الجزء 1 · صفحة 7
الجمع بين وقفى هلال والخصاف
لقاضي القضاة أبي محمد عبد الله بن الحسين الناصحي الحنفي
توفي سنة (447هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ لا سَهْلَ إِلَّا ما جعلته سهلا
قال الشيخُ الإمامُ قاضي القضاة أبو محمد عبد الله بن الحسين الناصحي رحمه الله تعالى: لقد هَمَمتُ باختصار كتاب «الوقف لهلال بن يحيى، فتردَّدتُ فيه زماناً؛ لحسن تصنيفه، وقلّما وجدتُ فيه كلمةً ساقطة أو خالية عن معنى فائدة، ثم استعنت بالله تعالى على اختصار كتابي أبوي بكرٍ هلال بن يحيى وأحمد بن عمرو الخصاف البصريين رحمهما الله تعالى، وأضفتُ إليهما ما وجدتُّه في كتبنا، والله تعالى ولي تيسيره، والإعانة عليه، والنفع به، وإياه أسأل أن يجعله لوجهه خالصاً وهو الموفق بمنه وفضله.
باب: ألفاظ الوقف والصَّدَقة
إذا قال: أرضي هذه موقوفةٌ، أو مُحرَّمة، أو وقفتُ أرضي، أو حرّمتُ: صح وصار وقفاً على الفقراء على قول أبي يوسف وعثمان البتي، وعليه الفتوى ويُفهم من ظاهر هذا اللفظ الوقفُ على الفقراء والمساكين.
يُقال: هذه أوقاف فلانٍ: فقد غَلَبَ استعمال هذا اللفظ في الوقف ولم
يغلب في الثوب، والمال، والحبيس.
وقال أبو خالد يوسف بن خالد السمتي صاحب أبي حنيفة رحمه الله
تعالى، وهلال، وأحمد بن عمرو: لا يصير بهذا اللفظ وقفاً، وهو باطل؛ لأنَّ الوقفَ يكون للغني والفقير، ويقف الواحد لقضاء دينه وتنفيذ وصاياه، ويقول: وقفتُ هذه الأرضَ بعد موتي لعيالي فلا يبيعونها، ويقف عليه القاضي على واحدٍ فلا يصحُ حتّى يبيّنَ ويقرِنَ به ما يقتضي معنى الصدقة أو المساكين. وكذلك لو قال: حبيس وقف.
ومعنى قوله: وقف و حبيس سواء.
وكذلك لو قال: موقوف وحبيس محرَّم لا يُباع ولا يورث، أو قال: موقوف على ولدي ونسلي أبداً: فإنه لا يصح عندهم؛ لأنَّه لم يجرِ ه للصدقة والمساكين ذكر، ولم يأتِ بلفظ ينبئ عن غير ما ينبئ عنه الوقف.
الجزء 1 · صفحة 9
وإن قال: أرضي موقوفةٌ على ولدي أو قرابتي وهم يحصون؛ فالوقف باطل في قولهم جميعاً، وإنَّما أجاز أبو يوسف رحمه الله تعالى إذا لم يسم إنساناً بعينه وقال: يصير وقفاً على الفقراء، فأما إذا سمى إنساناً بعينه: لم يجز إلَّا أن يذكر الصدقة.
ولو قال: أرضي موقوفةٌ على الفقراء، أو على أعمال البر: جاز عنده، وإن لم يقل: صدقة.
ولو قال: أرضي صدقة محرَّمة: جاز، وقوله: محرمة و موقوفة سواء. وقال السمتي: هذا لغة أهل الحجاز، وهي أقوى عندهم من قوله: موقوفة.
وقالوا: لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة: جاز، يوقف أصلها ويتصدَّقُ بِغَلَّتِهَا على المساكين أبداً؛ لأنَّه عُلم بهذا ي أَنَّه لم يُرد وقفَها للدِّين والوصية والعيال.
وكذلك لو قال: صدقة محرمة.
وكذلك لو قال: موقوفةٌ الله تعالى، أو لوجه الله تعالى، أو لطلب ثوابه، أو على وجوه الخير، أو على وجوه البر، أو على أكفان الموتى، أو على حفر القبور، أو سقي الماء، أو على مَرَمَّةِ المساجد، أو الحصون، أو الثغور، أو في عمارة ذلك.
وقال بعض الفقهاء: إنَّه لو قال: الله أبداً: لا يكون وقفاً؛ لأنَّ من أبواب
البرِّ الذي يُتقرب به إلى الله تعالى الغزو والحجّ وغير ذلك، فإذا لم يبين لم يجز.
ولو قال: أرضي هذه موقوفةٌ على الفقراء، أو على ابن السبيل، أو على الزَّمْنَى، أو المنقطع بهم، أو في الرقاب، أو يعتق بغلتها الرقاب، أو يُعان بغلتها المكاتبون: جاز؛ لأنه ذكر وجه بر لا ينقطع.
ولو قال: صدقةٌ موقوفةٌ على اليتامى أو لم يذكر الصدقة؛ فهو وقف جائز، وهو لفقراء اليتامى دون أغنيائهم؛ ألا ترى أنَّه لو قال: ثلث مالي بعد موتي ليتامى بني فلان، وهم لا يُحصون؛ فهو للفقراء منهم.
ولو قال: أرضي موقوفةٌ على يتامى بني فلان وهم يحصون؛ فهو باطل؛ لأنَّه لم يجعله لوجوه البر الذي لا ينقطع، ولو أجزتُ هذا لجعلتُ الغني والفقير فيه سواء، ومن شرط صحة الوقف أن يكون مؤيَّداً لا يملكه أحدٌ ولا يرجع إلى ملكه ولا إلى ملك وارثه، ولو جوزنا هذا ومات الموقوف عليه؛ رجع إلى ورثة الواقف، وهذا لا يجوز.
ولو قال: صدقة موقوفة على فلان ولم يزد عليه، كان باطلاً، إلا أن يُسلَّمه إليه فيكون ملكاً له ولا يكون وقفاً.
الجزء 1 · صفحة 10
ولو قال: على فلان أبداً: جاز: لأنه إذا قال: أبداً؛ فقد أوجبها للمساكين.
ولو قال: صدقةٌ موقوفة على فلان: جاز.
ولو قال: وقف على فلان صدقة: جاز، والتقديم والتأخير فيه سواء. ولو قال: أرضي هذه موقوفةٌ على فقراء قرابتي: كان باطلاً؛ لأنه كان يخاطبهم ولم يقل: صدقةً ولم يجعل آخرها للمساكين. ولو قال: على أرامل بني فلان وهم يحصون أو لا يحصون؛ فالوقف جائز وهو للفقراء منهنَّ لمن كانت ولمن تحدث.
والأرملة التي بلغت مبلغ النساء وكان لها زوج مات عنها أو فارقها، دخل بها أو لم يدخل.
ولو قال: على أيامى بني فلان: فإن كنَّ يُحصين؛ فالوقف جائز. والأيم: التي لا زوج لها وقد جو معت بنكاح أو فجور غنية كانت أو فقيرةً، وتدخل من تحدث فيه، فإن كنَّ لا يُحصين؛ فالوقف باطل. وقال أصحابنا: اسم الأيم يلزمها وإن كانت صغيرة.
ولو قال على: ثيب بني فلان وهنَّ يُحصين؛ فهو جائز.
والثيب: المرأة التي جومعت صغيرةً كانت أو كبيرة، غنيَّةً كانت أو فقيرةً، كان لها زوج أو لم يكن؛ فإن كنَّ لا يُحصَين؛ فالوقف باطل.
ولو قال: على أبكار بني فلان فإن كنَّ يُحصَين؛ فالوقف جائز، وإن كنَّ لا يُحصين فالوقف باطل. والبكْرُ: التي لم يتبكَّر بها رجلٌ صغيرة كانت أو كبيرة، غنية كانت أو فقيرةً، كان لها زوج أو لم يكن، فإن كانتِ العُذرة ذهبت بغير جماع؛ فهي بكر.
وإن قال: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ في الحجّ، أو في العمرة: لم يكن وقفاً؛ لأن الحج والعمرة ليسا بصدقة.
فإن قال: في الحج عنِّي، أو في العمرة عني: جاز.
وإن قال: ضيعتي هذه للسبيل قال أبو القاسم: إن كان من أهل ناحية يفهمون به الوقف؛ صار وقفاً.
قال أبو بكر الإسكافُ: بيع الدار والتصدق بثمنها أفضل من وقفها، ووقف الضيعة أفضل.
قال أبو بكر: لو قال: إن مِتُّ من مرضي؛ فقد وقفتُ أرضي: لم يصح مات أو برا.
الجزء 1 · صفحة 11
قال أبو جعفر رحمه الله: إذا قال: إن مِتُّ فاجعلوا أرضي وقفاً: جازه. قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لو قال: أرضي هذه صدقة وسمَّى حدودَها، فإنَّه ينبغي أن يتصدَّقَ بها على الفقراء أو يبيعها ويتصدَّقَ بثمنها. كلُّ صدقة لا تُضاف إلى أحدٍ من الناس فهي للمساكين.
وكذلك لو قال: مالي صدقةٌ، أو أرضي صدقة في المساكين، أو قال: صدقةٌ وسكت؛ فلا تكون وقفاً، وهو بمنزلة النذر، مثل أن يقول: هذه الدراهم صدقةٌ فعليه أن يتصدَّقَ بها، وهو بمنزلة قوله: لله على أن أتصدَّقَ بهذه الدراهم فإنَّا نفتيه أن يتصدق بها ولا نجبره عليه، ولا يحول القاضي بينه وبين ما جعله صدقةً، ولو مات قبل أن يتصدَّقَ به كان ميراثاً، وليس عليهم أن يؤدوا عنه، ولو أوصى به؛ فعل من ثلثه، كما لو كان عليه زكاة ماله أو كفارة أيمان أو نذر أو حج فإنَّهم لا يؤدُّون عنه بعد موته.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أَنَّه إذاقال: أرضي صدقة تخرج عن ملكه إلى الفقراء. واتَّفقوا أَنَّه لو قال: لوبي صدقة، أو مالي صدقةٌ أنه لا يخرج عن ملكه. ولو قال: بعيري بدنةه يخرج عن ملكه.
وكذلك لو قال: أرضي هذه صدقة لا تُباع فإنَّه ز يؤمر أن يتصدَّقَ بها، ولا يكون وقفاً.
وكذلك لو قال: صدقةٌ على اليتامى، أو في وجوه الخير والحج والبر والعمرة.
وقال الحسن: الورثة يؤدُّون عنه في هذا كله وإن لم يوص.
نقول للحسن: أرأيت لو مات وعليه ديون هل يقسِمُ القاضي تركته بين الغرماء والزكاة والكفارة والحج؟! لا يقسمه، ولكنه يجعل تركته للغرماء، ولو باع القاضي ماله في حياته؛ أيقسم ثمنه بين غرمائه وهذه الوجوه؟! هذا لم يفعله قاض.
في «المنتقى: ابنُ سماعة عن أبي يوسف أنَّه لو قال في صحته: تصدَّقتُ بداري هذه على المساكين فإن مات قبل أن يُمضي؛ فهو ميراث، وإن قال ذلك في مرضه؛ فهو وصيَّةٌ، وهي صدقة على المساكين.
وقال: إذا قال ذلك في صحته؛ فإنَّه يجوز على قول من يرى الوقف جائزاً من قبل أنَّه لو قال: موقوفة على المساكين جاز، فإذا قال: صدقةٌ: فهو أَجْوَز. وفي «المنتقى»: عن إبراهيم عن أبي يوسف في الوصايا: رجلٌ جعل شيئاً في سبيل الله أو في الرقاب أو في الغارمين؟
قال: ما جعله في السبيل يعطيه المجاهدين في الرباط والغزو، والذي جعله في الرقاب يشتري به الرقاب فيعتقهم، وإن أعان به المكاتبين؛ جاز، والذي جعل في الغارمين يعطي الرجل المغرم الذي عليه الدين ولا شيء له.
الجزء 1 · صفحة 12
باب ما يجوز وقفه وما لا يجوز
يجوز وقف العقار مثل الأراضي والدور والحوانيت.
ولو وقف أرضاً فيها عبيد وثيران بما فيها؛ فهو جائز، روي أنَّ عليَّاً رضي الله عنه وقف أرضاً ورقيقاً فيها.
وكذلك الآلة في الأرض للعمل فيها تصير وقفاً معها، وينبغي أن يسمي عدد العبيد والبقر ونفقتهم من غلة ذلك الوقف، وإن ضعف أحدٌ عن العمل استبدل بثمنه، آخر، ويُكمَّلُ ثمنُ الثاني من غلَّة الوقف ولا يبيعه إلا بأمر القاضي، فإن كان استثنى أن يبيع ما رأى بيعه؛ جاز بيعه. قال الخصافُ: وللوالي أن يبيع ما تعطل.
وإن تعطّل واحد من العبيد وكان شرط الواقف أن يُجرى عليه لعمله؛ لم يجر عليه واستبدل.
وإن لم يكن شرط هذا؛ أُجرِيَ عليه، فإن جنى العبد؛ دفعه الولي أو فداه، فإن كان فَداه بأكثر من قيمته؛ كان ضامناً للفضل، وإن وقف الرقيق أو الثيران وحدها لم يجز؟؛ لأنه لم يجعله تبعاً لأصل يجوز وقفه؛ ألا ترى أنه لو وقف بناء دارٍ لم يجز، ولو وقف الدار ببنائها؛ جاز.
وكذلك الحيوانُ والعُروض لا يجوز وقفها.
ووقف أرض الخراج والعشر جائز؛ لأنه ملك له.
وأرضُ الحوز إذا وقفها الذي هو مالك لها؛ جاز، وإن وقفها المزارع الذي له إكارتُها: لم يجز.
وإن أقطع الإمام رجلاً أرضاً مواتاً أو أرضاً من ملكه فوقفها؛ جاز؛ لأنه ملكها.
وإن أقطع إنساناً أرضاً من حقّ بيت المال لم يجز وقفه، كيف يقطعُ شيئاً من حق بيت المال!؟
أراضي حوانيت السوق إذا كانت إجارة في أيدي القوم الذين بنوها؛ فالوقف فيها جائز: لأنَّا رأيناه في يد أصحاب البناء يتبايعونها ويتوارثونها لا يزعجهم السلطان، وإنّما له عليهم غلَّةٌ يأخذها، جرى على ذلك الخلفاء ومضت الدهور.
ويجوز وقفُ الكُراع والسلاح إذا جعلها موقوفةً في سبيل الله.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجوز في الكراع والسلاح والحباب المنصوبة وحصر غ المسجد.
وقال محمد رحمه الله تعالى: يجوز وقف المصاحف يُقرأ منها. وفي المنتقى»: إبراهيم، عن محمَّدٍ قال أبو حنيفة: إذا أوصى بمصاحف
توقف في المسجد ليقرأ منها؛ لم يجز.
الجزء 1 · صفحة 13
وأجاز نصير بن يحيى وأبو جعفر وأبو الليث وقف الكتب ولم يجزه أبو نصير.
روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف في إملائه في رجب سنة تسع وسبعين كل وقف لا ينقطع على الأبد؛، فهو جائز، وكلّ وقف ينقطع؛ فلا يجوز.
قال محمد: ما ينقطع فيرجع إلى صاحبه وإلى الموقوف فهو الحبس المنهي عنه فلا يجوز.
سئل أبو نصر: عمَّن وقف بقرةً على رباط لبنها لأبناء السبيل
قال: رجوت أن يجوز إذا غلب وقفها بناحية.
باب: شرائط الوقف
الوقف جائز عند أبي حنيفة، يفتي بإخراج غلة الوقف وغيره في الوجوه التي وقفها فيما بينه وبين الله تعالى، وألا ينتفع به ويُفتى وارثه بما يُفتي الواقفُ به،
كما لو قال: أرضي صدقة وقد ذكرنا حكمه.
ولا يزول ملكه عنه بعقد الوقف، ولو باع؛ جاز، ولو مات؛ ورث عنه إلَّا أن يقضي قاض بصحة الوقف وزوال ملكه أو يوصي به ويخرج من ثلثه فيكونَ نافداً، ولا يجوز بيعه أو يقفه في مرضه فيكون بمنزلة الوصيَّة في الجواز، هذا رواية الطحاوي، ولم يوافقه على هذه الرواية غيره.
وذكر الحسن بن زيادٍ في «المجرَّد»، عن أبي حنيفة أنَّه كان يقول: إذا جعل الرجلُ أرضَه صدقةً موقوفة على المساكين أبداً؛ فينبغي له أن يفي بذلك، فقد أوجبها الله سبحانه وتعالى عليه، فعليه أن يتصدَّقَ بغلتها ما دام حيَّاً، وإن مات؛ فينبغي له أن يوصي بغلَّتها للمساكين إذا كان يخرج من الثلث، فإن باعها؛ جاز بيعه وقد أساء، وعليه أن يتصدق بقيمتها على المساكين. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يصح الوقفُ وتخرج من ملكه في حياته، ىولا يجوز بيعه، وهو قول أهل البصرة.
حكى الطحاوي في مختصره اختلاف العلماء عن عيسى بن أبان أنَّ أبا يوسفَ لما قدم بغدادَ كان على قول أبي حنيفة فحدث بحديث ابن عونعن نافع فقال: كيف لنا بمن يحدثنا بهذا عن ابن عون فحدثه إسماعيل بن إبراهيم بن عليَّة ه؟ فقال: هذا لا يسعُ أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به.
قال عيسى: فصار هذا إجماعاً منهم أنه جائز.
فأما حديث ابن عون فهو ما حدثناه أبو سعيد أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن العباس بن حمزة، حدثنا محمد بن مهاجر البغدادي،
الجزء 1 · صفحة 14
حدثنا يزيد بن هارون، أخبرني ابنُ عون عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أصاب عمرُ أرضاً بخيبر فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم فأخبره فقال: إني أصبتُ أرضاً بخيبر فو الله ما أصبتُ مالاً قط هو أنفس عندي منه، فقال: «إن شئتَ تصدَّق بها - يعني الأرض - وحبست أصلها»؛ فجعلَها عمرُ صدقةٌ لا تُباع ولا تورث وتصدق بها على الفقراء والمساكين والغزاة والضيف لا جُنَاحَ على مَن وَليَها أن يأكل منها ويُطعم صديقاً غير متموّل، وأوصى بها إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ثم الأكابر من آل عمر ه. عنها، ثمَّ وحدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو عبد الله، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثنا سفيان بن عينية عن عبد الله العمري عن عن عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء عمر رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إنِّي أصبتُ مالاً لم أُصِب مثله قطُّ تخلصت المئة سهم التي بخيبر لي، وإنِّي أردتُ أن أتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: تصدق بأصلها وسبل الثمرة».
وقد روى أبو بكر الخصاف في كتابه ما روي في صدقة النبي صلى الله عليه وسلم، وصدقة، عمر، وعثمان، وعليّ، والزبير، ومعاذ، وزيد بن ثابته، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر، وأم سلمة، وصفية بنت حيي، وخالد بن الوليد، وأبي أروى الدوسي، وجابر، وسعد بن عبادة، وعقبة بن عامر، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وقد تركت روايتها
بألفاظها وذكر أسانيدها إيجازاً، وليس في شيء من هذا ما يخالف قول أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأنَّه لم يرو أنَّ الواقف رجع عنها، أو أنَّ وارثَه لم يجز ذلك الوقفَ ورامَ إبطاله، وإذا كان على هذا؛ فهي عند أبي حنيفة جاريةٌ على ما أجروا عليه.
والذي يدلُّ على جواز بيعه ورجوعه، وأنَّ للوارث إبطاله ما حدثناه أبو سعيد أحمد بن محمد بن إبراهيم العدل، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن مسعر عن عون عن شريح قال: جاء محمد صلى الله عليه وسلّم ببيع الحبيس وحدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو عبد الله، حدثنا محمد، حدثنا شريحُ
بن النعمان عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أَنَّ عبد الله بن زيد المازني كانت له أرضُ فجعلها صدقةً الله تعالى فقال: أبواه يا رسول الله ما كان لنا مالٌ يعيشنا غيرها، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبويه ثم ماتا فورثها.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول لما نزلت سورة النساء وفُرضَ فيها الفرائضُ: «لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَة النِّسَاءِ».
الجزء 1 · صفحة 15
وعن على وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّهم قالوا: «لا حبسَ إلَّا في كُراع أو سلاح»: ولأنَّه إزالة ملك لا إلى مالك، فلا يزول عنه الملك بالقول كما لو قال: أخرجتُ هذه الدار من ملكي، ولا يلزم المسجد: لأنَّه لا يخرج عن ملكه إلَّا أن يصلى فيه، والمصلي صار قابضاً
لنفسه وللمسلمين، وأمَّا الوقف فليس له قابض؛ لأنَّ المتولّي وكيل الواقف، ويده يد الموكَّل فلم يصح التسليم؛ ولأنَّ القُربَةَ في الوقف التصدق بغلته، ولو جعل ماله صدقةٌ لم يزل ملكه عنه بإيجابه، فهذا أولى؛ ولأنَّ التوى يرد عليه؛ لأنَّ الكفار لو غلبوا على بلد فيه أوقافٌ ثمَّ غلبَ المسلمون عليه بطلتِ الأوقافُ فأشبة المنقول، على أنا حكينا عن عيسى بن أبان ما يدلُّ على أنَّه لا يقعُ بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله خلافٌ في جوازه وزوال الملك عنه متى جعله وقفاً.
قال الخصَّافُ: أخبرني أبي، عن الحسن بن زياد قال: قال أبو حنيفة: إذا
كان الوقف على طريق الوصية؛ جاز.
رجلٌ قال في مرضه: أرضي هذه موقوفةٌ بعد موتي على ولد فلان ونسله: فهو لولده المخلوقين يوم مات الواقف، كما لو أوصى بثلثه لولد فلان؛ فهو لولده المخلوقين يوم مات الموصي، ولا يدخل فيه من يحدث، فإذا انقرض هؤلاء؛ كان غلتها للمساكين.
ولو أوصى للمساكين؛ يجوز أن يُعطى من حدث بعد موته؛ لأنَّه ليس لقومٍ بأعيانهم.
وإن وقف وقفاً ولم يجعل آخره للمساكين؛ جاز على قول أبي يوسف ومحمد، وهلال؛ لأنَّه إذا قال: موقوفةٌ صدقة: فقد جعلها للمساكين، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ} التوبة:، وقال يوسف بن خالد السمتي وجماعةٌ من أهل البصرة: لا يجوز.
وذكر الخصَّافُ أنَّ من شرطه التأبيدُ والوقفُ صحيح وإن لم يخرجها من يده على قول أبي يوسف وهلال وأهل البصرة، وقال محمد وابن أبي ليلى: لا يجوز؛ وجه قول أبي يوسف أنه لو نصب متولّياً وسلَّم إليه؛ جاز؟، وهو يقبضُه بأمره، ويدُ مَن يقبضه كيده، فإذا جاز بقبض وكيل ينصِبُه؛ فَلأَن يجوز بقبضه أولى، ولا يحتاج إلى القبول فلا يحتاج إلى القبض.
ولمحمَّدٍ أنَّ ما جعله الله تعالى صدقة وما وما يوجبه صدقةً لا تجوزُ إِلَّا مقبوضة، وهي جائزة في قولهم جميعاً، فالوقف الذي اختلفوا في جوازه أولى ألا يصح إلا مقبوضاً؟
الجواب: أنَّ الصدقة إزالةُ مِلكِ إلى مالك، فلا يدخل في ملكه إلَّا بقبضه؛ ألا ترى أن ما أوجب الله تعالى من الصدقة والزكاة والعشر وما يوجبه على نفسه لو سلَّمه إلى وكيله؛ لم يصح فلا يصح بقبضه،
الجزء 1 · صفحة 16
والوقف يصح بقبض وكيله فيصح بقبضه، والوقف إزالة ملك لا إلى مالك فيصح من غير قبض كالعتق.
قال الخصَّافُ: قال محمدُ بن الحسن: لا يجوز الوقف حتّى يحتاط فيه بأربعة أشياء:
حتّى يكون مقسوماً.
وحتى يخرج من يده.
وحتى لا يستثني لنفسه شيئاً.
ويجعل آخره للمساكين.
وقال الخصَّافُ: قال أبو يوسف رحمه الله: الوقف جائز في الصحة والمرض، فإن كان في الصحة؛ فهو من جميع المال، وإن كان في المرض؛ فهو من لثلث.
وقال: وقف المشاع جائز، ويجوز وإن لم يخرج من يده، ويجوز وإنْ استثنى أن ينفق على نفسه وعياله ويقضي منه دَينَه، ولا بدَّ أن يجعل آخره للفقراء أو يأتي بما يقوم مقامه، وإذا وقف على ولد فلان وولد ولده ونسله وذكر ثلاثة أبطنِ؛ فهو وقف مؤبد.
فإن قيل: لم جعل أبو يوسف آخره للمساكين ولم يذكرهم؟ قال: لقوله: ص صدقة موقوفة ويجب على قول أبي يوسف ألّا يجيز وقف عمر والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما؛ لأنهما لم يذكرا أنَّ آخرَه للمساكين.
وقف المشاع جائز على قول أبي يوسف وهلال والخصاف: لأنهم يقولون: يجوز غير مقبوض، ومن أجازه غير مقبوض أجازه شائعاً غيرَ أنَّه لا يجوز للقيم أن يؤجره حَتَّى يُسَلَّمَ إليه.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: يجوز وقفُ المشاع إلَّا في المساجد والمقابر؛ لأنَّ صحة المسجد بانقطاع حق الآدمي عنه بدليل أنه لو جعل العُلو مسجداً والسفل مملوكٌ، لم يجز، ولو جعل منزلاً من داره مسجداً و الطريقُ إليه مشترك: لم يجز ولم ينقطع حق الآدمي فلا يجوز، ولو جوزنا المقبرة شائعاً وجب التهايؤ، فينتفع به كلُّ واحدٍ سنةً، وهذا يؤدي إلى أن يُقبَرَ فيه سنةٌ
وينبش في السنة الثانية، وهذا قبيح.
رجل وقف أرضاً فاستحق بعضه؛ فالوقف فيما بقي جائز عند أبي يوسف. وقال محمدُ: وقف الشائع لا يجوز فيما يُقسَم ويجوز فيما لا يُقسم، وجعله كالهبة والصدقة.
الجزء 1 · صفحة 17
ومن لا يجوز الوقف غير مقبوض؛ لا يجوزه شائعاً، ولو أوصى بالوقف شائعاً؛ يجوز عند محمد وعند أبي حنيفة أيضاً.
ولو قال: وقفتُ حصَّتي من هذه الدار وما ورثته عن أبي من هذه الدار: جاز استحساناً، هذا قول مَن يجيز الوقف شائعاً، قال هلال: وبالاستحسان نأخذُ، فإن سمَّى ما له من ذلك؛ فالقول قوله، وإن مات؛ فوارثُه يقوم مقامه، فإن أقرَّ أَنَّه وقف جميعَ حصَّته من هذه الدار - وهي الثلث - فكانت حصته النصف أو أكثر كانت حصته كلُّها وقفاً، كما لو قال: أوصيتُ بثلث مالي لفلان وهو ألف درهم فكان ثلثه ألفي درهم؛ كان للمُوصى له الألفان جميع ثلثه.
ولو قال: بعتُ حصَّتي من هذه الدار وهي الثلث - فكانت حصَّتُه النصف: لم يكن للمشتري إلَّا الثلث؛ لأنَّه أزال ملكة بعوض، فوقع البيع على ما يسمى بذلك الثمن، والوقفُ ل والوصيَّة تبرُّعُ فيُحمل على أنَّه غلِطَ في التسمية، فإن كان الوقف على قوم بأعيانهم فصدقوه أنَّه إنَّما قصد الثلث؛ جعل لهؤلاء القومِ بأعيانهم الثلث، وجعل فضل ما بين الثلث إلى النصف للمساكين يصدقونه على أنفسهم، ولا يُقبل قولهم على المساكين.
وإن وقف ألف ذراع من دارٍ؛ جاز عند أبي يوسف، كما يجوز بيعه عنده. وإن وقف بيتاً من دار بطريقه؛ جاز، وإن لم ي يقفه بطريقه؛ لم يجز؛ لأنه لا يؤاجر ولا يسكن.
ولو وقف عشرة أجربة من أرض وحدَّ الأرضَ؛ جاز بمنزلة الذرعان.
ولو وقف جريباً من بستان ولم يسم أجربةَ البستان؛ جاز، ولو كان في بعضها نخيل: كان جريباً من البستان شائعاً بقسطه من النخيل وقفاً.
ولو وقف عشر نخلاتٍ من بستانه كان باطلاً؛ لأنَّه لا يُدرى أيُّ عشرة، والنخيل تتفاوت.
ولو وقف شيئاً من هذه الأرض؛ لم يجز؛ لأنَّه لو بين شيئاً يسيراً لا يكون مثله وقفاً؛ غ وجب قبوله منه.
رجل وقف نصف أرضه على وجوه، والنصف الآخر على وجوه أخر، ثم أراد أن يقسم بين الوقفين لم يكن له ذلك.
أرضُ بين رجلين وقف أحدهما حصَّته؛ جاز، فإن طلب شريكه القسمةَ
قاسمه دون القاضي؛ لأنَّ ولاية الوقف إليه، ولو وصى الواقف ووكيله أن يقاسم أيضاً من غير قضاء قاض، فإن لم يوص الواقفُ إلى أحدٍ لم يُقسم إلَّا بأمر القاضي.
الجزء 1 · صفحة 18
رجلٌ وقف نصف أرضه، ثمَّ أراد أن يقسمها؛ لم يجز؛ لأنَّه يقاسم نفسه،
حتّى يكون القاضي هو الذي يقسمها أو يوكَّل به من يقسمها، فإن أوصى في مرضه فوقف ثلث أرضه شائعاً؛ فللوصي أن يقاسِمَ الورثة، فإن كانوا كباراً وصغاراً؛ قسم وجعلَ حصَّةَ الصغار حيّزاً واحداً، وليس للوصي أن يقسم بين الوقف والأيتام، والوصي لا يقسم بين الأصاغر.
رجلان وقفا أرضاً كلُّ واحدٍ على جهةٍ واحدةٍ أو مختلفة، ثمَّ أرادا القسمة؛ فلها ذلك، فإن كانت أرضين أو دوراًفأراد أن يجمع نصيبه في أرض واحدةٍ أو دارٍ واحدةٍ؛ جاز على قول أبي يوسف رحمه الله.
وعن أبي القاسم في رجل وقف ضيعةً على ابنه وابنته فأراد أحدهما قسمته؛ قسمه الواقف.
