن الحمارَ يُرْبَطُ في الأفنية، فيشرب من الآنية، ولكن ليست كضرورة الهرة؛ لأنها تدخل المضايق دون الحمار.
وأما البغل، ففيه تفصيل: فإن كان أمه حماراً فبمنزلته، وإن كان أمه رَمَكَة يكون سوره طهوراً لا مشكوكاً؛ لأن الولد يتبع الأم، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَيَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ الماء) احتياطاً، للخروج عن العهدة.
المراد بالجمع: ألا يخلو الصلاة الواحدة عنهما دون الجمع في حالة، حتى لو توضأ بسؤر حمار، فصلى، ثم أحدث وتيمم، وصلى تلك الصلاة جاز، كذا في «الكفاية».
(وَبِأَتِهِمَا بَدَأَ جَازَ) وقال زفر رحمه الله: يبدأ بالوضوء، ليصير عادماً للماء حقيقة. ولنا: أن المطهر منهما غير متقن، فلا فائدة في الترتيب، فإن كان طهوراً، فالتيمم ضائع قبله وبعده، وإن كان غير طهور، فالتيمم معتبر سواء كان قبله أو بعده، فلا معنى لاشتراط الترتيب.
باب التيمم
وهو في اللغة مطلق القصد.
وفي الشرع: قَصْدُ الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، لإقامة القربة.
مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى اسْتِعْمَالِ الماءِ لِبُعْدِهِ) أي لبُعْدِ الماء (ميلا) وهو أربعة آلاف ذراع (أو لِمَرَضِ) سواءٌ خاف ازدياد المرض، أو طوله باستعمال الماء، أو بالتحرك (أو برد).
وكذلك الصحيح إذا خاف المرضَ من استعمال الماء البارد، لما فيه من الحرج.
ويستوي فيه المصر وخارجه.
وقالا: لا يجوز التيمم في المصر؛ لأن الغالب قدرته على الماء السخن.
قلنا: لا نسلم ذلك في حق الغريب الفقير على أن الكلام عند عدم القدرة، فيكون عاجزاً، فيتيمم
الجزء 1 · صفحة 33
بالنص، كذا في الاختيار».
(أَوْ خَوْفِ عَدُوِّ، أَوْ عَطَش) أي أو خوفِ عطش (أوْ عَدَمِ آلَةٍ) يستقي بها (يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ).
أما بعد الماء، فلقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}.
وأما التقدير بالميل، فلما يلحقه من الخرج بذهابه إليه وإيابه.
وأما المرض، فللآية.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز التيمم بخوف ازدياد المرض، بل بخوف تلف النفس أو العضو؛ لأن التيمم طهارة ضرورية، فلا يصار إليها، إلا عند الضرورة، وهي في التلف.
قلنا: إن زيادة المرض وامتداده قد يُفْضِي إلى الهلاك، فيُعْطَى للمُفضي إلى الشيء حكم ذلك الشيء، فيجب الاحتراز عنه.
وكذلك خوف استعمال الماء البارد، لما فيه من الحرج.
وكذلك لو حال بينه وبين الماء عدو أو سبع؛ لأنه عادم حقيقة. وكذلك إن كان ماء، ويخاف العطش لو استعمله؛ لأنه عادم حكماً، إما لخوف الهلاك، أو لأنه مشغول بالأهم، فصار عدماً.
وكذلك إن كان على بئر، وليس معه ما يستقي به؛ لأنه عادم أيضاً.
(كَالتُرَابِ، وَالرَّمْلِ، وَالْحِصَ، وَالْكُحْلِ) وكذا الورة، والزرنيخ، والمغرة، والآجر ولو غير مدقوق، لقوله تعالى: صَعِيدًا طَيِّبًا}. والصعيد ما يصعد على وجه الأرض لغة، والطيب الطاهر، وحمله على ذلك أولى من حمله على المنبتِ؛ لأن المراد من الآية التطهير، لقوله تعالى: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)، فكان إرادة الطاهر أليق، وهو حجة على أبي يوسف في التخصيص بالتراب والرمل، وعلى الشافعي رحمهما الله في التخصيص بالتراب لا غير بناء على أن المراد بالطيب المنبت، ولأن الطيب اسم مشترك بين الطاهر والمنبتِ والحلال، وإرادة ما ذكرنا أولى لما بينا.
ثم كل ما لا ينطبع ولا يلين بالنار فهو من جنس الأرض.
الجزء 1 · صفحة 34
وكل ما ينطبع، ويلين، أو يحترق، فيصير رَماداً ليس من جنس الأرض؛ لأن من طبع الأرض ألا يلين بالنار.
(وَلَا بُدَّ فِيهِ) أي في كل واحد من هذه الأشياء (مِنَ الطَّهَارَةِ) لما قدمنا (وَالنِّيَّة) أي ولا بد من النية. وهي: أن ينوي رفع الحدث، واستباحة الصلاة. وقال زفر رحمه الله: لا يُشْتَرَطُ النية كالوضوء؛ لأن التيمم خَلَف عن الوضوء، فلا يخالفه في عدم اشتراط النية.
ولنا: أن التراب ملوّث، وإنما يكون مطهراً بنية الطهارة المقصودة للصلاة، والماء مطهر بنفسه، فاستغنى عن النية.
(وَيَسْتَوِي فِيهِ) أي في التيمم (الجُنُبُ، وَالمُحْدِثُ) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر حين أجنب، فتمعك بالتراب: يكفيك ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين».
والحائض والنفساء كالجنب.
(وَصِفته) أي صفةُ التيمم: (أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ، فَيَنْفُضَهُما) أي فيُحرك يديه، بقدر ما يتناثر التراب.
(ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا) أي بيديه (وَجْهَهُ).
(ثُمَّ يَضْرِبَهُما) أي يديها (كَذَلِكَ) أي كما ضربها للوجه.
(وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفَّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الْأُخْرَى) أي ذراع اليد الأخرى (وَبَاطِنَهَا) أي ويمسح باطن تلك الذراع (مَعَ المِرْفَقِ) لحديث عمار رضي الله عنه، ولقوله: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين».
وعند الشافعي في قوله القديم ومالك رحمهما الله: يُقْتَصُرَ إلى الرُّسغين، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «التيمم مَسْحُ الوجه والكفين».
ولنا ما مر من الحديثين.
(وَ في اشْتِرَاطِ الاسْتِيعَابِ) أي استيعاب المسح (رِوَايَتَانِ) عن أبي حنيفة رحمه الله. شرطه محمد رحمه الله في «الأصل»، وهو ظاهر الرواية، حتي يُخلل أصابعه، ويَنْزعَ خاتمه اعبتاراً بالوضوء.
الجزء 1 · صفحة 35
وروى الحسن في «المجرد عن أبي حنيفة رحمهما الله إذا يَمَّم الأكثر جاز، لما فيه من الخرج، والأول أصح، كذا في «الاختيار».
وفي «الخلاصة»: لو شَلَّت كلتا يديه، يمسح وجهه وذراعيه على الحائط. (وَيَجُوزُ) التيمم (قَبْلَ الْوَقْتِ تمكيناً له من الأداء في أول الوقت، وكما في الوضوء؛ لأنه خلفه.
وعند الشافعي رحمه الله: لا يجوز قياساً على طهارة المعذور.
وَقَبْلَ طَلَبِ المَاءِ) أي ويجوز التيمم قبل طلب الماء، إلا إذا غلب على ظنه أنَّ بقربه ماء، فلا يجوز ما لم يطلب، كما ستطلع عليه.
وعند الشافعي رحمه الله: يلزمه الطلب مطلقاً، ليتيقن شرط جواز التيمم، وهو عدم الماء.
ولنا: أن الغالب عدم الماء في الفَلَوَات، فلا يلزمه الطلب ما لم يوجد دليل وجوده، وهو الظن.
والطلب في العمرانات شرط اتفاقاً.
ومقدار الطلب قدر الغلوة، وهو أربعمئة ذراع.
وقيل: مقدار رمية بسهم.
وقيل: ما لا ينقطع عن رفقائه.
والطلب أن ينظر يمينه وشماله وأمامه ووراءه غَلوةً، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ وَجَدَ المَاءَ) في الوقت أو بعده (لَمْ يُعِد) صلاته؛ لأنه أتى بما أُمر به، وهو الصلاة بالتيمم، فخرج عن العُهدة.
(وَإِنْ وَجَدَهُ) أي الماءَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ) أي في وسطها (تَوَضَّأ، وَاسْتَقْبَلَ) أي استأنف الصلاة.
وعند الشافعي رحمه الله: يمضي في صلاته، ولا يستأنفُ؛ لأن حرمة الصلاة مانعة عن إبطالها، فكان عاجزاً عن الاستعمال حكماً.
ولنا: أنه قادر حقيقةً، فيبطل تيممه، ولا يَبْقَى للصلاة حرمة لفوات شرطها. (وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ) من الفرائض والنوافل (كَالْوُضُوءِ) أي كما يصلي بالوضوء.
الجزء 1 · صفحة 36
وعند الشافعي رحمه الله: لا يصلي به إلا فرضاً واحداً، وما شاء من النوافل تبعاً له؛ لأن التيمم طهارة ضرورية لإباحة الصلاة، لا رافعة للحدث، كطهارة المستحاضة، فإذا صلى به فرضاً يُرْتَفَعُ الضرورة، ويتجدد ضرورة أخرى لفرض آخر، فيجوز النوافل به على وجه التبعية.
ولنا: أنه طهارة مطلقة رافعة للحدث، والترابُ خَلَف عن الماء، لرفع الحدث، كما قال: «التراب طُهُورُ المسلم ما لم يجد الماءَ»، وطهارة المستحاضة كانت ضرورية لمقارنتها الحدث، وطهارة التيمم ليست كذلك.
(وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لَنْ طَمِعَ فِي الماءِ) أي في وجوده، ليؤديها بأكمل الطهارتين، ولا يُفْرِطُ في التأخير، حتى وقع في وقت مكروه. وإن تيقن وجود الماء في آخر الوقت، فتيمم في أوله وصلى جاز إن كان بينه وبين الماء مقدار ميل، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الجَنَازَةِ بِالتَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ فَوْتَهَا) أي فوت صلاة الجنازة (لَوْ تَوَضَّأ)؛ لأنها لا تُعاد على ما يأتيك إن شاء الله فَتَفُوتُ.
(وَكَذَلِكَ) أي كصلاة الجنازة تجوز بالتيمم (صَلَاةُ الْعِيدِ) إذا خاف فَوتَهَا لو توضأ؛ لأنها لا تُعاد، ولا تُقضَى، وهو مخاطب بها، ولا يمكنه أداؤها بالوضوء، فيتيمم كالمريض، خلافاً للشافعي رحمه الله فيهما؛ لأن هذا تيمم مع القدرة على الماء، فلا يجوز.
ولنا: ما قررناه وقوله: إذا فَاجَأَتْكَ، جنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم وصلّ عليها». ولو كان جنباً، فتيمم وصلى عليها تجوز؛ لأن صلاة الجنازة دعاء في الحقيقة، لكن إيجاب التيمم لكونها مسماة باسم الصلاة، كذا في شرح المجمع
لابن ملك. (وَلَا يَجُوزُ) التيمم (لِلْجُمُعَةِ) أي لصلاة الجمعة (وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ) «إن» هذه للوصل، أي فوتَ الجمعة؛ لأنها تفوت إلى خَلَفٍ، وهو الظُّهْرُ، وهو مما يُقضَى، فلم يتحقق فوتُها مطلقاً.
(وَلَا لِلْفَرْضِ) أي ولا يجوز التيمم لصلاة الفرض (إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ)؛ لأنها تفوت إلى خَلَفٍ، وهو القضاء.
(وَيَنْقُضُهُ) أي ينقض التيمم.
الجزء 1 · صفحة 37
1 - (نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ)؛ لأنه خَلَفَ عنه، وما ينقض الأصل أولى أن يَنْقُضَ الخلف؛ لأن الأصل أقوى.
? - (وَالْقُدْرَةُ) أي ويَنْقُضُهُ القدرةُ عَلَى المَاءِ وَاسْتِعْمَالِهِ)؛ لأن جواز التيمم مشروط بالعَجْزِ عنه.
ثم القدرة قد تثبت بالإباحة، كما إذا قال صاحب الماء لقوم: ليتوضأ بهذا الماء أيكم شاء ينتقض تيمم كل واحد منهم. وإذا توضأ به واحد يعيد الباقون تيممهم، لثبوت القدرة لكل واحد على الانفراد، كذا في شرح المجمع» لابن ملك.
والماء الموضوع في الحب وغيره بالفَلَاةِ لا ينقضه؛ لأنه موضوع للشُّرْبِ، كذا في «الاختيار».
وَلَوْ صَلَّى المُسَافِرُ بِالتَّيَمُّمِ، وَنَسِيَ المَاءَ فِي رَحْلِهِ: لَمْ يُعِدْ) صلاته.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يعيدها.
والخلافُ فيما إذا وضعه بنفسه، أو وضعه غيره بأمره. ولو كان بلا أمره لا يعيد اتفاقاً.
ولو عَلَّقَه في مؤخَّرِ رَحله، وهو يسوق مركبه، أو نسيه على ظهره، أو ظَنَّ أَنَّ مَاءَه قد فَنِي، ثم ظَهَرَ أَنَّهُ لم يَفْنَ يعيد بالاتفاق، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
والذِّكْرُ في الوقت وبعده سواء.
له: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءَ}، فإنه واجد الماء في نفس الأمر، فيبطل تيممه، كما لو صام عن كفارة، فَنَسِيَ الطعام في رحله لم يجز صومه.
ولهما: أن المراد بقوله: «ولم تجدوا» لم تَقدِرُوا على الماء، والناسي عاجز عن استعماله بعذر سَماوِي، فيجوز تيممه لعدم القدرة.
وأما التكفير فلم يجز فيه الصوم لانعدام شرطه، وهو عَدَمُ مِلكِ الطَّعَامِ، ولهذا قالوا: إباحة المال للمكفِّر لا يمنع صومَه، وإباحةُ الماء للمتيمم يمنعه عن التيمم.
(وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنَّهِ قُرْبُ الماءِ: طَلَبَهُ) أي الماءَ مقدار غلوة، كما ذكرناه (قَبْلَ التَّيَمُّم)؛ لأنه وُجد دليل وجوده، وهو الظن، فيجب طلبه قبله.
الجزء 1 · صفحة 38
(وَيَطْلُبُ الماءَ مِنْ رَفِيقِهِ لاحتمال أن يُعطِيَه (فَإِنْ مَنَعَهُ) أي الماء (تَيَمَّمَ)؛ لأن بالمنع صار عادماً للماء. وإن تيمم قبل الطلب جاز عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه عاجز، ولا يجب عليه الطلب.
وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يجوز؛ لأن الماء مبذول عادةً، فصار كالمَوْجُودِ.
وعلى قياس قول محمد رحمه الله: إن غلب على ظنه أنه يعطيه لا يجوز، وإلا يجوز، كذا في «الاختيار».
