عِلْمُ الحال المختصر ......................
............... للسَّيد مَحْمُوْد الحْمْزَاوِيِّ
جارٍ تحميل الكتاب…
عِلْمُ الحال المختصر ......................
............... للسَّيد مَحْمُوْد الحْمْزَاوِيِّ
عِلْمُ الحال
المختصر
تأليفُ عمدة العلماء الأعلام ومفتي الشَّام
السَّيد مَحْمُوْد أَفَنْدِيَ الحْمْزَاوِيِّ الحَنَفِيّ
(ت 1305 هـ)
تحقيق وتعليق
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ الله رَيْحَان
عضو هيئة التَّدريس في كلية الفقه الحنفيِّ
جامعةُ العلوم الإسلاميَّة العالميَّة
عمَّان، الأردن
إهداء
إلى الجوهرة المضيئة، والدُّرة السَّنيْة ....
إلى أجمل العابرين في حياتي، إلى مهجتي ومقلتي ...
إلى الصَّالحة المصلحة الحنونة ...
ابنتي زينة
مقدمة المحقِّق
الحمدُ لله ذي الفَضْلِ والجلالِ، صاحبِ الفِعَال والكمالِ، شارعِ الحرامِ والحلالِ، ليسَ لهُ في الخلقِ مثالُ.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على النَّبيِّ المفضالِ، الذي حوى أطايب الخصالِ، وأرْشدنا لتعلُم علمَ الحالِ، وأَزاحَ عنَّا طريقَ الضَّلالِ، وعلى آلهِ وصحبهِ الرِّجالِ العِقَالِ.
وبعدُ:
فإنَّ رسالة «علم الحال» للإمامِ «الحمزاويّ» (من الرَّسائل التي تميَّزتْ بِصِغَرِ حجمها، ودقَّة عبارتها، وتزيَّنت بأبرز المسائل التي يحتاجها الأطفال والنِّساء والرِّجال من فقهٍ وعقيدةٍ.
وإنَّ من فضل الله عليَّ أنْ يسّر لي تحقيق هذه الرِّسالة الماتعة النَّافعة، لتكونَ عونًا للقارئِ على تعلُّم فرض العين - علم الحال - العلم الذي يحتاجه كل أحدٍ من المسلمين.
هذا وقد قمتُ بإضافة بعض الموضوعات في نهاية الكتاب لتعمَّ الفائدة ويكون كتابًا شاملًا في العبادات على وجه التَّحديد، فأدرجت ملحقًا بالزَّكاة والصَّوم والحجِّ، وقمتُ بدارسةٍ للمخطوط، بيَّنتُ فيه نسبتَهُ للمصنِّف، وموضوعه، وسبب تأليفه، وميزاته، والنُّسخ المعتمدة في هذا الكتاب.
ثم تفضَّل عليَّ الدكتور صلاح أبو الحاج عميد كلية الفقه الحنفيِّ في جامعة العلوم الإسلاميَّة بترجمةٍ مُوَسَّعةٍ للمؤلفِ (كانَ قدْ كتبهَا عندما حقَّقَ كتاب: «الفرائدُ البهيَّة في القواعد الفقهيَّة»، ورسالة «أحكام الأوقاف»، وسمَّى هذه الترجمة بـ «اللآلي في أخبار الحمزاويّ».
ثمَّ أدرجتُ النَّصَّ المحقَّق مع التَّعليقات والحواشي النَّافعة.
المنهجُ المُتَّبعُ في الكتابِ وتحقيقه
خُطَّةُ العملِ في تحقيقِ رسالة «علم الحال» للإمام «الحمزاويِّ» (مُوضَحةٌ في منهجٍ يمكنُ بيانُهُ في النُّقاطِ الآتية:
1 ـ وقفتُ على نسخةٍ خطِّيَّةٍ، فحققتها.
2 ـ ضبطتُ النَّصَّ ضبطاً كاملاً.
3 ـ وضعتُ العناوينَ التي يَحتاجُ إليها القارئُ، وجَعلتُها بينَ مُنكسِرين [].
4 ـ ذكرتُ الاستدلالَ للمسائلِ بالمنقولِ والمعقولِ، وحَرَصتُ على تخريجِها.
5 ـ خَرَّجْتُ ما وَرَدَ مِن آياتٍ بذكرِ السُّورةِ ورقمِ الآيةِ وتتمَّتِها إن احتِيجَ لذلك.
6 ـ خَرَّجْتُ الأحاديثَ الواردةَ وبَيَّنْتُ حالَها.
7 ـ أرجعتُ ما وَرَدَ فيه من النُّصُوصِ والنُّقُولِ إلى مَظانِّها، مطبوعةً كانَتْ أم مخطوطةً، فذكرتُ في الهامشِ اسمَ الكتابِ ونصَّ العبارةِ كما هي.
8 ـ ضبطتُ ما يُشكِلُ مِن الكلماتِ؛ للإعانةِ على فَهْمِ العبارة.
9 ـ راعيتُ قواعدَ الإملاءِ الحديثةَ مع وَضْعِ علاماتِ التَّرقيمِ المناسبةِ، وفَصَلتُ عباراتِهِ إلى مقاطعَ قصيرةٍ على حَسَبِ ما يَقتَضِيه المعنى.
10 ـ بيَّنْتُ المعانيَ اللُّغويَّةَ مِن كتبِ اللُّغة؛ لرَبْطِها مع المعنى الفقهيِّ وتوضيحِ العبارة.
11 ـ خَرَجْتُ مِن اختلافِ النُّسَخِ بصيغةِ الصَّلاةِ على رسول الله بإثباتِ شكل الصلاةِ كالآتي (- صلى الله عليه وسلم -)، والأنبياءِ بـ (()، وكذا اختلافُ النُّسَخِ بصيغةِ التَّرحُّمِ والتَّرضِّي على مَن يُذكَرُ من الصَّحابةِ بذكر (()، ومجموعِهم بذكر (()، وأئمَّةِ الفقهِ والحديث بـ (().