ولو وقف نصف أرض له وولاه رجلاً، ثم وقف النصف الآخر وولاه رجلاً؛ جاز لهما أن يقتسماه ويأخذ كل واحد النصف الذي جعل ولايته إليه. ولو قال: وقفتُ ضيعتي هذه وهي معروفةٌ بكذا وهي مشهورة مستغنية عن التحديد؛ جاز.
فلو قال: لم تدخل هذه الأَقْرِحَةُ فيه فإن كان ينسب إليها مشهور عند الصلحاء: أ دخل فيه.
وكذلك الحجر في الدار إن حواه حدّ الدار؛ دخل فيه، ولا يخفى على صلحاء الجيران أمرُ الحجر، والقياس أن يكونَ القول قول الواقف، وإن لم يكن موقوفاً عليه؛ نصب القاضي قيماً
فصل
إذا جعل أرضه مسجداً؛ صار مسجداً بالقول وإن لم يُصل فيه، على قول أبي يوسف وهلال والخصاف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يصير مسجداً حتى يُصلَّى فيه بإذنه.
وكذلك إذا جعله مُصلَّى لصلاة العيد أو صلاة الجنازة، ويصير مسجداً وإن لم يُجعَل على هيئة المسجد؛ احتج هلال: بأنَّ مَن بنى مسجداً كما تُبنى المساجد وأشهد عليه، فمَن قال: إنَّه إذا مات يكون ميراثاً؛ فهو قبيح، ومن أراد أن يهدم مسجداً ويبنيه أحْكَمَ من ذلك، قال أبو القاسم: لا سبيل إليه.
إذا خَرِبَ المسجد عاد ملكاً عند محمد، وعند أبي يوسف رحمهما الله لا يعود وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
وكذلك إذا بنى صاحبه مسجداً، بجنبه، واستغنى الناس عن الأوَّل، فله أن يزيده في داره عند محمد.
الجزء 1 · صفحة 19
وكذلك لو خَرِبَ ما حول المسجد ولا يُعرَفُ صاحبه الذي بناه، وأجمعَ أهل المحلة على بَيعِه، واستعانوا بثمنه في بناء مسجد آخر؛ جاز عند محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف لا يجوز بيعه بوجه من الوجوه.
ولو أراد أهل المحلة نقضه ليزيدوا فيه؛ لم يكن للوارث منعهم، ولا يزيدون فيه من الطريق.
ولو جَعَلَ جنازة المحلة فتفانى أهلها؛ نُقِلَتْ إلى محلة أخرى، قال أبو الليث: وليس كالمسجد عند محمد؛ لأنَّ الجنازة تُنقل.
رجل وقف داره على مسجد فخَرِبَ المسجد، قال أبو نصر بن سلام: تُصرف غلتها إلى أقرب المساجد إليه، وقال أبو جعفر: تُجمع غلتها إلى نقض المسجد، فيبني مسجداً آخر.
رِباطُ له غلَّةٌ استغني عنه، وبقربه رباط، قال أبو نصر: تُصرَف غلته إلى ذلك الرباط فإن لم يكن بقربه رباط يُحتاج إليه، واستغنى الناس عن الأوّل؛ فالوقف راجع إلى ورثة الذي بنى الرِّباط.
أوقاف مختلفة على مسجدٍ خَرِبَ حانوت منها، فلا بأس بأن يُعمَّرَ من
حانوت آخر، وإن كان واقفها مختلفاً. قال أبو جعفر: وهذا استحسان. وكذلك يُنفَق من وَقْفِ الرِّباط على القَنطَرة إذا لم يمكن الانتفاع بالرباط؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما للعامة.
سُئل أبو جعفر عن بئر بُني بالآجر على شارع قريةٍ، خَرِبَت القرية،
وفي قرية أخرى حوض يحتاج إلى الآجر، قال: إن عُرِفَ صاحبُ البئر؛ رجع إلى ملكه، وإلا: يُتصدَّق به على إنسان ثمَّ يُنفقها.
في المنتقى» عن أبي حنيفة: أنه إذا طرح البواريفي المسجد؛ لم يكن ميراثاً وعن محمد في البواري والحصى لم يكن من طرحها أن يأخذه، وله أن يأخذ القناديل والحباب.
ورُوِيَ عن محمد رواية أخرى: أنه لا يأخذ القناديل. طَرْحُ حَشِيش المسجد إذا لم يكن له قيمة جائز وقت الربيع، ولكل أحدٍ الانتفاع به.
وليس من بنى المسجدَ أن يأخذَ سقفَه ليبني به بيتاً لنفسه، ويشتري مكانها آخر، إنَّما له أن يبيعها ويزيد على ثمنها فيشتري به أجذاعاً للمسجد.
وما خلق من البواري؛ فله أن يتصدق بها، ويشتري مكانها، ولأهل المحلة أن يفعلوا ذلك أيضاً.
وعن أبي بكر: أنَّ أهلَ المسجد إذا باعوا غلَّةَ المسجد، أو نَقْضَه، أرجو أن يجوز
وعن الإسكاف من بنى المسجد؛ فهو أحقُّ بنَصْبِ المؤذن والإمام إلَّا أن يُريدُ القومُ أصلح منه.
الجزء 1 · صفحة 20
سُئِل أبو القاسم: عن القاضي أيجعل لخادم المسجد من غلة المسجد شيئاً؟ قال: يجوز للقاضي ذلك إلَّا أن يكون الواقفُ شَرَطَه في الوقف، ويجوز للقاضي أن يجعل للقيم بأمرِ المسجد مقدار أجرِ مثله
وقال أبو بكر: يجوز أن يبني من غلة المسجد منارةً إذا كان فيها مصلحة.
ومَن وَقَفَ على عِمارة مسجد، فأراد القيم أن يبني من الغلة منارة أو يفرشه بالأجرة، فإنه يجوز، وهو من البناء.
وقال أبو الليث: لا يشتري من الغلة الدهن والحشيش والحصر، فإن كان وقف على مصلحة المسجد؛ فللقيم ذلك، فإن لم يُعرَف شَرطُ الواقف؛ أُجرِيَ على ما كان يجري عليه من قبل.
قال الإسكاف: يجوز أن يُترَكَ سراج المسجد من وقت المغرب إلى العشاء، ويجوز أن يُدرس الكتاب بسراج المسجد إلى ثلث الليل، إذا كان في د الدُّهن مُتَسَعُ؛ لأنَّه لو أخَّرَ الصلاةَ إلى هذا الوقت والسراج في المسجد لم يكن به بأس.
في «المنتقى»: عن محمَّدٍ في الطريق الواسع يبني فيه أهل المحلة مسجداً، وهو لا يضر بالطريق فمنعهم رجلٌ: فلا بأس بأن يبنوا.
رجل بنى مسجداً وبنى فوقه غرفةً؛ جاز، فإن كان خلى بينه وبين الناس ثمَّ أراد أن يبني فوقه غرفة لم يكن له ذلك.
ومَن غرس شجراً في المسجد: فهو للمسجد، ولو قال: هذا الشجرُ للمسجد؛ لا يصير للمسجد حتى يسلَّمَ إلى قيم المسجد نهر في شارع ش يَضرُّ بحائط المسجد يقدم إلى أصحاب النهر بإصلاحه، فإن لم يفعلوا؛ ضمنوا قيمة ما انكسر من حائط المسجد.
قال أبو القاسم: لا يبني في جوار المسجد وفنائه حوانيت ولا مسكناً، فتسقط حرمة المسجد عنده، ويضيق الفناء على المصلين والمارة.
رجلٌ وَقَفَ دارَه على مسجد ولم يجعل آخره للفقراء؟ قال أبو بكر الإسكافُ: ينبغي أن يبطل في قولهم جميعاً؛ لأنَّه يُتَوَهُمُ انقطاعه.
وقال أبو بكر بن أبي سعيد: ينبغي أن يجوز في قولهم جميعاً؛ لأنَّ المسجد يُبنى للناس وخرابه موهوم.
قال أبو الليث وبه قال أبو جعفر، وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 21
وإِن جَعَلَ خانا ه منزلاً للمارَّة، أو أرضَه مَقبَرةً، أو داراً في الثغر مسكناً للمرابطين، أو داراً بمكة سكنى للحاج، أو بئراً سقاية للمسلمين؛ جاز ذلك على قول أبي يوسف رحمه الله، وقول مَن لا يجعل القبض في الوقف شرطاً، دُفِنَ في الأرض واحد أو لم يُدفن.
وقال محمَّدٌ: لا يصحُ حتَّى ينزل الخانَ واحدٌ من المارة بإذنه، أو يُقبَرَ في الأرض، أو يُسكَنَ الدار في الثغر، أو بمكّة، أو يُسقى من البئر، ويُجعَلُ هذا بمنزلة القبض في الوقف.
قال هلال: وأما في قول أبي حنيفة؛ فلا يجوز شيء من ذلك يعني بالقول.
احتج هلال بِمَن يزيد في طريق المسلمين من ملكه، أنه جائز وكذلك القنطرة يتّخذها الرجلُ للمسلمين أنَّه لا يكون ميراثاً.
قال الخصَّافُ على قول أبي حنيفة في المسجد ينبغي ألا يكونَ خاناً للمرة حتّى ينزله الناسُ، فإذا نزله الناسُ: كان بمنزلة القبض وصار للسابلة. في «المنتقى»: المعلى في نوادره»: عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا جعل أرضَه مَقبَرَةً أو خاناً أو سقايةً للمسلمين، أو جعل الأرض طريقاً للمسلمين؛ فله أن يرجع، وليس له أن يَنبِشَ الموتى، وعن أبي حنيفة رحمه الله ي إذا رجع في المقبرة لم تُنبَش، وتُدَعُ هكذا.
وما جعله سكنى للحاج؛ يسكنها الحاج دون المجاورين. فإذا خرج الحاج من مكة أُوجِرَتْ وصُرِفَتْ غلتها إلى العمارة، وما فَضَلَ؛ فهو للفقراء.
سُئل أبو جعفر: عمَّن جعل أرضَه مَقبَرَةً وفيها أشجار؟ للوارث قَلْعُ الشجرِ وبناء الدارِ؛ لأنَّ موضعَ الأشجار مشغول فلا يصلح للقبر، فلا يدخل في المقبرة.
باب ما يجوز من الوقف وما لا يجوز
إذا وَقَفَ وقفاً على أنَّه بالخيار ثلاثة أيام؛ فالوقف جائز والشرط جائز على قول أبي يوسف، وروي عن محمد: أنَّ الوقف باطل، وهو قول هلال.
ولو قال: أبطلت خياري: فالوقف باطل، فلا يجوز إلا باستئناف. وإن قال: أبطلتُ خِياري وجعلتها صدقة: جاز، وقال يوسف بن خالد: الوقف جائز والشرط باطل.
وكذلك لو قال: على أنَّ فلاناً بالخيار فيها: فالوقف باطل؛ لأنَّه لم يُثبتها، شَرْطُ الخِيارِ لغيره كشَرطِه لنفسه.
ذكر في المنتقى عن أبي يوسف أنه إن اشترط الرجوع في الوقف؛ لم يكن له ذلك، والوقف ماض.
الجزء 1 · صفحة 22
ولو وقف أرضاً على أنَّ له الخيار في إبطاله متى بدا له، أو على أنه إذا مضى سَنَةٌ فلي أن أبطلها، أو أنَّ لي ردَّها، أو على أنَّ لي بيعها فأخذها لنفسي، أو أعطي فلاناً، أو على أنَّ لي أصلها، أو على أنَّ لي أن أهبَ أصلها، أو على ألا يزول ملكي عن أصلها، أو على أن أبيع أصلها وأتصدق بثمنها، أو على أن أرهُنَها متى شئتُ، وأُخرِجَها عن حال الوقف، أو قال: إن شنتُ أو رضيتُ: فالوقف باطل؛ لأنه إذا باعها بطل الوقف وليس له بدل؛ لأنَّ هذا خلافُ وَقْفِ السَّلفِ، لم يكن في وقفهم مثنوية، فمتى كان فيه الرجوع؛ فهو باطل، وليس كذلك إذا أعتق على أنه بالخيار، فالعتق جائز والشرط باطل؛ لأنَّ شرطه في علَّة الوَقْفِ جائز.
لو وَقَفَ على الفقراء، وجعَلَ عَلَّتَها سنين لفلان؛ جاز، فجاز الشرط في أصل الوقف.
ولو أعتق على أنَّ ولده لفلان؛ لم يجز الشرط في نَمائِه، فلا يجوز في أصله.
قال هلال: إذا شَرط الخيار لنفسه في إبطاله؛ لم يَزُلْ مِلكُه، فلا يكون وقفاً؛ ألا ترى لو باع على أنه بالخيار: فالمبيع في ملكه.
وذكر الخصَّافُ عن أبي يوسف أنَّه إذا جعل أرضه وقفاً على المساكين وشَرَطَ له إبطال ذلك وبيعه، ولم يَقُلْ يستبدل بثمنه ما يكون وقفاً؛ أنَّ الوقف جائز والشرط باطل.
ولو وَقَفَ أرضاً على أن يستبدل بثمنها أرضاً أخرى؛ فالوقف جائز، والشرط جائز في قول أبي يوسف ي، وهلال، والخصَّافِ استحساناً، والقياس عندنا: أنَّ الوقف جائز واشتراطه البيع لا يجوز، هكذا قال الخصَّافُ، وقال يوسف بن خالد: الوقف جائز، والشرط باطل.
وشرط الاستبدال في المسجد باطل؛ لأنَّ المسجد للصلاة، والصلاة في الثاني لا يكون خيراً من الصلاة في الأوّل، والوقف للغلَّة فتحويله إلى ما يكون خيراً من الأوّل جائز، فجاز شَرط الاستبدال فيه؛ لأنَّ هذا الشرط لا يُبطل أصل الوقف؛ ألا ترى أن رجلاً لو استهلك أرضاً موقوفة حتَّى لا يَقدِرُ على ردها، حُكمَ عليه بقيمتها واشتري به أخرى، وتُجعَل موقوفةً على ما كانتِ الأرضُ المستهلكة عليه.
وذكر هشام عن محمَّد: أنَّ الوقف إذا صار بحال لا ينتفع به المساكين، للقاضي أن يبيعه، ويشتري به غيره، وليس ذلك لغير القاضي ولو وقف وقال: على أنَّ لي أن أبيعها وأشتري بها أرضاً ولم يَزِدْ عليه؛ جاز استحساناً وتكون الأرضُ بَدَلَها، والقياس أن يكون الوقفُ باطلاً حتى يقول: «يكون بدلها»، أو يقول: «أرضاً أقفها على شروطها»، أو كلامٌ يُستَدلُّ به على البدل
قال هلال: ولو قال: على أن أستبدل بها ولم يَزِدْ عليه؛ أستحسن أن أجعل ذلك على العقد خاصة.
الجزء 1 · صفحة 23
قال الخصَّافُ: ولو شَرَطَ بيعه والاستبدال بثمنه، ولم يَقُل غير هذا؛ فالوقف باطل؛ لأنَّه لم يَقُل: ويستبدل به ما يكون وقفاً مكانه».
قال: فإن قال: ويستبدل به ما يكون وقفاً مكانه: استحسنتُ أن أُجِيزَ؛ لأنه يصير كأَنَّه شَرَط أن يكون على شروط الواقف الأول.
فإن قال: «على أن يستبدل بها داراً»؛ لم يكن له أن يستبدل بها أرضاً.
وإن قال: «على أن يستبدل بها أرضاً من أرض البصرة»؛ لم يكن له أن يستبدل من غير أرض البصرة.
ولو قال: على أن يستبدل بها غيرها: كان له أن يستبدل بها ما أراد من الدور والأرضين، فإن باع الواقف واشترى بثمنه أرضاً؛ فهي بدل الأول، وإن لم يشهد أَنَّه بدلُ الأَوَّل إذا عُلِمَ أَنَّه اشترى بثمن الأوّل؛ كان وقفاً مكانها، وإن استُحِقَّ الأَوَّلُ؛ لم يكن الثاني وقفاً استحساناً؛ لأنَّه بدل أرض لم تكن وقفاً.
قال هلال والقياس عندي أن تكونَ الأرضُ التي وقفها وقفاً، ويضمنَ الثمن الأول.
وإن شرط الواقف الاستبدال ثم مات؛ لم يكن لوصيه ولا لمتولي ذلك الوقف أن يستبدل بها، إلا أن يكونَ شَرَطَ أنَّ مِن وَلي هذا الوقف الاستبدال به.
وإن مات قبل أن يبيعها وأوصى إلى رجل أن يبيعها ويستبدل بثمنها؛ لم يكن للغير أن يبيعها، وإِنَّما هذا شَرط له خاصَّةٌ.
وإن شَرَطَ الواقف لغيره الاستبدال وجب له أيضاً ما وجَب لوكيله، فإن أخرج الوكيل أو مات الواقف؛ خرج عن الوكالة.
فإن باع الموكَّل والوكيل: فالأول أولى، فإن لم يُعلم؛ فللمشتريين الخيار في أن يأخذ كل واحد نصفه.
فإن باع الواقفُ وقد شَرَطَ الاستبدال بما يُتغابن فيه؛ لم يجز، وإن باع بما لا يتغابن فيه؛ جاز؛ لأن بيعه على وجه النظر والاحتياط، فهو كالأب والقاضي ولا يشبه الوكيل، فإن باع بثمن فضاع من يده؛ لم يضمن، والقول قوله مع يمينه، وقد بطَل الوقف، كما لو وَقَفَ أرضاً وغلب عليها الماءُ.
فإن قبض الثمن ثمَّ مات قبل أن يقول شيئاً؛ فالثمن دَين في ماله.
فإن باع ووهب الثمن من المشتري جازَ على قول أبي حنيفة، وضَمِنَ ويشتري به أرضاً أخرى، وعند أبي يوسف لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 24
فإن باع واشترى به أرضاً؛ لم يكن له أن يبيع ويستبدل به ثانياً إلَّا أن يكونَ اشترطه لنفسه.
فإن باع الأرضَ الأولى ثمَّ أَقالَ البيع فيه: جاز؛ لأنه بمنزلة شرائه لها بعد بيعها، وليس له أن يبيعها؛ لأنَّه لم يُعِدِ المِلكَ الأَوَّل فإن ردَّ إلى الذي باع بخيار شَرط أو رؤية أو عيب بقضاء؛ فله أن يبيعها؛ لأنَّ المِلكَ الأَوَّل عاد، فإن باعها واشترى بثمنه أرضاً وَقَفَها، ثمَّ ردَّ الأول بعيبٍ بقضاء قاض؛ عادتِ الأولى إلى الوقف والأرضُ التي اشتراها ملك للواقفِ، كما لو أَوجَبَ بَدَنَةٌ عن واجب فضاعت، فأبدلها ثم وجد الأولى، فهي البدنة، والثانية ملك له.
وليس كذلك إذا قال: بِيعُوا عبدي واشتروا بثمنه نَسَمَةٌ فأعتِقُوها عنِّي ففُعِلَ ثُمَّ رُدَّ العبدُ بعيب بقضاء، فإنَّ الوصي يبيعه ثانياً، فإن كان الثمن الثاني مثل الأول؛ فالعتق عن الميت، وإن كان أقل أو أكثر؛ فالعتق عنِ الوصي؛ لأنَّ العِتقَ استهلالاً فكان عن الوصيّ المستهلك، والوقف ليس باستهلاك.
لو أعتق المريضُ وعليه دينٌ مُستغرِفٌ؛ عَتَقَ وسعى العبد، ولو وَقَفَ بيْعَ الوقفُ، ولو خلف عبداً قيمته ألف درهم، وعليه تسعُ مئة درهم دَين، فأعتق الوارث؛: جاز.
ولو كان بدل العبد أرضاً فوقفها الوارث؛ كان الوقفُ باطلاً.
ولو أوصى بنَسَمَةٍ تُعتَقُ عنه فأعتقها الوصى عنه، عنه، ثمَّ لَحِقَ الميت دين يستغرقُ ماله؛ جاز العنق، ولو كان في وقف: أبطلتُ الوقف.
ولو باع بعرض؛ جازَ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز إلَّا أن يبيع بدراهم أو دنانير أو أرض أخرى تكون وقفاً مكانها. ولو وهب الواقفُ الأرضَ التي شَرَطَ الاستبدال به، ولم يشترط عِوَضاً؛ لم يجز وإن شَرَطَ عِوَضاً؛ فهو كالبيع.
ولو لم يشترط أن له بيعها والاستبدال به؛ لم يكن له أن يبيع وإن كان خيراً
للوقف؛ لأنَّ الوقف لا يُطلَبُ به التجارة ولا يُباع في كل يوم.
ولو شَرَطَ أن يبيعَ بما رأى من الثمن قليلاً كان أو كثيراً؛ كان الوقفُ باطلاً؛ لأنَّه لو صح هذا الشرط لكان له بيعه بثمن لا يوجد به أرضُ تُوقَفُ.
وإِن شَرَطَ أنَّ له أن يبيع ويصرف ثمنه فيما رأى من أنواع البِرِّ، أو يشتري به عبداً فيُعتقَه: كان الوقفُ باطلاً؛ لأنَّه شَرَطَ إخراجه عن الوقف.
الجزء 1 · صفحة 25
ولو قال: أرضي صدقة موقوفةٌ شهراً أو يوماً: فهو جائز، وهو وقف أبداً؛ لأنَّه لم يشترط بعد الشهر رَجعَةً، فهو كما لو قال: صدقةٌ موقوفة على فلان: فهو جائز، وإذا مات فلانٌ؛ فهو وقف على المساكين.
ولو قال: اشهدوا أنّي جعلتُ اليوم أرضي صدقة موقوفة: جاز، وكان وقفاً أبداً.
وذكر الخصَّافُ: أنَّ الوقفَ باطل؛ لأنَّه لم يجعله مؤيَّداً.
ولو قال: أرضي صدقة موقوفة شهراً، فإذا مضى الشهر؛ فهي مطلقة: كان الوقفُ باطلاً؛ لأنَّه شَرَطَ الرجعة.
وكذلك لو قال: سَنَةٌ وسَنَةٌ لا، أو يوماً ويوماً لا، أو قال: إذا جاءَ غد، أو إن دخلتُ الدارَ فأرضى صدقةٌ موقوفة: فالوقف باطل؛ لأنَّه وقف بعد غاية فلا يكون وقفاً حين وُقِفَ؛ ألا ترى أنَّ له بيعه اليوم، فإن قيل: لم لا نجعلها صدقةً غير موقوفة لقوله: صدقة؟
قلنا: لأنه لما قَارَنَ به قوله موقوفة فقد أخرجه من أن يكون نذراً.
وكذلك إذا جاء غَدٌ فهذا العبدُ هبة لك، أو صدقةٌ، وسلَّمه إليه؛ فهو باطل.
قال الخصَّاف: لو قال: إذا كلَّمتُ فلاناً فأرضي هذه صدقة موقوفة: جاز، وهو بمنزلة النذر، يكون صدقة ولا يكون وقفاً؛ لأنَّ الوقف لا يكون على غاية.
ولو قال: إن اشتريتُ هذه الأرضَ أو ملكتها فهي صدقة موقوفة: فهو باطل.
لو قال: إن بَرِئتُ من مرضي، أو قَدِمَ أبي من السفر: فهو باطل.
ولو قال: إن كان دارُ كذا في ملكي فإن كان حين قال ذلك في ملكه؛ فهي صدقةٌ موقوفةٌ، وإلا فالوقف باطل.
ولو وَقَفَ أرض غيره، ثمَّ مَلَكَها؛ فهو باطل.
ولو وقف أرضَ غيره فبلغ المالك فأجازه؛ كان وقفاً من قبله.
ولو قال: أرضي بعد وفاتي صدقةً موقوفةٌ سَنَةٌ؛ فالوقف صحيح وهي موقوفة أبداً.
ولو قال: أرضي موقوفةٌ على فلان بعد موتي سنة؛ جاز، وإذا مضت السَّنَةُ؛ رجعت إلى الورثة؛ لأنَّه لما لم يَقُلْ صدقةٌ فلم يتصدَّق منها بشيء، وإنّما وقف عليه مدة.
ولو قال: إذا مضتِ السَّنَةُ فهى صدقةٌ موقوفة: جاز وتكون بعد السَّنَةِ موقوفةً على السبيل الذي ذكرها.
الجزء 1 · صفحة 26
وإن أوصى بغلة أرضه سنين معلومة لواحدٍ ثمَّ مات، فقال ابنه: جعلتُ الأرضَ التي أوصى أبي بغلَّتها بعد انقضاء السنين التي أوصى بها صدقة موقوفة الله تعالى: جاز: ألا ترى أنَّ الأب لو قال: أَوصَيتُ بعلتها لفلان ما عاش فإذا مات فهي صدقة موقوفةٌ الله تعالى؛ أنَّ ذلك جائز - ذكر هذا الفصل الخصافُ - قال: ولا يشبه هذا عندي قول الرجل: جعلتُ أرضي هذه صدقةً بعد سَنَةٍ فهذا لا يجوز؛ لأنها ليست بمشغولة في الحال، وهي مُطلَقَةٌ له - لعل الخصاف يريد به أنَّ له بيعها في الحال؛ فلذلك لا يجوز الوقفُ -.
ولو قال: أرضي صدقة موقوفة على بني آدم، أو على أهل بغداد، أو على قراء القرآن، أو على الفقهاء أو أصحاب الحديث، أو على الزَّمنى أو على العميان أو الموتى: فهو باطل؛ لأنه يدخل فيه الغني والفقيرُ وهم لا يُحصون، ولم يقصد به المساكين فلا يُجعَل لهم.
ولو قال: على العُميان ومن بعدهم على المساكين: فالغلة للمساكين. وكذلك لو قال: على أهل بغداد فإذا انقرضوا؛ فعلى المساكين: لأنَّ أهلَ بغداد لا ينقرضون.
وكذلك لو قال: على زيد أو على عمرو، ومن بعد ذلك على المساكين: لأنَّه لم يجعله لأحدهما، ولم يجعله للمساكين إِلَّا من بعد مَن لا يجب الوقف له.
فإن قال: على أن يُحجَّ عنِّي بغلتها كلَّ سَنَةٍ، أو يُعزى عنِّي بها، أو يقضى ديني: فهو جائز.
ولو قال: إن شاءَ فلانٌ، فقال فلان: قد شئت: فهو باطل.
قال الخصَّافُ: لو وَقَفَ أرضاً على أن تُستَغَلَّ وتُفَرَّقَ عَلَّتُها في الغُزاة والمرابطين؛ جازَ، ولا تحِلُّ تلك الغلة الغنيّ: لأنَّه مال صدقة، والصدقة لا تحِلُّ لغنيّ، وأمَّا الخانُ الذي تنزله السابلة ودُورُ مكَّة التي تُجعَل لسكنى الحاج، ينزله الغني والفقير، أستحسن ذلك.
ولو قال: يُغزى عنِّي بغلة هذه الدار، فإنَّه يُدفَع إلى قوم من أهل النجدة أغنياء كانوا أو فقراء.
فإن وقف على أن يُحبَّ عنه بغلَّتها كلَّ سَنَةٍ؛ فإن كان مكَّيَّاً، أو كوفياً وقد وقف بمكة؛ حُجَّ عنه من مكة، وإن كان عراقيّاً ووقف بالعراق؛ حُجَّ عنه من وطنه، وإن وقف أرضاً على أن يُحجَّ عنه كلَّ سَنَةٍ بخمسة آلاف درهم حَجَّةً، ومبلغ نفقة الحجّ للراكب ألفُ درهم: صُرِفَ ألفُ درهم إلى الحج والباقي إلى المساكين.
وروى الحسنُ بن زياد، عن أصحابنا: أنه إذا أوصى أن يُكَفَّنَ بألف دينار كُفِّنَ بكَفَنِ وسط والباقي للورثة.
الجزء 1 · صفحة 27
وإذا وقف في أعمال البِرِّ فقال فيها: يُشترى حبابٌ يُصَبُّ فيها الماء،
أو قال: في تطهير الأرامل واليتامى، أو يُشترى بها أكسبية للفقراء، أو يُتصدق بها كل سَنَةٍ مكان زكاتي التي فرّطتُ فيها: فهو جائز.
إذا جعل آخِرَ ما لا يتأبد للفقراء؛ فما كان من ذلك من أبواب البر؛ فكلُّ من قامَ بإتيانه بعد موته فهو جائز، وما كان في حج عن الواقف؛ فالخصم فيه وصي الميِّتِ أو وارثه ..
ولو وقف على مَرَمَّةِ مسجد وثمن، بواريه، أو على مَرَمَّةِ سقاية أو بيمارستان أو على ما يُعالج به المرضى وأهل البلاء؛ فهو باطل لأنَّه ينقطع. وما لا ينقطع يجوز الوقفُ فيه.
فإن أراد تصحيح الوقف؛ وقف على مَرَمَّةِ هذه الأشياء وجعل آخرها للمساكين
فإن وقف على مَرَمَّةِ المسجد فانهدم المسجد؛ لم يُبْنَ من غلَّة الوقف؛ لأنَّ البناء ليس بمَرَمَّةٍ، والمَرَمَّةُ تطيين السطح وتَأْزِيرُ حيطانه.
باب: الوقف على نَفْسِه
إذا وقف وقفاً وشَرَط غلته لنفسه ما دام حيَّاً، أو وقف على نفسه ثمَّ على الفقراء؛ فهو جائز على قول أبي يوسف، وبه قال الخصَّافُ، وبه أفتى مشايخ بَلْخ، وذكر الطحاوي في مختصره عن محمد: أنه لا يجوز، وهو قول هلال، وذكر محمَّدٌ في كتاب الوقف: أنه لو وقف على أمهات أولاده ومدبّريه: فهو جائز.
حجة أبي يوسف رحمه الله: ما روى زيد بن ثابت: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يأكل من صدقته، ولو لم يشترط لنفسه؛ لم يأكل.
وما روي في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنَّه شَرَطَ في وقفه: ولا جُناحَ على مَن وَلِيَه أن يأكل منه بالمعروف، وقد وَلِيَه عمر رضي الله تعالى عنه، ويكون مثل هذا الكلام عليه وعلى غيره، كما لو وقف على الغارمين وفي الرقاب على أنَّ مَن وَلِيَها فله أن يصرف غلته إلى الغارمين وفي الرقاب، وهو يدخُل فيه ويكون له صرفه إليهم. وعثمان رضي الله تعالى عنه وقف بئرَ رُومَة وشَرَطَ أَنَّ رِشَاءَه فيه كرِشاءِ المسلمين.
وروي أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأى رجلاً يسوق بَدَنَةٌ فقال: «اركبها» فقال: إنها بَدَنَةٌ؛ غ فقال: اركبها وإن كانت بَدَنَةٌ»؛ فقد جعل البَدَنَة صدقة، وأباح صلى الله عليه وسلّم له الانتفاع بها.