(وَيَشْتَرِي الماءَ بِثَمَنِ المِثْلِ إن كان قادراً عليه؛ لأن القدرة على البَدَلِ قدرة على المُبْدَلِ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أي على المتيمم (أنْ يَشْتَرِيَهُ) أي الماءَ (بأكْثَرَ) من ثمن المثل؛ لأنه ضرر به، وإن كان ثمن ماء يكفي للوضوء در هماً، فأبى البائع أن يُعطيه إلا بدرهم ونصف، فعليه أن يَشْتَرِيَهُ؛ لأنه غبن يسير، وإن أبى أن يعطيه إلا بدرهمين لا يجب عليه شراؤه؛ لأنه غبن فاحش كذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله. وتعتبر قيمته في أقرب المواضع، التي عَزَّ فيه الماء، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّم) تفريعه (فَمَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ) يضرها الماء ووجب عليه الغُسلُ غَسَلَ بَدَنَهُ إِلَّا مَوْضِعَهَا) أي موضعَ الجراحةِ (وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا) أي للجراحة، بل يمسح على جبائرها المشدودة. وكذلك إن كانت في بعض أعضاء الوضوء غَسَلَها، إلا موضع الجراحة، ولا يتيمم.
ثم إن كان الجراح أو الجُدَرِيُّ في أكثر جسده، فإنه يتيمم، ولا يغسل بقية جسده. وعند الشافعي رحمه الله: يَغسل الأعضاء الصحيحة، ويتيمم للجريحة؛ لأن سقوط الغسل كان لضرورة الضرر في الجريح، ولا ضرورة في الموضع الصحيح، فيجب غسله.
ولنا: أن للأكثر حكم الكل، ولا وجه للجمع بين الأصل والخلف.
ثم الكثرة معتبرة في نفس العضو إن كان الأكثر من كل عضو مجروحاً يتيمم، وإن كان صحيحاً يغسل.
وقيل: معتبرة في عدد الأعضاء، حتى لو كان على رأسه، ووجهه، ويديه جراحة دون رجليه يتيمم، وفي عكسه لا.
وإن استويا:
الجزء 1 · صفحة 39
قيل: يتيمم.
وقيل: يَغسِلُ الصحيح، ويمسح على الباقي، وهو الصحيح؛ لأنه أحوط، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
باب المسح على الخفين
(وَيَجُوزُ) المسحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَا الغُسْلُ) أي لا يجوز لمن وجب عليه الغسل، كمن توضأ، ولَبِسَ جوربين مجلدين، ثم أَجْنَبَ ليس له أن يَشُدَّهما، ويغسلَ سائر جسده مضطجعاً، ويمسح عليهما، كذا في «الكفاية»، لحديث صفوان رضي الله عنه قال: «أَمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سَفْراً أَلا نَنزِعَ خِفَافَنَا ثلاثةَ أَيام ولياليها لا عن جنابة، لكن عن بول، أو غائط، أو نوم».
(وَيُشْتَرَطُ لُبْسُهُمَا) أي لبس الخفين (عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) سواء أكملت قبل اللبس أو بعده، حتى لو غَسَلَ رجليه، ثم لَبِسَ خفيه، ثم أكمل الطهارة جاز المسحُ، فكمال الطهارة شرط عند الحدث.
وعند الشافعي رحمه الله: عند اللبس، حتى من توضأ، ولبس أحد خفيه حين غَسَلَ أحد رجليه، ثم لَبِسَ الآخر حين غَسَلَ الآخر لا يجوز المسح عنده؛ لأن المسح ثبت مخالفاً للقياس، فيُراعى جميع ما وَرَدَ به النص، وهو اللُّبْسُ على طهارة كاملة. ولنا: أن الخف مانع عن حلول الحدث بالقدم، فيُراعى كمال الطهارة وقت المنع.
(وَيَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْماً وَلَيْلَةٌ، وَالمُسَافِرُ) أي ويمسح المسافرُ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا).
وقال مالك: لا يجوز المسح للمقيم؛ لأنه رخصة لدفع الضرر، وأنه في السفر أظْهَرُ، فيختص بالمسافر كالإفطار والقصر، ولا يقيد له بمدة، لقوله صلى الله عليه وسلم لعمار: «إذا كنتَ في سَفَر فامسَحْ ما بَدَا لك».
ولنا: قوله: يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها».
وفي خزانة الفقه في باب المقادير: وجواز المسح على الخفين في مقدار يوم وليلة، وثلاثة أيام
الجزء 1 · صفحة 40
ولياليها إن كان المسح سابقاً على الحدث الذي وقع بعد الطهارة الكاملة، ولبس الخفين مع المسح قبل الحدث. وإن كان الحدث سابقاً على المسح لا يجوز المسح أبداً بالإجماع؛ لأن الخفَّ قائم مقامَ الرّجل، والمسح أيضاً قائم مقام الغسل. وإن لم، يمسح قبل أن يَسْبِقَ الحدثُ لا يجوز المسحُ عليه، كلبس الخفين بعد الحدث قبل أن يتوضأ. وهذه المسألة عند علمائنا رحمهم الله، خلافاً للشافعي ومالك رحمهما الله.
وأول مدته: (مِنْ عَقِيبِ الحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ)؛ لأن الخف إنما يَعْمَل عمله عند الحدث، وهو المنع عن حلوله بالقدم، فيُعتبر مدته منه، وهذا مذهب العامة.
وفيه احتراز عما قيل: تُعتبر المدة من وقت اللبس؛ لأن جواز المسح بسببه. (وَالمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا أي ظاهر الخفين حتى لو مسح باطن الخف، أو عقبه، أو ساقه لا يجوز، كذا في «الاختيار».
وقال مالك والشافعي رحمهما الله: يمسح أسفل الخف أيضاً بأن يَضَعَ يمينه على ظاهر الخف، فَيَجُرَّه إلى الساق، ويضع يساره على مؤخر أسفله، فيجره إلى الأصابع، لما روي أنه مسح أعلى الخف وأسفله.
ولنا: قول علي رضي الله عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح، لكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه خطوطاً بالأصابع»، وفيه إشارة إلى أنه يفرّج أصابعه وقت المسح.
(وَفَرْضُهُ) أي فرض المسح: (مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) في كل رجل،
حتى لو مَسَحَ على أحد رجليه مقدار أصبعين، وعلى الآخر مقدار أربع لا يجزئه. إنما اعتبرت من اليد، وهو الأصح، لكونها آلة المسح.
وقال الكرخي رحمه الله: يُعتبر من أصابع الرجل، كما في الخرق. ولو أصاب موضع المسح ماء قدر ثلاثة أصابع جاز.
وكذا لو مشى في حشيش مبتل بالمطر، ولو كان مبتلا بالطَّل:
قيل: يجوز؛ لأنه ماء.
الجزء 1 · صفحة 41
وقيل: لا، لأنه نَفَسُ دابة من البحر يَجْذِبُهُ الهواء إلى الأرض، كذا في «الاختيار». (وَالسُّنَّةُ) أي سنة المسح (أنْ يَبْدَأ) الماسحُ (مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ) فيمُدَّ إِلَى السَّاقِ) هكذا فَعَلَ النبي ولو بدأ من الساق إلى الأصابع جاز، لحصول المقصود، إلا أنه خلاف السنة، كذا في «الاختيار».
وكيفية المسح أن يضع أصابع يديه على مقدَّم خفيه، ويجافي كفيه ويمدهما إلى الساق، أو يضع كفيه مع الأصابع، ويمدهما جملة، وكلاهما حسن.
(وَلَا يَجُوزُ) المسح (عَلَى خُفٌ فِيهِ) أي في ذلك الخف (خَرْقٌ كَبِيرٌ يَبِينُ) أي يظهر (مِنْهُ) أي من ذلك الخرق مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الصَّغَارِ) والصغار بدل من أصابع، وإن كان أقل من ذلك يجوز.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز؛ لأن البادئ من القدم لما وجب غسله لحلول الحدث به يجب غَسْلُ الباقي لامتناع جمع المسح مع الغسل.
ولنا: أن الخفاف لا تخلو عن خرق يسير عادة، فلو اعتبر ذلك لأدّى إلى الحرج. وعند مالك رحمه الله: المانع ظهور أكثرِ القَدَمِ؛ لأن المقصود من لبس الخف، هو المشي معه، والخرقُ الكبير لا يمنعه، فيجوز المسحُ عليه، بخلاف ظهور أكثر القدم.
ولنا: أن الحدثَ لا يتجزأ، فإذا ظهر بعض القدم حَلَّ به الحدث، ويحل بباقيه. وأما القليل فإنما لم يمنعه؛ لأن الخفاف لا تخلو عنه غالباً، فيُفْضِي نزعها إلى الحرج، واعتبر ثلاثة أصابع؛ لأنها أكثر الرجل، والأصابع هي الأصل في القدم، واعتبرنا الصغار احتياطاً.
أما إذا وقع الخرقُ في مقابلة الأصابع، فالمعتبر فيه ظهور ثلاث أصابع مما وقعت في مقابلة الخرق، لا ظهور مقدار ثلاث أصابع صغار؛ لأن كل أصبع أصل في موضعها، فلا يقدر بغيرها. هذا إذا كان الخرقُ في غير موضع العقب، وإن كان في موضعه لا يمنع ما لم يَظْهَرْ أكثر العقبِ، والخرق فوق الكعب لا يمنع؛ إذ لا عبرة للبسه، والخرق الكبير إذا كان تحته مرئيّاً يمنع، وإن لم يكن بأن كان الخَفُّ صلباً لا يمنع، وإن كان يبدو حال المشي لا حالَ وضع القدم يمنع؛ لأن الخفَّ للمشي، كذا في شرح المجمع» لابن ملك.
الجزء 1 · صفحة 42
(وَتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلِّ خُفِّ عَلَى حِدَتِهِ) ولا تجمع خروقُ الخفين. ولو كانت النجاسة في خفي المصلي، أو ثوبيه، أو ثوبه، وبدنه تجمع.
وكذا الخرق في موضع العورة يجمع؛ لأن النجاسة مانعة من الصلاة لعينها.
وكذا الانكشاف، وخرق الخف ليس مانعاً لعينه، بل لكونه مانعاً من تتابع المشي، وذلك في الواحد لا في الخفين.
ثم الخرق الذي يجمع في الخف ما يدخل فيه المِسَلَّة وما دونه لا يُعتبر إلحاقاً بمواضع الخرز.
(وَيَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الجُرْمُونِ فوق الحف) هذا إذا كان الجرموني من أدم،
ولبس الخف على طهارة ولم يكن مسح عليه، وإن كان من كرباس أو لبس الخف على غير طهارة لا يجوز، أو أحدث بعد لبس الخف، ومسح على الخف أو لم يمسح، ثم لبس الجرموق لا يجوز المسح عليه؛ لأنه لا يكون تابعاً للخف.
ولو كان الكرباس رقيقاً يصل البلل إلى ما تحته يجوز.
وعند الشافعي رحمه الله: لا يجوز المسح على الجرموقين فوق الخفين إن كان خفاه صالحين للمسح، وإن لم يكونا صالحين للمسح يجوز اتفاقاً.
وكذا قطعة كرباس يُلف على الرجل لا يمنع؛ لأنه غير مقصود باللُّبْسِ، والخف على الخف كالجرموق، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
وفي «الخلاصة»: المسح على الخفاف المتخذة من اللبود يجوز، ومن الكرباس لا يجوز.
وأما المسح على الخف الذي لبِسَ فوق مخيط من كرباس أو جوخ، أو نحوهما مما لا يجوز المسح عليه، فجائز عند الشافعي رحمه الله، كذا في الوجيز» من كتب الشافعية.
وأما مشايخنا رحمهم الله فسَاكِتُونَ عن جوازه وعدمه، ولم توجد رواية منهم في كتبهم المشهورة.
فمن أفتى اليوم برأيه على جوازه لا يُعْمَلُ به، لانسدادِ باب الاجتهاد في هذا الزمان، لا سيما صُرِّحَ
الجزء 1 · صفحة 43
عَدَمُ جوازه في فتاوى الشاذي»، وعبارته: أن ما يلبس من الكرباس المجرد تحت الخف يمنع المسح على الخف، لكونه فاصلاً، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
له: في الجرموق أنه بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل، ولو جُوِّزَ المسحُ على الجرموق يكون للبدل بدل، والأصل عدمه.
ولنا: ما روي أن النبي مسح على الجرموقين، فيجوز المسح عليه، كما جاز على خف ذي طاقين.
ويجوز المسحُ على المكعب إذا ستر الكعبين.
وكذا إذا كانت مقدمته مشقوقة، إلا أنها مشدودة أو مُزَرَّرَةٌ؛ لأنه بمنزلة المخروزة، كذا في «الاختيار».
(وَعَلَى الْجَوْرَبَيْنِ) أي ويجوز المسح عليهما (إِذَا كَانَا نَخِينَيْنِ).
وحد ثخانتها: هو الذي لم يتجاوز الماء إذا مشى على الأرض المبتل ثلاث خطوات قليلاً كان البلل أو كثيراً، كذا في «المشكلات».
أوْ مُجَلَّدَيْنِ، أَوْ مُنْعَلَيْنِ) بضم الميم وسكون النون، وفتح العين المهملة.
والمجلد: ما يوضع الجلد على أعلاه وأسفله.
والمنعل: ما يوضع الجلد على أسفله.
وفي الينابيع»: واختلفوا في المنعل؟
قال بعضهم: أن يكون إلى الكعب.
وقال بعضهم: أن يكون مقدار القَدَمِ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مَسَحَ على الجوربين. وكان أبو حنيفة أوَّلاً يقول: لا يجوز إلا أن يكونا منعلين؛ لأنه لا يقطع فيهما المسافة، ثم رجع إلى ما ذكرنا، وعليه الفتوى، كذا في «الاختيار».
(وَيَنْقُضُهُ) أي المسح (مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ)؛ لأنه ينقض الغَسْلَ فَلَأَنْ يَنْقُضَ المسح أولى.
الجزء 1 · صفحة 44
(وَنَزْعُ الخُفٌ) أي وينقضه نزع الخفٌ؛ لأنه هو المانع من سراية الحدث إلى الرّجل، فإذا نزعه زال المانع.
وكذلك نزع أحد خفيه؛ لأنه يجب غسل إحدى الرجلين، فيجب غسل الأخرى لئلا يجمع بين الأصل والبدل.
وكذا إن دخل الماء أحد خفيه، حتى صار جميعُ الرّجل مغسولاً. وإذا أصاب الماء أكثرها، فكذا عند الفقيه أبي جعفر رحمه الله كذا في شرح الوقاية الصدر الشريعة.
وعن أبي بكر العياضي رحمه الله: لا ينتقض وإن بلغ الماء ركبته، كذا في شرح القدوري» للزاهدي
(وَمُضِيُّ المُدَّةِ) أي وينقضه مضي المدة؛ لأن رخصة ثبتت مؤقتة، فتزول بمضي الوقت، كالمستحاضة.
(فَإِذَا مَضَتِ المُدَّةُ: نَزَعَهُمَا) أي الخفين (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ) لما بينا.
وينبغي أن يكون فيه خلافُ مالك بناءً على فرضية الولاء عنده.
وفي شرح القدوري للزاهدي فإن مضت مدة المسح، وهو يخافُ البَردَ على رجله بالنزع يستوعبه بالمسح، كالجبائر ويصلي.
(وَخُرُوجُ الْقَدَمِ إِلَى سَاقِ الخُفٌ: نَزْع)؛ لأنه لا يمكنه المشي فيه كذلك.
ولو خرج بعضه:
قال أبو حنيفة رحمه الله: إن خرج أكثر عقبه إلى الساق بطل مسحه لما تقدم.