12 ـ وضعتُ الحواشيَ والتَّعليقاتِ المناسبةَ؛ لتكونَ عَوْناً للقارئ على توضيحِ كلام المصنِّف، وإزالةِ الإبهامِ والإشكال إنْ وُجِد.
13 ـ في حالِ الاختلافِ بينَ النُّسَخِ في كلمةٍ وضعتُ علامةَ الحاشية () عليها مِن دونِ وَضْعِها بينَ مُنكسِرين، وإنْ كان الاختلافُ في كلمتينِ فأكثرَ أو في سَقْطٍ مِن نسخةٍ ما وضعتُ علامةَ المنكسرين [].
14 ـ ترجمتُ للمُصنِّفِ (بدراسةٍ خاصَّةٍ مُوسَّعةٍ، بالإضافةِ إلى تعريفٍ ببعضِ مُؤلَّفاتِهِ، وبيانِ درجتِهِ الفقهيَّةِ.
15 ـ رَصَدتُ عددَ المسائلِ في الكتابِ، فوجدتُها ما يُقارِبُ (152) مسألةً مُوزَّعةً كالآتي:
ـ (17) مسألةً في العقيدة.
ـ (16) مسألةً في الأصول.
ـ (47) مسألةً في الطَّهارةِ.
ـ (63) مسألةً في الصَّلاة.
ـ (3) مسائل في الصِّيام.
ـ (3) مسائل في الزَّكاة.
ـ (3) مسائل في الحجِّ.
أسألُ المولى الجليل أن يبارك في هذا العمل، ويجعله في ميزان حسنات والدينا ومشايخنا وأحبابنا.
كتبه
أحمد عبد المنعم عبد الله ريحان
23/تموز (5) /2023 هـ
الأردن - عمَّان - صويلح-عمارة أنوار العلماء
الدِّراسة الأُولى: المخطوط
وفيها ثلاثةُ مطالب:
المطلبُ الأوَّلُ:
- صحَّةُ نِسْبتِهِ للمصنِّف.
- مطبوعاتُهُ.
أوَّلًا: اسمُهُ وصحَّةُ نسبتهِ له:
هكذا اسمُهُ في الصَّفحة الأولى من المخطوط التي وقفت عليها.
ثانيًا: مَطبُوعاتُهُ:
طُبِعَتْ هذه الرِّسالة للمرَّةِ الأُولى بعناية الأخ «محمَّد وائل الحنبليّ» ووقفتُ على هذه الطَّبعة فوجدتها تحتوي على تحقيق المخطوط دون التَّعليق عليها، فشرعتُ في إتمام ما بدأ به الأخ وأضفتُ إليها التَّعليقات المهمَّة لطالب العلم، وبيان الاستدلال والمعتمد في المذهب لكلِّ مسألةٍ مِنْ مسائلها وغيرها من الأمور التي بينتها في المنهج المتَّبع في الرِّسالة وتحقيقها، أسأل الله أنْ يتقبل العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأنْ يكون فيه النَّفع للمسلمين.
ثالثًا: أوَّلُهُ ونهايتُهُ:
- أوَّلُهُ: «الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ الله تعالى أوجد هذا العالَم مِنَ العَدَمِ بعدَ أنْ لم يكنْ، فخَلَقَ آدمَ (مِن التُّراب، وزيَّن هذه الدنيا بذُرِّيتِه ... إلخ».
- نهايتُهُ: «الخلوُّ عمَّا يُفسده مِن الفجر إلى غروبِ الشَّمسِ وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمدٍ وعلى آله وصَحبِهِ وسَلَّم».
المطلبُ الثاني
- موضوعُهُ.
- مخطوطاتُهُ.
- مُميِّزات المخطوط.
أوَّلًا: موضوعُهُ:
أشارتْ الرِّسالة إلى عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة وموقف المسلم منها، ثمَّ ذكر بعض موضوعات علم الحال كأحوال الإنسان في التَّعامل مع مسائل الطَّهارة والصَّلاة والصَّيام والحجِّ.
ثانيًا: مخطوطاتُهُ:
وقفتُ على نسخةٍ فريدةٍ لهذه الرِّسالة الماتعة من معهد الثَّقافةِ والدِّراسات الشَّرقيَّة.
ثالثًا: مميِّزات المخطوط:
1. صِغَرُ حَجْمِهِ ودِقَّةُ فُرُوعِهِ.
2. سُهُولةُ وإيجازُ عبارتِهِ ووُضُوحُها.
3. اشتمالُهُ على أبرزِ مسائلِ عِلْمِ الحالِ التَّي يحتاجُهَا النَّاس.
4. اشتمالُهُ على مقدِّمَاتٍ عَقَديَّةٍ يحتاجُهَا النَّاس.
5. ذِكْرُهُ مُعتمَدَ المذهبِ الحنفيِّ.
المطلب الثالث: النُّسَخُ المعتمَدة:
اعتَمَدْتُ في إخراجِ هذا الكتابِ على نسخةٍ خطيَّةٍ واحدةٍ:
وهي نسخةٌ ضَمَّها معهد الثَّقافة والدِّراساتِ الشَّرقيَّة، منْ مكتبةِ المصطفى الإلكترونية رقم (2946):
https://almostafa.info/data/arabic/depot3/gap.php?file=m002946.pdf
وتقع في (17) ورقةً، عدد الأسطُرِ فيها (19) سطراً، وهي بخطٍّ معتادٍ متوسطٍ مضبوطٍ، مُيِّزَتْ العناوين باللَّونِ الأزرقِ الغامق.
الورقةُ الأُولى مِن النُّسخةِ
الورقةُ الأخيرةُ مِن النُّسخة
الدِّراسةُ الثَّانية
ترجمةُ المؤلِّف
الدِّراسة الثَّانية
اللآلي
في أخبار الحمزاويّ
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّد المرسلينَ، سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ سارَ على دربهِمِ واهتدى بهديهِمِ إلى يَوْمِ الدِّين.