وروي: أنَّ أَنَسَاًوقف دارَه بالمدينة على سبيل سماها وكان إذا قَدِمَ المدينة نزلها.
الجزء 1 · صفحة 28
وإذا جاز له أن يشرط لوكيله الذي يلى الوقفَ أن يأكل منه؛ جاز شرطه لنفسه، كما لو شَرَط لغيره ولاية الوقف؛ فإنَّه يكون له أن يَلِيَها أيضاً، ونفقته على نفسه قُربَةٌ، رَوَتْ عائشة رضي الله تعالى عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: نفقة الرَّجل على نفسه وعياله صدقةٌ»، فجاز شرطه لنفسه كما يجوز للفقراء.
ولو بنى مسجداً ووقف بئراً وشرط أن يصلي هو فيه وأن يستقي من البئر؛ جاز كذلك هذا.
واحتج هلال لنفسه: إذا لم يجز أن يكون متصدقاً على نفسه وواهباً لها؛ لم يجز أن يكونَ واقفاً عليها.
وإذا وقف على نفسه فلم يخرجه من ملكه في الوقف، ولو استثنى ثمرته لنفسه؛ فبأي شيء تصدَّق؟!. ولو قال: هذا الخبز صدقةٌ على أن آكلها، أو هذه الجارية صدقةٌ على أن أغشاها، فبأي شيء تصدق؟!.
وتأوّل حديث عمر رضي الله تعالى عنه على أن قوله: لا جناح على غيره من الولاة، وذلك المفهوم من كلام الناس؛ ألا ترى أن رجلاً من بني العباس لو وقف على بني العباس؛ لم يدخل فيه.
ولو قال: أوصيتُ بثُلُثِ مالي لولد أبي: لم يدخل هو فيه، حتّى إذا مات؛ تبطل حِصَّتُه وكان قوله: ولد أبيه على غيره.
ولو قال لعبده: أعتق أي عبد شِئتَ: لم يكن له أن يُعتِقَ نفسه. ولو قالت امرأة لرجل: زوجني رجلاً فزوجها من نفسه؛ لم يجز، وكان معنى كلامها على غيره.
وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فقد جعل نفسه كواحد من المسلمين، وهذا له وإن لم يشرط.
ولو بنى مسجداً؛ كان له أن يصلّي فيه شَرَطَ أو لم يشرِط. وأمَّا البَدَنَةُ فقد أباحه صلَّى الله عليه وسلم الانتفاع بها للضرورة، والبَدَنَةُ باقية على ملك صاحبها، لأنَّه لو مات قبل أن تبلغ كانت ميراثاً.
وحديث أنس رضي الله تعالى عنه محمول على أنَّه كان ينزلها بأمرِ الموقوفِ عليهم، واحتج هلال بأشياء لا يسلّمُها مَن تكلم عن أبي يوسف.
وقد فرع هلال على أصله:
من ذلك: أنَّه لو وَقَفَ أرضاً على نفسه وعلى فلانٍ؛ فإنَّه يصح نصفه ويبطل الوقفُ في النصف الذي وقفه على نفسه.
فإن قال: على نفسي وعلى ولدي ونسلي: فالوقف كلُّه باطل؛ لأنَّ حِصَّتَه مجهولةٌ، وكذلك حِصَّةُ الولد، وفي المسألة الأولى حِصَّته معلومةٌ؛ ألا ترى أنَّه لو قال: أوصيت بثلثي لفلان وفلان: فمات أحدهما قبل موت الموصي أن ا للآخر نصف الثلث.
الجزء 1 · صفحة 29
ولو قال: الفلان وولده: فمات ولده قبل موت الموصي أنَّ جميع الثلث لفلان.
ولو قال: أرضي موقوفةٌ على فلان وفلان فمات أحدهما؛ كان للآخر النصف.
ولو قال: لفلان وولده ونسله فانقرض ولده؛ فالوقف ح كلُّه لفلان.
ولو قال: موقوفةٌ على فلان ومن بعده على نفسي؛ فالوقف باطل. والوقف إذا كان في وقتٍ من الأوقات ليس فيها صدقة موقوفة؛ فليس بوقف.
ولو قال: على أنَّ لي من غلتها كلَّ سَنَةٍ مئتي درهم: فالوقف باطل، وإنْ
كان يعلم أنَّ غلتها عشرة آلاف درهم؛ لأنَّه يجوز أَلَّا تَغِلَّ في سنةٍ إِلَّا مئة درهم، فكأَنَّه شَرَطَ الغلَّةَ لنفسه.
باب الرجلُ يشتري الأرضَ شراء صحيحاً أو فاسداً ثمَّ يَقِفُه
إذا اشترى الرجلُ أرضاً شراءً صحيحاً ونَقَدَ الثمنَ ووقفه قبل القبض فهو صحيح، كما لو وهبه وأذن للموهوب له في قبضه.
قال الشيخ الإمام رحمه الله تعالى: إنّما تصح الهبة على قولِ
محمد رحمه الله، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: لا يجوز.
ولو باع قبل القبض؛ لم يجز: لأنَّ الخبر ورد بالنهي عنه فَخَصَّصناه من القياس للأثر.
ولو لم يكن نَقَدَ الثمن؛ فالوقف موقوفٌ، فإِنْ نَقَدَ الثمنَ؛ جاز، غ وإن مات قبل نقد الثمن أو كان مُعدَماً أبطل الوَقْفُ ي وبيع الأرضُ كما لو كان كاتب فإنَّه يُباع.
فإن فَضَل ل من ز الثمن شي؛ كان لورثة المشتري يتصدق به.
وإِن نَقَصَ من الثمن الأوَّل؛ كان النقصان في مال المشتري. وليس كذلك العِتق؛ لأنَّ العِتقَ لا يلحقه النقضُ فلا يُنقَضُ عِنق المشتري، والوقفُ يَلحَقُه النقضُ فأشبه الكتابة.
و ما استشهد به هلال من الفرق بين الوقف والعِتق قد ذُكِرَ قبل هذا، والله سبحانه أعلم.
فصل
فإن لم يَنقُدِ المشتري الثمنَ وقبضَ المبيعَ بغير إذن البائع فوَقَفَه؛ فإِنْ دَفعَ الثمن أو سلَّمَ له البائع القبض؛ جاز الوقف، وإلا فالوقف باطل.
وإن كان قبَضَ بإذن البائع ولم يَنقُدِ الثمنَ؛ فالوقف جائز، مفلساً كان المشتري أو غير مفلس.
الجزء 1 · صفحة 30
فإن نقد الثمنَ وقَبَضَ الأرضَ فَوَقَفَها ثم استُحقَّتِ الأرضُ: بَطَلَ الوقف كما يبطل العِتق؛ لأنَّه وَقَفَ ما لا يملك، ويرجعُ بالثمن على البائع، ويصنع به ما شاء، فإن أجاز المستحقُ البيع؛ فالوقف باطل كما يكون العنق باطلاً.
قال الشيخ الإمام رحمه الله تعالى بطلان العتق: قول زفر ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ ألا ترى أنه لو اشترى أرضاً على أنَّ البائع بالخيار ثمَّ وَقَفَها البائع؛ جاز الوقف، وكان نقضاً للبيع، وإن قَبَضَها المشتري ووَقَفَها ثمَّ أجاز البائع البيع؛ لم يجز، كما لا يجوز العتق!؟ وكذلك الوقف. وإن ضمَّن المستحقُ البائع القيمة؛ جاز البيع والوقف، كما يجوز البيع والعتق.
وإن ضَمِن المشتري القيمة؛ فالوقف باطل؛ لأنَّ البيع باطل،
وإنِ اسْتُحقَّ نصفُ الأرض شائعاً؛ فالنصفُ الآخر وقف، وهذا مذهب أبي يوسف.
وكذلك الموهوب له إذا وَقَفَ قبل القبض ثمَّ سلم الواهب الموهوب إليه؛ لم يصح الوقف؛ لأنَّه وَقَفَ قبل أن يملك.
وكذلك الموصى له إذا وَقَفَ قبل موت الموصي، ثم مات الموصي والأرضُ تخرج من الثلث، فسُلّم للموصى له؛ لم يصح وقفه.
والمحجور عليه لدين أو لفسقه لا يجوز وقفه؛ لأنَّا لو جوزناه لم يكن للحَجْرِ معني وإذا اشترى أرضاً شراء فاسداً وقَبَضَها وبنى فيها؛ فللشَّفيع أن ينقض البناء ويأخذ بالشفعة.
فإن قال البائع: إذا نقض البناء عاد حقي وبَطَلَتِ الشفعة؟
قال الخصافُ: قال أصحابنا: إن كان قضى بالقيمة للبائع؛ لم يعد حقه، وإن لم يكن قضى له بالقيمة؛ كان البائع أولى بها، وبَطَلَتِ الشفعةُ.
وإذا اشترى داراً بعبد وتَقَابَضَا، فوَقَفَ الدار ثمَّ اسْتُحقَّ العبد؛ فالوقف ماضي وعلى المشتري قيمة الأرض للبائع يومَ قبضها؛ ألا ترى أنَّ المشتري لو كان باع الأرض؛ كان بيعه جائزاً.
ولو وجد العبد حرَّاً؛ كان الوقفُ باطلاً، كما يكون العتق باطلاً.
ولو وجَدَ المشتري بالأرض عيباً بعدما وقفها؛ لم يردَّها، ورَجَعَ بنقصان العيب من الثمن يصنع به ما شاء؛ لأنَّه لم يَقِفِ النقصانَ؛ لأنَّ الوقف إزالةُ ملك لا إلى مالك، ولا يجوز أن يعود إلى ملكه فأشبه العِتق.
الجزء 1 · صفحة 31
وكذلك لو اشترى الذمي أرضَ عُشْرِ فوُضِعَ عليه الخراج ووجد به عيباً؛ فإنَّه لا يَرُدُّ ويرجع بنقصان العيب.
وإذا باع المشتري؛ فإنَّه لا يرجعُ بنقصان العيب؛ لأنَّه يجوز أن يعود إلى ملكه.
وكذلك إذا اشترى بَدَنَةٌ فجعلَها هَدْياً وقلدها ثم وجد بها عيباً؛ فإنَّه لا يرجعُ بالنقصان؛ لأنَّه على ملكه ولو مات وُرِثَ عنه، وليس كذلك الوقفُ؛ لأنَّه على ملكه ولو مات لم يورَثُ عنه.
قال الخصَّافُ: وعندي أَنَّه يرجعُ بالنقصان؛ ألا ترى أنه لو اشترى عبداً قدبَّره؛ فإنَّه يرجع بنقصان العيب والتَّدبير لم يُزِلْ مِلكَه عنه، والراهن إذا وَقَفَ الأرضَ المرهونة فإن افتكَهَا؛ صح الوقفُ، وإن لم يَفتَكَهَا؛ باعها القاضي في الدين وأبطَلَ الوقف
إذا مات الراهن فإن كان له مالٌ: قُضِيَ الدَّينُ من ماله، والأرضُ ز وَقْفٌ.
ربُّ المال إذا وَقَفٌ؛ جاز في حصته من رأس المال والربح.
إذا اشترى المأذون داراً وعليه دين تُحيط بقيمته وبقيمة بعض الدارِ، فوَقَفَ المولى له تلك الدار: لم يجز، ولا يشبه المضاربة؛ لأنَّ ربَّ المال شريكه، وفي المأذون يجب بيعه وقضاء الدين منه.
ولو آجر داراً ثم وقفها؛ جاز الوقف والإجارة تُنقَضُ؛ ألا ترى أنه لو وجد بها عيباً؛ كان له أن ينقض به الإجارة ويَرُدُّ بالعيب، وفي الرهن لا يَرُدُّ ولا يرجع بالنقصان.
ولو اشترى داراً فوقفها ثمَّ حضر الشفيع يريد أخذها؛ فله ذلك، ويبطل الوقف، والشُّفعةُ بمنزلة الاستحقاق؛ ألا ترى أنه لو جعله مسجداً؛ فللشفيع، أخذه، إلَّا في رواية الحسن بن زياد عن أبي يوسف، ولو باعها؛ كان للشفيع نقضه.
ولو اشترى أرضاً شراءً فاسداً، أو اشترى بخمرٍ أو خنزير فوَقَفَ قبل القبض؛ لم يجز وإنْ قَبَضَ بعد ذلك.
وإن قبضها ثم وقفها؛ جاز، وعليه قيمة الأرض للبائع؛ كما لو باغ، ويرجعُ بالثمن: ألا ترى أنه لو جعله مسجداً جاز، وهذا قول أصحابنا في المسجد؛ فالوقف على قياسه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: انقطع حقٌّ البائع منه إذا جعله مسجداً، ولو كان اشتراها بخمر أو ميتة؛ فالوقف باطل.
وكذلك الهبة الفاسدة إذا قَبَضَها الموهوب له ووقفها؛ جاز، وعليه قيمته للواهب.
ولو قبَضَ المشتري وقد اشترى بخمر، فوقفها البائع؛ لم يَجُزْ وَقْفُه وإن رُدَّ عليه، كما لو كان مكانَه عبد فأعتقه البائع ثمَّ رُدَّ عليه؛ فإِنَّ العَتق باطل.
الجزء 1 · صفحة 32
ولو وقفها البائع قبل قَبْضِ المشتري؛ جاز، ولو اشترى شراءً فاسداً ووَقَفَ بعد ? القبض وَقْفاً فاسداً؛ بَطَلَ البيع والوقف جميعاً؛ كما لو باع بيعاً فاسداً فإنَّ البيعين يُنقَضانِ.
رجل اشترى أرضاً شراء فاسداً وقَبَضَها ووَقَفَها على البائع وسلَّمها إليه؛ فالوقف جائز وعليه قيمة الأرض للبائع، وليس هذا كالهبة من البائع فإنَّه يكون فسخاً للبيع.
رجل اشترى أرضاً شراءً صحيحاً وقَبَضَها، فَوَقَف نصفها ثم وجد بها عيباً؛ لم يَرُدَّ النصف الذي بقي في ملكه، ولا يرجعُ بنقصان العيب في النصف الذي وَقَفَ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يرجعُ
باب ما يدخل مع الأصل في الوقف وما لا يدخل
إذا وَقَفَ أرضاً فيها بناء وشجرٌ: دَخَلَا في الوقف.
وإن كان البناء منقوضاً والشجر مضروباً؛ لم يدخل.
وإن قال: بحقوقها وما فيها ومنها من قليل أو كثير لأنه بائن منه: فهو كمتاع موضوع فيه، وكذلك البيع.
ولا تدخل الثمرة والزرع المزروع فيه، وهو للواقفِ، كما لا يدخل في البيع.
ولو كان للأرض حِصَّةٌ من نهرٍ أو مغيض أو طريق؛ لم يدخل فيه قياساً، إذا لم يَقُلْ: بحقوقها، وفي الاستحسان يدخل؛ لأني لو لم أفعل ذلك خَرِبَتِ الأرضُ، ولم يكن لها شرب ولا مغيضٌ ولا طريقٌ؛ ألا ترى أنه يدخل في إجارة الأرض وإن لم يقل: بحقوقها استحساناً؛ لأنَّ أمور الناس على هذا.
فإن وَقَفَ الأرضَ بحقوقها؛ دخل فيها الشربُ والطريق قياساً واستحساناً.
ولو أوصى بأرض وفيها ثمرة أو زرع؛ لم يدخل في الوصية؛ لأنه لا يكون تبعاً للأرض.
ولو وهب أرضاً؛ لم تدخل الثَّمرة فيه، والهبة باطلة، وينبغي في قياس قولِ مَن يُجيز الهبة الشائعة أن يُجيز الهبة في الأرض ويبطل في الغلة.
ولو رَهَنَ أرضاً فيها ثمرة وزرع؛ دخل الجميع في الرهن ويكون رهناً مع الأرض.
وفصلوا بين الرهن والبيع والهبة: إذا زال ملكه عن الأصل؛ فالغلة لرب الأرض، وإذا لم يَزُلْ مِلكُه عنه؛ كانا كالشيء الواحد؛ فلذلك يدخل في الرهن.
ولو أقر بأرض وفيها ثمرة على رؤوس الأشجار؛ كان الثمر للمُقَرِّ له، ولو كان مضروباً؛ كان للمُقِرِّ: كما لو أقرَّ بأمَةٍ وقد وَلَدَتْ قبل ذلك فالولد للمقر.
الجزء 1 · صفحة 33
ولو وقف قريةً ولم يَقُل: بحقوقها، ولا بكل قليل أو كثير هو قريباً»؛
دخل فيها المغيض والشربُ والرحى والدالية.
ولو وقفَ أرضاً فيها بَصَلُ النَّرجس والزعفران، لم يدخل الحمل والورد في الوقف، ودخل البصل، ولا يدخل قصبُ السُّكَر؛ لأنَّه يُحصَدُ في كلّ سَنَةٍ فهو كالزرع
فإن كان فيها خلاف أو طرفٌ أو شجر القطن والباذنجان،
فما كان يُقطَعُ في كلِّ سَنَةٍ: لا يدخل، وما لا يُقطَع؛ يدخل، وما كان من شجرٍ يُقطَعُ في السنتين أو الثلاث؛ يدخل في الوقف، والدواليب داخلة في الوقف، والدَّالية والزرانيق للواقف،.
ولو وقف حماماً دَخَلَ القِدرُ في الوقف؛ لأنه مصلحة الحمام، ويدخل فيه موضعُ سِرْقِينه ومَلْقَى رماده إذا كانت داخلة في الحد، وإن كانت خارجة من الحد؛ لم تدخل.
ولو وَقَفَ داراً؛ دخل الساباط والرَّوشَنُ فيه وإن لم يذكره، فإن كان لهذه الدار طريق أو مَسيلُ ماءٍ في دارٍ أخرى؛ لم يدخل.
وإن وَقَفَ حانوتاً؛ فما كان من الرفوف في البناء؟؛ دَخَلَ فِي الوَقْفِ، وما لم يكن في البناء؛ لم يدخل.
وخوابي الدبَّاسين، وقدورُ الغلايين الذي في البناء؛ لا تدخل في الوَقْف.
ولو قال: أرضي صدقةٌ موقوفة فما أخرج الله تعالى من غلاتها فهو للفقراء، وفيها ثمرة قائمة؛ فهي للواقف، وقوله فما أخرج الله تعالى على الغلات الحادثة.
ولو قال: أرضي صدقة موقوفة بجميع حقوقها وما فيها ومنها: فإنّي أستحسن أن أجعل الغلة القائمة، كأَنَّه قال: الثمرةُ صدقةٌ فآمره فيما بينه وبين الله تعالى أن يتصدَّقَ ه به، ولا أجبره عليه، وكان القياسُ أَلَّا يتصدقَ به؛ لقوله موقوفة والثمرة لا تكون موقوفةً، ولا تُجعَل العَلَّةُ القائمة فيه في وجوه الوقف، وما يُحدِثُ الله تعالى بعد ذلك يكون في الوجوه التي وُقِفَتْ عليها.
ولو قال: أرضي صدقةٌ موقوفة بعد وفاتي على أنَّ ما أخرج الله تعالى من غلاتها فهي لعبد الله فمات وفيها ثمرة قائمة؛ فالثمرة للورثة في القياس، وفي الاستحسان يكون للفقراء على ما فسّرتُ، وبالاستحسان نأخذ، وما يُخرِجُ الله تعالى من غلاته بعد موت الموصي يكون لعبد الله.
فإن حصد الزرع، فقال الواقفُ: زرعته لنفسي بِبَدْرِي، وقال أهل الوقف: زرعت للوقف؛ فالقول قول الواقف: فإنَّ البذر له وعليه نقصان الأرض، ويتقدم القاضي إليه بأن يزرعها للوقف ولا
الجزء 1 · صفحة 34
يُخرجها من يده وإن طلب أهل الوقف ذلك؛ لأنَّ اليد له، ويقول له القاضي: استَدِنُ واشتَرِ البِذْرَ، وارفع ذلك من الغلة،
فإن قال: لا يمكنني، قيل للأرباب: استَدِينُوا أنتم ثم ارفعوا من الغلة. فإن قال الواقفُ: استَدَنْتُ وزرعتُ للوقف، وقد أصاب الزرع آفةٌ فَذَهَبَتْ، وقال أهل الوقف: زرعتَ لنفسك: فالقول قول الواقف، وله أن يأخذ من الغلة الأخرى ما أنفق.
فإن نَصَبَ الواقفُ وكيلاً فقال الوكيل: زرعتُ لنفسي، وقال الأرباب: زرعت للوقف»؛ فالقول قول الوكيل، ويَخرُجُ من يده، ويَضمَنُ ما نقص من الأرض. رباط فيه شجرة مثمرة؟ قال أبو القاسم: لا بأس بأن يتناولها النزل.
قال أبو الليث: إن لم يكن من ساكني الرّباط؛ فالأحوط أن يَحتَرِزَ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
بابٌ وَقْفُ أهل الذمة وأهل الحرب والمرتدين من كتاب الخصاف إذا جعل الذمي داره كنيسة؟؛ فهو باطل، وهو ميراث.
وإن وَقَفَ أرضاً على بيعة أو كنيسة أو بيت نار؛ فالوقف باطل وبيعه جائز لأنه معصية، وأيضاً فإنَّه ينقطع ولا يكون مؤبداً، وكذلك لو وَقَفَ على إصلاحها أو دهن سراجها.
ولو وَقَفَ على الرهبان والقسيسين، أو قال: على رهبانِ بِيَعَةِ كذا: فهو باطل.
فإن قال: على فقراء بِيَعَةِ كذا؛ جاز؛ لأنَّه قصد به الصدقة؛ ألا ترى أنه لو وَقَفَ على فقراء النصارى كان جائزاً.
ولو وَقَفَ على بِيَعَةٍ، فإذا خربت فعلى الفقراء، جازَ ولا يُنفَق منه على البيعَةِ شيءٌ ويُصرَف إلى الفقراء، فأيَّ فقير أعطاه جاز، مسلماً كان أو ذمّيّاً. فإن قال: «فإن خربت البيَعَةُ فهو وَقْفٌ على مساكين أهل الذمة»؛ جاز شرطه، ويُعطى منه اليهود والنصارى والمجوس، فإن خَصَّ فقراء النصارى؛ جاز شرطه ولم يُعطَ غيرهم.
وكذلك لو كان الواقفُ نصرانياً فجعل غلته لفقراء اليهود أو المجوس، أو لفقراء المسلمين؛ جاز؛ لأنَّ هذا مما يَتَقَرَّبُ به أهل الذمة، وكان للذين ساهم خاصَّةً.
فإن قيل: أليس الكفر كلُّه ملَّةً واحدةً؟
قيل: نعم، ولكنَّه خَصَّ قوماً، فيَختَصُّون به، كالمسلم إذا أوصى لجيرانه أو
لفقراء بغداد، فإنَّه لا يُعطَى غيرُ ? مَن سمَّى.
الجزء 1 · صفحة 35
ولو وَقَفَ في أبواب البِرِّ، فأبواب البِرِّ عنده عمارة البيعَةِ وبيت النيران، والصدقة على المساكين، فأُجِيزُ من ذلك الصدقة وأبطل الباقي. نصراني وَقَفَ وَقْفاً وقال: يُغزَى بغلته الروم: لم يجز؛ لأَنه لا يَتَقَرَّبُ به.
فإن قال: يُغزَى به قوم مخالفون له في الدِّين، وأهل دينه يتقربون به؛ جاز.
ولو قال: تُصرف غلته إلى أكفان الموتى، أو حَفر قبورهم: جاز وصُرِفَ
إلى حفر قبور فقرائهم.
ولو قال: يُسرَجُ به بيت المقدس، أو يجعلُ في مَرَمَّةِ بيت المقدس: جاز؛ لأنَّه يَتَقَرَّبُ به، ونحن نَتَقَرَّبُ به.
فإن قال: يُشتَرى به عبيد فيُعتَقُون عنّي في كلِّ سنة: جاز على ما شَرَطَ، فإن وَقَفَ على ولده ونسله أو على قرابته أو مواليه، وجَعَلَ آخره للمساكين؛ فهو جائز، وسبيله في قرابته ومواليه وأهل بيته سبيل المسلم.
فإذا كان له أب معروفٌ دخل ولد ذلك الأب في أهل بيته.
فإن أسلم ولد له؛ لم يخرج من الوَقْفِ.
فإن شَرَطَ أنَّ من أسلم من ولده أو تهود أو خرج من دين النصرانية، فهو خارج من هذا الوقف؛ فهو كما شَرَطَ.
وإن وَقَفَ على فقراء جيرانه وجعل آخره للفقراء؛ جاز، وكان لفقراء جيرانه من المسلمين وغيرهم.
مسلمٌ وَقَفَ على أهل بيته، وهم من أهل الذمة؛ جاز.
تَزَنْدَقَ ووَقَفَ شيئاً، قال بعضُ أصحابنا: يُترك وما اختاره، وتوضع عليه الجزية، ولا أَرُدُّه من كُفر إلى كُفر، وقال بعضُهم: لا يُقَرُّ على الزندقة. حربي دخل دار الإسلام بأمانٍ فوَقَفَ؛ جازَ منه من ذلك ما يجوز من الذمّيّ، ولو أوصى بما في يده كله؛ جاز؛ لأنَّ ورثته في دار الحرب حيث لا يجري عليه حكمنا.
مرتد وَقَفَ؛ فعلى قول أبي حنيفة إن قُتِلَ أو مات؛ فهو باطل، وقال محمد رحمه الله: يجوز منه كما يجوز من أهل الدين الذي انتحله.
الجزء 1 · صفحة 36
رجلٌ وَقَفَ على المساكين أو قال: يُحج عني، أو في وجه من وجوه القُربِ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، ثمَّ ارتد عن الإسلام؛ بَطَلَ الوقف وكان ميراثاً، وكذلك لو أسلم بعد رِدَّته: ألا ترى أنَّ حجّه وصلاته تبطل، وما كان مستهلكاً مثل العتق والصدقة على إنسان وسلَّمه إليه فهو نافذ لا يبطل.
ولو وَقَفَ على نسله ثمَّ على المساكين ثمَّ ارتدَّ؛ بَطَلَ الوقف؛ لأنَّ جهةً المساكين تبطل فيصير صدقة على ولده، فتبطل على قول مَن لا يُجيزُ الوقف إذا لم يجعل آخره للمساكين.
بابٌ: مَن وَقَفَ على الفقراء أو على واحدٍ بعينه ولم يشترط العمارة
إذا وَقَفَ على المساكين ولم يُسَمِّ العِمارةَ فإِنَّ القاضي يبدأ فيُنفِقُ من غلَّة الوَقْفِ على عمارته وإصلاحه، وحفرِ سَواقيه، وإصلاح مسناته، ورم ما استهدم منه وما فيها المستزاد لغلتها، ثمَّ يَقسِم الباقي في الفقراء، وهذا استحسان؛ لأنَّه لو لم أَعْمُرها: خربت، والغلة للفقراء، وليسوا بأعيانهم فيؤخذون بالعمارة، فيُنفِقُ عليها من غلتها؛ ألا ترى أنَّ الإمام في أرض?
الخرَاجِ يَدَعُ هُم قَدْرَ ما يَعْمُرُه ويأخذهم بالعِمارة، ويكون نصيبُ الإمام والخراج ما فَضَل بعد العمارة؛ لأن أرضَ الخراج للمسلمين عامة، وكذلك يَفعَل في أرض الوقف، يترك للعمارة وما يُحتاجُ إليه، ثمَّ يَأْخُذُ الخراج مما بقي. ولو كانت أرضُ فيها نخل خَشِيَ ذهابها: اشترى فسيلا يغرسه؛ كي لا يفنى النخلُ ويَخلِفَ بعضه بعضاً.
ولو كان فيها أرضٌ سَبخَةٌ لا يُنبِتُ كَسَحَ ما فيها من سَبَخَةٍ.
ولو أراد أن يبني قريةً لأكرتها؛ فَعَلَ ويحرز فيها ثمرها.
ولو أراد أن يبني بيوتاً يستغلها؛ لم يكن له ذلك؛ لأنَّ غلةَ الأرض لا يُطلب بها إجارة البيوت، إنَّما يُطلَبُ النخل والشجر والزرع، إلَّا أن تكون متصلةً بِدُورٍ المصر، إذا بنى فيها حصلت من أجرة بيوتها غلة وافرةٌ، فيكون للقيم بأمر الوقف أن يفعل ذلك، وله أن يستأجرَ الأُجَرَاءَ فيما يحتاج إليه، فإن اجتمع عنده من غلته شيء كثير ولم يكن في تأخير العمارة إلى الغلة الآتية ضرر؛ فله تأخيره وصَرْفُ الغلَّة إلى وجوه الوقف، وإن كان في تأخيره ضرر؛ بدأ بالعمارة، وإن شَرَط الواقف أن يبدأ بالعمارة؛ صح الشرط.
وإن جعل لواحدٍ غلَّة الأرض سنةً: كان له غله تلك السنة، ولم يكن عليه من عمارة الأرض شيء؛ كما قال أبو حنيفة رحمه الله: إنَّه لو أوصى لرجل بغلة أرضه سنة أو سنتين؛ لم يكن عليه سَقْيُّ النخل، فإن كان أوصى بغلة ثلاث سنين؛ كان السَّقْي والعمارة عليه، وهذا استحسان.
الجزء 1 · صفحة 37
فإن قال: غلتها لفلان سنةٌ ثمَّ هي لفلان واحتاج إلى العِمارة، استَحْسَنْتُ أن أؤخِّرَ عِمارتها حتّى تمضي هذه السنة، فإذا صار إلى الآخر عُمرَتْ من غلتها.
وإن قال: داري صدقةٌ موقوفةٌ على أنَّ سُكْنَاها لفلانٍ ما عاشَ، فإِن هَلَكَ
فَلِفلان ثمَّ هي للفقراء: فَرَمُّ الدارِ على فلانٍ ما عاش، وعليه من ذلك ما يمنع تغييرها عن حالها الذي وَقَفَها عليها، وليس عليه الزيادة.
فإن هَلَكَ الأَوَّلُ: فعلى الثاني - الذي صار سُكْنَاها له - ما على الأوَّل.
فإن مات الثاني وصار سُكْنَاها للمساكين؛ أَنْفَقَ عليها من غلتها.
فإن أبى الموقوفُ عليه أن يُنفِق؛ لم يُجبر عليه.
وإِن شَرَطَ الواقفُ مَرَمَّتَها على الموقوف عليه: جاز، وهو على ما قال، وليس كالإجارة؛ لأنَّ المَرَمَّةَ على الموقوف عليه، وإن لم يشرط؛ فشرطه عليه لا يُبطله.