وقال أبو يوسف رحمه الله: ما لم يخرج أكثر القدم إلى الساق لا يبطل؛ لأن للأكثر حكم الكل.
وقال محمد رحمه الله: إن بقي من القدم مقدار ثلاثة أصابع لم يبطل، لبقاء محل المسح، كذا في «الاختيار».
الجزء 1 · صفحة 45
(مَسَحَ مُسَافِرُ، ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: نَزَعَ) خُفَّهُ، وَغَسَلَ رَجلَه؛ لأن رخصةً السفر لا تبقى بدونه.
(وَقَبْلَ ذَلِكَ) أي إن أقام قبل يوم وليلة (يُتِمُّ يَوْماً وَلَيْلَةٌ)؛ لأنه مقيم، فيستكمل مدة الإقامة.
(مَسَحَ مُقِيمٌ، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: يُتِمُّ مُدَةً المُسَافِرِ).
عند الشافعي رحمه الله: لا يتم مدته إن سافر بعد ما أحدث، وإلا يتم اتفاقاً.
له: أن المسح عبادة، فإذا شَرَعَ فيها على حكم الإقامة لا يتغير بالسفر، كمقيم شرع في الصوم، ثم سافر، فإنه يتم صومه.
ولنا: قوله: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها»، وهو في الصورة المذكورة مسافر، فيتم مدته.
(وَلَا يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَالْبَرْقُعِ) بضم القاف وفتحها أي الخمار (وَالْقُفَّازَيْنِ) بضم القاف وتشديد الفاء: ما يُعْمَلُ لليدين يُلْبَسُ من البَرْدِ، ويحفظ اليد من مخلب الصقر: لأن المسح لدفع الحرج، ولا حرج في نزع هذه الأشياء. وقال بعض أصحاب الحديث - وقيل: إنه أحد قولي الشافعي رحمه الله ـ: فإنه يجزئه.
احتج المخالف بما روي عن النبي الله بَعَثَ سرية، فأمرهم أن يمسحوا على المَشَاوِدُ والسَّسَاخِينِ.
والمَشَاوِذ: هي العمائم.
والتساخين: هي الخفاف.
والدليل عليه: لو سجد على كور العمامة، فإنه يجوز، فكان وضع العمامة، كوضع الجبهة هناك، فكذا هنا.
وأما عامة العلماء فاحتجوا فيه بظاهر قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)، فالله تعالى أمر بمسح الرأس، ولم يمسح الرأس، إنما مسح على العمامة. ألا يرى أن من حَلَفَ لا يمسح رأس فلان، فمسح على عمامته لا يحنث، فيكون الأمر بالمسح باقياً عليه.
الجزء 1 · صفحة 46
وتأويل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَصَّ به تلك السرية، لِعُذرِ بهم، فقد كان يخص بعض أصحابه ما شاء، كما اختار لعبد الرحمن لُبْسَ الحرير، وخَصَّ خزيمة بشهادته وحده، كذا في النهاية».
(وَيَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الجَبَائِرِ) وهي جمع الجبيرة، وهي العود التي يجبر بها العظم المكسور (وَإِنْ شَدَّهَا) أي الجبائر، إن هذه للوصل (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ)؛ لأن في اعتباره حَرَجاً، ولأن غسلَ ما تحتها سقط، بخلاف ما تحت الخفين، وليس بفرض عند أبي حنيفة رحمه الله، بل هو مستحب عنده، وهو الصحيح، حتى لو تركه من غير ضرر جاز.
وقالا: لا يجوز، لما روي أن النبي أمر علياً رضي الله عنه حين كُسِرَتْ زَنْدُهُ يوم أحد بالمسح عليها، وقياساً على الخف.
وله: أن المسح بدل عن الغسل، ولا يجب غَسْلُ ما تحت الجبيرة لو ظهر، بخلاف ما تحت الخف، وحديثُ علي رضي الله عنه لا يوجب الفرضية؛ لأنه خبر آحاد، كذا في «الاختيار».
ويُكتفى بالمسح على أكثرها، ولا يتوقت لعدم التوقيف بالتوقيت، كذا في «الهداية».
والخلاف في المجروح، وفي المكسور يجب المسح اتفاقاً، كذا في «التوفيق».
(فَإِنْ سَقَطَتْ) الجبيرةُ (عَنْ بُرْءٍ) أي بُرْء الجراحة (بطل) المسح، حتى لو كان في الصلاة استقبل؛ لأن المسح للعُذر، وقد زال بخلاف ما إذا سقطت عن برء حيث لا يبطل، حتى لو كان في الصلاة يَمْضِي عليها؛ لأن العُذْرَ باقٍ.
وفي «الأمالي»: رجل بأصبعه قرحة، فأدخل المرارة في أصبعه، وتجاوز موضع القرحة، فتوضأ ومسح عليها جاز لمكان الضرورة.
(افْتَصَدَ، وَعَصَّبَ يَدَهُ: يَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِ الْعِصَابَةِ، مَعَ فُرْجَتِهَا) أي فرجةِ العِصابَةِ (إنْ ضَرَّهُ حَلُّهَا) أي حَلُّ العِصابة، وغَسْلُ ما تحتها.
وإن لم يضره ذلك غَسَلَ ما حول الجراحة، ومسح عليها لا على الخرقة. وإن كان يضره المسحُ
الجزء 1 · صفحة 47
دون الحل مَسَحَ على الخرقة التي على الجرح، وغَسَلَ حواليها، وما تحت الخرقة الزائدة؛ لأن جواز المسح للضرورة، فيتقدر بقدرها، كذا في «الاختيار».
(وَهَكَذَا الحِرَاحَاتُ، وَالقُرُوحُ) أي هكذا الكلام في عصابة الجروح والقروح. وهي: جمع قرحة بضم القاف وفتحها.
ولا يشترط تثليث مسح الجبائر، بل يكفيه مرة واحدة، هو الأصح، كذا في شرح الوقاية لصدر الشريعة.
(وَضَعَ عَلَى شُقَاقِ) بالضم تَشْقِيقُ الجلد (رِجْلِهِ دَوَاءٌ لَا يَصِلُ المَاءُ تَحْتَهُ) أي تحت الدواء (يُجري الماءَ عَلَى ظَاهِرِ الدَّوَاءِ) لما ذكرنا.
ولو مسح على جبيرة إحدى الرجلين لا يجوز المسح على خف الرجل الأخرى، لئلا يكون جامعاً بين الغسل حكماً وبين المسح، وإن كانت إحدى رجليه مجروحة والأخرى صحيحةً، فغَسَلَ رجله الصحيحة، ولَبِسَ عليها الخف ورَبَطَ الجبيرة على الأخرى، ومَسَحَ عليها، ثم لَبِسَ عليها الخفَّ، ثم أحدث، فإنه يمسح عليهما؛ لأن إحديهما مغسولة حقيقةً، والأخرى مغسولةٌ حكماً، كذا في (النهاية).
وفي (المنية المصلي»: وأما الماسح على الخف أو على الجبيرة يَؤُمُّ الغاسلين يجوز بالاتفاق.
باب الحيض
الحيضُ في اللغة: السَّيِّلان، يقال: (حَاضَتِ الأرْنَب» إذا سال منها الدم، وحاضت السَّمرَةُ إذا سال من الصَّمعُ
وفي الشرع: سَيَلانُ دم مخصوص من موضع مخصوص في وقت معلوم.
(وَهُوَ) أي الحيض (الدَّمُ الَّذِي تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ) أي بذلك الدم (بَالِغَةٌ).
(وَأَقَلُّهُ) أي أقل الحيض (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا).
الجزء 1 · صفحة 48
وعند مالك رحمه الله: لَا حَدَّ لأقله؛ لأنه نوع حدث، فلا يُقَدِّرُ أقله بشيء كسائر الأحداث.
وعند الشافعي رحمه الله: أقله يوم وليلة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «دَعِي الصلاةَ يومَ قَرْئِك». وقال أبو يوسف رحمه الله: أقله يومان وأكثر اليوم الثالث؛ لأن للأكثر حكم الكل.
ولنا: قوله: أقل الحيض للجارية البكر والثيب: ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام.
(وَأكْثَرُهُ) أي أكثر الحيض (عَشْرَةٌ) أي عشرة أيامٍ (بِلَيَالِيهَا).
وعند الشافعي رحمه الله: أكثره خمسة عشر يوماً، لقوله: «تَقْعُدُ المَرْأَةُ شَطَرَ عُمرِها لا تَصُومُ ولا تُصَلِّي»، والشطر: هو النصفُ، فيكون أكثر مدة الحيض نصف الشهر، لكنه إذا كان تسعة وعشرين يوماً، فنصفه أربعة عشر يوماً ونصفُ يوم، لكنه كُمِّل للضبط.
ولنا ما رويناه
(وَمَا نَقَصَ مِنْ أَقَلِّهِ) أي أقل الحيض فهو استحاضة؛ لأن الدماء الخارجة من الرَّحِم منحصرة في هذه الثلاثة.
أوْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ) أي أكثر الحيض فكذا؛ لأنه زائد على تقدير الشرع، فلا يكون حيضاً.
(وَمَا تَرَاهُ المَرْأةُ الحامِلُ: اسْتِحَاضَةٌ)؛ لأنها لا تَحِيضُ؛ لأن بالحمل يَنْسَدُّ فَمُ الرحم، ويصير دَمُ الحيض غِذاء للجنين، فلا يكون حيضاً.
وقال الشافعي رحمه الله: إنه حيض؛ لأنه دم خارج من الرحم وقت العادة، فيكون حيضا كالحائل.
ولنا ما قررناه
والخلاف فيما رأته في أيام عادتها؛ لأن ما رأته الحامل في غيرها استحاضة اتفاقاً. (وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ، وَالصَّلَاةَ، وَالْوَطْءَ) لقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: «توضئي وصلي وإن قَطَرَ الدمُ على الحصير قطراً».
الجزء 1 · صفحة 49
وَمَا تَرَاهُ المَرْأَةُ مِنَ الأَلْوَانِ فِي مُدَّةِ حَيْضِهَا) فهو (حَيْضُ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ الخَالِصَ). وقال أبو يوسف رحمه الله: إن رأت الكُدْرَة، فهي ليست بحيض، وإن سَبَقَهَا حمرة أو صفرة فهي حيض؛ لأنها ليست بدم، فإذا تقدمها الدم سواء رأته في أيامها أو لا استتبعها.
ولنا: ما رُوي أن عائشة رضي الله عنها جعلت ما دون البياض الخالص حيضاً.
اعلم أن ألوان الدماء ستة:
1 - السواد.
2 - الحمرة المشبعة.
3 - والكدرة، وهو كالماء الكدر
4 - والتربية، وهي كالتراب.
5- والصفرة كصفرة التبن.
6- والخضرة.
وفي «المصفى»: إنما تُعتبر الصفرة حالة الرطوبة، حتى لو رأت بياضاً خالصاً على الخرقة، فإذا يبس اصفر لا تُعتبر تلك الصفرة، فلا يكون حيضاً.
(وَكَذَا) أي كالدم الذي تراه في مدة الحيض (الطُّهْرُ المتَخَلَّلُ فِي المدَّةِ) أي في مدة الحيض حيض وتبع للدم، سواء كان ذلك الطهر غالباً على الدمين، أو مغلوباً، أو مساوياً.
وعند محمد رحمه الله: إن كان ذلك الطهر غالباً على الدمين يكون فاصلاً وطُهراً وإلا لا
وتفصيله: إن رأت يوماً دماً، وثلاثة أيام طهراً، ويوماً دماً، فالكل طهر عنده، أو رأت يومين دماً، وخمسة أيام طهراً، ويومين دماً، فكذا الكل طهر عنده.
ثم اعلم أن كلا من طرفي الطهر الزائد:
الجزء 1 · صفحة 50
إما أن يكون استحاضة عنده، كما في المثالين المذكورين.
وإما أن يكون ما قبله حيضاً، وما بعده، استحاضة، كما إذا رأت ثلاثة أيام دماً، وستة أيام طهراً، ويوماً دماً.
وإما أن يكون ما قبله استحاضة، وما بعده حيضاً، كما إذا رأت يوماً دماً، وستة أيام طهراً، وثلاثة أيام حيضاً.
ولا يتصور أن يكون طرفاه حيضاً؛ لأن محل الخلاف أن يكون ذلك في مدة الحيض.
له: أن الطهر غالب، فلا يجعل تبعاً للدم المغلوب.
ولنا: أن الطُّهر فاسد، لكونه أقل من مدته، فلا يُعْتَدُّ به، فيكون في حكم الدم لكونه محاطاً.
(وَهُوَ) أي الحيضُ يُسْقِطُ عَنِ الحَائِضِ الصَّلَاةَ أَصْلاً) أي أداءَها وقضاءَها. (وَيُحَرِّمُ) الحيضُ (عَلَيْهَا) أي على الحائض (الصَّوْمَ، فَتَقْضِيهِ) أَي تَقضِي الحائض الصوم، لقول عائشة رضي الله عنها: كن النساء على عَهْدِ) رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقضِيَن الصوم، ولا يقضينَ الصلاة»؛ لأن الصلاة تتكرر في كل شهر وكل يوم، فتحرج في القضاء، والصوم في السنة مرةً، فلا حَرَج.
(وَيُحرِّم) أي الحيضُ (وَطْأهَا) أي وطء الحائض، لقوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، والنهي للتحريم. وإن وطأها في الحيض طائعين أيما، ويكفيهما الاستغفار والتوبة، لقول الصديق رضي الله عنه لمن سأله عن ذلك: «اسْتَغْفِرِ الله، ولا تَعُد»، وإن كان أحدهما طائعاً، والآخَرُ مكرها أيم الطائعُ وحده.
قال في «الفتاوى»: وهذا في الحكم.
ويستحب أن يتصدق بدينار أو نصف دينار.
قيل: معناه: إن كان في أول الحيض فدينار، وفي آخره نصفه.
وقيل: إن كان الدم أسود فدينار، وإن كان أصفر فنصفه، وبجميع ذلك وَرَدَ الحديث، كذا في
الجزء 1 · صفحة 51
«الاختيار».
(وَيُكْفَرُ مُسْتَحِلُّهُ) أي مستحل وطئ الحائض؛ لأن حرمته ثبتت بالكتاب والإجماع.
(وَيُسْتَمْتَعُ بِهَا) أي بالحائضِ (مَا فَوْقَ الإِزَارِ).
وقال محمد رحمه الله: يَجْتَنِبَ شِعَارَ الدم، وله ما سواه، لقوله: «يصنع الرجل بامرأته الحائض كل شيء إلا الجماع».
ولنا: قوله: «له ما فوق الإزار، وليس له ما دونه»، أي له أن يَسْتَمْتِعَ بما فوق السُّرَّة لا بما تحتها. وفيما قال محمد رَتعُ حَوْلَ الحِمَى، فيُمْنَعُ منه حَذَراً من الوقوع فيه.