وبعدُ:
يعدُّ العلَّامة الفقيه ابن حمزة الحمزاويّ من أبرز المتأخرين في بلاد الشَّام في مذهب السَّادة الحنفية، ولها جهودٌ فقهيةٌ عظيمةٌ، وقد درَّسْتُ مؤلفين له في مساقات الماجستير في كلية الفقه الحنفي، وهما: «الفرائد البهية في القواعد الفقهية»، فهو من أوسع ما كتب في القواعد الفقهية، ورسالة «أحكام الأوقاف»، وهي لطيفة عجيبة في جمع أبرز قواعد الأوقاف.
ورسائله وتأليفاته تدل على ملكة فقهية راسخة عنده، وعلى دقة علمية فائقة، واطلاع كبير، وذكاء حاد، وقد شارك خاتمة المحققين ابن عابدين في بعض شيوخي كالشيخ سعيد الحلبي.
ووقفت له على ترجمة حافلة في «تاريخ دمشق» للشطي، اشتملت على ترجمة الحمزاوي لنفسه وترجمة البيطار له وكذلك على ترجمة سعيد الباني له، فأعدت ترتيبها وتهذيب وتنسيقها مع إضافة فوائد عليها من كتاب الأعلام للزركلي.
وسميتها:
اللآلي في أخبار الحمزاوي
قاصداً بذلك إشهار ذكره، وتعريف المعاصرين به، ونشر أخباره بين طلبة العلم، في زمن اضمحل فيه الفقه، وغابت رايته، لعلّ بذكر هؤلاء الأكابر العظماء تشحن الهمم، وتعود راية العلم والدين في قلوب الناس.
وأسال الله - عز وجل - أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ 15 ـ 8 ـ 2020م
المطلب الأول
اسمه ونسبه ولادته
أولاً: اسمه ونسبه:
محمود بن نسيب بن حسين بن يحيى بن حسن بن عبد الكريم، المعروف كأسلافه بابن حمزة الحُسيني، المتصل نسبهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما ساقه المحبي أمين، والمرادي خليل، والغّزيّ كمال الدين في تواريخهم المشهورة، وقد ترجم الناظم المذكور البستانيّ في «دائرة المعارف» في حرف الحاء (¬1).
ويعرف آله فيها ببني حمزة، نسبة إلى حمزة الحراني (من جدودهم) (¬2).
ثانياً: ولادته ونشأته:
ولد في دمشق الشّام سنة (1236) هـ، وقد نشأ في حجر والده، ودخل المدرسة سنة (1248) هـ (¬3).
¬
(¬1) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الربع عشر، لمحمد جميل الشطي، دار البشائر، ط1، 1414هـ. ص318.
(¬2) ينظر: الأعلام7: 185.
(¬3) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص318.
المطلب الثاني
شيوخه
أحسن القراءة والكتابة، وهو ابن اثني عشر، ثمّ جَدَّ في طلب العلم على السَّادة الغرر، حتى فاق أقرانه، وفضل أترابه وأخدانه، وتخرج على مشايخ عصره الأفاضل، حتى احتوى على أنواع الفضائل ... وعلا شأنه في الآداب وفاق، وطار صيتُه في الأقطار والآفاق (¬1).
وممن تلقى العلم عليهم:
1.الشيخ سعيد الحلبي، أخذ عنه الفقه والنحو والأصول والكلام (¬2).
وهو سعيد بن حسن بن أحمد الدمشقي الحنفي الحلبي المولد والشهرة، شيخ علماء الحنفية بدمشق وأحد صدورها الأجلاء، العالم العلامة والحبر الفهامة، فقيه زمانه وناسك أوانه، مفيد الطالبين ومربي المريدين، تتلمذ عليه أبرز علماء عصره، ومنهم خاتمة المحققين محمد أمين ابن عابدين.
وكان موقراً محترماً، وله الكلمة النافذة في دمشق حلاً وعقداً، أمراً ونهياً، تؤثر عنه آثار حسنة، وكان إماماً جليلاً مهيباً، وقوراً عابداً زاهداً،
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص322.
(¬2) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
علمه على مرّ الدخول منشور، وفضله على كرّ العصور مذكور، توفي سنة (1259هـ) (¬1).
2.الشيخ عبد الرحمن الكزبري، تلقى عنه الحديث الشريف والمصطلح والبيان (¬2).
وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري الشافعي الدمشقي، مسند الشام، وشيخ علمائها الأعلام، الأستاذ الذي لم يأت الدهر بمثاله، الملاذ الذي ينسج أحدٌ على منواله، الشيخ الإمام العلامة، والحبر البحر الفهّامة، محدِّث الدّيار الشامية وابن محدِّثها، وعالمها وابن عالمها، توفي سنة (1262) هـ (¬3).
3.الشيخ حامد العطار، أخذ عنه التفسير والتصوف (¬4).
وهو حامد بن أحمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عسكر الدمشقي الشافعي، الشهير بالعطار، أحد علماء دمشق الأعلام، المنتصبين لنفع الخاص
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص129 ـ 130.
(¬2) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬3) ينظر: تاريخ دمشق ص163ـ 164
(¬4) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
والعام، العالم العلامة والحبر الفهامة، كان إماماً عالماً، مفسراً محدثاً، فقيهاً صوفياً، عابداً ناسكاً، توفي سنة (1263) هـ (¬1).
4.الشيخ عمر الآمدي، درس عليه المعاني والبيان (¬2).
وهو عمر بن مصطفى بن عمر بن يحيى الآمدي الحنفي، نزيل دمشق، إمام العلوم العربية وعلامتها، والمنشورة به في الخافقين أعلامها، منهج السالك لأرقى المسالك، خطيب منبر المعقول والمنقول، وكعبة حجاج الفروع والأصول، العابد الزاهد، توفي سنة (1262) هـ (¬3).
5.الشيخ حسن الشطي، تعلم عليه الفرائض والحساب والعروض (¬4).
وهو حسن بن عمر ... بن معروف بن عبد الله الشطي الحنبلي
الدمشقي مولداً ووفاة، البغدادي أصلاً، أحد شيوخ دمشق الأعلام المتصدِّرين لنفع الخاص والعام، شيخ الحنابلة ومرجعهم، وإمام الفرضيين ومسندهم، العلامة المحقق، المتضلع المتفنن، الفقيه النحوي الفرضي الحيسوبي النقي النقي المسند الرحالة، صاحب التآليف العديدة، والتصانيف
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص77.