وإن كان الواقفُ شَرَطَ أن ينفق عليها الموقوف عليه؛ لا أُجبر الموقوف عليه، ولكن يُؤَاجِرُ الدارَ بِقَدْرِ ما يُنفِقُ عليه، ثمَّ يُرَدُّ إلى الموقوف عليه، وهذا استحسان وليس بقياس.
فإن انهدمت الدار فقال الموقوفُ عليه: أنا أبنيها وأسكنها: فله ذلك؛ لأنَّ السكنى له، فله أن ينتفع بها على الوجوه كلّها ما لم يكن فيه ضرر، فإن مات؛ فالبناء لورثة الباني. فإن قال أهل الوقف: نغَرَمُ قيمةَ البناء: لم يكن لهم ذلك، وكان لوارث الباني، رفعه، إلا أن يصطلحوا ف عليه وهذا قول أبي حنيفة في الغضب؛ كما لو بنى داراً ثمَّ اسْتُحِقَّتِ الدارُ؛ فالبناء للباني يرفعه، إلا أن يكون رفع البناء يضر بالدار،.
فإن كان الباني آزَرَ حيطانها بالآجر، وأدخل فيها جذوعاً وبنى عليها، فيُقال للذي صارت السكنى له: اغرَمْ للورثة قيمة البناء إن شئتَ وتُراعى قيمته يومَ تصير الدارُ إليه، وإلَّا أَجَرْتُ الدارَ ورَددْتُ على الورثة قيمة المرمة؛ كما لو أوصى بغلة بستان لواحدٍ وبرَقَبَتِه لآخر، فالسَّقْي على صاحبالغلة، فإن أبى وسقى صاحبُ الرَّقَبَةِ رَجَعَ بما أنفق من ذلك في غلَّة السنة المستقبلة، فإن رضيَ مَن صارتِ السُّكنى له برفعه؛ لم يُرفَع؛ لأنَّ فيه ضرراً على المساكين التي تصير السكنى لهم؛ ألا ترى أنَّه لو رم دارَ غيره بغير إذنه، وكان في رفعه ضرر؛ لم يكن له رفعه، وقيل لصاحب الدار: «اغرَمْ له قيمةَ المَرَمَّةِ» فَإِن رضيَ صاحب الدار برفعه؛ رُفِعَ؛ لأنّ الضرر راجع إليه خاصَّةً.
الجزء 1 · صفحة 38
فإن لم يكن للمَرَمَّة التي فعلها الموقوفُ عليه عين قائمة، وكانت مستهلكة مثل غَسْل الحيطان بالجص وطين السطح، وسفي النخيل لم يكن للورثة شيء؛ ألا ترى أنه لو اشترى أرضاً فجصَّصَها وطيّنَ سطوحها، ثمَّ اسْتُحِقَّتْ؛ لم
يرجع على البائع بقيمتها، وإنَّما يكون له أن يرجع بقيمة ما يمكنه أن يَهْدِمَه ويُسَلَّمَه ثم يرجع بقيمته مبنياً؛ ألا ترى أنه لو أثار أرضَ إنسان؛ لم يكن له شيء.
ولو غَصَبَ ثوباً فقصره؛ لم يكن له شيء، ولو صَبَغَه بعُصْفُر؛ لم يكن لصاحب الثوب أخذه، إلا أن يعطيه ما زادَ الصَّبعُ فيه؛ لأنَّ الصبغ عين قائمة؛ ألا ترى أنَّ أبا حنيفة كان يقول: لو أوصى بخدمة عبده لواحد وبرقبته لآخر، أو بغلة بستانه لواحد وبرقبته لآخرَ فنفقة العبد وما يُصلحه كطعامه وكسوته على الموصى له بالخدمة، وسَقْيُ النَّخيل وما لا بُدَّ منه من العمارة على صاحب الغلة، ثم لا يرجع به على صاحب الرقبة.
ولو جنى العبد جنايةً فَفَدَاه الموصى له بالخدمة ثم مات، قيل لصاحب الرقبة: إن شئتَ فَرُدَّ على ورثته ما فداه به وإلا بيعَ العبد في الفداء، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في العبد إذا جنى، وقولنا.
فإن كان الموقوفُ عليهم سكنى الدارِ جماعةً، فقال بعضهم: نرم، وأبى الآخرون؛ قسمتِ السُّكنى بينهم فيَرُمُّ مَن شاء أن يَرُمَّ ويَسكُنُهُ، ومَن أَبي أَن يَرُمَّ نَزَعَ القاضي حِصَّتَه من يده وأَجَرَهُ، ورَمَّه من أجرته، فإن استغنى عنه؛ رده على من له السكني.
فإن وَقَفَ دارَه على أن يسكنها ولده ونسله، فكثر الأولاد؛ فإنَّه يقسط بينهم على عددهم، فما أصابَ الابنَ فله أن يسكنها مع نسائه، وما أصاب البنت فلها أن تسكنها مع زوجها، إذا كان حُجَرٌ يَقدِرُ كل واحدٍ أن يُغلق على ما أصابه بابه.
فإن لم يكن له حُجَرٌ: فالسُّكنى من وُقفَ عليه دون غيره، وللموقوف عليه الذي جُعِلَ له السكنى أن يُسكِنَ الدارَ مَن أحبَّ ويُعِيرَ؛ لأنَّه لا يُوجِب بالعارية حقاً للمستعير، وليس له أن يُؤَاجِرَه كالمستعير يعير وا ولا يُؤَاجر.
والموصى له بخدمة العبد وسكنى الدار ليس له أن يُؤَاجِرَ، وإن كان فيه فَضْل عن سكناه؛ فليس له أن يُواجِرَ أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 39
وإن وَقَفَ على استغلاله؛ فله أن يُؤَاجِرَ، وله أن يسكن؛ ف لأنَّ سكناه وسكنى المستأجر لا يختلف به أفتى أبو جعفر، وهو قول أبي بكر الإسكاف. وقال الأعمش: ليس له ذلك؛ لأنه ربما يظهر على الميت دين فيُقضَى، ولو سَكَنَ؛ لَبَطَلَ حقُّ الميت.
وقد ذكر الخصاف: م ن ? أنَّه لَن جُعِلَ له غلَّةُ دارٍ له أن يسكنها.
ولو قال: على أن يستغلها ولا يسكنها؛ فهو على ما شَرَطَ.
فإن قال: سقط شيء من بناء الدار: فللقيم بأمر الواقف أن يبيع ذلك، ويرم الدار بثمنه؛ لأنَّ النقضَ لما زايَلَ الدار خرج عن أن يكونَ وَقُفاً، وليس كذلك البناء القائم، لا يجوزُ بيعه إذا لم يستهدم لِيُهدم، ولا يبيع النخل الحي ليضربَ.
وكذلك قرية الأرض وإن لم تصلح لشيء لا يجوز بيعه ليُصلح به الباقي؛ لأنَّه لو وَقَفَ هذه القطعة من الأرض؛ جاز.
فإن باع القيمُ بأمرِ الوقفِ البناء القائمَ أو النخل، فهَدَمَ البناءَ وضَرَبَ النخل ضمَّن القاضي إن شاء البائع، وإن شاء المشتري، وتُصرَف تلك القيمة إلى العمارة.
وللقيم بأمر الوقف بيعُ الفَسِيلِ الذي يخرج من أصل النخل، وهو بمنزلة الغلة،
وكذلك السَّعَفٌ، والغراسُ الذي لا يحتاج إليه، وهو بمنزلة الثمار، فإن صار الفسيلُ الخارج من أصل النخل نخلاً؛ خرج من أن يكون مثل الغلة، وله حكم النخل.
قال: ألا ترى أنَّ أهلَ المسجد يبيعون نقض المسجد ويعيدون في بنائه، ولا يبيعون أصله، ولا يُعطَى من ثمن النقض والنخل الساقط الموقوف عليهم؛ لأنَّ حقّهم في الغلَّة، فإن لم يكن في يد القيم ما يَعْمُرُها به؛ لم يكن له أن يستدين عليه، وإنَّما العِمارة من الغلة.
ولوصي اليتيم أن يستدين على الصبي؛ لأنَّ له أن يشتري للصغير بنسينه مان عليه ربحاً، وليس للقيم بأمر الوقف ذلك. فإن وَقَفَ أرضاً على أن يُنفِقَ في عمارتها من أرض له أخرى؛ جاز.
فإن قال: يُتَمَّم نفقتها من غلَّة أرض أخرى، فلم تُخرِج تلك الأرضُ غلَّةٌ؛ أنفق على عمارتها ش النفقة كلَّها من غلَّة الأرض الأخرى؛ ألا ترى أنَّه لو قال: «لفلان عليَّ تمام ألف درهم»؛ كان عليه الألفُ كلها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 40
باب الولاية في الوقف
ولاية الوقف إلى الواقف وإن لم يشترطه لنفسه: ألا ترى أن قسمةً الزكاة إلى ربّ المال.
ولو أوصى إلى رجل ثم مات؛ كانت ولاية أوقافه إلى وصيه وإن لم يذكره في وصيته فهو أحرى أن يكون إليه.
وقال أقوام: ليس للواقف فيه ولايةٌ: لأنَّه زال مِلكُه عنه فأشبه العِتَقَ إِلَّا أن يكونَ الواقفُ غير مأمون على نَفسِ الوقف، أو وَقَفَ على قوم ولا يوصل إليهم ما شَرَطَ لهم، فإن القاضي يَنزِعُه من يده ويوليه غيره.
وإن كان الواقفُ شَرَطَ أنَّ ولايته إليه؛ ليس لأحد أن يُخرجه منه؛ لأن ملكه قد زال عنه وصار كالحافظ للمساكين.
ولو ترك الواقف عمارته وفي يده من غلة الوقف ما يَعمُرُه: أجبره القاضي عليه، فإن فعل وإلّا أخرجه القاضي من يده.
وكذلك لو جعل الموقوف عليه متولياً وهو غير مأمون؛ فإن القاضي ينزعه من يده، وإن كانت الغلة كلُّها له؛ لأنَّ مرجعه إلى الفقراء، فلا يُؤْمَن أن يخربه.
وإِن جَعَلَ الواقفُ ولايتها لواحدٍ: كانت الولاية إلى مَن جعله متولّياً، وللواقف أن يَلِيَها دونَه، وله أن يعزله متى شاء.
وإن كان شرط أنه ليس له إخراجه من الولاية؛ فهذا الشرط باطل ألا ترى أنه لو قال: فلان وكيلي في حياتي ووصيي بعد وفاتي، على أنه ليس لي إخراجه: كان له إخراجه والشرط باطل.
فإن مات الواقف؛ انعزل المتولي؛ لأنَّه كالوكيل إلَّا أن يكونَ شَرَطَ أَن يَلِيَها في حياته وبعد وفاته، فيكون كالوصي بعد الموت.
وكذلك لو قال: وكلتُكَ في حياتي وبعد مماتي.
ولو قال: جعلتك وصيَّاً في حياتي وبعد مماتي: فالقياس أن يكون وصيّاً بعد الممات، وفي الاستحسان يكون وكيلاً في الحياة ووصياً بعد الممات.
فإِن نَصَبَ الواقفُ متولّياً للوقف، وأوصى عند موته إلى آخَرَ، ولم يُسَمِّ الوقف في الوصيَّة؛ فوصيه يلي أمر الوقف الذي وقفه أيضاً، وما كان في يده من الوقف مع من جعله متولياً.
الجزء 1 · صفحة 41
وكذلك لو كان له أوقافٌ ولكلّ واحدٍ مُتَولّ؛ فوصيه يشارك كلَّ واحدٍ من المتولين في ولاية الوقف، ولوصيه أن يوصي إلى غيره، وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وإن مات أحد الوصيين وأوصى إلى جماعة؛ لم ينفرد واحد بالتصرف، ويُجعل
نصفُ الغلة في يد الوصي الباقي، ونصفه في يد الجماعة الذين قاموا مقام الهالك.
وإن أوصى إلى رجل وشَرَطَ أنَّه ليس له أن يوصي إلى غيره؛ فالشرط جائز، ولذلك لو جعل الموقوف عليه متولياً، فوصيه يلي معه، إلا أن يكون أوصى إليه في شيء خاص، فيكون وصيَّاً فيما أوصى إليه خاصةً، ولا يلي أمر الوقف. ولو وقف أرضين وأوصى في كلّ واحدٍ إلى وصي فهو وصي فيه خاصةً، هذا قول هلالِ وقول محمد رحمه الله، وعلى قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف يكون وصيّاً في الجميع.
فإن قال: أوصيتُ إلى فلان ورجعتُ عن كل وصية لي: كان ولاية الوقف إليه، وخرج المتولي من أن يكون متولّياً، فإن قال: رجعتُ عما أوصيتُ به ولم يُوص إلى أحدٍ: نَصَبَ القاضي من يثق به.
وإن شرط الواقف أن ولاية الوقف إلى فلان بعد الوصي؛ فهذا الشرط جائز. فإن جعل الواقفُ الولاية إلى اثنين أو صارَ إلى المتولي والوصى؛ لم يكن لأحدهما بيع غلة الوقف، وينبغي على قول أبي يوسف أن يجوز.
فإن باع أحدهما وأجاز الآخرُ، أو وكل أحدهما صاحبه به؛ جاز، فإن أوصى أحدهما إلى الآخر؛ كان له أن ينفرد به، وعلى رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة لا يجوز له أن ينفرد به؛ لأنَّ الميْتَ رَضِيَ برأي الاثنين، ويضم القاضي إليه آخر، ولو شاء القاضي أسنده إلى الآخر.
وإن أوصى إلى رجلين فأبى أحدهما أن يقبل؛ ضم القاضي إلى الذي قبل آخر
وإن أوصى إلى رجل وصبي؛ أقام القاضي بدل الصبي رجلاً. فإن أوصى إلى رجل وقال: إذا بَلَغَ ابني فهو الوصي، أو قال: هو شريك مع فلان في ولاية الوقف؛ لم يجز ما فعله إلى ابنه من ذلك، هذا رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف: هو جائز.
وإن جعل ولاية وَقْفِه إلى مَن يُخلَقُ من ولده؛ ولى القاضى أمر الوقف رجلاً، حتى يُخلَقَ ولده ويكونَ مَوضِعاً للولاية، فتكونُ ل الولاية إليه، وهذا استحسان.
الجزء 1 · صفحة 42
وكذلك لو أوصى إلى صبي في وَقْفه؛ فهو باطل في القياس، ولكنني أستحسن أن أبطله ما دام صغيراً فإذا كَبُرَ؛ كانت الولاية إليه. وإذا جَعَلَ إلى غائب؛ نصب القاضي رجلاً حتى إذا حضر الغائبُ رَدَّ عليه. وإن أوصى إلى عبد؛ جاز؛ لأنَّ فِعلَ العبدِ يجوز في الرّق، وما لا يجوز في الرّق يجوز بعد العتق.
ولو أوصى إلى نصراني؛ فهو مثل العبد، ولو أخرج القاضي العبد أو النصراني
ثمَّ أسلم النصراني وأعتق العبد؛ لم يكن لواحد منهما ولاية.
ولو قال: ولايته إلى عبد الله، ثم من بعده إلى زيد؛ فمات عبد الله، وأوصى إلى رجل؛ كانت الولاية لزيد، وكذلك لو قال: إلى عبد الله حتى يقدم زيد؛ فهو كما شرط.
وقد قال أقوام إِنَّ زيداً إذا قَدِمَ كان شريك عبد الله، وهذا ليس بشيء عندي.
وإن أوصى إلى رجل أن يشتري أرضاً بعد موته ويقفها على وجوه سماها؛ جاز، وتكون ولايته إلى الوصي.
وإن مات الواقف ولم يجعل ولايته إلى أحدٍ: جعل القاضي ولايته إلى من يثق به. فإن جعل ولايته إلى الأفضل فالأفضل من ولده؛ كان جائزاً، يليها أفضلهم ذكراً كان أو أنثى.
فإن صار غيره بعد ذلك أفضل منه جُعِلَ إليه: ألا ترى أنَّه لو جعل غلَّـ للأفقرِ فالأفقرِ من ولده فكان واحد أفقر: كان له، فإن صار غيره أفقر منه؛ رُدَّ إليه. فإن كان أولاده في الفضل سواءً فأكبرهم سناً أولى، فإن مات الأفضل فولايته إلى مَن يَليه، فإن أبى الأفضل أن يقبل فالقياس أن يقيم القاضي بَدَلَه رجلاً ما دامَ حَيَّاً، فإذا مات؛ صار إلى مَن يَليه في الفضل، فإذا لم يكنِ الأفضلُ مَوضِعاً لولايته؛ ولاه القاضي رجلاً.
فلو قال: ولايتها إلى عبد الله ما أقام بالبصرة؛ فهو على ما شَرَطَ.
وكذلك لو قال: إلى امرأتي ما لم تتزوّج، فإذا تزوجت؛ فلا ولاية لها. فإن وَقَفَ أرضاً وجعل ولايته إلى واحدٍ ثمَّ وَقَفَ وقفاً آخرَ: لم يكن الأول متولياً فيه.
فإن قال: ولاية هذا الوقف إلى وَلَدِي لا يخرجُ عنهم، فلم يكن في ولده مَن يَصلح له؛ نصب القاضي له متولياً، ولا يُلتَقَتُ إلى قوله لا يخرج عنهم.
الجزء 1 · صفحة 43
فصل من كتاب الخصاف
إن شَرَطَ الواقفُ أَنَّ مَن نازع الوالي من أهل هذه الصدقة، أو طَعَنَ عليه فهو خارج من الصدقة؛ فالشرط صحيح، ومَن نازع في طلب حق له فهو خارج؛ ألا ترى أنَّ الواقف لو قال: مَن نازع الوالي في طلب حقٌّ فهو خارج؛ صح الشرط.
وكذلك لو قال: من نازع؛ فأمره إلى الوالي، أو إلى فلانٍ، فإن شاء أقره وإن شاء أخرجه.
فإن نازعَ فأقره ثمَّ نازعَ؛ فَلَه إخراجه، وإن نازعَ فأخرجه؛ لم يكن له أن يعيده؛ لأنه فعل ما شَرَطَه فلا يَنقُضه، وإن أقره لم يفعل فعلا وإنَّما تركه إلا أن يقول: فإن رأى الوالي رَدَّه، فنازع فصار خارجاً فرده، ثم نازع، لم يكن له أن يُخرجه ثانياً، إنَّما هو على مرَّةٍ واحدةٍ، إلَّا أن يكون قال: كلَّما نازع فهو خارج، وللوالي ردُّه، فيكون له رده مرَّةً بعد أُخرى.
وكذلك لو شَرَط هذا الشرط من يوصي إليه الوالي؛ فإنَّه يصحُ.
وإن جعل الواقفُ للقائم بأمر الوقف مالاً معلوماً كل سنة؛ جاز، كما
في صدقة عمر رضي الله تعالى عنه: للوالي أن يأكل منها غير متأثَّل مالاً ويكلف القائم بأمره ما يفعله مثله وجرت العادة به، من عمارة الوقف واستغلاله ورفع غلاته وتفريقه في وجوه الوقف، وما يفعله الوكلاء والأَجَرَاء فليس عليه؛ لأنَّه لو جعل القائم امرأة؛ لم تُكلَّف إلا ما يفعله النساء.
فإن حدث بالوالي آفة مثل الجنون أو العمى أو الخرس، فإن أمكنه مع ذلك الأمر والنهي؛ فالأجر له قائم، وإن لم يمكنه: لم يكن له من الأجر شيء.
فإن طعن في الوالي طاعن لم يخرجه القاضي من الولاية إلا بجناية ظاهرة،
فإن أخرجه؛ قطع عنه الأجر الذي جعله الواقف لقيامه.
وإن أدخل معه غيره أجرى له المسمى، وإن كان أكثر من أجرِ مثله، وأجرى لَمَن نصَّبه أجرَ مثله ...... القاضي فيه للواقف ما ليس للقاضي، وإن صَلَحَ مَن أخرجه القاضي رَدَّ عليه ولاية الوقف، وإن جعل الواقفُ للوالي أن يوكل من رأى ويجعل له أجراً؛ فهو جائز، وله إخراجه والاستبدال به، فإن جنَّ الوالي؛ بَطَلَ توكيله
وإن قال الواقفُ: يُجرَى للقيم هذا المسمّى وإن أخرجه القاضي
من الوقف، أو قال: يُجرى ذلك لأولاده وأولاد أولاده إن مات؛ صح الشرط.
الجزء 1 · صفحة 44
فإن قال: إن أحدث واحد من أهل هذا الوقف فيه حدثاً يؤدي إلى فساد، فهو خارج من هذه الصدقة ونصيبه مردود على أهل هذه الصدقة؛ فهذا الشرط جائز.
فإن شكى أهل الوقف القيم وقالوا: لا يوصل حقوقنا إلينا، أو قالوا: عَمِلَ به ما يؤدي إلى الفساد؛ نظر القاضي فيه وعَمِلَ على ما يصحُ عنده.
وإذا جعل الواقف للقيم بأمر الوقف مالاً؛ فنصب القيم قيماً، وجعل ذلك المالَ له؛ لم يجز إذا لم يكن الواقف جعل له ذلك.
وأما الوصيَّة فَلَه أن يوصي بأمر الوقف إلى غيره.
وإن كان الواقفُ جعل له ذلك فجعله للقيم الثاني؛ جاز.
فإن جُنَّ الأول جنوناً مُطبقاً؛ بَطَلَ توكيله.
والجنون المطبق الذي يخرج به عن الأمر سَنَةً؛ لأنه تزول الفرائضُ كلُّها. وكذلك لو كان أوصى بوصايا ودَبَّرَ؟؛ فإنَّه تَبطل وصاياه إذا جنَّ سَنَةَ، ولا يبطل التدبير.
وأما البرسام فإنه لا يدوم فلا تبطل به وصاياه. سُئل أبو نصر: عن قيم الوقف إذا اشترى بغلة الوقف ثوباً فأعطاه للمساكين؟ قال: لا يُجزيه، ولكن يُعطى الدراهم.
وسُئل: عن قيمِ وَقْفٍ طالَبَه السلطان بشيء فاستدان، فهو عليه من ماله ولا يرجع به.
قال أبو الليث إن لم يكن منه بد؛ فإنَّه يستدين بأمر الحاكم، ثم يرجع في الغلة.
عن أبي بكر في متولي وقف أدخل جذعاً في دار الوقف ليرجع في غلتها؛ فله ذلك؛ كالوصي ينفق من ماله على اليتيم، فله أن يرجع في مال اليتيم.
باب: إجارة الوقف ودفعه مزارعةٌ ومعاملة
إذا أجر الواقفُ الأرضَ أو المتولي الذي نصبه، أو وصي الواقف أو القاضي أو أمين القاضي، أو الدار الموقوفة مدة معلومة، أو دفع الأرضَ مزارعة بالثلث أو النصف، أو النخيل معاملة بالثلث أو النصف، بما يتغابن فيه؛ جاز.
وإذا كان بما لا يتغابن فيه، أو ممن يخاف منه على رقبة الوقف، أو مدَّةً طويلةً يُخاف منه على الوقف؛ فسخ القاضي العقد، وأخرج القائم بأمر الوقف عن الولاية إن لم يكن مأموناً، فإن كان مأموناً وكان ذلك سهواً منه: فَسَخَ العقد وقرره على الولاية.
الجزء 1 · صفحة 45
وللآجر قبضُ الغلة، فإن قال: قبضتُ فضاع، أو فرقته على الموقوف عليهم وأنكروا، فالقول قوله مع يمينه.
فإن مات الآجر أو القاضي أو عُزل القاضي لم تنتقض الإجارة استحساناً؛ لأنَّه آجر للوقف والملك لم يتغيَّر.
وليس كذلك إذا آجر أرضَ نفسه ثمَّ مات، فإنَّ الإجارة تنتقض؛ لأنَّ الملك زال إلى الوارث.
وإن مات المستأجر من واحد من هؤلاء، أو مات المزارع انتقضت الإجارة.
ولو وكل رجل وكيلاً في إجارةِ دارِه، ففعل الوكيل ثم مات الوكيل؛ لم تنتقض الإجارة؛ لأنه عقد لغيره.
ولو مات الموكَّل: انتقضت الإجارة لأنَّ العقد له، فإن كان الموقوف عليه هو المتولي فآجر ثمَّ مات؛ لم تنتقض الإجارة وإن كانت الغلة له؛ لأن له من الغلة ما وجب في حال حياته، وما يجب بعد موته لا حق له فيه.
ووصي اليتيم إذا آجر دار اليتيم أو استأجر له، ثم مات الوصي؛ لم تنتقض الإجارة.
وإذا آجر القائم بأمر الوقف؛ فالمَرَمَّةُ عليه من الغلة.
ولو دفع الأرضَ مزارعة؛ فالخراج من حِصَّة أهل الوقف، وكذلك العشر، وإِنَّا وجب العُشْرُ في أرض الوقف؛ لأنَّ اللهَ تعالى بيَّن وجوهَها، فلا يبطل ذلك بوقف الواقف وشرطه، كما لو كان له مئتا درهم نَذَرَ التصدق بها، وحال الحولُ؛ فإنَّه يتصدَّق بخمسة دراهم عن الزكاة، وبالباقي عن النذر.
فإن شَرَطَ المَرَمَّةَ على المستأجر؛ فسدت الإجارة، إلَّا أن يُبيَّنَ للمَرَمَّةِ دراهم معلومة.
سُئل أبو جعفر عن حانوتٍ وَقَفَ عِمارته لآخَرَ، أَبَى صاحب العمارة أن يستأجر بأجر المثل؟ قال: تُرفع العمارة وتُوْاجَر بأكثر، فإن لم يُستَأْجَرْ بأكثر؛ تُرك في يده بذلك الأجر.
وإذا آجر القائم بأمر الوقف أرض الوقف إجارة صحيحة فغلب عليها الماء؛ سقط الأجرُ، فإن قَبَضَها المستأجرُ فلم يزرعها؛ فعليه الأجر.
وإذا كانت الإجارة فاسدة فَقَبضها المستأجر فلم يزرع الأرضَ، أو لم يسكن الدارَ؛ فلا شيء عليه، ليس يلزم الأجرُ في الإجارة الفاسدة بكونها في يده، فإن آجَرَ الوصي وبنى الدارَ من غلَّتِها أو أَذِنَ للمُستأجر في البناء وخاصة بالأجر؛ جاز.
الجزء 1 · صفحة 46
وللقائم بأمر الوقف أن يستأجرَ الأُجَرَاء في عملها، وحفرِ سواقيها وتنقية جرَابِها، وينبغي أن يفعل ذلك إذا كان محتاجاً إليه، وإن أجر إجارةً فاسدة؛ فعلى المستأجر أجْرُ المثل لا يجاوز به ما رضي الوصي به.
أرض فيها نخل أجر تُربةَ الأرض والنخيل لا يمنع زراعتها؛ فهو جائز.
ولا يجوز للوصي أن يؤاجِرَ من نفسه ولا من عبده ومكاتبه، فإن آجَرَ من ابنه أو أبيه لم يجز عند أبي حنيفة، ويجوز عندهما.
وإن آجر بعِوَض؛ جاز عند أبي حنيفة، ويبيعه ويصرفه في وجوه الوقف، وعندهما لا يجوز إلَّا أن يؤاجِرَ بدراهم أو دنانير.
وإن آجَرَ الوصيُّ بحنطة أو شعير؛ جاز.
فإن شَرَطَ حنطة أو شعيراً منها من زَرْعِها؛ فسدت الإجارة.
فإن آجَرَ بعبد فأعتق الوصي العبد لم يجز؛ لأنَّه لا يملكه.
ولو آجَرَ سهاماً من دار؛ جاز على قول أبي يوسف ومحمد وهو قول هلال، وللوصي أن يوكل بإجارة الوقف وللواقف والقائم بأمر الوقف أن يزرعها بنفسه، ويستأجر فيها الأُجَرَاءَ ويؤدى الأجرة من الغلة.
وليس للواقف ولا القائم بأمر الوقف أن يُسكِنَ دارَ الوقف أحداً بغير أجر، وهو ضامن لقيمة الدار إن عَطِبَتْ، ولا يضمن من قيمة الشكني شيئاً. وليس للموقوف عليه أن يؤاجر، وللوصى أن يؤاجر من الموقوف عليه.
فإِن أَخَّرَ الوصيُّ من واحدٍ ثمَّ أَجر من آخرَ: لم يجز، فإن وَقَعَ العقد على سنين بعد الإجارة الأولى؛ جاز.
فإن آجر سنة بمئة درهم، والموقوف عليهم ثلاثة وهو يرجع من بعضهم إلى بعض، فمات واحدٌ بعد انقضاء ثلث السنة، وآخرُ بعد انقضاء ثلثي السنة؛ فقُلتُ الأجر أثلاثاً بين ورثة الأول والباقين والثلث الثاني بين ورثة الثاني والحي، والثلث الثالث للحي.
الوصي إذا آجر وتعجل الأجرة فهذا والأوَّل سواء في القياس، غير أستحسن إذا قسم المعجل بين قومٍ ثم مات بعضُهم قبل انقضاء الأجل ألَّا أردَّ القسمة وأجيز ذلك.
الجزء 1 · صفحة 47
فإن شَرَطَ الواقفُ: أَنَّه ليس لواليها أن يُؤاجِرَها، أو شَرَطَ ألا يعقِدَ عليها عَقْدَ إجارة أو مزارعة أو معاملة أكثر من ثلاث سنين، أو لا يعقد عليها عقداً آخر حتى ينقضي العقدُ الأوَّل، فإن فعل أو أحدث فيه حَدَثاً يريد إبطاله، فهو خارج عن ولاية الوقف: فهو كما شَرَطَ.
فإن قال: أردتُ السعي في صلاحه، وقال أهل الوقف: السعي في الفسادِ، عَمِلَ القاضي على ما يصح عنده.
رجلٌ وَقَفَ دارَه على أن يسكنها فلانٌ مدَّةَ حياته، أو عشر سنين أو أقل أو أكثر، ثم بعد ذلك للمساكين، فهو جائز، وليس له أن يؤاجِرَها، وله أن يسكنها بنفسه وعياله وضيفه.
وكذلك الوصيَّة بالسكنى، فإذا انقضت المدَّةُ في الوصيَّة عادت الدار إلى الورثة وإذا وَقَفَ دارَه على أنَّ غلَّتها له مدَّةَ حياته، ثم هي للمساكين، فله أن يؤاجرها وكذلك الوصيَّة، وله أن يسكنها.
فإن كان الموقوف عليه، جماعةً، فأراد بعضُهم أن يسكنها، وأراد بعضُهم أن يؤاجرها، أمر الحاكم بالتهايؤ، ثمَّ مَن أراد أن يسكن سكن، ومَن أراد أن يؤاجِرَ؛ أَجْرَ.