(وَإِذَا انْقَطَعَ) أي دمُ الحَائِضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ: لَمْ يَجُزْ وَطُؤُهَا) أي وطءُ تلك الحائض المنقطع دمها (حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ) والمراد به: أدناه. وهو أن يَمْضِي من الوقت قدرُ أن تَقدِرَ فيه على الاغتسال والتحريمة لا أن يدوم الانقطاع من أول الوقت إلى آخره. فإذا مضى هذا القدر تجب عليها الصلاة بلا اغتسال، فيحل وطؤها. هذا إذا انقطع فيها دون العشرة بعد استكمال عادتها؛ لأن الانقطاع لو كان قبله لا يقربها زوجها، حتى تَمْضِي عادتها، لاحتمال بطلان الانقطاع بمعاودة الدم، ولكنها تغتسل وتصلي احتياطاً؛ لأن الانقطاع طهر، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَإِنْ انْقَطَعَ) أي دمُ الحائض (لِعَشْرَةِ: جَازَ) أي الوطءُ (قَبْلَ الْغُسْلِ) ولهذا قالوا: زمانُ الغُسل من الطهر في حق صاحب العشرة، ومن الحيض فيما دونها، كذا في «الكفاية».
وقال زفر رحمه الله: لا يجوز وطؤها، سواء انقطع على العشرة أو أقلها قبل الغسل، لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} بالتشديد الاطهار الاغتسال.
ولنا: أن قراءة التشديد يقتضي جل الوطء بالاغتسال، والقراءة بالتخفيف يقتضي حلَّ الوطء بالانقطاع؛ لأن معنى قوله: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} بالتخفيف، حتى ينقطعن، وتَعَارُضُ القراءتين كتعارض الآيتين، فيحل عند الانقطاع وعند الاغتسال. وعلى هذا الخلاف انقطاع دم النفاس، كذا في «التوفيق».
الجزء 1 · صفحة 52
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً) هكذا روي عن إبراهيم النخعي.
ولا يُعْرَفُ المقادير إلا سماعاً.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أي لأكثر الطهر؛ لأنه قد يمتد إلى سنة أو سنتين، فلا ترى الحيض، فلا يمكن التقدير.
أما لأكثر الطهر، فغاية عند نصب العادة في زمان الاستمرار، وعليه عامة العلماء.
فصل [في حكم أصحاب الأعذار]
(المُسْتَحَاضَةُ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَانْطِلَاقُ الْبَطْنِ، وَانْفِلَاتُ الرِّيحِ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ، وَالجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَةُ) أَي لا يَسكن بل يَجْرِي.
(يَتَوَضَّرُّونَ) أي يتوضأ هؤلاء المعذورون لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) مفروضة، حتى لو توضأ لصلاة العيد لا ينتقض بزوال وقتها، بل له أن يصلي به الظهر، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(فَيُصَلُّونَ بِهِ) أي بذلك الوضوء في ذلك الوقت (مَا شَاؤُوا) من الفرائض والنوافل.
وقال الشافعي رحمه الله: المعذور مأمور بالوضوء لكل صلاة مفروضة، فيصلي به النوافل تبعاً لها لا الفوائت، لقوله: «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة».
وقال مالك: يتوضأ لكل نفل أيضاً للحديث المذكور.
ولنا: قوله: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، واللام فيما رواه الشافعي بمعنى الوقت.
(فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ: بَطَلَ وُضُوؤُهُمْ، فَيَتَوَضَّرُّونَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وقال زفر رحمه الله: ينتقض وضوؤهم بدخول الوقت لا بخروجه؛ لأن طهارته غير معتبرة قبل الوقت، لعدم الحاجة إلى الأداء، فينتقض بدخوله، ومعتبرة بعد الدخول لحاجته، فلا ينتقض بخروجه.
فإن قيل: إذا لم تكن الطهارة معتبرة قبل الوقت عنده، فكيف يصفه بالانتقاض؟ قيل له: المراد أنها غير معتبرة للوقتية، لا أنَّهَا غير معتبرة أصلاً، بل هي معتبرة في حق النوافل وقضاء الفوائت؛ لأنها
الجزء 1 · صفحة 53
طهارة في نفسها.
وقال أبو يوسف رحمه الله: ينتقض بالدخول، كما ينتقض بالخروج.
له: أن الحاجة مختصة بالوقت، فلا اعتبار بما بعده ولا بما قبله.
قلنا: دخول الوقت دليل الحاجة، فلا ينتقض به، والخروج دليل زوالِ الحاجة، فينتقض به.
وتقديم الطهارة على الوقت جائز لضرورة أخرى، وهي أن الشرع جَعَلَ العزيمة للمكلف أن يَشتغل كلَّ الوقت بالأداء، وذا لا يحصل إلا بتقديم الطهارة.
اعلم أنَّ ما ذكر كان حكم طهارة المعذور.
وأما حكم ثوبه الذي يَصِلُ إليه الحدث الذي ابتلي به أنَّ عليه أنْ يَغْسِلَه إذا لم يُصبه مرةً أخرى، وإن أصابه لا يجب غسله ما دام العذر قائماً.
وقيل: إذا أصابه خارج الصلاة يغسله؛ لأنه قادر على أن يَشْرَعَ في ثوب طاهر، وفي الصلاة لا يمكنه، فسَقط، اعتباره كذا في شرح المجمع لابن ملك.
(وَالمَعْذُورُ: هُوَ الَّذِي لَا يَمْضِي عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا وَالحَدَثُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ مَوْجُودُ) حتى لو انقطع الدم وقتاً كاملاً خرج من أن يكون صاحب عذر من وقت الانقطاع. وإِذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشْرَةِ، وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ) مِنْ قبلُ (فَالزَّائِدُ عَلَيْهَا) أَي على عادتها (اسْتِحَاضَة).
وعند مالك رحمه الله: تُلْحَقُ ثلاثة أيام من الزيادة على العادة بأيامها إن أمكن في المدة، وإلا فبيومين، وإلا فبيوم؛ لأن الحيض يزداد وينتقص، فلا يمكن أن يكون جميع الزيادة حيضاً، فيُلْحَق الجمعُ الصحيحُ لا الباقي.
ولنا: أن الدمَ الزائد على عادتها يحتمل أن يكونَ دم الحيض ودم استحاضة، لاتصاله بها، فيُجْعَلُ ما وَافَقَ العادةَ حيضاً؛ لأن الوفاق أصل لا الباقي، وإن زاد على عادتها، ولم يتجاوز العشرةَ، فالكل حيض اتفاقاً. وكذا الخلاف في النفاس، كذا في «التوفيق».
الجزء 1 · صفحة 54
(وَإِذَا بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُها عَشْرَةٌ مِنْ كُلِّ شَهْرِ)؛ لأنها مدة صالحة للحيض، فلا يخرج بالشك (وَالْبَاقِي: اسْتِحَاضَةٌ)؛ لأن الزائد على الحيض المقدر شرعاً، أو الناقص عنه لا يكون منه.
فصل [في النفاس]
(النَّفَاسُ: هُوَ الدَّمُ الخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ؛ لأنه مشتق من تنفس الرحم بالدم، أو من خروج النَّفْسِ، وهو الولد أو الدم، والكلُّ موجود.
(وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أي لأقل النفاس، فيكون ما وجد نفاساً. فلو كان له حد لا يكون الدم القليل نفاساً، كما لا يكون الدم القليل حيضاً.
(وَأَكْثَرُهُ) أي أكثر النفاس (أَرْبَعُونَ يَوْماً).
وعند الشافعي رحمه الله: أكثره ستون يوماً، لقول الأوزاعي: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين.
وقال مالك: تُسْألُ النساء عن قدر النفاس؛ لأنه يُعْرَفُ من جهتهن، ولا نص فيه.
ولنا: قول أمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: كم تحبس المرأة إذا ولدت؟ قال: «أربعون يوماً».
(وَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ) أي دمُ النفاس (الْأَرْبَعِينَ، وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ) مِن قَبْلُ (فَالزَّائِدُ عَلَيْهَا) أي على عادتها (اسْتِحَاضَةٌ)؛ لأن التقدير الشرعي يمنع إلحاق غيره به.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ يَوْماً)؛ لأن الأربعين في النفاس كالعشرة في الحيض، فالزائد على الأربعين استحاضة، وقد بيناه في الحيض.
(وَالنَّفَاسُ فِي التَّوْءَمَيْنِ) وهما الولدانِ الذانِ لا يكون بينهما ستة أشهر (عَقِيبَ الأوَّلِ) أي الولد الأول.
وقال محمد وزفر رحمهما الله: عقيب الأخير. فلو كان بين الولادتين أكثر من أربعين يوماً، وأقل من ستة أشهر، فلا نفاس لها من الثاني.
الجزء 1 · صفحة 55
وعند محمد: ما بينهما استحاضة، والنفاسُ من الثاني، كذا في «الاختيار».
له: أنها حامل، والحامل لا تكون نفساء، كما لا تكون حائضاً، ولهذا انقضت العدة بالأخير اتفاقاً.
ولنا: أن النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، فيكون من الأول، بخلاف الحيض؛ لأن فم الرحمِ يَنْسَدُّ بالحبل، فلا يكون المرئي دمَ حيض، وبخلاف انقضاء العدة؛ لأنه متعلق بفراغ الرحم، ولا فراغ مع بقاء الولد.
(وَالسِّقْطُ إِنِ اسْتَبَانَ) أَي ظَهَرَ (بَعْضُ خَلْقِهِ) من يد أو رجل (وَلَدٌ) تام، حتى تَنْقَضِي به العدةُ، وتصيرُ الأمةُ به أم ولد، وتُرْجَى شفاعته يوم القيامةِ.
والدم الذي بعده نفاس، ويَقَعُ به المعلق بالولد أخذاً بالاحتياط، كذا في «التوفيق».
وإن لم يَظْهَرْ من خَلقه شيء، فلا يكون له حكم الولد.
فإن رأت الدم عقيبه إن أمكن أن يجعل حيضاً بأن تقدمه طهر تام جعل حيضاً، وإن لم يمكن جُعِلَ استحاضة، كذا في «الينابيع».
باب الأنجاس وتطهيرها
(النَّجَاسَةُ: غَلِيظَةٌ، وَخَفِيفَةٌ).
فالغليظة عند أبي حنيفة رحمه الله: ما وَرَدَ في نجاسته نص، ولم يُعارضه آخر، ولا حرج في اجتنابه، وإن اختلفوا فيه؛ لأن الاجتهاد لا يعارض النص.
والمخففة ما تعارض نصان في طهارته ونجاستِه.
وعندهما المغلظة ما اتفق على نجاسته، ولا بلوى في إصابته.
والمخففة ما اختلف في نجاسته؛ لأن الاجتهاد حجة شرعية كالنص.
(فَالمَانِعُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْغَلِيظَةِ) الجواز الصلاة: (أَنْ تَزِيدَ) أي الغليظةُ عَلَى (قَدْرِ الدَّرْهَم)؛ لأن
الجزء 1 · صفحة 56
التحرر من القليل حرج، وهو مدفوع، فقُدِّرَ بالدرهم؛ لأن موضع الاستنجاء لم يَطْهُرْ بالكلية بإمرار الحجر عليه، ولهذا لو دخل المستنجي في الماء القليل نَجَّسَه، فإذا صار موضعُ الاستنجاء معفواً في حق الصلاة، عُلم أن قليلها في الشرع معفو؛ لأن المحال مستوية، فَعَبَّروا عن المقعدة بالدرهم، لاستقباحهم ذكرها في محافلهم.
وعند الشافعي رحمه الله: النجاسة التي يمكن الاحتراز عنها مانعة قليلة كانت أو كثيرة، غليظة كانت أو خفيفة، وما لا يمكن الاحتراز عنه كدم البعوض والبراغيث، والنجاسة الحاصلة من وقوع الذبان النجسة على الثوب لا يمنع اتفاقاً.
له: أن النص الموجب للتطهير لم يفصل بين القليل والكثير، فيمنع كلاهما.
ولنا ما قررناه من حصول الحرج، ولما كان قدر الدرهم محتملاً للمساحة، والوزنِ فَصَّلَه بقوله: (مِسَاحَةً: إِنْ كَانَ) النجسُ مَائِعاً، وَوَزْناً: إِنْ كَانَ كَثِيفاً) أصل هذا الكلام أن الرواية عن محمد رحمه الله اخْتَلَفَتْ في الدرهم:
تارة اعتبره من حيث الوزن، وهو قدر الدرهم الكبير المثقال.
وتارة اعتبره من حيث المساحة، وهو قدر عرض الكف، لكن ما وراء مفاصل الأصابع، فوفق أبو جعفر الهندواني رحمه الله بين كلاميه بما ذكر في المتن.
(وَالمَانِعُ مِنَ) النجاسة (الخفِيفَةِ: أَنْ تَبْلُغَ) أي الخفيفة (رُبعَ التَّوْبِ)؛ لأن للربع
حُكْمَ الكل في أحكام الشرع، كمسح الرأس وحلقه.
ثم قيل: ربع جميع الثوب.
وقيل: ربع السراويل احتياطاً؛ لأنه أقصر الثياب.
وقيل: ربع ما أصابه كالذيل، والدخريص، والكم.
وعند أبي يوسف رحمه الله: شبر في شِبْرٍ.
الجزء 1 · صفحة 57
وعند محمد رحمه د رحمه الله: ذراع في ذراع.
وعنه: موضع القدمين.
والمختار: الربع.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه غير مقدر، وهو موكول إلى رأي المبتلى لتفاوس الناس في الاستفحاش، كذا في «الاختيار».
(وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إِنْ كَانَ) ذلك الخَارِجُ (مُوجِباً لِلتَّطْهِيرِ: فَنَجَاسَتْهُ غَلِيظَةٌ) كالغائط، والبول، والدم، والصديد، والقيء، بلا خلاف، وكذلك المني، كما سيجيء.
وعند الشافعي رحمه الله: مني الإنسان طاهر، وفي مني سائر الحيوانات له قولان، إلا مني الكلب والخنزير، فإنه نجس عنده قولاً واحداً.
له: قول عائشة رضي الله عنها ا كنتُ أفْرُكُ المني عن ثوبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فيه.
ولنا: قوله: «إنها يُغْسَلُ الثوب من خمس: بول، وغائط، وقيء، ودم، ومني»، وما رواه يحتمل القليل، و ما رويناه مُحكم، فيرجح عليه، فيُغْسَل رطبه، ويُفرك يابسه، لما روي أنه قال: «اغسليه رطباً، وافركيه يابساً»، وبالفرك يطهر محله.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: لا يطهر، بل تقل نجاسته، حتى لو أصابه ماء عاد نجساً.
والأول: أصح.
ولا فرق فيه بين الثوب والبدنِ في ظاهر الرواية للبلوى.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنَّ البدن لا يطهر بالفرك لرطوبته.
وعن الفضلي: أنَّ مني المرأة لا يطهر بالفرك؛ لأنه رقيق، وكذا إذا كان مني الرجل رقيقاً لمرض. ولو أصاب المني شيئاً له بطانة، فنفذ إليها يطهر بالفرك، وهو الصحيح. وعن محمد رحمه الله: البطانة لا
الجزء 1 · صفحة 58
تطهر إلا بالغسل؛ لأن التي تُصيبها بلَّة النجاسة دون جرمها.
وقال شمس الأئمة رحمه الله: مسألة المني مشكلة؛ لأن الفحل يمْذِي حين يمني، والمذي لا يطهر بالفرك، إلا أن يقال: إنه مغلوب بالمني، فيجعل تبعاً له. ولو
لم يكن رأس الذكر طاهراً وقت خروج المني لا يطهر بالفرك، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَكَذَلِكَ) أي كالذي يخرج من بدن الإنسان (الرَّوْثُ، وَالأَخْثَاءُ) جمع ختي. وبول ما لا يؤكل من الدواب نجاسة غليظة؛ لأن نجاستها ثبتت بنص لم يعارضه غيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الروث: إنه رجس»، والأخثاء مثله.