(¬2) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬3) ينظر: تاريخ دمشق ص219.
(¬4) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
المفيدة، ومنها: مختصر عقيدة السفاريني، وبسط الراحة لتناول المساحة، وشرح على الكافي في العروض والقوافي، توفي سنة (1264) هـ (¬1).
6.الملا أبي بكر الكردي، تلقى عليه الحكم والوضع والآداب (¬2).
وهو أبو بكر بن أحمد بن داود الكلالي الكردي الأصل، نزيل دمشق، الشافعي، أحد العلماء الأعلام المتقدمين في دمشق الشام، كان ملازماً للإفادة العلمية والآداب العملية مع التقوى والعبادة والعفة والزهادة، كثير السكوت عن فضول الكلام، لا يتكلم إلا في ذكر أو درس أو حكم من الأحكام.
وله مؤلفات كثيرةٌ ورسائل شهيرةٌ، منها تفسير على القرآن المجيد، سّماه «صفوة التفاسير»، لم يتم، و «تنبيه الغافلين في الرد على من خطأ أئمة الدين»، توفي سنة (1269) هـ (¬3)، وأسانيد الكل مُدرجة في أثباتهم (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص79 ـ 81.
(¬2) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬3) ينظر: تاريخ دمشق ص28ـ 29.
(¬4) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
المطلب الثالث
مناصبه
تعاطى المترجَم النيابات الشرعية سنة (1260) هـ، وتولى إفتاء دمشق الشام سنة (1268) هـ، بعد أن انتظم في سلك الموالي سنة (1266) هـ، وتولى إفتاء دمشق الشام سنة (1284) هـ.
وتدرج في الطّريق العلمية، مدرساً مثمناً مخمساً مثنياً، إلى أن أناخ الرَّاحلة في فسطاط إسلامبول، يعني بذلك المدارس الثمانية والبلاد الخمسة والحرمين الشَّريفين واستانبول، وهي رتب معروفة بلغ المترجَم الأخيرة منها، مع ما يتبع ذلك من العلامات الرَّسمية مثنى وثلاث ورباع مجيدية وعثمانية، يشير بذلك إلى الثَّاني والثَّالث والرَّابع من الأوسمة المجيديّة والعثمانيّة لم تر فقط عليه، ولكنها في الصندوق لديه (¬1).
فقد عُيِّنَ في أيام شبابه نائباً في محكمة البزورية، ثمّ في محكمة السنانية، ثم في محكمة الباب الكبرى، وفي سنة (1266) هـ عقب وفاة والده صار عضواً في مجلس أيالة الشام الكبير، وفي سنة (1267) هـ عُيِّنَ مديراً لأوقاف الشام،
¬
(¬1) هذا ذكره الحمزاوي في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
وفي سنة (1268)، فُوِّضت إليه رئاسة مجلس الزِّراعة، وفي سنة (1269) هـ، صار ناظراً للويركو.
ولما نُقِل عارف باشا والي دمشق الأَسبق إلى أيالة خربوط، عُيِّن المترجم كتخداً له، فتوجه صحبتُه إلى الأيالة المذكورة.
ثم عاد الى دمشق، وأعيد لعضوية المجلس الكبير، وفي سنة (1273) أضيفت له مع العضوية المذكورة مأمورية الدفتر الخاقاني في أيالة الشام، وفي سنة (1277) هـ عُيِّن في هيئة المجلس الذي ألفه المرحوم فؤاد باشا الَّشهير في حادثة النَّصارى المشؤومة.
ولما أزمع الوزير المشار إليه على نفي الأعيان وإيقاعهم في حضيض الهوان شهد له الأمير السيد عبد القادر الجزائري، وهو يومئذ عين الشَّام وهامها وسيدها وهمامها، بأنهم ممن قاموا بواجب الحماية، ولم يقصروا في حقِّ الرعاية، فاستثنى المترجم من التَّكاليف والنَّوائب، ولاحظته عينُ العناية من كلِّ جانب، وأدامت الحكومة إجلاله، ولم يزل عضواً في مجلس الأيالة، واضطره الأمر إلى أن قال في بلده ما لا يُقال؛ اذ نظم للوزير المشار إليه قصيدة (41 بيتاً) مطلعها:
أشرقت بالعدل أنوارُ الشّآم ... مذ ... فؤاد ... الملك أولاها ... نظام
وآخرها:
مصر قد خلت من حاكم ... جَوْرُ سلطان ولا عدل العوام
ولولا أهل الشّام من شيعة أهل البيت، لقوبلت تلك القصيدة بكيت وكيت، ورُبَّما يُعتذرُ بأنّه جَعَلَ ذلك وسيلةً للخلاص، مما دهى غيره ولات حين مناص.
وفي سنة (1284) هـ فصلت فتوى الشام عن أمين أفندي الجندي، ووجهت إلى صاحب الترجمة، وفي سنة (1299) أُضيفت إليه أيضاً مديرية معارف سورية.
وكان أول رتبة وجهة إليه باية أزمير المجردة سنة (1272) هـ، وما زال يترقى في الرُّاتب والأوسمة إلى أن وُجِّهَت إليه باية استانبول مع الوسام المَجيدي من الدرجة الثانية، وذلك سنة (1300) هـ، فزاد قدره ومقامه، وشاع ذكره واحترامه (¬1).
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص322ـ 323 عن العلام البيطار.
وقد فوَّض أمانة الفتوى في عهده الى الشيخ محمد البيطار، والشيخ أحمد الحلبي، والشيخ أحمد عابدين، ثم ولده الشيخ أبي الخير عابدين، وطاهر أفندي حمزة، وجعل أبا الخير أفندي الأسطواني مسوِّداً (¬1).
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص324.
المطلب الرابع
مؤلفاته
1. «در الأسرار»، تفسير للقران بالحروف المهملة، جلدان (¬1).
2. «دليل الكمل الى الكلم المهمل» (¬2).