فإن قال الواقفُ: على أن يستغلوها، وليس لهم أن يسكنوها؛ فهو على ما شرط
باب الوقف على الأولاد وأولاد الأولاد
رجل جعل أرضَه صدقةً موقوفةً على ولده، ثم من بعد ذلك على المساكين؛ فهو جائز، وهو للموجودين من ولده ولمن يَحدُثُ من بعد، يدخل فيه الذكور والإناث ويستوون فيه؛ لأنهم يدخلون في الاسم.
فإن كان له ولد واحد فالوقف كلُّه له، وكذلك لو كان له أولاد فانقرضوا ولم يَبْقَ إِلَّا واحدٌ ألا ترى أنَّ أبا حنيفة كان يقول: لو أوصى لولد عبد الله، وله ولد واحدٌ أنَّ الوصية له.
واحتج هلال على مَن قال بأنَّ مَن يَحدُثَ من ولده لا يدخل فيه، وهو يوسف بن خالد فقال: لو وَقَفَ على قرابته؛ فهو من كان ويكون من القرابة؛ ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جعل سهماً من وقفه لقرابته، وهو الآن يجري عليهم.
ولو قال: على ولده ووَلَدِ ولده؛ فإنَّ مَن يَحدُثُ من ولد الولد يدخل فيه، فكذلك يدخل مَن يَحدُثُ من ولد الصُّلب، ومحال أن يُعطَى ولد الولد وقد حَدَثوا، ولا يُعطَى ولد الصُّلب؛ لأنهم حادثون.
الجزء 1 · صفحة 48
ولو وَقَفَ على نسله؛ دخل فيه مَن يَحدُثُ من نسله، فكذلك يدخل من يحدث من ولده، وأي فصل بينهما؟!
ولو وَقَفَ على أولاد زيد وله وَلَدَان، فالغلَّة لهما، وإن مات واحد فللباقي النصفُ، والنصف للمساكين؛ لأنَّ أقل ما يقع عليه اسم الأولاد اثنان.
ولو قال: على ولد زيد وهم فلان وفلان، وعدَّ خمسة؛ لم يدخل سائر أولاد زيد ومَن يَحدُثُ لهم من ولد فيه، ومَن مات من هؤلاء الخمسة؛ فسهمه للمساكين.
ولو وَقَفَ على فقراء ولد عبد الله، وفيهم أغنياء وفقراء، فافتقر الأغنياء واستغنى الفقراء؛ فإنَّه يعطى من كان فقيراً يوم تخلق الغلة وتطلع، وفقرهم حادث، ولو قلنا خلاف هذا؛ لكان يُعطَى الأغنياء ويُحرَم الفقراء، وهذا قبيح وأمَّا إذا أوصى لولد عبد الله: فإنَّه يُعطى مَن كان موجوداً من ولده يوم يموت الموصي، دون مَن يَحدُثُ؛ لأنَّ الملك وجب للموجودين فلا يُحوّلُ، وغلة الوقف تجب للموقوف عليهم يوم تَخَلُّقِ العَلَّةُ، فكلُّ مَن كان موجوداً ذلك الوقت دخل فيه، ومَن يحدثُ بعده لا يكون له في تلك الغلة شيء، وحقه فيما يَحدُثُ من غلَّةٍ، وكذلك من يجوز أن يكون حادثاً.
فإن جاءت امرأة الواقف بولد بعد مجيء الغلة لأقل من ستة أشهر منذ يوم جاءت الغلَّةُ: فهذا الولد أسوة سائر الأولاد في تلك الغلة.
وكذلك لو طلق امرأته وجاءت بولد ما بينها وبين سنتين؛ لأنا حكمنا بأنه كان مخلوقاً يوم جاءتِ الغلة.
وكذلك لو مات الواقفُ ساعةَ جاءتِ الغلَّةُ وجاءتِ امرأته بولد ما بينها وبين سنتين، لأنا حكمنا بأنه كان مخلوقاً يوم جاءتِ الغلَّةُ.
فإن كان بين موته وبين مجيء الغلة وقتُ يَقدِرُ على الوصول إلى أهله؛ لم يكن للولد في هذه الغلة شيء؛ لأنَّه يجوز أن يكون حادثاً بعدما جاءتِ الغلة وكذلك الوصيَّةُ في جميع ذلك.
فإن جاءت جاريثه بولد لأقل من ستة أشهر منذ جاءتِ الغلَّةُ فادَّعاه المولى ثبت نسبه ولم يُشرِكِ الأولاد في تلك الغلة الموجودة؛ لأنَّ تلك الغلَّةَ وجبت لهم، فلا أصدقه في انتقاص حقهم؛ ألا ترى أن مكاتباً لو كان له أخ حرمات وترك ابن عم، فادَّعى المكاتب ولد جاريته، أو ولداً من امرأة حرة؛ ثبت نسبه، ولم يأخذ الميراث من ابن العم: لا أُصدِّقُ المكاتب على إبطال ما وجب لابن العم، هذا قول أصحابنا، والوقف قياسه.
الجزء 1 · صفحة 49
ولو وَقَفَ على ولده ومات الواقف ساعة جاءت الغلة، وجاءت امرأته بولد ما بينه وبين سنتين؛ كان الولد أسوة إخوته في تلك الغلة؛ لأنَّه كان مخلوقاً يومئذ.
فإن كان بين موته وبين مجيء الغلة وقتُ يَقدِرُ على الوصول إلى امرأته يوم أو يومان، فجاءت بولد لم يكن له حِصّةٌ؛ لأنَّه يجوز أن يكونَ حادثاً من وَطْءٍ بعد مجيء الغلة، إلا أن يجيءَ لأقل من ستّة أشهرٍ من يوم جاءتِ الغلَّةُ فيدخل في تلك الغلة؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون حادثاً.
فإن وَقَفَ على ولده وله امرأةٌ طلقها فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين؛ كان له حِصَّته من الغلَّة؛ لأنَّه كان مخلوقاً، وكذلك الوصية في هذا كله.
فإن وَقَفَ على ولده؛ فهو لولده لصلبه ولا يدخل ولد الولد فيه.
فإن لم يكن له ولد وكان له وَلَدُ وَلَدٍ؛ فهو لولدِ وَلَدِه خاصَّةً، وإذا كان له ولد لصلبه؛ فالوقف لهم خاصة دون وَلَدِ الوَلَدِ، فإن لم يكن ولد الصلب وله وَلَدُ وَلَدٍ؛ فالوقف لولد الولد؛ لأنَّ المعنى إنَّما وقع لهم. فإن لم يكن له ولد ولا وَلَدٌ وَلَد، وله ولد أسفل من ذلك؛ دخل فيه مَن قَرُبَ ومَن بَعُدَ منهم إذا كان مَن يُنسب إليه ثلاثة آباء فصاعداً؛ دخل القريب والبعيد فيه وصار كالفخذ؛ ألا ترى أنه لو أوصى لولد العباس؛ فإنَّه يعطيهم جميعاً، وهو لولد الذكور دون الإناث كذا ذكره هلال.
وذكر الخصافُ: أنَّه يدخل فيه ولد البنات مع ولد البنين، فقيل له: أليس قد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنَّ ولد البنات لا يدخلون فيه؛ فقال: ما وجدنا أحداً يقوم برواية ذلك عنهم، وإنما يروى عن أبي حنيفة أنه لو أوصى بثلث ماله لولد زيد ولم يكن لزيد ولد وكان له وَلَدُ وَلَدٍ: لم يدخل ولد الإناث فيه، فأحسبُ أصحابنا قاسوا الوقفَ بالوصيَّة؛ لأنَّ عامَّةَ ما قالوا في الوقف على قياس الوصايا، وقال محمد بن الحسن: يدخل ولد الإناث فيه؛ لأنهم يُقال لهم وَلَدُ وَلَدٍ.
فإن وَقَفَ على ولده وعلى أولادهم؛ كان الوقف لولد الصُّلب وأولادهم، ولا يُعطى من دون ذلك البطن؛ لأنَّه سمّى هذين البطنين.
ولو وَقَفَ على ولده ووَلَدِ ولده وأولادهم؛ فالقياس ألَّا يُعطى إلَّا البطونُ الذين سماهم، ولكني أستحسن إذا سمى ثلاثة بطون أن أُعطي من هو أسفل منهم، أعطيهم ما تناسلوا.
فإن وَقَفَ على ولده فإذا انقرضوا فعلى الفقراء؛ فهو لولده، فإن لم يكن له ولدٌ؛ فهو للفقراء؛ لأنَّه ما قال: «صدقةٌ موقوفةٌ؛ وجب للفقراء وصار في المعنى كأنه قال: صدقة على الفقراء فإن حَدَثَ لي ولد فهو لهم. فإن حدث له ولدٌ رُدَّ إلى ولده.
الجزء 1 · صفحة 50
وكذلك لو قال: على فقراء قرابتي، فإذا استغنوا أو انقرضوا فعلى الفقراء؛ فاستغنوا؟؛ فالغلَّةُ للفقراء، فإن افتقروا بعد ذلك؛ رُدَّ عليهم، ولو
قال: صدقة موقوفة على نفسي؛ فالوقف باطل.
فإن قيل: فلِمَ لا تُجعَل كأَنَّه قال: على ولدي ولا ولد له؛ قيل:؛ لأنَّ
وَقْفَ غيره عليه جائز، ولا يجوز وقفه ووَقْفُ غيره على ولد فلان ولا ولد له؛ ألا ترى أنَّه لو أوصى بثلث ماله لابنه ولفلان؛ كان لفلان النصفُ، ولو أوصى لعبد الله ولولد فلان ولا ولد لفلان؛ أنَّ الثلث لعبد الله.
ولو قال: صدقة موقوفة على ولد فلان، وليس لفلان ولد؛ فهو للفقراء.
وكذلك لو قال: على الموتى؛ ألا ترى أنَّه لو أوصى لفلان وللموتى بثلث ماله؛ كان الثلث لفلان.
فإن قال: أرضى صدقةٌ موقوفة على من يولد لي من الولد؛ فهو للفقراء، فإذا حَدَثُوا؛ كانت لهم.
فإن قال: على ولدي ووَلَدِ ولدي، ولم يكن لهم ولد ولد: فهو لولد الصُّلب، فإن لم يكن له ولد صُلب وكان له وَلَدُ وَلَدٍ؛ فهو له، وإن كان له ولد ولد ولد: فهم شركاء فيه.
فإن قال: على ولد عبد الله وولد زيد، ولم يكن لزيد ولدٌ؛ فالوقف كلُّه لولد عبد الله، وكذلك الوصيَّة.
وكذلك لو قال لولد إخوتي، ولم يكن لبعضهم ولد، فإن قال لولدي وولد ولدي الذكور؛ فهو للذكور من ولده وولد ولده من البنين والبنات؛ ألا ترى أنه لو قال: على ولدي وولد ولدي الفقراء أني أعطي مَن كان فقيراً من ولد البنين والبنات.
فإن قال على الذكور من ولدي وعلى ولد الذكور من ولدي؛ دخل الذكورُ من ولده، ودخل الذكور والإناث من ولد الذكور.
فإن وَقَفَ على ولده وولد ولده ما توالدوا، وقال: من خرج من مذهب الإثبات إلى مذهب المعتزلة فهو خارج عن الوقف؛ فهو كما شَرَطَ.
وكذلك سائر المذاهب.
فإن خرج إلى مذهب المعتزلة ثم عاد إلى الإثبات؛ لم يُرَدَّ إلى الوقف.
ولو وَقَفَ على مَن سكن من ولده بغداد، ومن خرج من بغداد؛ فهو خارج عن الوقف، فإن عاد إلى بغداد؛ رُدَّ إلى الوقف ولا يشبه هذا المذهب.
الجزء 1 · صفحة 51
وعن الإسكاف: أنَّه إذا وَقَفَ على أم ولده ما لم تتزوج فتزوجت ثمَّ طلقها؛ فلا شيء لها.
قال أبو بكر: من خرج من بلخ سَنَةٌ ولم يبع مسكنه ولم يتخذ مسكناً آخر؛ فهو من سكان بلخ، وكذلك لو قال: إن خرج من مذهب المعتزلة إلى مذهب الإثبات: فهو خارج عن الوقف؛ فهو كما لو شرط.
ولو قال مَن خرج من مذهب الإثبات؛ فهو خارج عن الوقف؟؛ فارتد والعياذ بالله أو كانت امرأةً فارتدَّتْ: خرج عن الوقف؛ لأنه خرج عن مذهب الإثبات والإسلام.
ولوِ ادَّعى بعضُهم على بعض أنَّه انتقل وجحد هو، فالقول قوله وعلى المدعي البينة.
ولو قال: على ولدي وأولادهم وأولاد أولادهم ما توالدوا، وكان له أولاد ماتوا قبل الوقف وخلّفوا أولاداً؛ لم يدخلوا في الوقف؛ لأنه قصد إلى ولده الأحياء.
ولو قال: على ولدي وولد ولدي وعلى أولادهم؛ دخلوا فيه؛ لأن ولد من
مات من ولده وولد ولده، فدخل فيه ولده الذكور والإناث
وولد ولده وأولادهم بينهم بالسوية.
ولو قال: على ولده العُور أو العميان؛ فالوقف للأعور والأعمى منهم يومَ وقف.
و مَنِ اعْوَرَّ أو عَمِيَ بعد ذلك من ولده؛ لم يدخل في الوقف.
وكذلك لو قال: على أصاغر ولدي؛ فهو للصغار يومَ وَقَفَ، وإن حَدَثَ بعد ذلك ولد؛ لم يدخل فيه؛ لأنَّ العُور والعميان والصغار بمنزلة الاسم؛ إذ العَمَى والعَوَرُ لا ينتقل صاحبه عنه، والصغير لا يعود بعدما كَبُرَ، فهو كما لو قال: على ولدَيَّ فلان وفلان، والسكنى والفقر والغنى صفةٌ تعودُ، فإذا زالت منه الصفةُ؛ لم يُعطَ، فإن عاد إلى الصفة؛ أعطيتُه.
فإن قال: على أصاغر ولدي؛ فهو على من لم يبلغ الحِنْثَ من ولده يومَ وَقَفَ.
وإن قال على أكابر ولدي؛ فهو على من أدرك من ولده يومَ وَقَفَ الواقف.
ولو قال: صدقةٌ موقوفة على بني، وله ابنان فصاعداً؛ فالوقف لهم. فإن كان له ابن واحدٌ؛ فله نصف الغلّة وما بقي فللفقراء؛ لقوله في أوَّل كلامه صدقة موقوفة؛ ألا ترى أنه لو أوصى لبنى فلان ولم يكن له إلَّا ابن واحدٌ؛ أنَّ له النصف وما بقي فهو ميرات عن الموصي.
الجزء 1 · صفحة 52
وإن وَقَفَ على بني فلانٍ وهو أب قبيلة؛ دخل فيه الذكور والإناث إن كانوا، وإن كان فلان أبَ صُلب، أو قال: على بَنِيَّ: فإِنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال: إذا أوصى لبني فلان، فإن كانوا كلّهم إناثاً؛ لم يدخلوا في الوصيَّة، وإن كانوا ذكوراً؛ دخلوا.
فإن كانوا ذكوراً وإناثاً فإنَّ في قول أبي حنيفة الذي رواه أبو يوسف، وهو قول أبي يوسف.
وذكره أبو الحسن في مختصره: أنَّ أبا حنيفة رجع إلى هذا القول فالوصية للذكور منهم دون الإناث.
قال أبو الحسن: إنَّه لا يحسنُ أن يقول: هذه المرأة من بني فلان إذا
نَسبتها إلى أبيها، فإن نسبتها إلى قبيلةٍ قلت: هي من بني فلان.
وعلى قول أبي حنيفة الذي رواه يوسف بن خالد وهو قول محمد يدخل فيه الذكورُ غ والإناث، قال هلال ألا ترى أنَّه يَحِسُنُ أن يُقالَ: هذه المرأة من بني فلان.
ولو قال: صدقةً موقوفة على إخوتي؛ دخل فيه الإخوة والأخوات قال الله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ وَإِخْوَةٌ} النساء: والإخوة والأخوات فيه سواء.
وإن وَقَفَ على بناته؛ كان للبنات دون البنين فإن لم يكن له بنات وكان له بنون؛ فهو للفقراء.
فإن قال: على الإناث من ولدي وعلى أولادهم؛ فهي على الإناث من ولده الصلبه وعلى أولادهنَّ الذكور والإناث فيه سواء.
فإن قال: على ولدي أو بني، وليس له ولد ولا ابن؛ فالوقف للفقراء.
فإذا حَدَثَ له ولدٌ أو بنون؛ كان ذلك لهم.
وإن قال: على ولدي الذين يسكنون داري أو يسكنون بغداد؛ فالوقف من سکن داره أو سَكَنَ بغداد يوم تجيء الغلَّةُ دون من انتقل عنها، كما قلنا في قوله لفقراء ولدي.
باب الوقف على ولده ونسله
رجل قال: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ على ولدي و نسلي؛ فالوقف صحيح ويدخل فيه الذكور والإناث من ولده ووَلَدِ ولده الآباء والأبناء مَن قربت ولادته ومَن، بعُدت من وَلَدِ البنين والبنات أحراراً كانوا أو مملوكين، وحصّة المملوك تكون لمولاه، ويستوون فيه.
وكذلك لو قال: على نسلي؛ فهو جائز وهو مثل الأوّل؛ لأنَّ النسل اسم جامع لمن كان ويكون، وكأنه قال: على ولدي ومَن يحدث لي من الولد ونسلهم، وكذلك لو قال: على ذرِّيَّتي: فالذرِّيَّة والنسل
الجزء 1 · صفحة 53
واحد وكذلك لو قال على نسل عبد الله ومن مات منهم رد نصيبه على الباقين ولو لم يبق إلا واحد فإن قال على ولدي المخلوقين ونسلي دخل به من يحدث له من ولد وولد الولد لأنه قال ونسلي وهم من نسله.
فإن قال: على ولدي المخلوقين ونسلهم؛ لم يدخل فيه من يحدث له من ولد، ويدخل فيه مَن يحدث من أولاد المخلوقين؛ لأنه أضاف النسل إليهم.
ولو قال على ولدي المخلوقين ونسلهم ونسل مَن يحدث لي من ولد؛ لم يدخل فيه من يحدث له من ولد ودخل فيه أولادهم؛ لأنَّه لم يُسَمِّهم وسمَّى أولادهم.
وكذلك لو قال على ولدي المخلوقين وولد ولدي، ولو قال: على ولدي المخلوقين وأولاد أولادهم ونسلهم؛ دخل فيه ولد ولده لصلبه.
فإن قيل: لم يدخلون وقد أسقطهم؟ قيل: لأنَّه قال «ونسلهم» وهم من نسل ولده لصلبه، فهو على نسل كلِّ مَن سمّى.
ولو قال: على ولدي المخلوقين ونسل أولادهم؛ لم يكن لولد ولده شي: أ لأنه تخطّاهم وأضاف النسل إلى أولاد الأولاد، ولم يُضِف إلى ولدالصلب.
ولو قال: لزيد وعمرو ونسله؛ لم يكن لولد زيد شيء؛ لأنه أضاف النسل إلى عمرو.
ولو قال لزيد وعمرو ونسلهما؛ دخل أولاد زيد وعمرو فيه، فإن قل نسل أحدهما وكَثُرَ نسلُ الآخر؛ قُسم على عدد الرؤوس.
فإن وَقَفَ داراً على أن تسكنها بناته ومَن تزوجت فلا سكنى لها؛ فتزوجت واحدةٌ؛ فلا سكنى لها، فإن طلقها زوجها؛ لم يَعُدْ حقها في السكنى، وكذلك أمهات أولاده.
فإن قال: على ولدي لصلبي لا يخرج عنهم حتّى ينقرضوا، فإذا انقرضوا فلولد ولدي ونسلهم على أنَّ مَن مات من ولدي لصلبي فنصيبه لولده؛ فمات ولد له فنصيبه لولده.
فإن قيل: أليس قد قال: لا يخرج عنهم حتى ينقرضوا؟
قيل: لو سكت عنه: كان كذلك، لكنَّه نَقَضَ ذلك بقوله: كلُّ مَن مات
من ولدي فنصيبه لولده. فهذا نقض لذلك، وإِنَّما يُنظَر فيه إلى آخر الكلام.
مريضةٌ وَقَفَتْ داراً لها لا مال لها غيرها على ثلاث بنات لا وارثَ لها غيرهنَّ، قال أبو بكر: ثلثها وقف عليهنَّ، وثلثاها ملك لهنَّ.
الجزء 1 · صفحة 54
قال أبو الليث هذا إذا لم يُجيزوا، فإذا أجازوا؛ فالجميع وقف.
فصل
ولو وقف على عَقِب زيد؛ فَعَقِبه ولده وولد ولده أبداً ما توالدوا من أولاد الذكور، الذكور والإناتُ فيه سواء، ولا يدخل أولادُ البنات؛ لأنَّ عَقِبَه مَن يُنسب إليه، وولد البنات يُنسب إلى قوم آخرين.
ذكر أبو بكر الخصَّاف بإسناده عن الزهري قال: العَقِبُ الولد وولد الولد من الذكور.
وذكر بإسناده عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: العقب الولد من الرجال
وولد الولد من الرجال ليس فيه النِّساء.
وذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال أصحابنا لو
أوصى لعقب زيد بثلث ماله، وزيد حي وله أولاد؛ لم تجز الوصية لولد زيد؛ لأنَّ عَقِبَه مَن يَعقبه بعد موته، فإذا كان هو حياً لم يكن الولد عقب.
فصل
ولو وقف على ورثة زيد وزيد حي؛ فلا شيء للورثة؛ لأنَّ وارثَهُ مَن يرثه بعد موته، ولأنه يجوز أن يموت قبل زيد فلا يكون من ورثة زيد، فتكون الغلة للفقراء.
فإذا مات فلان رُدَّ إلى ورثته، فإن مات زيد؛ فالغلة بين ورثته الموجودين على عددهم يستوي فيه الذكر والأنثى.
فإن مات بعضُهم؛ سقط سهمه وكانت الغلَّةُ مَن كان منهم حيا يوم تأتي الغلة.
فإن بقي واحدٌ؛ كان له نصفُ الغلَّة، والنصف الباقي للمساكين؛ لأنَّ أقل مَن يقع عليه اسم الورثة اثنان.
فإن قال: لورثة زيد على قَدْرِ مواريثهم، ومات وخلف أولاداً ذكوراً وإناثاً وزوجةً وأبوين؛ فالغلة بينهم على قَدْرِ مواريثهم.
فإن مات واحدٌ منهم؛ كانت حِصَّتُه للمساكين، ولا تُرَدُّ على الباقين؛ لأنَّه إذا مات وخلف ابنين وابنتين: كانتِ الغلَّةُ بينهم على ستة لكل ابن سهمان، ولكل ابنة سهم.
الجزء 1 · صفحة 55
فإن مات أحد الابنين فلو ردَدْنا نصيبه على الباقين؛ لكانت الغلة بين الابن الباقي والابنتين على أربعة، فلا يكون على مقدار مواريثهم من الميت الأول وهو زيد؛ فلذلك قلنا لا يُرَدُّ ويكون نصيب الميت للمساكين.
وإذا قال: على زيد وورثة عمرو: قُسْمَتِ العَلَّةُ بين زيد وورثة عمرو على عددهم، فما أصاب ورثة عمرو قُسِّمَ بينهم على قَدْرِ مواريثهم.
ولو قال بين زيد وورثة عمرو على عددهم؛ فما أصاب ورثة عمرو قسم بينهم على قَدْرِ مواريثهم.
ولو قال: بين زيد وورثة عمرو: كان لزيد نصفُ الغلة ونصفها لورثة عمرو فإن قال: لأولاد زيد؛ فمات بعضُهم؛ فإن بقي اثنان؛ فالغلة لهما، وإن بقي واحدٌ: فله النصف، وأقل ما يقع عليه اسم الأولاد اثنان.
فإن قال: على ولد زيد وهم فلان وفلان، وعد خمسة؛ لم يكن لمن عدا هذه الخمسة، ولا مَن يَحدُثُ من ولد زيد فيها نصيب.
وإن مات واحدٌ من الخمسة؛ فسهمه للفقراء.
باب الوقف على الأقرباء وذوي القرابة
إذا قال: أرضي صدقةٌ موقوفة على ? أقربائي؛ فعلى قول أبي حنيفة تجب لاثنين فصاعداً من ذوي الرحم المحرم الأقرب فالأقرب.
فإن كان له عمان وخالان؛ فهو للعمين.
فإن كان له عم وخالان؛ فللعم النصف والنصف للخالين.
فإن كان له عم وعمَّةٌ وخالان فالغلة بين العم والعمة نصفان.
وقال أبو يوسف ومحمَّدٌ: يدخل فيه كلَّ مَن يجمعه وإيَّاه قرابة إلى أقصى أب في الإسلام من قبل أبيه، ومن قبل أمه يدخل فيه كلُّ ولدٍ لأبعد أبٍ في الإسلام للواقف.
ومعنى قوله: أقصى أب في الإسلام أي مَن أدرك الإسلام وإن لم يُسلم. وكان أبو يوسف يقول مرَّة: يدخل فيه كلّ ذي رحِمِ تحرمٍ ولا يُعتبَر الأقرب فالأقرب.
وكلهم قالوا: إنَّ قرابته من قبل أبيه ومن قبل أمه سواء. ولو قال: على إخوتي، وله ثلاثة إخوة متفرقين؛ فالغلة بينهم بالسوية، وهذا حُجَّةٌ على أبي حنيفة في الخالين والعمين.
الجزء 1 · صفحة 56
وقال يوسف بن خالد القرابة عندنا على ي ولد الجد الذي ينتسب إليه الواقف بثلاثة آباء، فيكون ولد ذلك الجد فيه سواء، ألا ترى أنَّ الصدقة حُرمت على قرابة النبي صلى الله عليه وسلَّم وهم بنو هاشم، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينتسب بثلاثة آباء إلى هاشم.
وقال قوم: القرابة إلى أربعة آباء، واحتجوا في ذلك ببعض الآثار.
ويستوي في الاستحقاق بالقرابة على قولهم جميعاً الذكر والأنثى، والمسلم والكافر، والحر والمملوك، إلا أنَّ ما يجب للمملوك يكون للمولى الذي يكون مملوكاً له يوم تخلق الغلة.
والقبولُ إلى العبد دون المولى، وبعد العِتق تكون له، ويدخل فيه من كان له من قرابة ومَن يحدث من القرابة، ويكون لهم ما تناسلوا ولا يُفَضَّلُ بعضُهم على بعض ألا ترى أن السهم الذي جعله عمرُ رضي الله تعالى عنه لقرابته جارٍ إلى ا يومنا هذا، ولا يدخل الوالدان والولد فيه ذكوراً كان الولد أو إناثاً؛ لأنَّ الله تعالى قال في الوصية لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ البقرة: ? أخرج الوالد من القرابة، فالولد أيضاً يخرج منه؛ لأنَّه أقرب من القرابة.
وأما ابن الابن والجد فقد ذكر في «الزيادات»: أنهما يدخلان فيه، وهو قول محمد خاصَّةً يدخل فيه مَن قربت قرابته ومن بعدت، ويدخل في القرابة ولد البنات، وإليه ذهب هلال والخصاف.
وفي قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يدخلان فيه، ذُكر قول أبي حنيفة في رواية الحسن وقول أبي يوسف في «الأمالي،
وقال يوسف بن خالد لا يدخل ولد الولد في القرابة، وهو أقرب من أن يقال له قرابة، ويدخل فيه القريب وولده، وليس كذلك إذا وَقَفَ على ولد عبد الله وله ولدٌ ووَلَدُ ولدٍ، فإنَّ ولد الولد لا يدخل فيه، ألا ترى أنه لو أوصى لقرابة عبد الله؛ دخل الولد وولد الولد فيه؛ لأنّهم كلُّهم قرابة، أمَّا إذا أوصى لولد عبد الله فولده ينتسب إليه، وولد ولده له والد آخر، فمَن ينتسب إليه أولى.
وكذلك لو قال: صدقةٌ موقوفة على ذوي قرابتي: فهو بمنزلة قوله: «على أقربائي».
وكذلك لو قال: القرابتي، أو على قرابتي، أو في قرابتي. وذكر الخصاف أنه لو قال: على قرابتي، فلم يكن له إلا رجل واحد من القرابة؛ أنَّ جميع الغلة تكون له؛ لأنَّ الواحد يسمى قرابة وهو بمنزلة قوله: على ولد زيد: فإنَّه يكون لولده ولو كان واحداً، وكذلك لو قال: على أنسبائي، أو على ذوي رحمي: فهذا كله: فهذا كلُّه سواء، وهو بمنزلة قوله: على أقربائي، وكذلك لو قال: في القرابة أو على القرابة أو للقرابة، ولم يضفه إلى نفسه؛ فهو كما لو أضاف ويكون لقرابته.
الجزء 1 · صفحة 57
وكذلك لو قال: للأقارب أو للأنساب أو لذوي الأرحام، ولم يضف إلى نفسه.
ولو قال: على ذوي قرابتي من قِبَلِ أبي وأمي أو القرابتي من قِبَل أبي وأمي: فهم جميعاً فيه سواءٌ يُقسم على عدد رؤوسهم؛ كما لو قال: أوصيتُ لبني أعمامي، ولأحد أعمامه خمسة بنين، وللآخر ثلاثة، وللآخر، اثنان، فإنَّه يُقسم على عدد رؤوسهم.
فإن قيل: لم لا تُجعل كَمَن له قرابةٌ من قِبَلِ الأَبِ والأُمِّ؟
قيل: لا يُراد بمثل هذا الكلام هذا؛ ألا ترى أنَّ رجلاً لو كان من بني هاشم وأمه من بني أُمية فقال: أوصيتُ بثلث مالي لقرابتي من بني هاشم أُميّة.
أنَّه يُعطى كل واحدٍ منهما، وينبغي على قول من خالفنا أَلَّا يُعطى إِلَّا مَن كان قريبه من بني هاشم وبني أُمية جميعاً، وهذا ليس بشيء.
فإن قال: بين قرابتي من قبل أبي وبين قرابتي من قِبَل أُمِّي: قال الخصَّاف هذا عندي يُقسَّم نصفين؛ كما لو قال: ثلث مالي بين زيد وولد عبدِالله، ولعبد الله خمسةُ بنين، كان لزيد نصفُ الثلث، والنصف الآخر لولد عبد الله.
ولو قال: لذي قرابتي: فالقياس أن يقع هذا على واحد، ولو كان له عم وخالان أن يكون الجميع للعم، وفي الاستحسان فهم جميعاً سواء.
وكذلك لو قال: لذي نَسَبٍ منّي.
فإن قال: على أقرب قرابتي: فهو لأقرب القرابة.