وعندهما: مخففة، لعموم البلوى في الطرقات، ووقوع الاختلاف فيه.
فعند مالك رحمه الله: الأرواتُ كلها طاهرة.
وعند زفر رحمه الله: روث ما يؤكل لحمه طاهر.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه استحال إلى نتن وفساد، وهو منفصل عن حيوان يمكن التحرز عنه، فصار كالآدمي، والضرورة في النعال.
وقد قلنا بالتخفيف فيها حتى تطهر بالمسح، وبما ذكرنا من الحديث والمعقول خرج الجواب عن قول مالك وزفر رحمهما الله.
(وَبَوْلُ الْفَأْرَةِ) أي وكذلك بولُ الفأرة وخرؤها لما تقدم، ولإطلاق قوله:
«استنزهوا البول»، والاحتراز عنه ممكن في الماء، غير ممكن في الطعام والشراب،
فيُعفى عنه فيهما.
(وَالصَّغِيرِ) أي وكذلك بولُ الصغير (أكَلَ الطَّعَامَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ) وكذلك الصغيرة.
وقال الشافعي: بول الصبي قبل أن يطعم يكفي فيه رش الماء، بخلاف
الجزء 1 · صفحة 59
بول الصبية لقوله: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر»، والنضح الرش.
ولنا: ما روينا من غير فَصل، وما رواه من نضح بول الصبي إذا لم يأكل، فالنضح يُذكر بمعنى الغسل: لأنه الا الله قال لما سُئل عن المذي: «انصح فرجَك بالماء» أي اغسله، فيُحْمَلُ عليه توفيقاً.
(وَالمَنِيُّ نَجِسٌ، يُغْسَلُ رَطْبُهُ، وَيُجْزِئُ الْفَرْكُ) وهو الحك باليد حتى يتفتت (في يَابِسِهِ) أي المني.
وقد بينا الوجة والخلاف فيه.
وفي «الفتاوى»: مرارةُ كلّ شيء كبوله في الحكم، كذا في «الاختيار».
(وَإِذَا أَصَابَتِ الخفَّ نَجَاسَةٌ لَهُ جِرْمٌ) أي جسد، سواء كان جسدها من نفسها أو من غيرها فلو مشى على بول، ثم على تراب فالتصق به فجف، فمسحه بالأرض يطهر، كذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، كذا في شرح المجمع لابن ملك.
(كَالرَّوْثِ) والعَذِرة (فَجَفَّتْ) أي تلك النجاسة في الخف (فَدَلَكَهُ) أي الخفَّ (بِالأَرْضِ جَازَ)؛ لأن الخفَّ صَلب لا يتداخله أجزاء النجاسة، فيبقى رطوبتها على ظاهره، فإذا جَفَّت النجاسة عادت الرطوبة إلى جرمها، وتزول بزواله إذا دَلكَه بالأرض.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يَطْهُرُ الخف في الرطبة المتجسدة أيضاً إذا مسحه بالتراب؛ لأنه يجذب رطوبتها، وتصير كالتي جَفَّتْ، وعليه الفتوى، لعموم البلوى، كذا في «النهاية».
وقال محمد رحمه الله: لا يطهر فيهما، إلا بالغَسل؛ لأن هذا عَين تَنَجَّسَ بإصابة النجاسة، فلا يطهر إلا بالغسل كالثوب والبدن.
روي أن محمداً رجع عن هذا القول حين رأى كثرة السرقين في طُرُقِ الرَّيِّ، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَالرَّطْبُ) من النجاسة المتجسدة (وَمَا لَا جِرْمَ لَهُ، كَالخَمْرِ) والبول (لَا يَجُوزُ فيه) أي في كل واحد منها إِلَّا الْغَسْلُ؛ لأن الرطب إذا مسح بالأرض يتلطخ به الخفُ أكثر مما كان فلا يُطهره.
الجزء 1 · صفحة 60
وفي (المنية المصلي»: وإن لم يكن لها جرم كالبول والخمر، فلا بد من الغسل رطباً كان أو يابساً.
(وَالسَّيْفُ، وَالمِرْآةُ: يُكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا فِيهِمَا) أي فيما له جرم، وفيما لا جرم له رطباً كان النجس أو يابساً، مغلظاً كان أو مخففاً؛ لأنهما لا تتداخلهما النجاسة لصلابتهما، وما على ظاهر هما يزول بالمسح.
ثم قيل: يطهر حقيقة، حتى لو قطع به البطيخ أو اللحم يحل أكله. وقيل: تَقِلُ النجاسة، ولا يطهر، كذا في «التبيين».
وذكر في «الأصل»: أنه لا يطهر إلا بالغسل قياساً على الثوب، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله. هذا إذا كانا صقيلين، ولو كانا خَشِنين أو منقوشين لا يطهر بالمسح، كذا في «شرح التحفة» لابن ابن ملك.
(وَإِذَا أَصَابَتِ الأَرْضَ نَجَاسَةٌ، فَذَهَبَ أَثَرُهَا) وهو لونها وريحها بعد ذهاب نَدْوَتِهَا (جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، دُونَ التَّيَمُّم) والكلاء القائم على الأرض والآجر المفروشة عليها يأخذ حكمها.
وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجوز الصلاة كالتيمم؛ لأنه لم يوجد المزيل.
ولنا: قوله: «ذكاة الأرضِ يُبسها»، والذكاة الطهارةُ، ولأن الأرضَ تنشف والهواء يجذب، فتَقِل النجاسة، وقليلها لا يمنع جواز الصلاة، ويمنع التيمم.
ولو أصابها الماء بعد يُبْسِهَا وذَهَابِ أثرِهَا لا يعود نجساً في رواية، والأصح أنه يعود، كذا في «شرح التحفة».
وروى ابن كاس عن أصحابنا رحمهم الله جواز التيمم أيضاً؛ لأن النجاسة استحالت إلى أجزاء الأرض؛ لأن من شأن الأرض جَذب الأشياء إلى طبعها، وبالاستحالة تطهر كالخمر إذا صارت خلّا، فيجوز التيمم، وإذا أصابت الأرض نجاسة إن كانت رخوةً يُصَبُّ عليها الماء، فيطهر؛ لأنها تُنَشِّفُ الماء، فيطهر وجه الأرض، وإن كانت صلبةً يُصَبُّ الماءُ عليها، تم تكنس الحفيرة التي اجتمع فيها الغُسالة، كذا في «الاختيار».
(وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ حَمُهُ، وَبَوْلُ الْفَرَسِ، وَدَمُ السَّمَكِ، وَلُعَابُ الْبَغْلِ، وَالْحَمَارِ، وَخُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحمُهُ
الجزء 1 · صفحة 61
مِنَ الطُّيُورِ: نَجَاسَةُ مُخَفَّفَةٌ).
أما بول ما يؤكل لحمه، فطاهر عند محمد رحمه الله لحديث العرنيين، ويدخل فيه بول الفرس عنده أيضاً.
ولهما: أنه استحال إلى نتن وخبث فيكون نجساً كبول ما لا يؤكل، إلا أنا قلنا بتخفيقه للتعارض. وحديثُ العرنيين نُسِخَ كالمُثلة، ودَمُ السمك ليس بدم حقيقة؛ لأنه يبيض بالشمس.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه نجس، فقلنا بخفته لذلك.
ولعاب البغل والحمار لتعارض النصوص، وخرءُ ما لا يؤكل لحمه من الطيور
لعموم البلوى، فإنه لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأنها تَذرُقُ من الهواء.
وعند محمد رحمه الله: نجاسة غليظة؛ لأنها لا تخالط الناس، فلا بلوى.
وجوابه ما قلنا.
(وَخُرْهُ مَا يُؤْكَلُ لحمُهُ مِنَ الطُّيُورِ: طَاهِرُ) وعند الشافعي رحمه الله: نجس، لإحالة الطبع إياه إلى الفساد.
ولنا: أنها تذرق من الهواء، والتوقي عن ذلك حرج، ولأن إجماع المسلمين على إمساك الحمامات في المساجد دليل الطهارة، وذلك لا يدل على النجاسة كالنخامة وخبثها.
(إِلَّا الدَّجَاجَةَ، وَالْبَطَ: فَنَجَاسَتْهُمَا مُعَلَّظَةٌ) بالإجماع.
(وَإِذَا انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلَ رُؤُوسِ الإِبْرِ: فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أي في النجاسة، حتى لا يجب غسله، ويجوز الصلاة معه؛ لأنه لا يُستطاع الامتناع عنه خصوصاً في مهب الرياح.
وعن الهندواني: أن الجانب الآخر من الإبر يعتبر، وغيره من المشايخ، قالوا: بل لا يُعتبر الجانبان جميعاً لدفع الحرج، كذا في «النهاية».
وليس بولُ الخفافيش وخرؤها ولا دَمُ البَق والبراغيث بشيء لما ذكرنا.
الجزء 1 · صفحة 62
قال الكرخي رحمه الله وما بقي من الدم في اللحم والعرق طاهر.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه معفو في الأكل دون الثياب، كذا في «الاختيار».
(وَيَجُوزُ زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ) اتفاقاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم اغسليه بالماء».
(وَبِكُلِّ مَائِعِ طَاهِرٍ مُزِيلٍ) للنجاسة (كَالخَلْ، وَمَاءِ الْوَرْدِ) فلا تَطهر بالدُّهن واللبن؛ لأن أثر النجاسة لا يزول بهما.
وعند محمد والشافعي رحمهما الله: لا تزول النجاسة بالمائع؛ لأنه إذا لاقى النجاسة ينجس بأول الملاقاة، فلا يرفع النجاسة، إلا أن هذا القياس تُرِكَ في الماء، لورود النص فيه، فيُقْتَصَرُ عليه.
ولنا: أنها تزول بالماء اتفاقاً لقلعه النجاسة عن محلها، فكذا يزيلها المائعُ
لمشاركته الماء في المعنى.
ولا فرق بين الثوب والبدن في طهارتها بالمائع.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أن البدن لا يطهر إلا بالماء، لجذبه النجاسة بحرارته. (فَإِنْ كَانَ هَا) أي للنجاسةِ (عَيْنٌ مَرْتَيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا: زَوَالُهَا)؛ لأن نجاسة المحل لمجاورة عين النجاسة، فإذا زال عينها بقي المحل طاهراً كما كان، وإن حَصَلَ بالغَسْلَةِ الواحدة على مقتضى «الكتاب».
وعند الجمهور: لا يطهر، حتى تُغْسَلَ ثلاثاً بعد زوال العين؛ لأن بعد ذلك التحق بنجاسة غير مرئية لم تُغْسَلْ قط.
(وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِ يَشْقُ زَوَالُهُ) لقوله صلى الله عليه وسلم في حق دم الحيض: «اغسليه ولا يضرك أثره، ودفعاً للحرج المُحوج إلى شيء آخر لقلعه كالصابون والحرض ونحوهما. (وَمَا لَيْسَ بِمَرْثِيَّة) كالبول والخمر (فَطَهَارَتُهَا: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ طَهَارَتُهُ)؛
لأن غلبة الظن دليل في الشرعيات، كما في تحري القبلة وغيره، لا سيما عند تعذر اليقين، والمعتبر
الجزء 1 · صفحة 63
ظن الغاسل، إلا أن يكون غير عاقل، فيُعتبر ظَنُّ المستعمل؛ لأنه هو المحتاج إليه.
(وَتُقَدَّرُ) أي غلبة الظن بِالثَّلَاثِ أَوْ بِالسَّبْعِ) في حق الموسوس (قطعاً لِلْوَسْوَسَةِ).
(وَكَذَلِكَ) تقدر (في الاسْتِنْجَاءِ).
وذكر في «المبسوط لا يحكم بزوالها قبل الثلاث، لحديث المستيقظ.
و في «المنتقى»: عن أبي يوسف رحمه الله: إذا غسله سابعة طهر، كذا في «الاختيار».
(وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ويبالغ في المرة الثالثة، حتى لو عصر بعده لا يسيل منه الماء، ويعتبر في كل شخص قوّته
وفي رواية: يكتفى بالعصر مرة، وهو أرفق.
وعن أبي يوسف رحمه الله: العصر ليس بشرط
وفي «الخانية»: ولو لم يُبالغ في العصر صيانة للثوب لا يطهر
وعند الشافعي رحمه الله: يطهر بالغسل مرة؛ لأن الماء طهور، فإذا استعمل مرة يُطَهَّرُه، كما يُطَهِّرُ عن الحكمية.
ولنا: ما قررناه آنفاً.
قال أبو يوسف رحمه الله: ما لا يحتمل العصر إذا تنجس بمائع نجس كالخزف، والآجر، والخشب، ونحوها يطهر بغسله وتجفيفه ثلاثاً، بحيث لا يبقى للنجس بعده لون ولا رائحة.
وحد التجفيف: أن ينقطع التقاطرُ، ولا يُشترط اليُبسُ. هذا إذا لم تشَرَّب فيه النجاسة، وإن تشَرَّبَتْ؟
فعنده: أنه يُنقع في الماء ثلاثاً، ويُجَفَّفُ في كل مرة.
فعلى هذا الخزفُ الجديد والآجرُّ الجديد إذا تَشَرَّبَتْ فيه النجاسة، والحنطة إذا تَشَرَّبَتْ فيها النجاسة، والجلد إذا دبغَ بالدُّهنِ النجس والسكينُ إذا مُوهَ بالماء النجس، واللحم إذا طبخ بالماء النجس.
الجزء 1 · صفحة 64
فعند أبي يوسف رحمه الله: يُغْسَلُ ثلاثاً، ويُمَوَّهُ السكينُ بالماء الطاهرِ ثلاثاً، ويُغْلَى اللحم، وتُنْقَعُ الحنطةُ بالماء الطاهرِ ثلاثاً، حتى يَتَشَرَّبَ ثلاثاً، ويُجَفَّفَ في كل مرة. ولو كان العسل نجساً، فتطهيره أن يُصَبَّ فيه ماء بقدره، فيُغلى حتى يعود إلى مكانه.
وكذا في الدهن إذا تَنَجَّسَ يُصَبُّ عليه الماء، فيَعْلُو الدهن الماء، فيُرْفَعُ بشيء هكذا يُفْعَلُ ثلاث مرات، كذا في «شرح التحفة».
ولو أن فأرة ماتت في السمن إن كان السمنُ جامداً يُقَوَّر ما حوله ويؤكل الباقي. وإن كان مائعاً لم يؤكل، وينتفع به من غير الأكل، كالاستصباح ودبغ الجلد وغيرهما.
وله أن يبيعه ويبين ما فيه من العيب، وإن لم يبين ذلك، فيخير المشتري. والجامد ما إذا قُوِّرَ بقي المقوَّرُ على حاله، وإن لم يبق المقور على حاله، فهو مائع، كذا في «الينابيع».
وقال محمد رحمه الله: لا يطهر غير المنعصر أبداً؛ لأن النجس إنما يزول بالعصر، ولم يوجد، فيبقى نجساً.
ولأبي يوسف رحمه الله: أن للتجفيف أثراً في استخراج النجاسة كالعصر فيطهر.