3. «الفتاوى النظم» (¬3).
4. «الفتاوى الحمزاوية» أو المحمودية جلدان ضخمان (¬4).
5. «نظم الجامع الصغير» للإمام محمد - رضي الله عنه - نحو (3000) بيت من البسيط (¬5).
6. «نظم مرقاة الأصول» لملا خسرو في أصول الفقه (¬6).
¬
(¬1) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬2) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬3) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬4) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319،، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬5) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬6) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
7. «الفرائد البهية في القواعد الفقهية» (¬1).
8. «قواعد الأوقاف» (¬2).
9. «تحرير المقالة في الحوالة والكفالة» على مثال غير مسبوق (¬3).
10. «جدول الأحق بحضانة الولد» (¬4).
11. «خلل المحاضر والسجلات» (¬5).
12. «كشف الستور عن المهيأة في الأجور» (¬6).
13. «كشف القناع» شرح بديعة والده (¬7).
¬
(¬1) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319. وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬2) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬3) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬4) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬5) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬6) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬7) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
14. «غنية الطالب شرح رسالة الصديق لعلي بن أبي طالب» (¬1).
15. «تنبيه الخواص على أن الإمضاء من القضاء في الحدود لا في القصاص» (¬2).
16. «جزء في الدرهم المثقال» (¬3).
17. «مصباح الدراية في اصطلاح الهداية» (¬4).
18. «التفاوض في التناقض» (¬5).
19. «رفع الغشاوة عن جواز أخذ الأجرة على التلاوة» (¬6).
20. «تصحيح النقول في سماع دعوى المرأة بالمهر بعد الدخول» (¬7).
¬
(¬1) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬2) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬3) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬4) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬5) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬6) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬7) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
21. «فتوى الخواص في حلّ ما صيد بالرصاص» (¬1).
22. «كشف المجانة عن الغُسل في الإجانة» (¬2).
23. «الكواكب الزاهرة في الأحاديث المتواترة» (¬3).
24. «شرح صلاة ابن مشيش» (¬4).
25. «العقيدة الاسلامية» (¬5).
26. «الطريقة الواضحة» في ترجيح البينات (¬6).
27. «عنوان الأسانيد» (¬7).
28. «الأجوبة الممضاة في أسئلة القضاء» (¬8).
¬
(¬1) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬2) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬3) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص319.
(¬4) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬5) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬6) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬7) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬8) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320، وينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
29. «مختصر الجرح والتعديل» (¬1).
30. «صحيح الأخبار عن التنقيح ورد المحتار» (¬2).
31. «إعلام الناس عن قيمة الماس» (¬3).
32. «القطوف الدانية في خبث أجر الزانية» (¬4).
33. «ثبت» (¬5).
34. «أرجوزة في علم الفراسة» (¬6).
35. «عنوان الأسانيد» (¬7).
36. «مجموعة رسائل» إحدى عشرة رسالة (¬8)، ومنها «رسالة علم الحال».
¬
(¬1) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬2) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬3) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬4) نسبه الحمزاوي لنفسه في ترجمته، كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬5) ينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬6) ينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬7) ينظر: الأعلام7: 185ـ 186.
(¬8) ينظر: الأعلام7: 185ـ 186، ويمكن أن يكون فيه الرسائل السابقة، فليحرر.
ثم قال الحمزاوي (¬1) بعد ذكر هذه المؤلفات: «هذا ما في استحضار الحواس بلا التباس».
قال العلامة البيطار: «ألف مؤلفات كثيرة ووسائل شهيرة» (¬2).
• • •
¬
(¬1) كما في تاريخ دمشق ص320.
(¬2) كما في تاريخ دمشق ص322.
المطلب الخامس
أخلاقه
أثناء ترجمة الحمزاوي (¬1) لنفسه وصف نفسه بصفات، وهي:
1.مطالعة الكتاب مقدمة على منادمة الأحباب.
2.يكره كثرة المخالطة.
3.يأنف المشاططة والمغالطة.
4.لا يحبُّ الدخول فيما لا يعنيه.
5.يكرُه أكل لحم أخيه.
6.يفرُّ إلى الجبال كيلا يحضر مجامع الرجال.
7.يرجحُ راحة البال على كثرة المال.
8.متكاسل في سعي الأقدام الى منازل الأنام.
9.منّةٌ الرِّجال عنده أثقل من الجبال.
10.متباعدٌ عن قيل وقال.
11.مختار للوحدة على كلِّ حال.
12.يميل إلى السُّكوت كميلِه إلى ضروري القوت.
¬
(¬1) كما في تاريخ دمشق ص320.
ثم قال الحمزاويّ: «والله تعالى أعلم، هل ذلك لجبن فيه، أمّ لقلّة موفيه، وبهذا القدر كفاية:
كيف تُهدى نقائصي للكمال ... هل تُساوَى قبائحٌ بالجمال
ليس إلا امتثال أمرك أدى ... لارتكابي لديك سوء خصالي».
قال سعيد الباني: «وكانت مجالسه مشحونة بالبحث ومع جلسائه في الموضوعات العلمية.
وكان يكره الغيبة والفضول والسَّمر بغير مذاكرة العلم» (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص321.
المطلب السادس
ثناء العلماء عليه
قال سعيد الباني: «كان صاحب الترجمة رحمه الله على جانب عظيم من حدة الذِّهن ووفرة العقل والأناة والرَّوية وحُسن السَّمت وبهاء الطلعة» (¬1).
وقال أيضاً: «وبالجملة فقد كان المترجم من العلماء المتقنين، والفقهاء المحققين، فقد غاص بحر المذهب النَّعماني، فاستخرج منه الؤلؤ والمرجان، وطبق الأحكام على الواقعات مدة تقلده فتيا دمشق التي بلغت عشرن سنة، وقد اشتهرت براعتُه بالفتوى بالأمصار، فكان يُستفتى من أقطار السلطنة العثمانية وغيرها، حتى من الأقطار الأوربية» (¬2).