فإن كانوا في القُرب سواء؛ فهو لهم جميعاً لا يدخل ولد الواقف فيه؛ لأنه أقرب من أن يُقال له قرابة.
ولو قال: الأقرب الناس إلى: دخل فيه ولده؛ لأنه من الناس.
ولو قال: على قرابتي من العرب؛ لم يُعط الموالي، ولا يُعطى إلَّا قرابته من العرب.
ولو قال: على قرابتي الذين يسكنون البصرة: أُعطي من كان منهم ساكن البصرة يومَ تَخَلُّقِ العَلَّةِ ومَن كان خارج من البصرة يومئذ لم يُعط؛ كما لو قال: على قرابتي الفقراء؛ فمَن كان غنياً يومَ تَخَلُّقِ الغلَّةِ لم يُعط وإن كان فقيراً قبله.
الجزء 1 · صفحة 58
باب الرجلُ يقف على فقراء قرابته وفقراء ولده ونسله
إذا قال: أرضي موقوفةٌ على فقراء قرابتي، أو فقراء ولدي ونسلي: فهو جائز وتجب الغلَّهُ لَن كان فقيراً يومَ تَخَلُّقِ الغَلَّةِ، وإن كان غنياً قبله،، ومَن كان غنيّاً يومَ تَخَلْقِ الغلة فقيراً قبله؛ لم يكن له شيء.
وكذلك لو قال: على مَنِ افتقر من ولدي: فهذا والأول سواء، وقال محمد بن الحسن ويوسف بن خالدٍ: لا يُعطَى مَن وُلِدَ فقيراً وإِنَّما يُعطَى مَنِ افتقر بعد الغنى.
قال هلال: معاني كلام الناس أن يُعطَى الفقراء، أغنياء كانوا قبل ذلك أو فقراء؛ ألا ترى أنه لو قال: على من يسكن البصرة من قرابتي، أو من أقام من البصرة، فإنَّه يدخل فيه من كان ساكناً بالبصرة أو من كان مُقيماً بها يومَ تَخَلْقِ الغلة وإن لم يكن قبل ذلك ساكناً.
وكذلك لو قال: على من حفظ القرآنَ: ي فإنَّه يُعطَى مَن يحفظ بعده.
وكذلك لو قال: على من احتاج إليه من قرابتي: فإنَّه يُعطى مَن لم يزله محتاجاً، هذا معاني كلام الناس.
وقال قوم ممن يُنسبون إلى الفقه: إنَّه تجب الغلة من كان مخلوقاً من القرابة دون مَن يَحدُثُ.
وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه يقتضي أنه إذا قال: على فقراء قرابتي، وله قرابةٌ فقراء وقرابةٌ أغنياء فاستغنى الفقراء وافتقر الأغنياء أن يُعطى الأغنياء دون الفقراء، وأن يُعتبَر فقره يومَ وَقَفَ، وليس هذا معاني كلام الناس ومذاهبهم في الوقف.
وكذلك لو قال: على مَن كان فقيراً يتيماً من نسلي: فكان في نسله يتيم فقير فصار رجلاً واكتسب مالاً، فعلى ما يقول هؤلاء يجب أن يُعطَى وهذا ليس بشيءٍ ومَن كان فقيراً يوم جاءتِ الغلَّةُ ثمَّ استغنى فحقه في تلك الغلة ثابت.
قال أبو بكر الخصاف والصواب عندي أن يُراعى حال القسمة، فمَن كان فقيراً عند مجيء الغلة غنياً عند القسمة لم يُعط شيئاً، ويُمنع فيما يستقبل إذا استغنى، ا لو قال: ثلث مالي لفقراء بني فلان فاستغنى أحد بعد موته؛ فله حصّةٌ من الثلث، وإذا مات رجل من فقراء القرابة بعدما جاءت الغلة؛ فنصيبه من الغلة ميراثُ عنه، تُقضَى منه ديونه وتُنفّذ وصاياه ويُجعل الباقي لورثته الأغنياء والفقراء وإن لم يكونوا من قرابة الواقف.
الجزء 1 · صفحة 59
فإن قال: على فقراء قرابتي فولدتِ امرأةٌ من قرابته ولداً لأقل ستّة أشهرٍ منذ جاءتِ الغلة؛ لم يكن له من الغلة شيء؛ لأنَّ ما في البطن لا يوصف بالفقر والحاجة؛ ألا ترى أنَّ الحامل المتوفى عنها زوجها لا يُنفَق عليها من مالِ مَن في بطنها، وإِنَّما يُنفَق عليها من حِصَّتها.
قال الخصافُ يُعطى هذا الولد؛ لأنه كان مخلوقاً في البطن وهو فقير.
وكذلك لو قال: على من كان فقيراً من ولدي ونسلي.
ولو قال: على من كان فقيراً من قرابتي ولم يكن في قرابته إلَّا فقير واحدٌ فجميع الغلة له.
ولو قال: على فقراء قرابتي فلهذا الواحد النصفُ؛ لأنَّه لا يُقال: فقراء
لأقل من اثنين، فإن كانا اثنين؛ كانتِ الغلَّةُ لهما.
وكذلك لو قال: على محتاجي قرابتي: فللواحد النصف.
ولو قال: على من كان محتاجاً: فللواحد جميع الغلة.
ولو قال: على فقراء قرابتي: فمن الفقير؟ من كان له من الدراهم أقل من مِئَتَي درهم، أو من الدنانير أقل من عشرين ديناراً؛ فهو فقير يُعطى من غلة الوقف، وكذلك مَن كان له مسكن وخادمٌ وثياب وأثاتٌ لا فضل فيه، ومن متاع البيت ما لا غنى به عنه، أو من كان له مال كثيرٌ غائب عنه، أو دين على مفلس أو جاحد ولا بيئة له، أو له مال وعليه مثله، فهؤلاء فقراء يُعطون من غلة الوقف والزكاة.
ومن كان له مننا درهم أو عشرون ديناراً، أو كان له على أحدٍ مالٌ يَقْدِر على أخذه، فهذا غنيٌّ لا حق له في الوقف والزكاة.
وقال يوسف بن خالد: الغِنَى خمسون درهماً أو قيمتها.
وكذلك لو كان له فَضْلُ متاع به عنه غنى قيمتُه مِئَتا درهم أو فَضْلُ مسكن لا يحتاج إليه يسكنه، أو كانت له أرضُ قيمتها مِئَتا درهم وإن كانت غلتها لا تكفيه، أو كانت له أصناف قيمة كل واحدٍ أقل من مئتين ولو جمعت بلغت قيمتها مئتي درهم، أو وَرِثَ مِئتي درهم أو قيمتها ولم تصل إليه، فهؤلاء أغنياء.
وابن السبيل إذا لم يقدر على نفقة السفر وله مالٌ في مِصْرِه يجوز دفعُ الوقف والزكاة إليه، وأن يستقرِضَ خير له من قبول الصدقة.
الجزء 1 · صفحة 60
والشاب الذي يعمل بيديه ويصيب الكفافَ يُعطى من صدقة الوقف، وأَكْرَهُ أن يُعطى الزكاةَ، وأُحِبُّ له أن يُعف نفسه، فإن أخذ أجزأه. فإن قيل: من أين افترق الوقف والزكاة؟
قيل: لو وَقَفَ على بني هاشم؛ أعطيتهم من غلَّة الوقف، والزكاة لا تحِلُّ لهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصَّدَقَة لَا تَحِلُّ لِغَنِيٌّ وَلَا لِذِي مرة سوي
ولو قال: على مَنِ احتاج إليه من قرابتي ولم يبق من قرابته إلا فقير واحد؛ أُعطِي جميعَ الغلة وإن بلغت قيمتها عشرة آلاف درهم؛ ألا ترى أنه لو قال: أوصيت بثلث مالي من كان فقيراً من قرابتي ولم يكن له إلَّا قريب واحد فقير أنه يُعطى وإن كان الثلث مالاً كثيراً، وهذا قول أبي حنيفة في الوصية.
فإن قال: على فقراء قرابتي فلم يأخذوا الغلة الأولى حتى جاءت الغله الثانية، فمَن أصاب من الغلة الأولى مِئَنا درهم؛ فلا حق له في الغلة الثانية، ومن بقي له عند مجيء الغلة الثانية أقل من مِثْتَي درهم؛ أُعطِيَ من الغلة الثانية.
ولو وَقَفَ رجلان على فقراء ولدِ عبد الله، وقال كلَّ واحدٍ منهما: يُعطى كلُّ فقير منهم قُوتَه لسنة، فجاءت الغلتان معاً؛ أُعطي كل واحدٍ منَ الغلتين قُوته بالمعروف، وكذلك لو كان الواقفون عشرةً
وإن جاءتِ الغلتان في وقتين وأصابه من الغلة الأولى مِئَتا درهم؛ لم يكن له منَ الغلة الثانية شيء؛ الثانية شيء؛ لأنَّهم صاروا أغنياء بما صار في أيديهم من غلة
الوقف؛ ألا ترى أنَّ رجلين لو أوصى كلّ منهما بثلث ماله لفقراء ولد عمرو، فوقع عليهما بيت فماتا معاً، أنَّ ثلث كلِّ واحدٍ منهما لفقراء ولد عمرو، ولو مات أحدهما قبل صاحبه، وأصاب كلّ منهم من ثلث الأَوَّل مِئَتا درهم؛ لم يكن له من ثلث الآخرِ شيء، فكذلك الوقفُ.
رجلٌ وَقَفَ أرضين على ما وصفت، فإن وَقَفَهما معاً؛ فليس لواحدٍ منهم إلَّا قوت واحد، وإن وَقَفَها وَقْفين مختلفين فلكل واحدٍ قُوتان.
ولو قال: أرضي صدقةٌ موقوفة على فقراء قرابتي وله قريب غني وله ولد صغير فقير؛ لم يُعط الولد من غلة الوقف، وهو غني بغنى أبيه.
قال أبو يوسف: أستقبحُ أن أُعطي من الزكاة ابنَ الخليفة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز أن يُعطَى أولاد الأغنياء من وَقْفِ الفقراء، ومن الزكاة، وهو اختيار أبي بكر الخصاف في الزكاة والوقف جميعاً، والذي ذُكِرَ في الكتاب قول هلال وأبي يوسف، ومحمد ذكره في شرح كتاب هلال. قال أبو جعفر: يُعطَى من الزكاة ولا يُعطَى من الوقف.
الجزء 1 · صفحة 61
وكذلك لو كان له ابن كبيرٌ زَمِنٌ، أو بنات صغار أو كبار، أو أب فقير له ابن غني سواء كان الأبُ زَمِناً أو لم يكن، أو جد له ابنُ ابن غني أو امرأة فقيرة لها زوج غني، فهؤلاء لا يُعطون من غلَّة الوقف؛ لأنه يوجب لهم النفقة عليهم، ولا يجوز لهم دفع الزكاة إليهم، فإذا اجتمع المعنيان: لم يُعطَ من غلَّة الوقف شيئاً، وجُعِلوا أغنياء بغناء هؤلاء، وبَنُو البنين وبنو البنات بمنزلة البنين.
وكذلك لو كان الأم غنية والأولاد فقراء فهي بمنزلة الأب، فإن كان، للغنيّ ولد فقير، وللولد أولاد صغار فقراء فإنَّه يجوز أن يُعطى ولده لصلبه؛ لأنَّه كبيرٌ لا زمانة به فلا نفقة له، ولا يُعطى أولاده؛ لأنَّ نفقتهم على الجد.
ولو كان الزوج فقيراً وامرأته غنيَّةً: أعطي الزوج، فإن كان للقريب أخ فقير أو أخت أو ابن أخت أو ابن أخ أو عم أو خال أو خالةٌ، فإنَّهم يُعطون من غلة الوقف وإن كان يُفرَضُ لهم النفقةُ: لأنَّه يجوز دفع الزكاة إليهم؛ فلم يجتمع المعنيان فلم يُجعَل ماله كمالهم.
والذي يدلُّ على الفصل بين الوالدين والولد، والجد والجدة، وبين سائر القرابات أنَّه يُفرضُ لهم النفقةُ في مال الوالدين والجد والجدة والزوج إذا كانوا أغنياء، ولا يُفرضُ في مال سائر القرابات، وإذا اختلف الأديان لم يُفرَضْ إِلَّا على الوالدين والولد، والجد والجدة، والزوج، ولا تجوز الشهادة لهؤلاء وتجوز لسائر القرابات، قاله ? الخصافُ.
والصواب عندي: أنَّ مَن يجوز دفع الزكاة إليه يجوز أن يُعطى من غلَّة الوقف، ولا يكون مَن يُفرَضُ نفقته على والده أو ولده أو غيرهما غنيّاً بتلك الفريضة، لا يصير الفقير غنياً بغِنَى غيره.
وقد قال بعضُ الفقهاء: تُعطى البنتُ الكبيرة إذا كانت فقيرةً وأبوها غني. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه يُفرَضُ لها النفقة على الأب، ولا يجوز دفع الزكاة إليها، فهي كالابنة الصغيرة.
فإن قيل: ينبغي أن يُعطى ولد الغني إذا كان فقيراً؛ لأنه يُفرَض له النفقةُ على الأب لفقره، فكذلك يُعطى غلَّةَ الوقف لفقره، ولو كان للولد مال؛ لم تُفرض له النفقة على الأب؟
قيل: لو أوصى لفقراء جيرانه وله جيران أغنياء لهم أولاد فقراء؛ لم يُعطَ أولاد الأغنياء، ولم يكتب القاضي أسماءَهم، ولم يحبس نصيبهم على بلوغهم إذا لم يكن لهم من يقبضه، وكذلك الزكاةُ والعُشر لا يُعطي أولاد الأغنياء، أَمْرُ الناس على هذا، وإنَّما يؤخذ في مثل هذا بأمور الناس.
قال هلال وقد رأينا قُضائنا يكلفون الأقرباء إذا أرادوا إثبات فقرهم البينة أنه فقير ليس له أحدٌ تلزمه نفقته.
الجزء 1 · صفحة 62
وكذلك لا يُعطَى عبد الغني ومدبّره وأمُّ ولده، ويُعطَى مكاتبه ومَن كان أصاب مالاً قبل مجيء الغلة ثمَّ افتقر: لم يُعطَ من تلك الغلة شيئاً، ويُعطَى من غلَّة السنة المستقبلة إذا بقي الفقر. فإن قال: صدقةٌ موقوفةٌ على الصلحاء من فقراء قرابتي: فالصلحاء مَن كان مستوراً ليس بمُتَهَتِّكِ ولا صاحبِ ريبةٍ، وكان مستقيم الطريقة سليم الناحية، كافَّ الأذى، قليل الشر، ليس بمُعاقرِ للنبيذ ولا ينادِمُ عليه الرجال، ليس بقذَّافٍ للمُحصَنَاتِ، ولا معروفاً بالكذب فهذا من أهل الصلاح.
وكذلك لو قال: من أهل العفاف، أو من أهل الخير، أو من أهل الفضل، فهذا وقوله من أهل الصلاح سواء.
فإن وَقَفَ على أيتام قرابته؛ فاليتيم كل صغير ذكراً كان أو أنثى، لم يبلغ الحُلُمَ ولم تَحِضِ الجارية، وقد مات أبوه، فإن مات أبوه وجده أبو أبيه حي؛ فهو يتيم، فإن كان أبوه حياً وأمه ميتةً؛ فليس بيتيم، فإن لم يَحتَلِمْ ولم تَحِضُ وبلغ خمس عشرة سنة: فقد أدرك، والغلام والجارية فيه سواء، وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وعلى قول أبي حنيفة: في الغلام تسع عشرة سنة، وفي الجارية سبع عشرة سنة.
وهذا رواية يوسف بن خالد السمتي عن أبي حنيفة.
وعلى قول زفر هما سواء والإدراك بثمانِ عشرة سنة.
والقول قول الغلام في الاحتلام، وقول الجارية في الحيض.
باب الوقف على الأقرباء يبدأ بالأقرب فالأقرب
إذا قال: أرضى صدقةٌ موقوفةٌ على قرابتي الأقرب فالأقرب:
وجبت الغلة لأقرب قرابته إليه.
فإن كان الأقرب واحداً؛ فجميع الغلة له وإن زاد على مالتي درهم.
وإن كانوا جماعةً: قسمت بينهم بالسوية، يستوي الذكر والأنثى فيه.
فإذا انقرضوا؛ فالغلَّة لَن يليهم في القُرب حتى تصير إلى أبعدهم قرابة.
وهذا قول محمَّدِ وإليه ذهب هلال، وقال أبو يوسف: تكون الغلَّةُ لأقربهم وأبعدهم إلى الواقف بينهم بالسوية.
قال هلال: وهذا القول عندي ليس بشيء، والقول هو الأول من قولنا وقول محمد.
فإن قال بعضُهم: لا أقبل: سَقَطَ سهمه وكانت الغلَّةُ للباقين.
الجزء 1 · صفحة 63
وكذلك لو قال: على قرابتي ثمَّ الأقرب فالأقرب»، أو قال: «على قرابتي الأدنى فالأدنى.
وكذلك لو قال: يُعطى الأقرب فالأقرب: فمعناه يُعطى الغلة دون الأصل.
وكذلك لو قال: «هو لأقرب قرابتي إليَّ نَسَباً ورَحِماً».
ولو قال: على فقراء قرابتي يُبدأ بالأقرب فالأقرب فمتى حصلتِ
الغلَّةُ بُدِئَ بأقربهم إلى الواقف، فيُعطَى مِئَتي درهم الا يزاد عليه ثم الذي يليه في القرب يعطى مئتي در هم حتى يأتي على آخره، فإن كانتِ الغلَّةُ ثلاث مِئَة درهم أعطي الأول مئني درهم، والذي يليه مِئةَ درهم، يُعطى الآخر ما بقي إن كانوا أكثر من ذلك.
إنّما قلنا إذا قال: على قرابتي الأقرب فالأقرب: أنَّه يُعطى الأقرب إن كان
واحداً جميع الغلة؛ لأنَّ الواقف لم يذكر غنيّاً ولا فقيراً، فلم يكن قصده الفقير، وإنما أراد الأقرب إليه.
وإذا قال: على فقراء قرابتي الأقرب فالأقرب: فالقياس أن يُعطَى الأقرب جميع الغلة، ولكنّي أستحسِنُ ألَّا يُزادَ الأقربُ على مِئَتي درهم؛ لأنَّه إِذا ذَكَرَ الفقير فقد أراد الفقر والقرابة، فإذا أعطيتُه مِنني درهم ذَهَبَ الفقر، ثمَّ يُعطَى مَن يليه في القرب على ما فسّرتُ.
وكذلك لو قال: على أنَّ ما أخرج الله تعالى من غلاتها فهي للأقرب فالأقرب من فقراء قرابتي.
فإن قال: على فقراء قرابتي: يُبدأ بالأقرب فالأقرب فيُعطى جميع غلاتها، فإنا نأخذ فيه بالقياس، ويُعطى الأقرب إن كان واحداً جميع الغلة، لأنَّه كذلك شَرَطَ.
قال هلال: وقد قال ناسُ من قضاة البصرة: أنَّه إذا قال: على فقراء قرابتي:
لم يَزِدْهم على القوت؛ لأنك إذا أعطيته القوتَ؛ فقد ذهب الفقر، ونحن نقول كأنَّه قال: أغن الأقرب فالأقرب من فقراء قرابتي: فيُعطَى مِئتي درهم.
وإن قال: الأقرب فالأقرب وكان أقربهم اثنين أو ثلاثةً، ولا يصيب كلُّ واحدٍ من الغلة مئتا درهم، فإنَّهم يتحاصون فيه، ويُضرَبُ كُلِّ في الغلة بمِئتي فإن كان نصيبُ كلّ واحدٍ من البطن الأوَّل مِئَتا درهم ويَفضُلُ فَضْلُ لا يُصِيبُ كلُّ واحدٍ منَ البطن الثاني مِئَتا درهم قُسْمَ الفضل بين البطن الثاني، يُضرَبُ فيه كلّ واحدٍ مِئَتي درهم.
فإن ضاع بعض الغلة فإنَّه يُبدأ بالبطن الأوّل، فيُعطون على ما فَسَّرتُ، وما ضاع يكون من حِصَّةِ مَن يليهم؛ لأنَّه ليس للبطن الثاني شيء إلَّا بعد أن يستغني البطن الأول.
الجزء 1 · صفحة 64
ولو قال: على فقراء قرابتي يُعطى منها الأقرب فالأقرب: أُعطِيَ الأَوَّلُ مِئَتي درهم ثمَّ الذي يليه كذلك: لأنَّه لما قال: منها عَلِمتُ أَنَّه لم يُرِدْ أَن يُعطِيَ الأول الجميع، ولا يشبه هذا قوله: تُعطى غلاتُها فقراء قرابتي الأقرب فالأقرب فإن جميع الغلة اللأول؛ لأنَّه جميع الغلة للأقرب.
وكذلك لو قال: على الأحوج فالأحوج من قرابتي، أو على الأفقر فالأفقر، أو على الأفقر ثم الأفقر؛ فهذا كله سواء.
قال الحسن: إذا قال: أوصيتُ بثلث مالي للأحوج فالأحوج من قرابتي، وفي قرابته من يملك مِئَةٌ، وفيهم مَن يملك خمسين؛ أُعطِيَ كلُّ من يملك خمسين خمسين حتى يستووا كلّهم في المئة، ثمَّ يُقَسَّمُ الباقي عليهم جميعاً.
قال الخصَّافُ: الوقف عندي مثل هذا.
ولو قال: على فقراء قرابتي: يُبْدَأُ بالأقرب فالأقرب، فيعطى من غلته ما يُغنيه، بُدِئَ بالأقرب فيعطيه مِئَتي درهم، ثمَّ يُعطى الذي يليه مثل ذلك.
وقد ذكرنا في باب قبل هذا أنه لو قال: على أقرب الناس إلي؛ دخل الولد فيه، ولو قال: على أقرب قرابتي؛ لم يدخل الولد فيه.
فإن قال: على أقرب الناس إليَّ ومن بعده على المساكين، وله ابن وأبوان؛ فالابن أولى؛ لأنَّه أقرب إليه من أبويه، فإن مات الابن؛ كانت الغلة للمساكين.
وكذلك لو كان مكان الابن ابنة.
فإن قيل: لمَ لا تكون الغلَّةُ بعد موت الابن والابنة للأبوين؟
قيل: لأن أقرب الناس إليه ابنه، ثم جعل بعد ذلك الأقرب للمساكين، ولم يقل للأقرب فالأقرب.
فإن لم يكن له ولد وله أبوان؛ فالغلة بينهما نصفان، فإن مات أحدهما: فنصف الغلَّة للباقي والنصف الثاني للمساكين، وكذلك البنون والبنات.
فإن قيل: أليس النسب إلى الآباء؟
قيل: ليس هذا على النسب، وهو على القرابة، والأب والأم في القُرب سواء
الجزء 1 · صفحة 65
ولو قال: أرضي صدقة موقوفةٌ على قرابتي يُبدأُ بالأقرب فالأقرب إليَّ نَسَباً ورَحِماً؛ فيُعطى في كلّ سنة ما يكفيه لطعامه وكسوته، ثمَّ يُعطَى مَن يليه في القُرب حتّى ينتهي إلى من بلغته هذه الصدقة، فالوقف جائز على ما شرط.
فإن كان له أخوان أحدهما لأب وأم والآخر لأب أو لأم، فالذي من قِبَلِ الأب والأم أولى.
وكذلك أولاد الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، من كان من قبل الأب والأم فهو أولى من الذي يكون من قبل الأب أو الأم، ذكر الخصَّافُ أنّها سواء؛ لأنَّ الذي من قِبَلِ الآبِ ارتَكَضَ معه في صلب الرجل، والذي من قبل الأم ارتَكَضَ معه في رحم الأم، فليس أحدهما بأقرب من صاحبه، ولا يكون هذا على المواريث.
فإن كان له جد أب أب وإخوةٌ فعلى قول من يجعل الجد أباً يجب أن يكونَ الجد أولى، وعلى القول الآخر يجب أن تكونَ الغلَّةُ للإخوة؛ لأنهم ارتكضوا في رَحِمِ أولى ممن كان بينه وبين الواقف حائل.
أب، وابنُ ابن؛ فالأب أولى؛ لأن بينه وبين ابن الابن درجة.
ثلاثة أخوالٍ متفرقين وعمّ لأمّ، يُبدَأُ بالخال من قِبَلِ الأب والأم.
فإن كانوا أخوين أحدهما لأب والآخر لأم؛ فالذي من قبل الأب أولى على قول أبي حنيفة، وعلى القول الآخر: هما سواء وهو قوهما.
وكذلك أولاد الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، من كان من قِبَلِ الأب فهو أولى من الذي يكون من قبل الأم على قول أبي حنيفة رحمه الله وعلى القول الآخر: هما سواء.
وابن الأخ من الأم أولى من العم من قبل الأب والأم؛ لأنه أقرب والعم أولى من الخال، يُبدَأُ به عند أبي حنيفة رحمه الله، وعلى القول الآخر هما سواء.
ولا يُعطى وَلَدِ الجد حتى يُفرَغَ من وَلَدِ الآب ونسلهم، ولا يُعطَى ولد جد الأب حتى يُفرغ من ولد الجد ونسلهم وعلى هذا كلَّما ارتفعت، وكذلك من كان ولد الجد من قِبَل الأم فهو على ما وصفتُ ابنه الابنة أولى من ابنة ابنة الابن؛ لأنّها أقرب، وعلى هذا القياس تجري. أولاد الإخوة والجد ل من قبل الأم أولى من ابنة الأخ على قول أبي حنيفة.
وعلى قول أبي يوسف أولاد الإخوة والأخوات أولى من الجد من قبل الأم. وقول محمد مثل قول أبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 66
وابنة الابنة أولى من الجد من قبل الأم، وابن ابن خاله أولى من خال أمه، وهذا وأجناسه داخل في الأصل الذي ذكرته.
باب الرجل يقف أرضاً في صحته على الفقراء؛ فيحتاج إليه بعض ولده، أو يقفه في صحته أو مرضه على الفقراء؛ فيحتاج إليه بعضُ قرابته، أو يشترط ردَّه على من يحتاج إليه من ولده أو قرابته
إذا قال: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ على الفقراء أو في أبواب البر فاحتاج هو إليه؛ لم يُعْطَ شيئاً ولا يُقضَى منه دينه، ولا يكفن منه مينه وهو للفقراء.
وذكر الخصَّافُ أنَّ الواقف إذا احتاج إليه فله أن يأكل منه، وفيها صنف بخورازم عن أبي يوسف أنَّه يُعطى الواقفُ إذا احتاج إليه، ولو احتاج إليه ولده أعطي استحساناً، والصدقة م من أبواب البر.
قال هلال: لأنه لو وَقَفَ على نفسه؛ لم يخزه ي وهذا مذهبه
ولو وَقَفَ على ولده؛ جاز، وكلُّ مَن جاز أن يقف عليه جاز أن يُعطَى من
غلة الوقف على الفقراء إذا احتاج.
قال أبو القاسم: يُعطى ولده المحتاج إذا كان الوقفُ في الصحة، ولا يعطي ولده وولد ولده وأباه وجده من الزكاة والنذور والكفَّارات؛ لأنَّه مِلكُ له، ولو وَقَفَ: زال ملكه عنه فله أن يعطيهم.
ولو أوصى بثلثه للفقراء؛ لم يُعْطَ ولده وإن كان محتاجاً، ويُعطَى ولد ولده.
ولو قال: أرضي موقوفةٌ بعد وفاتي على المساكين: لم يُعْطَ منه ولد ولا وارث ويُعطى ولد الولد؛ لأنه تجوز الوصية له؛ لأنه وصية.
وذكر الخصَّافُ رحمه الله أنَّه يجوز أن يُعطَى وليس هذا بوصيَّة ولا هو واجب للوارث وإنَّما هو للفقراء، فمن أعطيته من الفقراء فهو جائز.
وقال بعضُ فقهاء البصرة: لا يُعطَى وارثُ الواقف؛ لأنَّه وصيَّةٌ.
ولو احتاج إليه واحدٌ من قرابته؛ أُعطِيَ أقل من مِئتَي درهم؛ لأنَّه فقير والفقير لا يُعطى من الزكاة والصدقة إلَّا أقل من مِئَتَي درهم، وهو قياس قول أبي حنيفة في الزكاة، وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
و أقرباؤه أحق به من المساكين؛ لأنَّ صدقته على قرابته أعظم أجراً؛ بَلَغَنَا: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سُئِلَ عن المرأة تُعطي زوجها من الصدقة فقال: لها أجران.
الجزء 1 · صفحة 67
وبَلَغَنا: أنَّ رجلاً من الأنصار تصدَّق بأرضه فأتى أبواه النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالا: مالنا مال غيرها؛ فردَّها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليهما.
وبَلَغَنا في الحديث لا تُقبل صدقةٌ وَرَحمه محتاجة.
وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أعطى المظاهر ما يكفر ف به فقال: ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليها من أهلي: فأمره رسول الله صلى عليه وسلَّم أن يُجعَل ذلك فيهم.
قال بعض مشايخنا: لا يُعطون خشية أن يحسبوه وظيفة لهم.
قال أبو جعفر: إن نازع الأقرباء لم يُعطوا، وإن لم ينازعوا أُعطوا بعض الغلَّةِ وأُعطِيَ بقيَّتُها الأجانب.
وإن جاء واحدٌ من القرابة وقال: أنا فقير؛ فإن عُرِفَ ذلك؛ أُعطِيَ على ما وصفنا.
ولا تُعطى امرأته وإن كانت فقيرةً إلَّا أن تكون من القرابة.
فإن أعطى الواقفُ الفقراء؛ جاز ولا ضمان عليه، وليس ذلك لحق لهم، ولكنَّا نأمره به ونستحسنه؛ ألا ترى أنّي آمره أن يعطي الزكاة فقراء قرابته، ولو أعطى المساكين؛ أجزأه.
وكذلك لو قال: هذه الدارهم صدقة، ولا يُعطى قرابة الواقف من غير أهل بلده وهو بمنزلة الزكاة تقسم في بلد المزكّي، ولو أعطاهم المتولي؛ لم يضمن.
ولو أعطى الولد أقل من مِتَتَي درهم فأنفقه وقد بقي منَ الغلَّة؛ أُعطِيَ ثانياً إذا لم يكن أنفقه في فسادٍ: لأني أعطيه على الفقر وهو في الحال الذي أعطيته فقير، وكذلك الزكاة في القرابة.