[الاستنجاء]
(وَالاسْتِنْجَاءُ) وهو مسح موضع النجو أو غَسله (سُنَّةٌ) لمواظبته عليه (مِنْ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إِلَّا الرِّيحَ).
اعلم أن الاستنجاء على خمسة أوجه: اثنان واجبان:
أحدهما: غسلُ نجاسةِ المَخْرَج في الغُسل عن الجنابة والحيض والنفاس، لئلا يشيع في بدنه.
والثاني: إذا تجاوزت مَخرَجَها يجب عند محمد رحمه الله قل أو كثر، وهو الأحوط؛ لأنه يزيد على قدر الدرهم.
وعندهما: يجب إذا تجاوزت قدر الدرهم؛ لأن ما على المخرج سقط اعتباره لجواز الاستجمار فيه،
الجزء 1 · صفحة 65
فيبقى المعتبر ما وراءه.
والثالث: سنة، وهو إذا لم تتجاوز النجاسةُ مَخْرَجَها فغسلها سنة.
والرابع: مستحب، وهو إذا بال ولم يتغوط يَغسِل قبله.
والخامس: بدعة، وهو الاستنجاء من الريح، إذا لم يَظْهَرِ الحدث من السبيلين.
(وَيَجُوزُ) أي الاستنجاء (بِالحَجَرِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ) في التنقية، كالمدر والخزف والقطن واللبد (يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ)؛ لأن المقصود الإنقاء، فبأي شيء حَصَلَ جاز، وليس فيه عدد مسنون.
وقال الشافعي رحمه الله: لا بد من التثليث، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فليستنج بثلاثة أحجار».
ولنا: قوله: «من استجمر فليوتر، فمن فَعَلَ فَحَسَنٌ، ومن لا فلا حرج. والإيتار يقع على الواحدة، وما رواه متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع.
(وَالْغَسْلُ) بالماء (أفْضَلُ)؛ لأنه أبلغ في الإنقاء والنظافة.
قيل: هو أدب.
وقيل: هو سنة في زماننا، كذا في «الهداية».
وصفته: أن يستنجي بيده اليسرى بعد ما استرخى كل الاسترخاء إذا لم يكن صائماً، ويُصعد أصبعه الوسطى على سائر الأصابع قليلاً في ابتداء الاستنجاء، ويَغسِلَ موضعها، ثم يُصَعِدَ خِنْصِرَه، ثم سبابته، فيغسل حتى يطمئن قلبه أنه قد طهر، ولا يستعمل أكثر من ثلاثة أصابع، ويستنجي بعرضها لا برؤوسها، وكذلك المرأة.
وقيل: تستنجي برؤوسها.
وفي «النقاية»: الصائم لا ينبغي أن يقوم من موضع الاستنجاء قبل المسح بخرقة كيلا يَفْسُدَ صومه. وكذا لا يتنفس عند الاستنجاء لهذا المعنى.
(فَإِذَا تَعَدَّت) أي تجاوزت (النَّجَاسَةُ المَخْرَجَ: لَمْ يَجُزُ إِلَّا الْغَسْلُ) وقد بيناه.
الجزء 1 · صفحة 66
(وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا بِطَعَامٍ، وَلَا رَوْثٍ، وَلَا عَظْمٍ)، لورود النهي عن الاستنجاء بهذه الأشياء.
ولو استنجى بها يجزئه عندنا مع الكراهية، خلافاً للشافعي رحمه الله.
(وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الخَلَاءِ) وهو بالمد: بيت التغوط، وبالقصر: رطب الحشيش، لقوله: إذا أتيتم الغائط لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ولكن شَرِّقوا أو غَرّبوا».
وفي (النهاية»: كما يكره ذلك يكره للمرأة أن تمسك ولدها نحو القبلة ليبول. وهذا كله إذا كان ذاكراً للقبلة.
ولو غفل عن ذلك، فقضى حاجته، فلا بأس به، كذا في شرح المجمع النظام الدين.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: في الاستدبار لا بأس به؛ لأنه غير مقابل للقبلة.
ولا يختلف هذا عندنا في البنيان والصحراء.
كتاب الصلاة
الصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: {وَصَلَّ عَلَيْهِمْ)، أي: ادع لهم. وقال: وصَلَّتْ عليكم الملائكة»، أي: دعت لكم.
وفي الشرع: عبارة عن أركان مخصوصة، وأذكار معلومة، بشرائط محصورة في أوقات مقدرة.
وهي فريضة محكمة يكفر جاحدها.
لما فرغ المصنفُ من بيان الطهارات، شَرَعَ في بيان أوقات الصلاة، لأنها أسباب لنفس وجوبها.
وأما وجوب أدائها، فثابت بالأمر.
وفرق بينهما بأن الوجوب عبارة عن شَغْلِ الذمة، ووجوب الأداء عبارة عن تفريغ الذمة.
الجزء 1 · صفحة 67
وبدأ ببيان وقت الفجر، لأنه أول النهار، أو لأنه وقت لا اختلاف في أوله، ولا في آخره، بخلاف غيره.
[باب مواقيت الصلاة]
(وَقْتُ الْفَجْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي المُعْتَرِضُ) أي: المنتشر في الأُفُقِ. احترز به عن المستطيل، وهو ما يبدو في الأُفُقِ طُولًا، ثم يتعقبه ظلام.
فلا يخرج به وقت العشاء، ولا يَحْرُمُ الأكل على الصائم، لقوله: «لا يَغُرَّنكُم الفجر المستطيل». وقال: الفجر هكذا، ومَدَّ يده عرضاً، لا هكذا، ومد يده طولاً».
(إلى طلوع الشَّمْسِ) أراد به الوقت الذي قبيل طلوع الشمس، وهو جزء من ذلك الوقت، فعلم أنه من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وآخره حين تَطْلُعُ الشمس».
(وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ) وأصح ما قيل في طريق معرفته: أن يَعْرِزَ خشبة في مكان مستو، ويجعل على مبلغ الظل علامة، فما دام الظل ينتقص منها، فهو قبل الزوال، وإذا وقف فهو فيء الزوال، فإذا أخذ الظل في الزيادة عَلِمَ أن الشمس قد زالت كذا في «شرح المجمع لان ملك.
والأيسر منه ما روي عن محمد رحمه الله أن يقوم الرجل مستقبل القبلة، فما دامت الشمس على حاجبه الأيسر فالشمس لم تزل، فإذا صارت الشمس على حاجبه الأيمن عَلِمَ أن الشمس قد زالت.
(إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الظُّلُّ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ) عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله: إلى أن يبلغ الظل مثلاً، لقوله: أمني جبرائيل عليه السلام، وصلى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل كلِّ شيءٍ مِثلَه».
وله: أن أول الظهر متيقن، ووقع الشك في آخره، لتعارض الآثار فيه، لما روي أنه صلى العصر حين صار ظلُّ كل شيء مثليه، فلا يخرج الظهر المتيقن بالعصر المشكوك، بل بما هو عصر بيقين، وهو
الجزء 1 · صفحة 68
حين صار ظل كل شيء مثليه، أخذاً بالاحتياط.
وفي إضافة الفيء إلى الزوال تَسَامُح؛ لأنه أراد به في قبيل الزوال، إنما استثنى في الزوال؛ لأنه قد يكون مثلاً في بعض المواضع في الشتاء، وقد يكون مِثْلَيْنِ. فلو اعتبر المثل من عند ذي الظل لما وُجد الظهر عندهما ولا عنده. هذا في المواضع التي لا تُسَامِتُ الشمسُ رؤوس أهلها؛ لأن المواضع التي تقع فيها المسامتة يقدر الظل من عند ذي الظل.
والمسامتة لا توجد إلا في الإقليم الأول، وهو بلاد الهند، والحرمان منها، كذا في «السامي».
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن الظهر يخرج بصيرورة ظل كل شيء مثله، ويدخل العصر بصيرورته مِثْلَيْه، فيكون بينهما وقت مهمل، وهو الذي يسميه الناس ما بين الصلاتين وقالوا: الاحتياط أن يصلي الظهر قبل صيرورة الظل مثله، ويصلي العصر حين يصير مثليه ليكون الصلاتان في وقتها، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك، وإذا خرج وقت الظهر على الاختلاف.
(فَيَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ) ويمتد وقتها (حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ) لقوله صلى الله عليه وسلم: (من
فاتته العصر حتى غابت الشمسُ، فكأنها وُتِرَ أهله وماله»، جعلها فائتة بالغروب، فدل أنه آخر وقتها.
وإذا غابت الشمسُ (فَيَدْخُلُ وَقْتُ المَغْرِبِ)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «أولُ وقتِ المغرب حين تَسْقُطُ الشمس»، ويمتد وقته حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَبْيَضُ) الذي يعقب الحمرة عند أبي حنيفة رحمه الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وآخرُ وقتِ المغرب إذا اسود الأفق».
وقالا هو الحمرة، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وعليه الفتوى، لما روي أنه قال: «الشفق هو الحمرة».
وعند الشافعي رحمه الله: وقت المغرب مقدار ما يسع فيه خمس ركعات بعد وُضُوءٍ وأَذَانِ وَإِقَامَةٍ وسَتْرِ عَوْرَةٍ، حتى لو صلى بعد هذا المقدار يكون قاضياً لا مؤدياً.
له: إمَامَة جبرائيل في اليومين في وقت واحد.
الجزء 1 · صفحة 69
ولنا: قوله: «آخر وقتِ المغرب حين تغيب الشفق».
وإذا خرج وقت المغرب (فَيَدْخُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ) ويمتد وقتها (حَتَّى تَطْلُعَ الْفَجْرُ) لقوله: وآخر وقت العشاء ما لم تطلع الفجر»، ووقتُ الوتر وقتُ العشاء إلا أنه (وَيُقَدَّمُ الْعِشَاءُ عَلَى الْوِتْرِ)؛ لأنه أُمِرَ كذلك.
وقالا: أول وقت الوتر بعد العشاء، وآخره ما لم تطلع الفجر.
وهذا الاختلاف مبني على اختلافهم في وصفها:
فعنده: واجبة، والوقتُ إذا جَمَعَ صلاتين واجبتين، فهو وقتهما وإن أُمر بتقديم أحدهما كالوقتية والفائتة.
وعندهما: هي سنة، فيدخل وقتها بالفراغ من الفرض كسائر السنن.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى العشاء، ثم أحدث، فتوضأ، وصلى الوتر، ثم علم أنه صلى العشاء على غير طهارة، فإنه يصلي العشاء، ولا يعيد الوتر عند ـد أبي حنيفة، وعندهما: يعيد، كذا في «الينابيع».
والأصل فيه: قوله: إن الله تعالى زادكم صلاةً فَصَلُّوهَا ما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر».
(وَيُسْتَحَبُّ الإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) أي: إضاءته، لقوله: «أسْفِرُوا بالفجر»، وفي رواية: «نورُوا بالفجر، فإنه أعظم للأجر».
وحد الإسفار أن يبدأ الصلاة في وقت لو صلاها بقراءة مسنونة ما بين أربعين: آية إلى ستين، وظهر له سهو في طهارته، يمكنه أن يتوضأ، ويعيد الصلاة.
وقيل حده: ألا يقع الش في طلوع الشمس، والمفضَّلُ عند مشايخنا: أن يبتدأ بالإسفارِ، ويَخْتِمَ به.
ومختار الطحاوي: أن يبدأ بالتغليس، ويَختِمَ بالإسفار، وهذا اختيارٌ حَسَنٌ.
وقال الشافعي رحمه الله: يُستحبُّ التعجيل في كل صلاة؛ لأنه مُسَارَعة إلى المغفرة، قال الله تعالى:
الجزء 1 · صفحة 70
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية
قلنا: المسارعة إلى مغفرة الله تعالى إنما تكون في المسارعة إلى الشيء الذي هو أفضل عند الله من غيره، والتأخيرُ فيها أفضلُ؛ لأن فيه تكثير الجماعة على أن الآية عامة، فنحملها على بعض الصلاة.
(وَالإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ) سواء كان يصلي وحده أو بجماعة، لقوله: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم»، أي: أدْخِلُوا صلاة الظهر في البرد، أي: صلوها إذا سكنت شدة حرها وفيحُ جنهم شده حرها.
وقال الشافعي رحمه الله: إذا كان يصلي وحده يعجلها، وإن كان يصلي بجماعة يؤخرها تيسيراً.
(وَتَقْدِيمُهَا) أي ويستحب تعجيل الظهر (فِي الشَّتَاءِ) لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الشتاء بكر بالظهر، أي صلاها في أول وقتها. (وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ) في الصيف والشتاء (مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ) لما روي أنه كان يؤخر العصر، ويصليها ما دامت الشمسُ بيضاء نقية، ولما فيه من تكثير النوافل لكراهتها بعده. والمعتبر تغير القُرص، وهو أن تصير بحال لا تَحَارُ فيه الأَعْيُنُ، لا الضوء الذي على الحيطان هو الصحيح، والتأخيرُ إليه مكروه، كذا في «الهداية».
(وَتَعْجِيلُ المَغْرِبِ) في الزمان كله، لقوله: «بَادِرُوا بالمغرب قبل اشتباك النجوم»، أي كثرتها.
وفي «الأسرار»: تعجيل الصلاةِ أداؤها في النصف الأول من وقتها.
وفي رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يكره تأخيرها.
وفي رواية الحسن عنه: أنه لا يكره ما لم يغب الشفق.
والأصح أنه يكره إلا من عذر كالسفر ونحوه.
وفي التأخير بتطويل القراءة خلاف، كذا في «شرح التحفة».
(وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) في الشتاء، وإلى ما قبله في الصيف، لقوله صلى الله عليه وسلم
الجزء 1 · صفحة 71
لمعاذ: «أخر العشاء في الشتاء إلى ثلث الليل، فإن الليل فيه طويل، وعَجِّل في الصيف، فإن الليل فيه قصير».
وأما تأخيرها إلى نصف الليل، فمباح، وإلى ما بعده فمكروه، كذا في «الاختيار».
(وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ) أي التأخير فيه (آخِرُ اللَّيْلِ) أي إلى آخر الليل إِن وَثِقَ بالانتباه، لقوله و العمر رضي الله عنه، وكان يوتر من آخر الليل: «أخذت بالفضل». (فَإِنْ لَمْ يَثِقُ بِالانْتِبَاهِ: أَوْتَرَ أَوَّلَهُ بنصب، اللام أي في أول الليل، لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه، وكان يوتر من أول الليل: «أخذت بالثقة».
(وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ) لما روينا (وَالظُّهْرِ) كيلا يقع قبل الزوال (وَالمَغْرِبِ) لئلا يقع قبل الغروب.
(وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ) كيلا يقع في الوقت المكروه (وَالْعِشَاءِ: يَوْمَ الْغَيْمِ) «يوم» منصوب بنزع الخافض، أي في يوم الغيم كيلا يُؤَدِّيَ إلى تقليل الجماعة بمجيء المطر أو الثلج.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: التأخير في الكل احتياط ألا يرى أنه يجوز الأداء بعد الوقت لا قبله، كذا في «الهداية».
فصل [في الأوقات التي تكره فيها الصلاة]
(لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَسَجْدَةُ التَّلَاوَةِ، وَصَلَاةُ الْجَنَازَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَزَوَالِهَا، وَ غُرُوبِهَا) لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الصلوات في هذه الأوقات.