وقال العلامة البيطار: «إمامٌ رفعَ للعلوم رايةً، وجمع بين الرِّواية والدراية، فأصبح وهو كاسرُ الوسادة، بين الأئمة والوسادة، يُشنِّفُ المسامع بفرائد كلامه، ويشرح الخواطر بمنثور أقلامه، وقد أجمعت العقلاء على فضلِه، وأوجبت لذكره التَّخليد، فالعالم عرفَه بعلمِه، والجاهل اعتقده
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص320.
(¬2) ينظر: تاريخ دمشق ص321.
بالتَّقليد، وهو منذ لاح هلاله في أَوجه، لا زال بحر فضله أخذاً في موجه، بزغ من أفق دمشق وبها بَرَع، وترقى إلى أن بلغ ما فوق الطَّمع» (¬1).
وقال أيضاً: «وكان كثير المذاكرة، حسن المحاضرة، ذا نطق فصيح وذكاء مليح، وحافظة جيدة، وتقريرات قيمة، ولم يزل صيته ينمو، وقَدْرُه يَعظم ويَسمو، إلى أن دعاء داعي المنون، فإن الله وإنا إليه راجعون» (¬2).
قال الشطيُّ (¬3): «وبالجملة فقد كان المترجم بهجة عصره، ومفخرة مصره، علماً وأدباً وتفنناً في العلوم العقليّة والنَّقلية، ولا سيما الفقه الحنفي، كما تدلُّ على ذلك مؤلّفاته المشتملة على كثير من التَّحقيقات، وقد طُبِع بعضُها وانتفع النَّاس بها ...
وشاع فضله في المشارق والمغارب، وخضع لعلمه القاصي والداني، وصار له الخطوة التامة عند الدَّولة العثمانية، والكلمة النافذة لدى الطبقات المختلفة».
وقال الزركلي (¬4): «واشتهر شهرة عظيمة ... وكان فقيهاً أديباً شاعراً».
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص322.
(¬2) ينظر: تاريخ دمشق ص323.
(¬3) في تاريخ دمشق ص323.
(¬4) في الأعلام7: 185.
المطلب السابع
شهرته ومهاراته وأشعاره
أولاً: شهرته ومكانته عند السلاطين والملوك:
بلغ من الشهر الشيء الكثير حتى عرفت مكانته السلاطين والملوك، وقد نال حظّاً وافراً من سعة الجاه، ورفعة المكانة، فكان مبجلاً عند العامّة والخاصّة، مقبول الشَّفاعة عند أولياء الأمور، ومن ذلك:
1. أن ملك فرنسه نابليون أهداه بندقية صيد محلّاة بالذَّهب، لأنه كان يحبُّ الصيد ويجيد الرمي.
وقيل: أهداه إياها مكافأة على مساعدته للمسحيين في حادثة (1680هـ) (¬1).
2. أن السلطان عبد الحميد العثماني، قد قبل شفاعتَه بأعيان المدينة المنورة المنفيين إلى دمشق وقتئذٍ، وصدرت إرادته السُّلطانية بإعادتهم إلى وطنهم مكرَّمين، مع التَّكرم على صاحب التَّرجمة بالسَّلام السُّلطاني، ولمَّا تبلغ
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص321.
المترجم ذلك اغرورقت عيناه بالدُّموع مُصرِّحاً لجلسائه بدنو الأجل لبلوغ نهاية الأمل، وقد كان ذلك، فلم يمض قليل حتى توفاه الله تعالى» (¬1).
ثانياً: مهاراته وابداعاته:
1. كتابة الخطوط الدقيقة:
قال الزَّركليُّ (¬2): «كان عجيبا في كتابة الخطوط الدقيقة، كتب سورة الفاتحة على ثلثي حبة أرز».
وقال سعيدُ الباني: «وكان لفرط براعته يكتب سورة الإخلاص على الرزّة.
وكتب مرة أسماء أهل بدر الكرام على ورقة تحت فصٍّ خاتم من ياقوت، وأهداه لوالي الشَّام وقتئذٍ.
ولولا انصرافه إلى العلوم الشرعية والعقلية لأتى بالعجيب من آثار الصنعة اليدوية» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص320.
(¬2) في الأعلام7: 185.
(¬3) ينظر: تاريخ دمشق ص321.
2.احتراف الصيد:
قال الزَّركلي (¬1): «أولع بالصيد فكان آية في حسن الرماية والتفنن بها».
ثالثاً: أشعاره:
كان شاعرا بارزاً، قال العلامة البيطار: «له ديوان شعر بديع، قد جمع فيه أنواع البديع» (¬2)، ومن أشعاره:
الناس للخير ما أحلى ظواهرهم ... وفي بواطنهم للشَّرِّ إخراج
مثل المنارة في اعتدال ظاهرها ... لكن باطنها دور وأدراج
وكتب إلى معاصره العلامة الفقهية الشيخ عبد الغني الميداني قوله:
قبة ... محكمة ... أبوابها ... ليس يدرى ما بها منذ سنين
فتح ... الله ... لنا أقفالها ... فادخلوها ... بسلام ... أمنين
وكتب على رسمه بخطِّ يده قوله:
أيها النَّاظر ظل صورتي ... ذا أنا من حيث نفسي ذا أنا
وإذا لاحظت من صورني ... فأنا ... باق ... ومالي من فنا
• • •
¬
(¬1) في الأعلام7: 185.
(¬2) كما في تاريخ دمشق ص322.
المطلب الثامن
وفاته
أولاً: أحواله قبل موته:
قال سعيد الباني: «قبل وفاته ببضع سنين لزم العُزلة في داره لأسباب ظاهرة وباطنة، فلم يكن ليخرج إلا لأداء الجمعة في مسجد حيّه، وقد زادت عزلته هذه في رفعة قَدره، فكان أولياء الأمور والأعيان والوجهاء على اختلاف طبقاتهم يؤمون منزله لزيارته وتقبل يده، وكانت مقررات مجلس الإدارة تعرض عليه فيوقع على ما يراه منها صواباً، ويرفض غير ذلك ... وسيرة المترجم لا يفي بها سوى مجموعة خاصة تغمده الله برحمته ورضوانه آمين» (¬1).