فإن كانتِ الغلَّهُ لا تَسَعُ الولد والأقرباء بدى بولد الصُّلب؛ فيُعطَى كُلُّ واحدٍ أقل من مِتَتَي درهم، ثمَّ بولد الولد ثم بالأقرب فالأقرب منهم إلى الواقف، فإن فَضَلَ؛ فلفقراء الموالي والجيران ثمَّ بغيرهم على ما يراه القائم بأمر الصدقة، ولا يُعطون ما يُعطى القرابة، ولكن يُعطون على قَدْرِ ما يرى القائم بأمر الصدقة.
ولو مات واحدٌ من الولد أو القرابة م: لم يورث عنه، ولو استغنى؛ لم يُعْطَ.
ولو افتقر بعد مجيء الغلة؛ أُعطي، ولا يشبه هذا الوقف على فقراء ولده أو فقراء قرابته؛ لأنه إذا مات واحد منهم بعد مجيء ء الغلة؛ وُرِثَ عنه نصيبه، ولوِ استغنى بعد مجيء الغلة؛ أعطي: لأنه جعل لهم فيه حقاً ثابتاً؛ ألا ترى أنَّ القائم بأمر الصدقة لو أعطى الغلة الفقراء ضمنته.
ولو شهد شاهدان من فقراء القرابة أنَّه وَقَفَ على الفقراء؛ جاز، غَنِيَّين كانا أو فقيرين.
الجزء 1 · صفحة 68
وإن شهدا أنَّه وَقَفَ على فقراء القرابة: لم يجز، غَنِيَّين كانا أو فقيرين.
ولو لم يُعْطَ القرابةُ سنة؛ لم يُعطوا لِما مضى ويُعطون للمستقبل أقل من
مِئَتَي درهم، ولا يشبه هذا الوقف عليهم.
ولو جعل نصف الغلَّة للفقراء والنصف الآخر لولده ونسله أو لفقراء
قرابته، والذي سمَّى لهم لا يكيفهم؛ لم يُعطوا من نصيب الفقراء شيئاً؛ لأنَّ الواقف سمى لهم شيئاً معلوماً فلا يُزادون عليه.
ولو وَقَفَ أرضاً على الفقراء وأرضاً على فقراء قرابته في عقدين، فلم يكن في وَقْفِ القرابة ما يُغنيهم؛ أُكمِلَ لهم الغنى من وَقْفِ الفقراء، وإن كان العقد واحداً؛ لم يُكمل.
أخوان وَقَفَ كُلُّ واحدٍ أرضاً على فقراء قرابته، وكان واحد قريباً لهما؛ أعطي من الوقفين.
فإن كان وَقْفُ أحدهما على المساكين؛ لم يُعْطَ القريب منه إلَّا ألا يغنيه نصيبه من وَقْفِ القرابة فيُكَمَّلُ له الغنى من وَقْفِ المساكين.
ولو جعل الغلة للغارمين أو لأبناء السبيل أو في سبيل الله أو في الحج أو في الرقاب، فاحتاج فقراء الولد أو القرابة إليه لم يعطوا شيئاً إلا أن يكون الولد أو القريب منهم، فيكون غارما أو من أبناء السبيل، فيبدأ بهم قبل المساكين على ما ذكرنا
ولو وَقَفَ على الفقراء أو الغارمين فاجتمع في واحد المعنيان؛ أُعطِي من السهمين.
ولو وَقَفَ على المساكين فاحتاج ولده أو قريبه ورفع الأمر إلى القاضي فأعطاه، أو قال للقائم بأمر الصدقة: أعطه القوت: لم يكن ذلك حكماً بالقوت لهم، وهذا رأي رآه القاضي وله أن يرجع عنه، ولو عُزل؛ بَطَلَ.
ولو أعطى القائم بغير أمرِ القاضي إيَّاه غيرهم؛ لم يضمن، إلَّا أن يقول القاضي: قضيتُ بذلك لهم وجعلته ثابتاً لهم» فيجوز ذلك.
ولو رفع إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك أجراه، ويجبر القاضي الوصيَّ أن يضعها في فقراء قرابته، ويَنزِعُ من يد الوصي فيدفعها إليهم أستحسنُ ذلك، فإن دفعها الوصي إلى غيرهم لم يضمن.
ولو كان للواقف امرأة أو للواقفة زوج؛ لم يكونا من القرابة، ولا يبدأ بقرابة ولده وإنما يبدأ بقرابة الميت، وقرابة ولده أسوة المساكين.
الجزء 1 · صفحة 69
ولو وَقَفَ على زيد وولده ما تناسلوا على أنَّه إن احتاج إليه قرابته رُدَّتْ إليهم، فاحتاج إليه جميع قرابته أو بعضُهم وبعضهم أغنياء؛ رُدَّتْ إلى أهل الحاجة منهم، وكذلك لو قال: إن احتاج موالي إليه
فإن قيل: ينبغي ألَّا يُرَدَّ إلَّا أن يحتاج جميع القرابة أو جميع الموالي، كما لو قال: إن احتاج ولد زيد إليه: رُدَّتِ الغلَّةُ على عمرو، ولزيد أولاد فما لم يحتج جميعهم إليه لم يُرَدَّ على عمرو، وكما لو قال: يخدم عبدي سالم ورثتي سنةٌ ثم هو حُرٌّ، فمات بعضُ الورثة، فإِنَّ العِتقَ يَبطل؟
قيل: هما مفترقان؛ لأنَّه بقوله يُرَدُّ على عمرو ولم يقصد الحاجة فصار كما لو قال: إن ماتوا رُدَّتْ على عمرو، فما لم يموتوا جميعاً؛ لا يُرَدُّ، وفي مسألتنا قصد الحاجة فيُرَدُّ إلى المحتاج وقلما تخلو القرابة من فقير وغني، فلو قلنا على ما يقول: لم يُرَدَّ إلى القرابة أصلاً، وليس هذا قصد الواقف.
ولو احتاج جميع القرابة فرُدَّتِ الغلة عليهم، ثمَّ استغنى بعضُهم؛ لم يُقطَعْ عن أهل الحاجة، وعلى ما يقول ينبغي أن يُقطَّعَ، وليس هذا معاني كلام الناس.
فإن قال: صدقةٌ على المساكين، فإن مات فلان فعلى قرابتي»؛ فهو كما شَرَطَ.
فإن قيل: فما معنى إن مات فلان ولا منفعة لفلان؟
قيل: هذا شرط فيجري على ما شَرَطَه، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
باب الرجلُ يقف على قرابته فيدعي واحد أنه من القرابة
رجلٌ وَقَفَ أرضاً على قرابته، فادَّعى رجلٌ أنَّه من القرابة، كُلَّفَ إقامة البينة ولا تُقبل بينةٌ إلا على خصم.
وكذلك لو أحضرَ سِجِلاً كان من قاضي آخر على بَلَدِه، أنَّه قضى بأنه من قرابته وأراد إثباته؛ لم يُقبل إلا على خصم.
والخصم هو الواقفُ إن كان حيَّاً؛ لأنَّ الأرضَ في يده وهو يدعي الحق فيه، والمدعى عليه مانع فهو خصم.
فإن مات الواقف فالوصي الذي الأرضُ في يده خصم.
وإن أقر الوصي لواحد بأنه من قرابة الميت لم يصح إقراره وإنَّما هو خصم في إقامة البينة عليه. ووارِثُ الواقف لا يكون خصماً؛ لأنه ليس بميراث وليس في يده، والواقف ولى الوصي القيام به دون الوارث، وليس كذلك إذا مات وترك وديعة عنده فصار في يد الوارث، فادَّعاها رجلٌ وأحضر الوارثَ فإنه يكون خصماً وإن كان
الجزء 1 · صفحة 70
الوارث لا يرث الوديعة، كما لا يرث الوقف؛ لأنَّ الوديعة صارت دَيناً في مال الميت إذا لم يبين.
فإن كان للميّتِ أوصياء فأقام القريبُ البيِّنةَ على واحد منهم؛ جاز، ولا يُكلَّفُ إعادة الشهودِ على الآخر؛ ألا ترى أنَّ أحد الوصيَّين خصم عن الميت، والقضاء عليه قضاء على الميت.
وكذلك لو كان الوقفُ في يد رجلين فأقامَ البيِّنة على أحدهما وأثبت قرابته؛ لم يُكلف إعادة الشهود على الآخر، فإنِ ادَّعى أنه قريبٌ وأحضر قريباً للواقف ليُقِيمَ البيِّنة عليه، فإن كان الأوَّلُ أخذ شيئاً من غلَّة الوقف؛ فهو خصم؛ لأنَّه يدعي قبله شيئاً، وإن لم يكن أخذ شيئاً؛ لم يكن خصماً، أستحسنُ ذلك وأرى قبيحاً أن يُقضَى القريب على قريب لا يدعي قبله شيئاً.
وقد قال أصحابنا: أنه لو أوصى لرجل بثلث ماله فأخذه، أو بعبد فأخذه، فادَّعى أحدٌ أَنَّه أوصى له بالثلث أو بذلك العبد؛ فإن قدَّمه إلى القاضي الذي قضى للأول؛ قضى للثاني عليه، وإن قدَّمه إلى قاض آخر؛ لم يقض عليه، فالقياس عندنا أنَّ الوقف مثله.
قال هلال: أما أنا فأستحسنُ ألَّا أقبل ذلك، فإن قُضِيَ لغريم على وارث بدين له على ميت فأحضرَ آخرُ الغريمَ الأَوَّلَ يدَّعي على الميت ديناً؛ لم يكن خصماً؛ لأنَّ الدينَ يُقضَى به على الميت والغريم ليس بخصم عنه، وأما في الوصيَّة يُقضَى له على الموصى له الأوّل، وفي الوقف على الموقوف له، وهذا قول أصحابنا في الغريم والموصى له.
فإن كان الوقف في يد أمين القاضي؛ فينبغي للقاضي أن يجعله وصيَّاً للميت ويقيمه مقامه ويجعله خصماً لمن يريد أن يُثبت القرابة.
وإن جعل القاضي غيرَ مَن في يده الوقفُ خصماً؛ جاز، فإن أحضر المدعي رجلاً فأقر بأنه قريب الميت، وأنَّ في يده من غلَّة الوقف شيء؛ فهو خصم، فإن أقام البيئة أنه قريب الواقف أو قريبه من قبل أمه؛ لم تُقبل حتى يفسر؛ لأن القاضي لو قضى بهذا لكان قضى بنسب مجهول.
وكذلك لو قال: الشاهد أخ الواقف؛ لم يُقبل حتى يقول أخوه لأبيه وأمه أو لأبيه أو لأمه.
وكذلك هذا في الخال والعمّ والعمَّة والخال وابن عمه وابن عمته وابن خاله وابن خالته لا يُقبل ذلك حتى يفسر القرابة.
وكذلك هذا في الميراث لو أقام البينة أنه أخ الميت ووارثه لا يعلمون له وارثاً غيره؛ لا تُقبل حتّى يُفسر فيقول لأب وأم، أو لأب أو لأم والوصية والميراث في هذا سواء، ولو كان من أقرباء الواقف؛ عَزَلَ لهم أنصباءهم، ويقال للشهود: احتاطوا وقولوا: لا نعلم غير كذا وكذا.
الجزء 1 · صفحة 71
ولو وَقَفَ على ولده وولد ولده ونسله، فوَلَدُ البنين والبنات، ومَن قَرُبَتْ قرابته أو بَعُدَتْ في ذلك سواء، فإن أقام رجلٌ البيِّنَةَ أَنَّه من نسل الواقف؛ لم تُقبل حتَّى يُفسر الولادة فيقول: ولده لصلبه أو ولد ابنه أو ابنته لا وَلَدَ له غير هؤلاء.
ولو شهدوا أنه مولاه مولى عتاقة ووراثة؛ لم يُقبل حتى يقولوا: «أَعْتَقَه وهو يملكه».
ولو شهدوا أنَّ هؤلاء قرابة الواقف وفسروا؛ لم أقسم الغلة بينهم حتَّى يقولوا: لا نعلم له قريباً غير هؤلاء»، إلا أن يطول الأمر فأستحسن أن أَقْسِمَ الغلَّةَ بينهم وآخذ منهم كفيلاً.
وكذلك لو أقام البينة أنَّه ابنُ الميت ووارثه أو أخوه لأبيه وأمه ووارثه، ولم يَقُل الشهود: «لا وارثَ له غيره»؛ لم يُعْطَ الميراث إلَّا أن يطول ذلك فيُعطى استحساناً.
فإن شهدوا أنَّ القاضي قضى بأنه قريب الميت؛ سألهم عن تفسير القرابة، فإن فسر الشاهدان قرابةً يراه هذا القاضي به قرابةً أنفذه، وإن كان لا يراه قريباً؛ لا يُنفِذُه، فإن قالا: لا نفسر، قال: القياس عندنا أن يقضي بالقرابة ونجعله أسوة الأقرباء في الوقف.
قال أصحابنا: لو شهد شاهدان أنَّ القاضي قضى بأنَّه وارثُ فلانٍ ولم يزيدا عليه: أَنفَذْتُ له ذلك، وقالوا: يُحمَلُ هذا على الصّحة، وكذلك القرابة عندنا كالوراثة.
ولو فسروا قرابة قضى بها قاض، وهذا القاضي لا يراه قريباً؛ لم يَنْفُذ ذلك، ولا يقال: قضى الأوَّلُ بما يُختَلَفُ فيه؛ لأنَّه قضى بأنَّه قريب ولم يَقضِ بِأَنَّهُ مَن وُقِفَ عليه، فإن كان الأوَّلُ قضى بأنَّه مَن وُقِفَ عليه: أَنْفَذَه الثاني، وإن كان خلاف رأيه إذا كان بعض الفقهاء يجيز ذلك.
فإن أثبت واحد قرابته وأقام آخرُ البينة أنه ابنه أوِ ابْنُ ابنِه اكتفى به ولم يَحتَجْ إلى تفسير القرابة التي احتاج الأوَّلُ إليها.
فإن أقام البينة أنه أخ الذي قضَى له لأبيه وأمه؛ قضى له.
فإن أقام البينة أنه أخوه لأبيه؛ نَظَرَ القاضي فإن كان قضى لأخيه بالقرابة من قبل أبيه؛ أنْقَذَ له، ولا يحتاج إلى إعادة تفسير القرابة، وإن كان قضى الأوَّلَ بأنه أخوه لأمه: لم يقض الثاني حتَّى يقيم البينَةَ أَنَّه أَخُ الأَوَّلِ لأمه.
فإن أقام البينة أنه أخُ الأَوَّلِ مطلقاً؛ لم تُقبَل؛ لأنَّه يجوز أن يكونَ الأوَّل أخاً لأب أو لأم ولا يكون لهذا مثل قرابته فلا يكون بينه وبين الواقف قرابة.
الجزء 1 · صفحة 72
وإن قُضِيَ لواحدٍ أَنَّه ابنُ عمّ الميت وفسروا، فأقام آخرُ البَيِّنَةَ أَنَّه ابنُ الذي قُضِيَ له بأنه ابن عم الواقف؛ جاز ذلك، وكذلك الجد والخال والعمة والخالة، فإن أقرَّ الواقف لواحدٍ أنَّه قريبه وله قرابة معروفون؛ لم يُقبل ذلك، فإن لم يكن؛ استحسنتُ أن أعطيه الغلَّةَ إذا فسَّروا إقرار الميِّتِ بذلك.
قال أبو حنيفة: إذا أقرَّ الرجلُ أنَّ هذا أخوه لأبيه وأمه، وله ابن عم معروف أو مولى؛ فالميراث لابن العم والمولى، فإن لم يكن له وارث معروف؛ فالمال للمُقَرّ له، فالوقف عندنا كذلك.
فإن أقرَّ الواقف بأنَّه قريب، فإن أقر في عقدِ الوقف؛ قُبِل، وإن كان إقراره بعد عقد الوقف؛ لم يُقبل؛ لأنَّ الوقف وجب لقرابته المعروفين فلا يُقبل قوله في انتقاض حقهم، وإن أقرّ الوصي بأنه قريب لم يُقبل.
وإن شهد اثنان من القرابة أنَّ هذا قريب الواقف؛ قبل؛ لأنهما يضران بأنفسهما؛ ألا ترى أنّه لو شهد أبناء الميت أنَّ هذا ابنُ الميت فإنَّ شهادتهما تجوز عليهما وعلى سائر الورثة.
وإن شهد اثنان لاثنين بالقرابة وشهد ذانك الاثنين لهذين فشهد بعضُهم لبعض: لم تُقبَل؛ ألا ترى أنه لو شهد اثنان لاثنين أنهما ابنا الميت وشهد ذانِكَ الاثنان لهذين أنَّهما ابنا الميت؛ لم تُقبل، وكذلك الوصيَّةُ بالثلث.
ولو شهد رجلان من القرابة لواحد بالقرابة فلم يُعدّلا؛ يشاركهما فيما في أيديهما من غلة الوقف؛ ألا ترى أنها لو شهدا الواحد بأنه أخوهما وللميت ورثة سواهما فلم يعدلا أنه يشاركهما في الميراث، وكذلك في الوصية.
أخوان شهدا الأخوين بالقرابة، فإن كان يثبت قرابتها من الميت بشهادتهما؛ لم تقبل، وإن كان قرابتهما تثبت من الميت بشهادة غيرهما؛ قُبِلَت؛ لأنهما يضران بأنفسهما.
إن أقرَّ رجلٌ من القرابة بابن؛ لم يصدَّقُ على غلَّةٍ قد سلفت ويُشارِكُهم فيما يحدثُ، واستشهد بمكاتب مات أخوه وله ابن عم فأقر المكاتب بابن من امرأته الحرَّةِ؛ لم يُقبل قوله في الميراث الذي وجب لابن العم، وإن مات قريب له بعد ذلك؛ وَرِثَة هذا الابن.
وتُقبَل الشهادة على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين على إثبات القرابة، ولا تُقبل شهادة النساء وحدهن.
الجزء 1 · صفحة 73
فإن أقام البيِّنةَ أنَّ الواقفَ أوِ القاضي كان يعطيه من الوقف؛ لم يستحق به شيئاً؛ لأنَّه يجوز أن يعطيه الواقفُ ما ليس له، والقاضي يعطيه؛ لأنَّ بعض أهل الوقف أقر له بشيء من الغلة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب: الرجلُ يقفُ على فقراء قرابته فجاء رجل يثبت قرابته وفقره إذا وَقَفَ على فقراء قرابته فادَّعى قريب له أنه فقير؛ كُلَّفَ إقامة د البينة على أنه فقير محتاج إلى هذا الوقف ليس له أحدٌ يلزمه نفقته، وهذا استحسان والقياس أن يكون القول قوله أنه فقير.
فإن قال: سَل عن فقري، فسأل فثَبَتَ فقره بمسألة الثقات؛ فلا بأس بأن يُدخِلَه في الوقف، وأمَّا المحبوس في الدين يُسأل عنه بعد شهر أو شهرين، فإن أتاه أنه فقير خلّى عنه.
قال هلال: وأما نحن فنقول: يُكلَّفُ البيِّنةَ على إعدامه، فإن كانت المسألة موافقةً للشهادة؛ أُنفِذَ له إعدامه.
وذكر ابن كاس في أدب القاضي: أنَّه يُقبل فيه خبر عدلٍ ثقة أنه فقير. وقال محمد: لا يُقبَل فيه إلا رجلان.
وهذا مثل الاختلاف في المزكِّي والمترجم، فإذا أقام البينة على فقره؛ حَلَفَ ما له مال ولا أحد تلزمه نفقته، ولا يُنفِذُ القاضي فقره وإعدامه إلَّا بعد اليمين؛ لأنَّ الشاهد يشهد على الظاهر، ويقول: لا أعلم له مالاً ولا أحداً تلزمه نفقته.
وإذا شهد شاهدان بالفقر وشاهدان بالغنى، ووصَفَا ما يراه القاضي به غنيّاً؛ فالغنى أولى؛ لأنَّهم عرفوا ما لم يعرفه شهود الفقر، فالمثبِتُ أولى.
وكذلك لو جاءه في المسألة غير عدلين ووصَفَا ما يراه القاضي به غنيّاً، ويكون قول هذين كالشهادة.
وإذا شهد قريبان له بالفقر: قُبِلَ ويُعطى من الغلَّة إذا ثبت فقره قبل أن يؤبر النخل ويجعله القاضي فقيراً يوم شهد الشهودُ أَنَّه فقير، وللوالد والوصي أن يُثبت قرابة الصغير وفقره وإن لم يكن الوالد قريباً؛ لأنه يطالب بحق ولده الصغير، فإن لم يكونا وكان الولد في حِجْرِ أمه أو حِجْرِ رجل يعولُه: فلهم أن يثبتوا فقر الصغير، كما يكون لهم قبول الهبة له، وهذا استحسان، وتُدفَع الغلَّةُ إلى من يكون في حِجْرِه لينفق عليه، فإن لم يكن موضعاً له؛ دُفِعَ إلى ثقة ليُجْرِيَ عليه.
ولو شهد قريبان وهما غنيَّان لواحد بالقرابة والفقر وثبتت قرابة الشاهدين به؛ لم تُقبل
الجزء 1 · صفحة 74
وكذلك لو شهد غنيَّان من القرابة بأصل الوقف؛ لم تُقبَل؛ لأنَّه إذا احتاج أَخَذَ.
ولو شهد أجنبيان بالقرابة وشهد غنيَّان من القرابة بالفقر؛ قُبِلَتْ.
ولو قُضِيَ بفقره ثمَّ جاء يطلب من وَقْفٍ آخر بفقره؛ لم يكلف إعادة البيِّنَةِ على الفقر.
وكذلك لو قُضِيَ بإعدامه في الدين؛ فهو فقير في الوقف؛ لأنَّ القاضي قضى
بفقره فهو فقير في كلِّ وَقْفٍ؛ ألا ترى أنَّه لو قُضِيَ لواحدٍ من آل العبَّاس أَنَّه فقيرُ؛ أَخَذَ به من كلِّ وَقْفٍ وُقِفَ على فقراء آل العباس، وكذلك لو قُضِيَ بفقره في الوقف؛ فهو مُعدَمٌ في الزكاة ولا يكون مُعدّماً في الدين، ولا يشبه إعدام الدين إعدام الفقر في الوقف والزكاة؛ ألا ترى أنَّ رجلاً لو كان له دارٌ ومسكن كان مُعدَمَاً في الوقف ولا يكون مُعدَماً في الدين.
ذكر الخصَّافُ قال: إذا ثبت فقر رجل عند القاضي بسببٍ وَقْفٍ، فطالبه رجل بدين فقال: «أنا فقيرُ» هل يُعدِمُه القاضي بذلك؟ قال: نعم؛ هذا عندنا على أنه ليس له مسكن وخادم، فإن كان له مسكن وخادم؛ لم أُعدمه في الدين، فإن أقامَ البيِّنةَ أنَّ قاضي كذا قَضَى ي بفقره؛ قُبِلَ، فإن طالتِ المدَّةُ كلّف إعادة البينة على فقره وهو استحسان، وقيل: طول المدة سنة.
فإن طلب خصماؤه يمينه ما أصابَ غنّى بعد ذلك؛ حَلَفَ ما هو غني اليوم، ولا يحلف ما أصاب؛ لأنَّه قد يصيب ثمَّ يخرج من يده، فإن قُضِيَ بفقره ثمَّ أَصابَ مالاً فقال: «أصبتُه بعد مجيء الغلة»، وقال شركاؤه: «قَبْلَه»؛ فالقياس أن يكونَ القولُ قوله، وفي الاستحسان لا يُقبل قوله؛ لأنَّه يطالب وهو غني؛ ألا ترى أنَّ أحد الشريكين لو أعتق، وقال: كنتُ فقيراً يومَ أعتقتُ»، وقال شريكه: «كنتَ غنيّاً، وهو في الحال غنى، أنَّ القول قول الشريك: لأنه غني في الحال، وهو قول أبي يوسف الأوَّل، وفي قوله الآخر القول قول المعتق؛ لأنَّ الأصل الفقر وهو يُدفَع به الاستحقاق.
وإن قال وهو غني: كنتُ فقيراً يوم جاءت الغلَّةُ»؛ لم يصدق إلا ببينة؛ لأنَّه لم يكن حُكِمَ بفقره، وكذلك لو أقرَّ أنَّه كان استغنى وقال: «افتقرتُ قبل مجيء الغلَّةِ»؛ فإنَّه لا يصدق؛ لأنَّه أقر ببطلان الفقر.
وكذلك لو قال: ورثتُ مالاً وعليَّ دَين مثلُه: فإنَّه لا يُقبَل إلَّا ببينة تشهد بالدين قبل الميراث.
ولو قال: لم أقبض الميراث إلا بعد مجيء الغلة؛ فهو بمنزلة الغني، فإن كان الميراثُ غائباً عن البلد الذي هو فيه ولم يقبض منه شيئاً؛ فالقياس أن يُعطَى منَ الوقف ويكون أسوة الفقراء.
الجزء 1 · صفحة 75
من له مسكن أو خادم؛ يُعطَى منَ الزكاة والوقف ولا يكون معدم في الدين ببيع القاضي مسكنه وخادمه في الدين فإن ألجأ ماله واتهمه بالتلجئة لم يعط من الوقف ولم يُخرج من الحبس في الدين، ولو كان له مالٌ على مليء أو مُعدَمٍ، أو كان له مال غائب فقد بينا في باب قبل هذا.
فإن قال الشاهدان: «لا نعلم له مالاً؛ لم يُقبل إلَّا أن يكونا من أهل الخبرة.
باب الرجلُ يقف على آله وجنسه من آله وجنسه
إذا وَقَفَ على آل العباس بن عبد المطلب: فالُه مَن يُنسَب بآبائه الذكور إلى العباس، ذكراً كان أو أنثى، قربت ولادته أو بعدت، غنياً كان أو فقيراً. فلو كانت أمه من آل العباس وأبوه من غيرهم؛ لم يدخل، ويدخل فيه أب الواقف وابنه ولا يدخل الواقف فيه، ولو كان العباس حياً؛ لم يدخل.
ولو قال: على أهل بيت العباس؛ فهو مثل آل العباس.
ولو قال: على جنسي؛ فجنسُه مَن يُنسَب بثلاثة آباء ذكورٍ إلى مَن يُنسب إلى الواقف ذكراً كان أو أنثى، وابنُ ابنته وابن أخته وخاله لا يكون من جنسه إذا كان أبوهم من قوم آخرين.
وكذلك إذا قال: على أهل بيتي فأهل بيته مَن يُنسب بآبائه الذكور إلى الجد الثالث.
والجنس والآل بمنزلة أهل البيت.
ولو كانتِ الواقفة امرأة؛ لم يدخل ولدها فيه إذا كان أبوه من قوم آخرين.
وكذلك لو قال: لجنسي.
ولو قال: على أهل عبد الله: فهو على امرأته خاصةً عند أبي حنيفة.
قال هلال: ولكنَّا نستحسن فنجعل الوقف على جميع مَن يَعولُه ممن يجمعه بيته من الأحرار دون المماليك، ولا يدخل فيه وارثُ الموصي إذا كانت وصيَّةٌ، ولا يدخل عبد الله فيه، فإن كان مَن يَعُولُه في بيتٍ آخر؛ لم يدخل فيه، فإن كان له امرأتان إحداهما بالكوفة والأخرى بالبصرة، ولكل واحدةٍ ولدٌ من غيره ينفق عليهم معها: فإنَّهم يدخلون في الوقف.
ولو قال: «على عيالِ عبدالله»؛ فهم الذين نفقتهم عليه، فإن قال: على حَشَم عبد الله؛ فالحَشَمُ الذين يَعُوهُم سوى ولده وقرابته.
وقد قال بعض أصحابنا: الحشم بمنزلة العيال.
باب: الوقف على الموالي
الجزء 1 · صفحة 76
رجل حر الأصل وَقَفَ على مواليه؛ فالوقف جائز، والغلة من أعتقهم ولمن يُعتق من قِبَلِه بعد الوقف ولَمَن يَعتِق بموته من أمهات أولاده ومدبّره، ومن أعتق بعد موته بوصية، مؤمناً كان المولى أو كافراً، ذكراً كان أو أنثى، ويدخل فيه أولاد مواليه؛ لأنَّه لا مولى لهم غير الواقف.
فإن أعتق عبداً له وَلَدٌ من امرأة حرّة؛ دخل الولد في الوقف. وإن أعتق أَمَةً لها ولدٌ من عبد؛ دخل في الوقف ولدها.
فإن عَتَقَ العبد: جرَّ الولاء، ولم يكن للولد من الوقف شيء.
ومولى العتاقة وولد مولى العَتاقة أولى من مولى الموالاة، فإن لم يكن له يومَ وَقَفَ مولى عتاقة، وله أبناء مولى عتاقة، وله موالي موالي؛ فالغلة لموالي الموالي استحساناً، وكذلك إن لم يكن له مولى عتاقة وله موالي موالاة؛ فالغلة لهم؛ ألا ترى أنه لو وَقَفَ على ولده، وله ولد وولد ولد؛ فولده لصلبه أولى، فإن لم يكن؛ فالغلة لولد الولد، وهذا قول أصحابنا في الوصيَّة، والوقف قياسه.
وقوله: على موالي، و في موالي، و لموالي سواء، وكذلك لو قال للموالي: فهو لمواليه، وإن لم يُضفهم إلى نفسه.
ولو قال: على موالي الذين أعتقتُهم ووَلِيتُ نعمتهم، أو نالهم العِتَّقُ مني
لم يدخل ولد المولى فيهم: لأنهم ولدوا أحراراً ولم ينلهم عنقه ونعمته، ولا يدخل موالي أبيه فيه وإن مات أبوه ووَرِثَ ولاءهم؛ لأنه يجوز أن يكونَ الابن من قبيلة أخرى، وموالي الموالي يرجع ولاؤهم إلى قبيلة الواقف فهما مفترقان.
قال هلال: أستحسن أن أجعل لموالي أبيه إذا لم يكن له ي موالي، على قياس موالي الموالي.
ولو كان قال: على من يرجع ولاؤُه إليَّ: دخل مَن وَرِثَ ولاءه، فإن كان الأبُ حيَّاً؛ لم يدخل؛ لأنَّ ولاءه لم يرجع إليه، ولا يدخل الذي أعتق الواقف فيه.
ولو قال: على موالي، وله مولى واحدٌ أو مولاة واحدة؛ فلها النصف وللاثنين ف فصاعداً الجميع، وهذا قول أصحابنا في الوصية.
ولو قال: على موالي وأولادهم، وفيهم امرأة فماتت وتركت ولداً، فإن لم يكن الواقفُ شَرَطَ أَنَّ مَن مات منهم؛ رُدَّ نصيبه إلى ولده، ورُدَّ نصيب المرأة إلى جميعهم، هكذا أفتى أبو القاسم.
ولو قال: على موالي، وله موالي وموليات: دخلوا فيه، كما لو قال: «على إخوتي»؛ فإنَّه يدخل فيه الإخوة والأخوات.