ذكر في «الأصل»: ما لم ترتفع الشمس قدرَ الرُّمْحِ، فهي في حكم الطلوع.
وذكر في «أمالي قاضيخان»: ما دام الإنسانُ يَقْدِرُ على النظر إلى قُرْصِ الشمس، فهو في حكم الطلوع، إلى هنا كلامه.
ولو صلى في هذه الأوقات، ففي النوافل يجوز مع الكراهية، لا في قضاء الفرائض والواجباتِ الفائتة كسجدة تلاوة وجبت بتلاوة في وقت غير مكروه والوتر؛ لأنها وجبت كاملةً، فلا تتأدى ناقصةً،
الجزء 1 · صفحة 72
بخلاف سجدة وجبت بتلاوة فيها؛ لأنها وجبت ناقصةً، فأداؤها كما وجبت.
وكذا صلاة الجنازة تؤدى مع النقصان إذا حضرت. وأما لو حضرت وأُخرت وأُديت فيها لا يجوز؛ لأنها وجبت كاملةً، فلا تُؤَدَّى ناقصة، وإطلاق حديث النهي حُجَّةٌ على الشافعي رحمه الله حيث جَوَّزَ الفرائض مطلق)، والنوافل بمكة.
وعلى أبي يوسف رحمه الله في تجويزه النفل وقت الزوال يوم الجمعة.
(إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ) فإنها جائز (عِنْدَ الْغُرُوبِ) بالكراهية.
وفي رواية «الإيضاح» و «المحيط غير مكروه؛ لأن أداءها مأمور به، والمكروه لا يؤمر به، بل المكروه تأخيرها. دليل الجواز قوله: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تَغْرُبَ الشمس فقد أدركها: ولأنه أداها كما وجبت؛ إذ سبب الوجوب الجزء
القائم من الوقت يلي الشروع، فإن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السبب، وإلا ينتقل السببية إلى الثاني والثالث هكذا إلى أن يَنْتَهِي، بخلاف غيرها من الصلوات؛ لأنها وجبت كاملةً، فلا تتأدى بالناقص.
(وَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْفَجْرِ) أي بعد صلاة الفجر (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ).
(وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) ولو بسبب.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يكره النفل الذي له سبب كركعتي الفجر، والوضوء، والطواف، وتحية المسجد، والمنذور.
له: ما روي أن قيساً صلى بعد فرض الفجر ركعتين، فقال له: «ما هذا؟»، قال: «ركعتا الفجر لم أركعها»، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وسكوته يدل على التقرير، وإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين»، والأحاديثُ المروية في غيرهما.
ولنا: إطلاق ما روي أنه قال: لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع، وبعد العصر حتى تغرب، والمراد بالغروب هنا التغير، ويجوز أن يُصلي في هذين الوقتين الفوائت، وصلاة الجنازة، ويسجد
الجزء 1 · صفحة 73
للتلاوة؛ لأن النهي لمعنى في غيره، وهو شغل جميع الوقت بالفرض؛ إذ ثواب الفرض أعظم، فلا يظهر النهي في حق فرض مثله، وظهر في ركعتي الطواف؛ لأنهما نافلتان في ذاتهما، وجوبهما لغيرهما، وهو ختم الطواف بالصلاة.
وكذا لم يجز نفل شرع فيه، ثم أفسده؛ لأن وجوبه لصيانة المؤدى عن البطلان، فبقي نفلاً في ذاته، كذا في «الكافي».
فعلِمَ من هذا أن ما قاله بعضُ المتفقهة إذا أُقيم للفجر، وخاف رجل فوتَ
الفرض بالجماعة شَرَعَ السُّنَّةَ، فيقطعها، فيقضيها قبل الطلوع، فمردود، لا سيما أنَّ الأمر بالشروع للقطع قبيح شرعاً، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُو).
(وَلَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ) لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا طلع الفجر، فلا تصلوا إلا ركعتي الفجر
وفي «التجنيس»: المتنفّلُ إذا صلى ركعة، فطلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنه وقع في صلاة التطوع بعد الفجر لا عن قصد.
(وَلَا قَبْلَ المَغْرِبِ لما فيه من تأخير المغرب، والمستحب تعجيلها اتفاقاً.
وفيه خلاف الشافعي رحمه الله لما روي أن الصحابة كانوا يصلونها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينههم عنها.
قلنا: كان ذلك في الابتداء لتعرف أن وقت الكراهة قد خرج بالمغرب، ولهذا لم يفعله أحد بعدهم.
(وَلَا إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) من حجرته الخاصة للخطبة، كذا شاهدناه في محروسة دِمَشْقَ وغيرها في ديار العرب. وعبارة الخروج واردة على عادتهم.
وأما في ديارنا فإذا قام من موضعه للصعودِ لا صلاة، لقوله: «إذا خرج الإمام، فلا صلاة ولا كلام
فإن افتتح الأربع قبل الجمعة، ثم خرج الإمام ذكر في «النوادر»: إن صلى ركعة يضيف إليها
الجزء 1 · صفحة 74
أخرى، ويخفف القراءة، وبه أخذ المشايخ.
أما لو صلى ركعتين وقعد، ثم قام إلى الثالثة ولم يقيدها بالسجدة، حتى خرج الإمام اختلف فيه المشايخ:
قال بعضهم: يعود إلى القعدة ويسلم.
وقال بعضهم: يتمها أربعاً، ويخفف القراءة، كذا في «شرح التحفة».
وفي الاختيار»: ولو كان شرع في الأربع قبل الجمعة أتمها.
(وَلَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) خلافاً للشافعي؛ لأن بعض الصحابة كانوا يتطوعون قبل صلاة العيد.
قلنا: إنه لا الله لم يفعل ذلك مع حِرْصِهِ على الصلاة، وهذا دليل الكراهة، إذ لو جاز لَفَعَل تعليماً للجواز.
والجمهور على الكراهية في الجَبَّانَةِ وغيرها.
وفي «أمالي قاضيخان»: إنه يتطوع بعد صلاة العيد ما شاء.
ولو افتتح التطوع في الأوقات المكروهة يصح شروعه، لعدم ورود النهي عليه، لكن الأفضل أن يقطع، ثم يَقْضِي في وقت غير مكروه.
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ وَاحِدٍ فِي حَضَرٍ، وَلَا سَفَرٍ).
وقال الشافعي رحمه الله: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء لِعُذْرِ سفر أو مطر جائز، فإنه مخيرُ عنده إن شاء صلى الظهر في وقت العصر، أو العصر في وقت الظهر، وكذا في المغرب والعشاء.
له: ما روي أنه جمع بين الظهر والعصر في سفره بتبوك، وجمع بينهما وبين المغرب والعشاء بالمدينة.
الجزء 1 · صفحة 75
ولنا: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَباً مَوْقُونَ)، أي فرضاً موقتاً، وفي الجمع تغيير الوقت. ويجوز الجمع فعلاً لا وقتاً، وهو تأويل ما روي أنه جمع وتفسيره: أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها، ويُقَدِّمَ العصر في أول وقتها.
(إلَّا بِعَرَفَةَ) بين الظهر والعصرِ (وَالمُزْدَلِفَةِ) بين المغرب والعشاء، وسيأتيك في المناسك إن شاء الله
باب الأذان
وهو في اللغة: مطلق الإعلام
وفي الشرع: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ معلومة مأثورة على صفة مخصوصة. (وَصِفَتُهُ) أي صفة الأذان (مَعْرُوفَةٌ) وهو قوله: الله أكبر، الله أكبر إلى آخره. الله علَمُ معبود بذاته، وأكبر إما مأخوذ من كَبُرَ» بمعنى «عَظُمَ»، فإنه عظيم القدر، وإما من كَبِرَ) أي: أسَنَّ، ويراد به القديم أكبر للتفضيل، وتقديره: الله أكبر مما استعملتم به، وعمله أوجب، فاشتغلوا بعمله واتركوا عمل الدنيا، كذا في شرح «المختار».
(وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) أي في الآذان. وهو أن يُخفِضَ بالشهادتين أولاً مرتين مرتين، ثم يَرْجِعَ ويَرْفَعَ صوته بهما مرتين مرتين أخريين، خلافاً للشافعي رحمه الله.
له: ما روى أبو محذورة أنه أمره يوم فتح مكة بأن يُرجع في الشهادتين. ولنا أن الرواياتِ متفقة على أن لا ترجيح في أذان بلال، وعمرو بن أم مكتوم إلى أن تُوفَّيًا، وما رواه كان تلقيناً من النبي، فظن أبو محذورة أنه من نفس الأذان.
وعند مالك رحمه الله: التكبير في مبدأ الأذان ثنتان قياساً على سائر الكلمات، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله.
قلنا: هو أربع؛ لأن المروي من الملكِ النازلِ هكذا، والقياس متروك بالنص.
(وَالإِقَامَةُ مِثْلُهُ) أي مِثْلُ الأذان في ذكرها مَثْنَى مَثْنَى.
وقال الشافعي رحمه الله: الإقامة تُذكر فُرَادَى إلا قوله: قد قامت الصلاة، والتكبير في أول الإقامة مرتين، كما في آخرها.
الجزء 1 · صفحة 76
له: ما روى أبو محذورة أنه قال: الأذان مثنى مثنى، والإقامة فرادي فرادي، والفرادي جمع فرد على غير قياس.
ولنا: ما اشتهر أن بلالاً كان يُتَني الإقامة إلى أن تُوُفِّيَ، وما رواه محمول على الجمع بين كل كلمتين في الإقامة، والتفريق بينهما في الأذان.
فإن قيل: كيف يكون الأذان مثنى مثنى، والتكبير أربع في أوله؟
قيل: له ذكر التكبيرين لَمَّا كان بصوت واحد جُعِلَ ككلمة واحدة، وبذكرهما مرة أخرى يكون مثنى.
(وَهُمَا) أي الأذان والإقامةُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَالجُمُعَةِ)؛ لأنه واظب عليها بهما
وقيل: إنه واجب؛ لأنه أمر به في قوله: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ومن صلى في بيته بغير أذان ولا إقامة جاز، وإن فَعَلَ فَحَسَنٌ.
أما الجواز: فلأنه روي أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يصلي في داره بغير أذان ولا إقامة، ويقول: يُجْزِتُنَا أَذَانُ المقيمين حَوْلَنَا.
وأما حَسَنِيَّةُ فِعلها؛ فلأنهما أذكار تتعلق بالصلاة كغيرهما من الأذكار.
(وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ) لما روي أن بلالاً رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم لِيُعْلِمَهُ بصلاة الفجر، فوجده راقدا، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فقال: ما أحْسَنَ هذا اجْعَلْهُ في أذانك.
(وَفِي الإقامة) أي ويزيد في الإقامة بعد الفلاح» («قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ»، مَرَّتَيْنِ) لما روي عن أبي محذورة رضي الله عنه أنه قال: عَلَّمَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة بسبع عشرة كلمة.
(وَيُرَتِّلُ الأَذَانَ) أي يبين الأذان، ويفصل بين كلماته.
(وَيَحْدُرُ الإِقَامَةَ) أي يُسْرِعُ فيها؛ لأنه بذلك أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بلالاً
الجزء 1 · صفحة 77
(وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا) أي بالأذان والإقامةِ الْقِبْلَةَ)؛ لأن بلالاً يؤذن ويقيم مستقبل القبلة، ولو ترك التوجه إليها جاز، لحصول المقصود، ويكره لمخالفة السنة.
(وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ)؛ لأنه بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، وقال: إنه أندى لصوتك.
(وَيُحَوِّلُ) المؤذن (وَجْهَهُ يَمِيناً، وَشِمَالاً بِالصَّلَاةِ، وَالْفَلَاحِ) وَقَدَمَاهُ مكانها؛ لأنه هكذا نُقل من فعل بلال؛ ولأنه خطاب للناس، فيواجههم به. معناهما: أسرعوا إلى الصلاة، وإلى ما فيه نجاتكم، وما عدا ذلك تكبير وتهليل، ولا يلتفت وراءه، لما فيه من استدبار القبلة.
وعن شمس الأئمة الحلواني: أنه لا يلتفت إذا كان وحده؛ إذ لا حاجة إليه، والصحيح: أنه يلتفت؛ لأنه صار سنة للأذان، حتى قالوا في الذي يؤذن للمولود ينبغي أن يحوّل وجهَه يمنة ويسرة عند هاتين الكلمتين، كذا في «المحيط».
وكيفية التحويل: أن يقول: حي على الصلاة مرتين في يمينه، ثم يقول: حي على الفلاح مرتين في شماله، وهو الأصح؛ لأنه منقول هكذا.
قال الإمام التمرتاشي: لا يحول في الإقامة إلا لأناس ينتظرون، كذا في «شرح المجمع» لابن ملك.
(وَيَجْلِسُ) المؤذنُ بَيْنَ الأَذَانِ، وَالإِقَامَةِ، إِلَّا فِي المَغْرِبِ) وقالا: يَجْلِسُ في المغرب جَلْسَةٌ خفيفة؛ لأن الفصل بينهما سنة في سائر الصلوات، إلا أنه يكتفى في المغرب بالجلسة الخفيفة تحرزاً عن التأخير.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن المستحبّ المبادرة، وفي الجلسة التأخير، والفصل يحصل بالسكوت بينهما مقدار ثلاث آيات، وهو رواية الحسن عنه، وكذلك يَحْصُلُ باختلاف المَوْقِفِ والنَغْمَة.
وقال الشافعي رحمه الله: يفصل بركعتين اعتباراً بسائر الصلوات. والفرق ما ذكرناه، كذا في «الهداية».
(وَيُكْرَهُ التَّلْحِينُ) وهو تغيير الكلمة لتحسين الصوتِ (فِي الأَذَانِ)؛ لأنه بدعة. (وَإِذَا قَالَ) المؤذن في الإقامة: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ»: قَامَ الإِمَامُ، وَالجَمَاعَةُ) إجابة للدعاء.
(وَإِذَا قَالَ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ: كَبَّرُوا: أي: الإمام والقوم تصديقاً له؛ إذ هو أمينُ الشرع.
الجزء 1 · صفحة 78
وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يكبروا حتى يَفْرُغَ لِيُدْرِكَ تكبيرة الافتتاح.
(وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَائِباً، أوْ هُوَ أي أو كان الإمامُ المُؤَذِّنَ لَا يَقُومُوا) أي الجماعةُ (حَتَّى يَحْضُرَ) الإمامُ الغائبُ أو يَفْرُغَ الإمامُ الذي هو المؤذن عن الإقامة، لقوله: (لا تقوموا، حتى تروني قمت مقامي»، ولأنه لا فائدة في القيام.
(وَيُؤذِّنُ لِلْفَائِتَةِ، وَيُقِيمُ)؛ لأنه هكذا فَعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم حين فاتته صلاة الصبح ليلة التعريس. وهو حجة على الشافعي في اكتفائه بإقامة، فإن فاتته صلوات أذَّنَ للأولى، وأقام لما روينا، وكان مخيراً في البواقي إن شاء أذن وأقام، ليكون القضاء على حسب الأداء، وإن شاء اقتصر على الإقامة؛ لأن الأذان للاستحضار وهم حضور.
(وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ) دخول (وَقْتِهَا): لأنه شُرعَ للإعلام بالوقت، وفي ذلك تضليل، وإن أذن أعَادَ.
وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يعيد في الفجر خاصةً بعد مضي نصف الليل؛ لأن بلالاً كان يؤذن بِلَيْلٍ.
ولنا: ما قررناه؛ ولأن أذان بلال لم يكن للصلاة، لقوله: «إن بلالاً يؤذِّنُ بليل لترجع قائمكم، ويوقظ، نائمُكم، ويَتَسَخَّرَ صائمكم»، والكلام في الأذان للصلاة.
(وَلَا يَتَكَلَّمُ) المؤذن (فِي الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ) ولا يَرُدُّ السلام؛ لأنه يُحِلُّ بالتعظيم، ويُغَيّر النظم، ولا يمشي فيها؛ لأنه شُبه بالصلاة، فإذا انتهى إلى قوله: «قد قامت الصلاة» له: الخيار إن شاء أتمها في مكانه، وإن شاء مشى إلى مكان الصلاة إماماً كان المؤذن أو لم يكن.
(وَيُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ عَلَى طَهَارَةٍ)؛ لأن كِلَيْهِمَا ذِكرُ الله.
(وَيُكْرَهُ أَذَانُ الْجُنُبِ، وَإِقَامَةُ المُحْدِثِ) و في كراهة خلوهما عن الوضوء روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله:
في رواية: يُكْرَهَانِ بغير وضوء؛ لأنه يصير داعياً إلى ما لا يُجيبُ إليه بنفسه، وداخلاً تحت قوله
الجزء 1 · صفحة 79
تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}
وفي رواية: لا يُكْرَهَانِ؛ لأن كلا منهما ذِكْرٌ لله، فيُستحب فيهما الوضوء، كما في القراءة، ويستحب إعادة أذان الجنب، والصبي الذي لا يَعْقِلُ، والمجنون، والسكران، والمرأة؛ ليقع على الوجه المسنون، ولا تُعَادُ الإقامة؛ لأن تكرارها غير مشروع.
وفي شرح القدوري» للزاهدي: ويكره إقامة غير المؤذن إلا برضاه أو غيبته.
وفي «الأصل»: لا بأس به إلى هنا كلامه.
ويكره الأذان قاعداً؛ لأنه خلافُ المتوارث.
وكره أبو حنيفة أن يكون المؤذن فاجراً، أو يأخذ على الأذن أجراً.
ويستحب أن يكون صالحاً تقياً عالماً بالسنة، وأوقات الصلاةِ مُوَاظِباً على ذلك. وأما إجابة المؤذن بأن يقول مثل ما يقوله المؤذن، ويقول عند الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله، وعند قوله: الصلاة خير من النوم: «صدقت، وبالحق نطقت»، أو يقول: «صدقتَ وبَرِرْتَ»، فلها فضيلة، وإن تركها لا يأثم.
وأما قوله: (من لم يجب الأذان، فلا صلاة له»، فمعناه: الإجابةُ بالقَدَم لا باللسان فقط، كذا في «الخانية».
ويستحب أن يُجيبه في الإقامة أيضاً، ويقول عند قوله: «قد قامت الصلاة»: أقامها الله وأدامها»؛ لما روي أنه كان يقول هكذا.
باب ما يفعل قبل الصلاة
(وَهِيَ) أي التي تُفْعَلُ قبل الصلاة (سِتُ فَرَائِضَ):
1 - (طَهَارَةُ الْبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَتَيْنِ) يعني الحقيقية والحكمية.
أما من الحقيقية، فلقوله: «اغسلي عنك الدم، وصلي»، فوجب الطهارة عن النجاسة الحقيقية.
وأما من الحكمية، فلقوله: «لا يقبل الله صلاةَ امرئ حتى يضعَ الطَّهُورَ مواضعه»، الحديثَ، وأنه
الجزء 1 · صفحة 80
يوجب الطهارة من النجاسة الحكمية.
? - (وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ) لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَعَر).
3- (وَطَهَارَةُ المَكَانِ)؛ لأن تطهير الثوب لما وجب بما تلوناه آنفاً، وجب تطهير مكانه وبدنه بدلالة النص؛ لأنهما أَلْزَمُ للمصلي؛ إذ لا وجود للصلاة بدونهما، بخلاف الثوب.
ثم المعتبر في طهارة المكان ما تحت القدم، حتى لو افتتح الصلاة، وتحت قدميه نجاسة أكثر من قدر الدرهم لم تجز صلاته، وكذا في موضع السجود، وإن كانت في موضع ركبتيه أو يديه فلا يضره.
وفي «الخلاصة»: وإن كانت في موضع سجوده، فتجوز عند أبي حنيفة رحمه الله في رواية عنه، كذا في «شرح المجمع لابن ملك
-4 - (وَسَتُرُ الْعَوْرَةِ) لقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَكُل مَسْجِدٍ (2)، أي ما يُوَارِي عورتكم عند كل صلاة؛ لأن أخذ عين الزينة لا يتصور، فأريد محلها، وهو الثوبُ، ولا يجب أخذ الزينة لعين المسجد، فدل أنه للصلاة، لكن كُنيَ عن الصلاة بالمسجد.
فالأول: إطلاق اسم الحال على المحل.
والثاني: عكسه، كذا في «الكافي».
وسَتْرُ المصلي عورته عن غيره شرط بلا خلاف. وأما الستر عن نفسه، فالصحيح أنه ليس بشرط، حتى لو كان تَحلُول الجيب، فنظر إلى عورته لا يفسد، كذا في «التبيين».
والمستحب أن يصلي في ثلاثة أثواب قميص وإزار وعمامة.
ولو صلى في ثوب واحد متوشّحاً به جاز؛ لأنه الله قال حين سُئل عن الصلاة في ثوب واحد: «أو كلكم يجد ثوبين».
5- (وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) لقوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، أي جهتَه. 6
- (وَالنِّيَّة) لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، والإخلاص إنما يكون بالنية.
الجزء 1 · صفحة 81
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إِلَى تَحْتَ رُكْبَتِهِ) وقال الشافعي رحمه الله: ليس الركبة من العورة، لقوله: ما فوق الركبتين من العورة».
ولنا: قوله: «عورة الرجل ما دون سرته حتى يجاوز ركبتيه، وما رواه يدل على أن ما فوقها عورة، ولا ينافي كونهما عورة. وأما السرة فهي عورة عنده على ما ذُكِرَ في المنظومة، لكن الأقوى من مذهبه: أنها ليست بعورة عنده كمذهبنا.
(وَكَذَلِكَ الأمةُ) أي عورة الأمة كعورة الرجل.
(وَظَهْرُهَا، وَبَطْنُهَا عَوْرَةٌ: لأنه موضع مشتهى، فأشبه ما بين السرة والركبة والمكاتبة وأم الولد والمدبرة كالأمة، كذا في «الاختيار».
(وَجَمِيعُ بَدَنِ الحُرَّةِ: عَوْرَةُ، إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «بدن الحرة كلها عورة، إلا وجهَها وكفيها». وفيه إشارة إلى أن ظَهْرَ كَفْهَا عورة.
و في «المنتقى»: تُمنع الشابة عن كشف وجهها؛ لئلا يؤدي إلى الفتنة.
(وَفِي قَدَمَيْهَا رِوَايَتَانِ) عن أبي حنيفة رحمه الله:
في رواية: أنه عورة، والحديث السابق يدل عليه.
ورواية الحسن عنه: أنه ليس بعورة، وهي أصح؛ لأن المرأة مبتلاة بإبداء قدميها في مشيها؛ إذ ربما لا تجد الخفَّ.
وفي «الاختيار»: ولو انكشفت ذراعُهَا جازت صلاتها؛ لأنه موضع الزينة الظاهرة، وهي السَّوَارُ، وتحتاج إلى كشفه في الخدمة، والطبخ، والخبز، وسَتْرُهُ أفضل.
والعورة عورتان
? - غليظة، وهي السَّواتَانِ.
2 - وخفيفة، وهي ما سواهما.
فالمانع من الغليظة ما يبدو زيادة على قدر الدرهم، وفي الخفيفة: رُبع العُضو، كما في النجاسات،
الجزء 1 · صفحة 82
هذا قول الكرخي
وفي «التحفة»: والعورة الغليظة والخفيفة سواء.
وفي «شرحه»: أي في الحكم، وهو أن انكشاف الربع منهما يمنع، وهو المعتمد. وقال الشافعي رحمه الله: قليل الانكشاف وكثيره يفسد الصلاة؛ لأن الستر مطلقاً شرط لصحة الصلاة ولم يوجد.
ولنا: أن قليله معفو: لأن اعتباره يؤدي إلى الحرج، فيكون المفسد هو الانكشاف الكثير، فنقدره بربع العضو؛ لأن للربع حكم الكل، فالذكر عضو بانفراده، وكذلك الأنثيان، وثدي المرأة حالة النهود تبع لصدرها، ومتى كبرت يعتبر عضواً على حدة، وكل من الأليتين عضو على حدة، والدبر ثالثهما، وهو الصحيح، وما بين سرة الرجل وعانته عضو على حدة، كذا في التبيين».
(وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ، فَفَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ) لما تلوناه، وأنه متمكن إصابة عينها.
(وَمَنْ كَانَ نَائِياً) أي بعيداً (عَنْهَا) أي عن الكعبة (فَإِصَابَةُ جِهَتِهَا) أي فرضه إصابة جهة الكعبة؛ لأن التكليف بِحَسَبِ الوُسع، وليس في وُسْعِهِ إلا هذا.
(وَمَنْ كَانَ خَائِفاً) من عدو، أو سبع، أو مرض لا يجد من يحوله إلى القبلة (يُصَلِّي إلَى أَي جِهَةٍ قَدَرَ)؛ لتحقق العذر، فأشبه حالة الاشتباه.
(وَإِنِ اسْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ) عن القبلة (اجْتَهَدَ وَصَلَّى) إلى جهة غالب ظنه؛ لأن نفراً من الصحابة تَحَرَّوْا وصلوا في السفر عند الاشتباه، فأَخْبَرُوا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُنكر عليهم.
(وَلَا يُعِيدُ) صلاته (وَإِنْ أخْطَأ) عن القبلة، إن هذه للوصل.
وقال الشافعي رحمه الله: يعيد صلاته إن استدبر القبلة لتيقنه بالخطأ، ونحن نقول: ليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري، والتكليف مقيد بالوسع.
(فَإِنْ عَلِمَ بِالخَطَا وَهُوَ الواو للحال أي والحال أن المصلي (في الصَّلَاةِ: اسْتَدَارَ) إلى القبلة (وَبَنَى) على ما مضى؛ لأن أهل قباء لما بلغهم نَسْخُ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة استداروا في الصلاة إليها، واستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا إذا تحول رأيه إلى جهة أخرى تَوَجَّهَ إليها، لوجوب العمل
الجزء 1 · صفحة 83
بالاجتهاد فيما يَسْتَقْبِلُ من غير نقض المؤدى قبله.
(وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، فَأَخْطَاً: أعَادَ) صلاته. وكذلك إن كان عنده من يسأله فلم يسأله؛ لأنه ترك واجب الاستدلال بالتحري والسؤال (وَإِلَّا فَلَا) أي: وإن لم يُخطئ، فلا إعادة عليه، لوجود التوجه إلى القبلة.
وفي «الاختيار»: ولو شرع لا بالتحري، ثم علم في الصلاة أنه أصاب يستأنف التحريمة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يَمْضِي؛ لأنه لو قطعها يستأنف إلى هذا الجهة، فلا فائدة فيه.
ولهما: أن حاله بعد العلم أقوى لتيقنه بجهة القبلة، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز، ومن حوله اجتهاده إلى جهة، فصلى إلى غيرها فسدت، وإن علم أنه أصاب القبلة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: هي جائزة إن أصابها لحصول المقصود، وهو إصَابَةُ القبلة.
ولهما: أنه ترك فرضاً لزمه عند الافتتاح، وهو الصلاة إلى جهة التحري، فصار كما إذا ترك النية ونحوها.
ثم اعلم أن القبلة موضعُ الكعبة والهواء من هناك إلى عِنان السماء، ولا اعتبار بالبناء؛ لأنه ينتقل، ولا تجوز الصلاة إلى حجارته.
ولو صلى إلى جبل أعلى من الكعبة جاز، فدل أنه لا اعتبار بالبناء.
(وَيَنْوِي الصَّلاةَ الَّتي يَدْخُلُ فِيهَا نِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالتَّحْرِيمَةِ) أراد بها تكبيرة الافتتاح؛ لأن بها يحرم في الصلاة ما يباح قبلها، يعني لا يفصل بين النية وتكبيرة
الافتتاح؛ لأن القيام متردّد بين العبادة والعادة، فلا يتعين لها بدونها.
وعند الكرخي رحمه الله: أنه يجوز بنية متأخرة عن التحريمة. واختلفوا على قوله أنه متى يجوز؟
قال بعضهم: إلى انتهاء الثناء.
الجزء 1 · صفحة 84
وقال بعضهم: إلى انتهاء الفاتحة.
وقال بعضهم: إلى أن يَرْكَعَ.
وقال بعضهم: إلى أن يرفع رأسه من الركوع.
وقَاسُوهَا على الصوم.
وقلنا: لا معتبر بالمتأخرة منها عنها؛ لأن ما مَضَى لم يقع عبادةً لعدم النية، وفي الصوم جُوِّزت للضرورة؛ لأن وقت الشروع في الصوم وقت نوم وغفلة، فلو شُرطت النية وقت الشروع، وهو وقت انفجار الصبح، لَضَاقَ الأَمْرُ على الناسِ، فلهذه الضرورة جُوِّزت متقدمةً ومتأخرة.
وأما هاهنا وقتُ الشروع وقت انتباه ويقظة، فأمكنه تحصيل النية حال الشروع بلا حرج، كذا في النهاية».
وأما النية المتقدمة على التكبير، فك القائمة عنده إذا لم يَفْصِل بينهما بعمل ينا فيها مثل: شراء الحطب ونحوه. ولو فَصَلَ بعمل لا ينافيها كالوضوء والمشي إلى المسجد لا يضره.
ألا يرى أن من أحدث في صلاته له أن يتوضأ ويمشي، ولا يمنعه عن البناء.
(وَهُوَ) أي النية (أنْ يَعْلَمَ) المصلي (بِقَلْبِهِ أيَّ صَلَاةٍ هِيَ) حتى لو سئل لأمكنه أن يجيب على البديهة، وإن لم يقدر على أن يجيب السائل لم تجز صلاته.
(وَلَا تُعْتَبَرُ) أي النيةُ (باللَّسَانِ) أي بذكره في تعيين الصلاة؛ لأنه كلام لا نية، والنية عمل القلب.
قال محمد بن الحسن رحمه الله: النية بالقلب فرض، والذكر باللسان سُنَّةٌ، والجمعُ بينهما أفضل. والأحوط أن يَنْوِي مقارناً للشروع أي مخالطاً للتكبير، كما قاله الطحاوي.
وعن محمد: فيمن خَرَجَ من منزله يريد الفرضَ في جماعة، فلما انتهى إلى الإمام كبر، ولم تحضره النية يجوز؛ لأنه باقي على نيته بالإقبال على تحقيق ما نوى، كذا في «الاختيار».
وفي المحيط»: الأولى في نية الفرض مثلاً أن يقول: نويتُ ظهر اليوم؛ لأنه لو قال: ظهر الوقت أو