ثانياً: وفاته:
ما زال صاب الترجمة يزداد فضلاً ويعلو قدراً إلى أن توفي في اليوم التاسع من الشهر المحرم سنة خمس وثلاثمئة وألف، ودفن بجوار أسرته في مقبرة الدحداح، وأرخ وفاته الشاعر الهلالي بقوله:
قد دعا الله إلى دار السلام ... حجة الإسلام مولانا الهمام
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص321.
عالم ... العالم ... محمود ... العلى ... من بني حمزة سادات الأنام
مذ أتى ظهراً إلى روضته ... قالت الحور ادخلوها بسلام
يوم تاسوعا توارى أرّخوا ... نجم مفتي الشام محمود المقام (¬1)
قال سعيد الباني: «شُيِّعت جنازتُه بمحفل عظيم، مشى فيه العلماءُ والأشرافُ والأعيانُ والأمراءُ والخاصُّ والعامُّ، وأَسِفَ النَّاس لفقدِه أَشَدَّ الأَسَف، ورثاه أهلُ الفضل والأدب» (¬2).
ثالثاً: رؤيا بعد وفاته:
ومن غرائب الرؤيا ما شاع وذاع في دمشق، وهو أن الشيخ محمد الهلالي الشاعر الشَّهير، رأى في منامه صاحب الترجمة بعد وفاته بسنتين يأمره بأن ينظم تاريخ وفاة للشَّيخ سليم العطار، فسأله: ما الذي يقول في التاريخ؟
فأجابه قل: «فرقد العلم توارى في الحجاب»، فاستيقظ مدهوشاً مذعوراً، ثم حسب حروف الجملة، فإذا عددها (1307) هـ، وهي سنة الرُّؤيا، فنظم أبياتاً من بحر هذا التاريخ وقافيته وختمها به، تحضيراً
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص324.
(¬2) ينظر: تاريخ دمشق ص320.
لمفاجئات الزمان، ولم يمض قليل حتى توفي العلامة العطار بالتّاريخ المحرر، وكتب على قبره النظم المذكور» (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: تاريخ دمشق ص321.
أهمية علم الحال (¬1)
إنَّ حياتنا ومعاشنا في هذه الدنيا سبيلٌ لنا لنيل رضا الله تعالى، فهنيئًا لِمَن يعيش كلَّ أوقاته لله تعالى، وهذا لا يتحقق إلا بمعرفة ما يجب على المسلم لتحقيق رضاه تعالى، وأكثر الناس عن هذا غافلون، وفي شهواتهم ورغباتهم الدنيوية منهمكون.
إنَّ تعلّم العلوم الدينية والدنيوية المختلفة يندرج في الأحكام الفقهية الخمسة المشهورة، قال ابن نجيم (¬2): "تعلَم العلم يكون فرض عين، وهو بقدر ما يحتاج إليه لدينه، وفرض كفاية: وهو ما زاد عليه لنفع غيره، ومندوبًا: وهو التبحر في الفقه وعلم القلب، وحرامًا: وهو علم الفلسفة والشعوذة والتنجيم والسحر، ومكروهًا: وهو أشعار المولدين من الغزل والبطالة.
ومباحًا: كأشعارهم التي لا سخف فيها".
¬
(¬1) هذا المقال مختصر من كتاب "ومضات النور في طلب العلم المبرور" لشيخنا الدكتور صلاح أبو الحاج حفظه الله تعالى. (ص130 - 150).
(¬2) في "الأشباه" (4/ 125).
ففرض العين فيما يجب تعلمه؛ وهو علم الحال: وهو علم ما كلفه الله تعالى عبده في الحال الذي هو فيه، ما كلفه ثلاثة أنواع: اعتقاد وفعل وترك ... من معرفة مسائل الإيمان، وما فرض من الأخلاق والأفعال، وما حرم منها (¬1)
فهو شاملٌ لكل ما يحتاج المرء في الحال لأداء ما لزمه من المفترض عليه عينًا علمه: كالطهارة لأداء الصلاة، وإن كان له مال يفترض عليه تعلم زكاة جنس ماله، وإن لزمه الحج يفترض عليه تعلم ما يؤدي به الحج، وهكذا.
قال العلامي - رضي الله عنه - في "فصوله": "من فرائض الإسلام تعلّم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله - جل جلاله - ومعاشرة عباده، وفرض على كلّ مكلّف ومكلّفة بعد علم الدين والهداية تعلّم علم الوضوء والغُسل والصلاة والصوم، وعلم الزكاة لمَن له نصاب، والحج لمَن وجب عليه، والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات. وكذا أهل الحرف، وكلّ من اشتغل بشيء يفرض عليه علمه وحكمه وليمتنع عن الحرام فيه" (¬2).
¬
(¬1) في "ترتيب العلوم" (ص95).
(¬2) في "رد المحتار" (1/ 42).
وقال الزرنوجي ((¬1): "اعلم أنه لا يفترض على كلِّ مسلم طلب كلّ علم، وإنما يفترض عليه طلب علم الحال، بأن يطلب علم ما يقع له في حاله في أي حال كان، فيفترض عليه تعلّم ما لا بُدّ له من أحكام الطهارة والصلاة ممّا يقع له، ويجب عليه بقدر ما يؤدي به الواجب ... ، ومثل ذلك تعلم أحكام الصيام والزكاة إن كان له مال، والحجّ إن وجب عليه، وكذلك البيوع إن كان يتَّجر. وكذلك يفرض عليه علم أحوال القلب، من التوكل والإنابة والخشية والرضا، فإنه واقع في جميع الأحوال ... )).
وفي "الفتاوى الهندية" (¬2): "طلب العلم فريضة بقدر الشرائع وما يحتاج إليه لأمر لا بُدّ منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع ولأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض، فإن تعلّمها فهو أفضل وإن تركَها فلا إثم عليه ... ".
فهذه خلاصة تبين للناس أهمية هذا الكتاب، وتعلم ما فيه، لرفع الإثم والجهل عنها، وتعليم ما فيه ونشره، والله المسدد والمعين.