الجزء 1 · صفحة 77
فإن قال: على موالي وأولادهم ونسلهم: فهو كما قال، ويدخل فيه ابن ابنة مولاه؛ لأنه من وَلَدِ ولده وإن كان ولاؤه لقوم آخرين، وكذلك لو كانت الله من مواليه وأبوه من العرب؛ لأنهم أولاد مواليه.
والنسل: ولد الذكور والإناث.
فإن قال: على موالي ونسلهم الذين يرجع ولاؤهم إلى؛ لم يدخل فيه من
كان مولى لقوم آخرين.
فإن قال: على موالي ونسلهم الذين يُنسبون بآبائهم الذكور إلى موالي: دخل فيه من ينسب إلى مواليه بأبيه وإن كان ولاؤه لغيرهم؛ لأنَّه كذلك شَرَط.
ولو قال: على مواليه وموالي أبيه: جاز ويُعطى إذا كان مولى لأحدهما وإن لم يكن مولى لهما، كما لو قال: على موالي إخون: لم يجب أن يكون إخوته كلهم أعتقوا عبداً.
قد ذكرنا أنَّه لو وَقَفَ على مواليه؛ دخل فيه أمهات أولاده ومدبّروه، ولو أوصى لمواليه؛ لم يدخلوا في الوصيَّة؛ لأنَّ الوصيَّةَ تجب لمن كان مولى يومَ مات الموصي، وهؤلاء حدث ولاؤهم بعده، والوقف يجب مَن كان مولى يومَ تَخَلَّقِ الغلَّةُ وقد كان؛ ألا ترى أنه لو أوصى لولد عبد الله: وجب لولده يوم يموت الموصي دون مَن يَحدُثُ بعده، ولو وَقَفَ على الولد عبد الله: كان لولد عبد الله يومَ تَخَلْقِ الغلة.
وكذلك لو قال: صدقةٌ موقوفةٌ بعد وفاتي: دخل فيه أمهات أولاده ومدبروه، ولا يُشبه الوصية.
فإن أقرَّ الواقف لواحد أنه مولاه ولا يُعرف له ولاء؛ دخل في الوقف؛ ألا ترى أنه لو قال: على ولدي فأقر بصبي أنه ابنه، ولا يُعرف له نسب أنَّه يدخل في الوقف؛ لأنه ثبت نسبه.
ولو كان الموالي أخذوا الغلة فيما مضى؛ لم يرجع عليهم ولم يصدق على ما مضى، ولكن على ما يستأنف؛ ألا ترى أن جاريته لو جاءت بولد فقطع رجلٌ يدَه؛ فعليه نصف القيمة، فإن أقرّ بأنه ابنه: ثبت نسبه ولم يكن على القاطع إلَّا نصفُ القيمة.
ولو قال: على موالي وموالي والدي: لم يدخل مُعتَقُ جده فيه.
ولو قال: على موالي أهل بيتي: لم يُعط موالي امرأتِه وأخواله إلَّا أن يكونوا من أهل بيته.
ولو قال: على موالي آلِ العباس؛ لم يُعط موالي موالي العباس، ولا يُعطى إلَّا موالي آل العباس الصلبيَّة، كما لو قال: على آل العباس؛ فإنَّه لا يُعطى إلا الصلبية من بني العباس. ولو قال: على موالي: وقد أعتق هو وأخوه عبداً؛ لم يدخل في الوقف؛ لأنَّ جميع ولائه ليس له.
الجزء 1 · صفحة 78
ولو قال: على من يرجع ولاؤه إليَّ وقد كان أعتق أبوه عبداً فورثه هو وأخوه؛ دخل في الوقف؛ لأنه أحرز ولاءه لو لم يكن له ولد آخر، وفي الأول لا يحرز ولاءه.
ولو قال: على ولدي وقد جاءت جاريةٌ بَيْنَه وبين أخيه بولد فادَّعياه؛ دخل في الوقف؛ لأنه ابن لكلِّ واحد منهما، يَرِثُ من كل واحد ميراثاً تاماً، وولد العبد المشترك ليس كذلك.
جارية بين رجلين جاءت بولد فادَّعياه، ولكلّ واحدٍ منَ الأبوين مولى أعتقه وقد وَقَفَ على مواليه؛ دخل الولد مع هؤلاء ومع هؤلاء، فيأخذ حقه من الفريقين.
ولو قال: على موالي وموالي موالي: لم يُعط موالي موالي الموالي؛
ألا ترى أنه لو قال: على ولدي وولد ولدي لم يعط البطنُ الثالث، وإن سمَّى الفرقة الثالثة أعطى الفرقة الرابعة ومَن كان أسفل منهم؛ ألا ترى أنه لو قال على ولدي وولد ولدي وأولادهم؛ أعطيتهم ما تناسلوا.
ولو قال: على موالي الذين يلزمون ولدي فمن لزمهم؛ دخل في الوقف ومن ترك اللزوم؛ فلا حق لهم، فإن عاد؛ عادَ حقه.
وكذلك لو قال: على من سكن البصرة، ولو قال: على مواليه، وله موالي أعتقوه وموالي أعتقهم؛ لم يكن لهم من الوقف شيء، وكانت الغلة للفقراء؛ ألا ترى أنه لو أوصى لمواليه؛ كانت الوصية باطلة ورجع إلى الورثة.
وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن مُطَرِّفٍ، عن الشَّعبي أنه قال: لا وَلاءَ إِلَّا لذي نعمة. وهو قول ابن أبي ليلى، وعثمان البتي.
رجلٌ وَقف على أمهات أولاده، وله أمهات أولاد أعتقهنَّ وأمهات أولاد لم يُعتقهُنَّ فالغلة لمن لم يُعيقها، وتَعتِق بموته؛ لأنَّ اللواتي أعتقهنَّ مَولَيَاتِه وقد انفردْنَ باسم.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنَّه قال: القياس في هذا على وجهين، أحدهما: ما قلنا، والوجه الثاني: أنَّ الغلَّةَ لهنَّ جميعاً.
قال الخصافُ والأحسن عندنا أن يكونَ لَمن يَعتِق بموته، فإن لم يكن له أم ولد إلا وقد عَتَقَت بموته؛ فهي لهنَّ.
الجزء 1 · صفحة 79
فصل
قال رجل: أرضي هذه صدقة موقوفةٌ على سالم مملوكِ زيد قباعه زيد؛ فالغلة لسالم تدور معه؛ لأنَّ الوقف لسالم والقبول إليه دون المولى، وهو في الغلة دون الأرض، فَمَن مَلَكَ سالماً وقت حدوث الغلة؛ فالغلة له، فإن باعه زيد من الواقف؛ بَطَلَ الوقفُ عن زيد وعن سالم وكان للمساكين؛ لأنَّ وَقْفَهُ على مملوكه لا يصح.
ولو وَقَفَ على مملوكه ومن بعده على المساكين؛ كانتِ الغلَّةُ للمساكين ولم تكن لسالم، فإن باعه الواقف؛ لم يكن لسالم ومولاه شيء؛ لأنَّ الوقفَ بَطَلَ عن سالم.
قال الخصاف: هذا قول بعض فقهاء البصرة، ولا نحفظ عن أصحابنا في الوقف على مملوكه شيئاً، والمحفوظ عن أصحابنا أنه لو أوصى لمملوكه بثلث ماله أو بجزء أو سهم؛ فإنَّه يصير مدبّراً؛ لأنَّه أوصى له ببعض رَقَبَتِه، وإن أوصى له بألف أو بعَرَض: كانتِ الوصيَّةُ باطلة؛ لأنَّه لم يوص له بشيء من رقبته، فإن وَقَفَ على أمّ ولد زيد ومدبَّره ومكاتبه؛ جاز.
وما وجب لمدبَّره ومكاتبه قَبْلَ عِتقهما: يكون للمولى وما يجب بعد عتقهما: يكون لهما، وما يجب للمكاتب وهو الثلثُ؛ يكون له، فإن عَتَقَ؛ كان له، وإن عَجَزَ: فهو لمولاه.
باب: الوقف على الجيران
إذا وَقَفَ على فقراء جيرانه؛ صح.
وكذلك لو قال: الفقراء الجيران أو لفقراء جيراننا.
والجار هو الملازق، سواء كان الساكنُ مالكاً أو غير مالك في قول أبي حنيفة وزفر، وقال محمد في الزيادات: جاره أهل مسجده، وكذلك رواه الحسنُ بن زياد عن أبي يوسف أنَّ الجيران: هم الذين تجمعهم محلةٌ واحدةٌ، فإن جمعهم محلة وتفرقوا في مسجدين؛ فهي محلَّةٌ واحدةٌ بعد أن يكون المسجدان صغيرين متقاربين، فإن تباعد ما بينهما أو كان المسجد عظيماً؛ فأهل كل مسجد جيران دون الآخرين. وقال هلال: الجارُ مَن أسمعه المنادي.
وروِيَ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد فقيل له: ومَن جارُ المسجد؟ قال: مَن أسمعه المنادي.
فالجار عندنا على ما قال علي رضي الله تعالى عنه.
ولو وُجِدَ قتيل بين قريتين، فَذُرعَ فكان ما بينهما سواء؛ فالقسامة عليهما،
الجزء 1 · صفحة 80
وإن كان بين القتيل والقريتين أكثر من أن يُسمَعَ منه النداء؛ فلا شيء على القريتين؛ فجعل أصحابنا هذا حد القريب.
ويعتبر في النداء الصوت الوسط.
ويدخل فيه الجار مسلماً كان أو كافراً، ذكراً كان أو أنثى، حرَّاً كان أو مكاتباً، صغيراً كان أو كبيراً، ويُقسَمُ المال على عدد رؤوسهم لا يَفْضُلُ بعضُهم على بعض، فإن فَضَلَ؛ ضَمِنَ، وليس كذلك إذا وَقَفَ على الفقراء، فإن الوصيَّ يُعطي فقراء القرابة، فإن أعطى بعضهم؛ لم يضمن؛ لأنه أوصى للفقراء والمساكين، فأعطى الفقراء؛ لم يضمن وفي مسألتنا لو أعطى غير الجيران؛ ضَمِنَ.
ولا يدخل فيه عبيد الجيران ومدبّروهم وأمهات أولادهم.
ولا يدخل فيه ولد الواقف؛ لأنَّه أقرب من أن يُقال له جار. وكذلك أبوه وجده وزوجته.
والقياس أن يُعطَى ولد الولدِ إذا كانوا جيراناً فقراء، وفي الاستحسان لا يُعطون؛ لأن معاني كلام الناس على غيرهم.
ولا يُعطى فقراء قرابته إذا لم يكونوا جيراناً، ويُعتبر فقراء جيرانه يومَ تُقسَمُ الغلَّهُ وإنْ كان غنياً قبل ذلك.
ولو كان الوقفُ على فقراء قرابته؛ اعتُبر فقراء القرابة يومَ تَخَلُّقِ العَلَّةِ؛ لأنَّ الجوار يتحوّل وينقطع، والقرابة لا تتحوّل ولا تنقطع، ولو تحوّل الجيرانُ؛ بطل ولم يُتَّبَعُوا في القبائل.
فإن قال قائل: يُتَّبَعُون. قيل: لو وَقَفَ على فقراء مسجد الجامع، أو فقراء سجن البصرة فمات واحدٌ منهم؛ لم يُعط وارثه شيئاً، وعلى قياس قول من خالفنا ينبغي أن يُعطَى، وأمر الناس على خلافه.
والذي يدلُّ على أنَّ الجوار مفارقُ القرابة ألا ترى أنَّ مسلماً مريضاً لو أقر لابنه وهو نصراني فأسلم؛ لم يصح الإقرار، ولو أقرَّ لأجنبية ثم تزوجها؛ صح الإقرار، ففارقت القرابة غيرها.
ويجب لجيران داره التي كان فيها دون التي تحوّل عنها، بيعَتْ داره بعد موته، أو لم تُبع، انتقل الورثة أو لم ينتقلوا، وإن كانت له دار أخرى للغلة؛ لم يُلتفت إليه.
فإن كانت الواقفة امرأة فجيرانها جيران دارِ زوجها التي تحوَّلَتْ إليها دون جيران دارِ أبيها التي تحوَّلَتْ عنها، وكذلك الرجل إذا تحوّل إلى دار امرأته، فإن لم يتحوّل وكان يختلف إليها؛ فجيرانه جيران داره دون دار امرأته، ولو تحوّل في مرضه إلى دار أبيه أو ابنته؛ لم يُعتبر هذا التحوُّل، وهو بمنزلة الزائر
الجزء 1 · صفحة 81
والضيف، ولو كان له داران في كلّ دار له زوجة؛ فالغلة الجيران الدارين، وإن مات في إحداهما، وإن كانت إحداهما بالكوفة والأخرى بالبصرة.
بصري تحوّل إلى مكة، فإنِ اتَّخذ مكة داراً؛ فالغلة لفقراء جيرانه بمكة وإن لم يتخذها داراً؛ فلجيرانه بالبصرة.
ومَن تحوّل من جيرانه بعد موته، واتخذ داراً سواها قبل قسمة الغلَّة؛ لم يُعطَ؛ لأنَّه ليس بجارٍ، فإن أقر الواقف لواحدٍ أنَّه من فقراء جيرانه؛ أُعطِي.
وإن قال: على فقراء جيراني بعد وفاتي، ولم يُعلَمُ مَن جيرانه؛ لم تُقسم الغلَّةَ حتى يشهد الشهود على المنزل الذي تولّي فيه، فيُعطى جيرانُ ذلك المنزل. فإن ادَّعى جارٌ أنه فقير؛ كُلف أن يقيم البينة على فقره.
ولو أوصى الجيران ولده؛ فهو كما لو أوصى لجيرانه.
فإن قال الواقف أو الوصيُّ: أعطيتُ الغلَّةَ فقراء الجيران: فالقول قوله مع
يمينه وإن جَحَدَ ذلك الجيران.
ولو قال: على فقراء بني فلان فذكر قبيلة هو نازل فيها، فالقياس أن يكون لغيرهم، وأستحسن أن أُعطِي سكَّانَ تلك القبيلة من العرب والموالي؛ لأنَّ معاني كلام الناس في وصاياهم على هذا.
وإن قال: على فقراء بني فلان، وفلان ذلك أب قريب كالفخذ أو كالبيت؛ أُعطِي العرب دون الموالي، أُخِذَ فيه بالقياس.
باب: الرجلُ يقف على قوم فلا يقبلون، أو يقبل بعضُهم دون بعض
رجل قال: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ على عبد الله: فقال عبد الله: لا أقبل:
بَطَلَ حقه ولم يكن له أن يقبل بعده وكانت الغلَّةُ للفقراء، كما لو قال: صدقةٌ
موقوفة وسَكَتَ.
وكذلك لو مات الموقوفُ عليه قبل القبول؛ فهو بمنزلة ردّه.
ولو قال: قبلتُ أو أخذَ د غلته سنةً، أو أخذ بعض غلَّتِه ثم ردَّ؛ كان رده باطلاً؛ كما لو أوصى لرجل بثلث ماله فأخذ بعضه؛ فهو قبول للكل وليس له الرد.
قال أبو جعفر الهندواني: يجوز ردُّه للواقف في المستقبل؛ لأنَّ له حقاً وليس له ملك، وإبطال الحق جائز، كحق الشفعة.
الجزء 1 · صفحة 82
فإن قال الموقوفُ عليه قبلتُ سنةً ولا أقبل ما سوى ذلك، أو قال: لا أقبل سنةً واحدةً وأقبل ما سوى ذلك، أو قال: أقبل نصف الغلة ولا أقبل النصف، أو قال الموصى له بالثلث قبلتُ نصف الثلث ولا أقبل النصف؛ فهو كما قال، وما لم يقبل في الوقف؛ فهو للفقراء، وما لم يقبل في الوصيَّة؛ عاد إلى ورثة الموصي.
فإن قال: على فلان وفلان، وأحدهما ميّتُ؛ فالغلة للحي، وإن قال: بين فلان وفلان؛ فللحي النصفُ، وهذا قياس ما قلنا في الوصية.
ولو قال: ثلث مالي لزيد ولرجل سماه مجهول لا يُعرَف: فلزيد نصفُ الثلث.
وكذلك لو قال: لزيد ولابني، فلم تُجز الورثة لابنه.
ولو قال: على زيد وعبد الله ما عاشا فمات أحدهما؛ فللآخر النصفُ، وقوله: ما عاشا لا تبطل حِصَّةُ الباقي.
وذكر الخصَّافُ أنَّه روي عن زفرَ أنَّه لو أوصى أن يُجرى على زيد وعمرو:
من ثلثه كل سنة دراهم، فمات أحدهما؛ بَطَلَتِ الوصية للآخر أيضاً.
فإن قال: لعبد الله ومن بعده لزيد فأبى عبد الله أن يقبل؛ فهو لزيد؛ ألا ترى أنه لو مات عبد الله: كانتِ الغلَّةُ لزيد، وردُّه بمنزلة موته، وإن قال زيد: لا أقبل؛ فهو لعبد الله، فإذا مات عبد الله: كان للفقراء.
فإن قال: على عبد الله وزيدٍ فإذا هَلَكَا؛ فهي للفقراء: فمات أحدهما؛ فنصفُ الغلّة للفقراء؛ لأنَّه لا وجة لنصيب الميت فيكون للفقراء. ولو قال: وقفتُ على زيد أو عمرو: فالوقف باطل.
وكذلك لو قال: وقفتُ أرضي هذه أو أرضي هذه فالوقف باطل.
ولا يقال: يُجبَرُ الورثة على أن يبينوا.
وأما إذا أوصى بعبده لزيد أو عمرو؛ فروي عن أبي حنيفة رحمه الله أن الوصية باطلة، وروي عنه وهو قول أبي يوسف أنه يخير الورثة يعطون العبد أيهما شاؤوا. ذكر الخلاف الخصَّافُ.
فإن وَقَفَ على ولده ونسله فأبى واحد منهم أن يقبل؛ فجميع الغلة للباقين من ولد عبد الله، وجُعِلَ مَن لم يقبل كالميت ولا يشبه الوصية.
الجزء 1 · صفحة 83
لو أوصى بثلث ماله لولد عبد الله وهم أربعة فأبى واحدٌ أن يقبل؛ عادت حِصَّتُه إلى ورثة الميت، ولم يُجعَل للباقي؛ لأنه لو قَبلَ في الوقف ثم مات؛ ردَّت حِصَّتُه إلى الباقين، وفي الوصيَّة لو قبل واحد ثم مات؛ لم ترد إلى الباقين وكانت حِصَّتُه للورثة، فالوقف يجري على مَن بقي والوصيَّةُ لا تجري.
فإن قال ولد عبد الله كلهم: لا نقبل، فالوقف للفقراء.
فإن وُلِدَ لعبد الله بعد ذلك وَلَدٌ أو ظهر نسل فقبلوا: رُدَّت إليهم. فإن قال: لا أقبل لي ولا لنسلي: جاز ردُّه في حقه ولم يجز في حق نسله وولده وإن كان الولد صغيراً، فإن بقي من ولد عبد الله واحد؛ استحق الجميع؛ لأنه يستحق الاسم وهو ولد عبد الله.
وإذا قال: على عبد الله وزيد: فأبى أحدهما أن يقبل، أو مات قبل القبول؛ فللباقي النصفُ.
وقد ذكرنا أنه لو قال: لولد عبد الله فمات أحدهم أو أبى أن يقبل؛ أنَّه يُرَدُّ نصيبه على الباقين.
باب: الرجلُ يقفُ على وجوه كيف تُقسَمُ الغلَّةُ؟
وإذا قال: أرضي صدقةٌ موقوفة على عبد الله وزيد: فالغلة بينهما نصفان، فإن مات أحدهما؛ فللباقي النصف، وما بقي؛ فللفقراء.
فإن قال: على ولد عبد الله وهم فلان وفلان: فالغلة بينهما، فإن مات أحدهما؛ فحِصَّتُه للفقراء.
وليس كذلك إذا قال: على ولد فلانٍ وسَكَتَ فمات واحدٌ؛
فالغلة للباقي منهم؛ لأنه يدخل في اسم الولد.
فإن قال: على زيدٍ، وعمرو، ولزيدٍ منها الثلث، أو قال: لزيدِ منها مِئَةً درهم: فلزيد ما سمَّى والباقي من سكت عنه.
وكذلك السبيل في كلِّ شيءٍ يسمِّيه، يُعطَى صاحب التسمية ما سمي له والباقي للذي لم يُسَمَّ له، قال الله تعالى: {وَوَرِثَهُ وَأَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ القُلْتُ} النساء: فيكون الباقي من سكت عنه وهو الأب.
فإن قال: لزيد النصف ولعمرو الثلثان قُسِّمَ على سبعة، يُضَرَب زيدٌ بثلاثة وعمرو بأربعة.
فإن قال: على زيد وعمرو، لزيد منها مئة ولعمرو مئتان فنَقَصَتِ العَلَّةُ؛ قسم الحاصل بينهما أثلاثاً، فإن زادت الغلَّةُ على المسمى؛ كان الزائد بينهما نصفين، يقسم على عدد الرؤوس لا على المسمّى.
فإن قال: صدقة موقوفة لزيد منها مئة درهم ولعمرو مئتان: أُعطِيَ كلُّ واحدٍ ما سُمِّيَ له والفضل للفقراء؛ لأن قوله صدقةٌ موقوفةٌ» يقتضي أن تكونَ الغلة للفقراء.
فإذا قال: لفلان منها كذا: أُعطِيَ ما سمى له والباقي للفقراء.
الجزء 1 · صفحة 84
وفي المسألة الأولى جعل الجميع لزيد وعمرو، ولو سكت؛ كان بينهما نصفين، وكذلك الوصيَّةُ إلَّا أنَّ الفضل الذي في الوقف يرجع إلى الفقراء، وفي الوصية يرجع إلى الوارث.
ولو قال: أعطي من غلتها من كان فقيراً من قرابتي في كل سنة ما يكفيه في طعامه وكسوته فَفَضَلَ: الفَضْلُ للفقراء؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ للقرابة إِلَّا النفقة.
فإن قال: الزيد منها مئة درهم وما بقي فلعمرو فلم تكن الغلَّةُ إِلَّا مئةً؛ فهو لزيد.
وكذلك لو كانتِ الغلَّةُ ألف درهم فضاعت إلَّا مئة؛ فهي لزيد، وكذلك الوصية.
وكذلك لو قال: يُتصدَّق عنِّي كل سنة بمئة درهم والباقي لعمرو: فما ضاع فهو من حصة عمرو.
وكذلك لو قال: يُحجُّ عنِّي حَجَّةٌ أو يُعتَقُ نَسَمَةٌ.
ولو قال: يُعطى كلَّ واحدٍ من قرابتي ما يكفيه بالمعروف: تحاصوا فيه، يُضَرَبُ للكبير بما يكفيه وللصغير بما يكفيه وذلك يختلف، والأقوات والنفقات تختلف؛ لأنَّ نفقة الصغير والكبير تختلف، فإن نَقَصَتِ الغلَّةُ؛ تُقسَطُ بينهم،
وإن زادت؛ فالزيادة على عدد الرؤوس؛ لقوله في أوَّل كلامه «الفقراء قرابتي وكذلك لو قال: أوصيتُ بثلث مالي لفقراء قرابتي أُعطِيَ كلُّ واحدٍ ما سُمِّيَ له والفضل على عدد الرؤوس، ويُنظَرُ إلى مَن كان فقيراً يومَ تَخَلُّقِ العَلَّةِ، وأُسقِطَ مَن استغنى منهم أو هَلَكَ.
ولو قال: فما فَضَلَ فهو للفقراء: جاز؛ لأنَّه نَقَلَ الفضل عن القرابة إلى الفقراء؛ ألا تري لو قال: ثلث مالي لقرابتي يُعطَى كلّ واحدٍ مئة درهم فما فَضَلَ للفقراء، فالفضل للفقراء؛ لأنه رجع عن الفضل فجعله للفقراء.
فإن قال: صدقةٌ موقوفة لعبد الله أو للمساكين: فهو على الغلة دون الأصل. فإن قال: للغارمين: فهو لفقراء الغارمين.
فإن قال: للغارمين وفي سبيل الله: فنصفٌ لفقراء الغارمين ونصف في سبيل الله.
فإن قال: لعبد الله وللمساكين: فنصفٌ لعبد الله ونصفُ للمساكين، وفيه قول آخرُ أنَّ لعبد الله الثلث والثلثان للمساكين، وهذا قول محمد.
ولو أوصى للمساكين فأعطى واحداً؛ جاز، والأفضل أن يُعطِيَ اثنين، وعلى قول محمد لا يجوز أن يعطي أقل من اثنين.
الجزء 1 · صفحة 85
ولو قال: القرابتي وللمساكين: ضُرِبَ لكلِّ واحدٍ منَ القرابة بسهم، وللمساكين بسهم، وعند محمد: للمساكين بسهمين، وهذا عندنا قبيح.
ولو قال: لليتامى ولجيراني وموالي وللمساكين: ضُرِبَ لكلِّ واحدٍ بسهم، وعلى القول الآخر للمساكين بسهمين.
قال هلال: وهذا عندي قبيح.
ولو قال: لعبد الله وللفقراء والمساكين: فالفقراء والمساكين صنف واحد، وفي هذا اختلاف عندنا.
فإن قال: «لوجوه الصدقات»؛ فهي للفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فأمَّا سهم العاملين والمؤلَّفَةِ قلوبهم ذَهَبَ وسَهمُهم مَردودٌ في الصدقات على السِّهام؛ فكذلك في الوقف، وليس لوالي الوقف أن يزيد بعضهم على بعض.
فإن قيل: في الصدقات على السهام لو وضعها في صنف واحد؛ جاز، قيل:
رخص الفقهاء في ذلك. ولم يبلغنا أنّها رخصة في الوصايا والأوقاف.
قال الإسكاف: إذا وَقَفَ على ساكني دارِ المُختَلِفَةِ؛ يُعطى لكلِّ واحدٍ شيءٌ معلوم، وكان لواحد بيت في الرباط وله هناك شيء وهو يخرج بالنَّهار يكتسب؛ لم تخرج وظيفته إذا كان يُعَدُّ مِنَ المُختَلِفَةِ، وإن اشتغل بكتابة شيء من الفقه؛ فله أن يأخذ وظيفته، وإن اشتغل بغيره؛ لم يَسَعُه، فإن خرج إلى مسيرة ثلاثة أيام؛ لم يأخذ بما مضى من الوظيفة، وإن خرج إلى الرُّسْتَاقِ أقل من خمسة عشر يوماً؛ نستحسن أن تكون وظيفته على حاله.
فإن قال: على وجوه الصدقات ووجوه البِرِّ: ضُرِبَ للفقراء وللمساكين بسهم، وللرقاب بسهم وللغارمين بسهم، ولسبيل الله بسهم، ولابن السبيل بسهم، ولوجوه البر بثلاثة أسهم.
ووجوه البر أقله ثلاثة.
وعلى القول الآخر: للفقراء والمساكين سهمان.
فإن قال: للفقراء والغارمين وفي سبيل الله والحج، وسمَّى لكل وجه دراهم مسماة، فزادت الغلَّةُ؛ قُسِّمَتْ على عدد الوجوه.
وقال أصحابنا: في الوصايا يُنظَرُ إلى كلِّ مَن سَمَّى مَمَّن يُحَاطُ بهم فيُضَرَبُ لكل واحد بسهم ويُضرَبُ لكلِّ وجه من الوجوه التي لا يُحاط بها بسهم، وكذلك الوقف على قياس الوصايا.
الجزء 1 · صفحة 86
فإن قال: صدقةٌ موقوفةٌ لعبد الله وزيد ألف درهم لعبد الله من ذلك: فإنَّه صار كأنه قال: لعبد الله مئة درهم ولزيد تسعُ مئةٍ: فإن كانتِ الغلَّةُ خمس مئةٍ؛ قُسِّمَتْ على عشرة، لعبد الله سهم ولزيد تسعة.
فإن قال: العبد الله مئه درهم ولزيد ما بقي: بُدِئَ بعبد الله فيُعطَى مئة درهم، فإن فَضَلَ شيء؛ كان لزيد، وكذلك الوصيَّةَ.
فإن قال: أرضي صدقةٌ موقوفةٌ لعبد الله نصفها ولزيد منها مئة درهم: أعطي عبد الله نصفها وأعطي زيد من النصف الباقي مئة درهم والفضل للفقراء؛ فإن لم تكن الغلَّهُ إِلَّا مئةً؛ فهي لزيد ولا شيء لعبد الله، ألا ترى أنه لو قال: العبد الله ولزيدٍ منها مئة درهم ولم تكن الغلَّةُ إِلَّا مئة: أنِّي أُعطيها كلَّها زيداً، وكذلك إذا قال: نصف الغلة لعبد الله.
وإن كانت الغلَّةُ مئة وخمسين؛ فلزيد منها مئة درهم وما بقي لعبد الله.
وفيها قول آخر: إذا قال: فما أخرجتِ الأرضُ من غلاتها فلزيد بن عبد الله منها النصفُ ولعمرو مئة في كلّ سنة فأخرجتِ الأرضُ مئةٌ؛ ضُرِبَ لزيد بخمسين ولعمرو بمئة حتّى يكون ما يصيب عمرواً مئةٌ، فإن كان نصيب عمرو مئة
أُعطِي زيدٌ النصف وأُعطِيَ عمرو مئةً، والفضل من النصف الباقي للفقراء.
فإن قال: وَقْف على فلان وفلان، فإن مات أحدهما ولم يكن له وارت؛ فهو للباقي منهما، فمات أحدهما وترك امرأة؛ كان نصيبه للمساكين؛ لأنه جعله للباقي إذا لم يكن وارث، والمرأة وارثَةٌ، وإن كانت لا تحوز الميراث؛ فيكون نصيب الميت للمساكين؛ لأنَّ الوقفَ أصله للمساكين وكذلك ما أشبهه.
فإن قال: لزيد ألف درهم كل سنة، ولعمرو قُوتُه لسنة فمات زيد وجاءتِ الغلّة
وبلغت ثلاثة آلاف درهم فلعمرو قوتُه لسنة والفضل يكون نصفه لعمرو والباقي مع حِصَّة زيد للفقراء.
باب: وَقُفُ المريض
مريضٌ وَقَفَ أرضه على الفقراء، أو أوصى أن يُوقف بعد موته ولا مال له
غيره، فهو جائز من الثلث، فيكون ثلث الأرض وَقْفاً وثلثاه للورثة.
فإن كان عليه دَينُ مُسْتَغْرِقٌ: فالوقف، باطل، فإن كان غيرَ مُسْتَغْرِقٌ؛ كان ثلث ما بقي بعد الدين وَقْفاً.