¬
(¬1) في "تعليم المتعلم" (ص19 - 20).
(¬2) في "الفتاوى الهندية" (5/ 377).
النَّصُّ المُحَقَقُ
(
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
[مقدمة عقدية] (¬1)
فإنَّ الله تعالى أوجد هذا العالَم مِنَ العَدَمِ بعدَ أنْ لم يكنْ، فخَلَقَ آدمَ (مِن التُّراب، وزيَّن هذه الدنيا بذُرِّيتِه.
وتَفَضَّل على بعضِهِم بالرِّسالة؛ ليُرشِدوا الخَلْقَ إلى ما فيه صلاحُ دنياهُم وعُقْباهم، وأَنزلَ عليهم الأحكامَ الشَّرعيَّةَ الإلهيَّةَ، بواسطةِ أفضلِ الملائكةِ الكرام، جبريلَ عليه وعليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَبَلَّغوا أُمَمَهم كما بلَّغهم الأمينُ.
فأوَّلُ: الأنبياءِ آدمُ (.
وآخِرُهم: نبيُّنا محمَّدٌ صلَّى الله تعالى وسلِّم عليهم أجمعين.
¬
(¬1) إضافة من المحقق، تسهيلًا على القارئ في فهرست الموضوعات.
وبينَهما من الأنبياء ما لا يَعلمُ عِدَّتَهم إلَّا هو تعالى، غيَر أنَّ الله تعالى قد قصَّ علينا من القرآن العظيم اسمَ خمسةٍ وعشرينَ نبيًّا (¬1)،وهم:
1 - آدمُ (.
¬
(¬1) ذُكِرَ في سورة الأنعام (18) نبي ورسول وهم: سيدنا إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، سليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ولوط (، كما في قوله (: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)}. أمَّا بقية الأنبياء السَّبعة فقد ذُكِرُوا في سور متفرِّقة وهم: سيدنا آدم وهود وصالح وشعيب وإدريس وذو الكفل ومحمد (: فذُكرَ سيدنا آدم (في سورة آل عمران (33): {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا}، وذُكر سيدنا هود (في سورة هود (50) {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا}، وذُكر سيدنا صالح (في سورة هود (61) {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}، وذُكر سيدنا شعيب (: في سورة هود (84) {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}، وذُكر سيدنا إدريس و ذو الكفل (في سورة الأنبياء (85) {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ}، وذُكر سيدنا وقدوتنا وحبيبنا محمَّد (في سورة آل عمران (144) {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ}.
2 - وإدريسُ (.
3 - ونوحٌ (.
4 - وهودٌ (.
5 - وصالحٌ (.
6 - وإبراهيمُ (.
7 - ولوطٌ (.
8 - وإسماعيلُ (.
9 - وإسحاقُ (.
10 - ويعقوبُ (.
11 - ويوسفُ (.
12 - وأيوبُ (.
13 - وشعيبٌ (.
14 - وموسى (.
15 - وهارونُ (.
16 - وذو الكِفلِ (.
17 - وداودُ (.
18 - وسليمانُ (.
19 - وإلياسُ (.
20 - والْيسعُ (.
21 - ويونسُ (.
22 - وزكريا (.
23 - ويحيى (.
24 - وعيسى (.
25 - ومحمدٌ (.
صلى الله تعالى عليهم إلى يوم الدِّين
وأما عُزيرٌ ولقمانُ وذو القَرْنَيْنِ: ففيهم اختلافٌ بين العلماء: فبعضُهم قال: «أنبياء»، وبعضُهم قال: «أولياء».
ثمَّ إنَّ رسالةَ نبيِّنا محمَّدٍ (باقيةٌ إلى قيام السَّاعة، لا نبيَّ بعدَه، فهو خاتَمُ النَّبيِّينَ (¬1)، كما نَطَقَ بذلك القرآنُ العظيم (¬2).
فالتَّصديقُ بما جاءنا به من عند الله تعالى بالقَلْبِ، والإقرارُ به باللِّسانِ، يقال له: «إيمانٌ وإسلامٌ» (¬3).
¬
(¬1) آخر الأنبياء سيدنا محمَّد (فهو خاتم النبيين وآخر المرسلين، ومن ادعى النبوة أو الرسالة بعده أو اعتقد أنَّه سيبعث نبي غيره فهو كافر، وأمَّا نزول سيدنا عيسى (فإنَّه سينزل بشريعة محمَّد (، قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، وقال (: إنَّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» «صحيح البخاري» (3535). فإن قيل: إنَّ هذه النصوص تدل على كونه خاتم الأنبياء وليس خاتمًا للمرسلين، فالجواب: إنَّه إذا كان خاتم الأنبياء لزم أن يكون خاتم المرسلين إذ كل رسول لا بد أن يكون نبيًا. ينظر: «شرح العقائد النسفية» للشيخ عبد الملك السعدي (ص183).
(¬2) قال الله (: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، وأخرج مسلم في «صحيحه» (523) أنَّه (قال: «وخُتِمَ بي النَّبيُّونَ».
(¬3) الإيمان في الاصطلاح الشَّرعيِّ، مختلفٌ بين المدارس، ومن هذا الاختلاف ما هو لفظيٌّ- كما هو معلوم بين أهل السُّنةِ والجماعةِ الماترديَّةِ والأشاعرةِ- ومنه ما هو خلافٌ حقيقيٌّ بين أهل السُّنةِ والجماعةِ والمعتزلةِ والخوارجِ، وإليك بيانَ ذلك:
الرَّأي الأوَّل: للأشاعرة والإمام «أبي منصور» الماتِريديِّ (، وهو رواية عن الإمام «أبي حنيفة (»: الإيمان هو التَّصديق، وهذا يكفي عند الله تعالى، أمَّا الإقرار فجعلوه شرطًا لإجراء الأحكام في الدُّنيا؛ كالإرث من القريب المسلم، والدَّفن في مقابر المسلمين.
قال الإمام اللّامشيّ (: رُوِيَ عن الإمام «أبي حنيفة» (- وبه قال الشَّيخُ الإمام «أبو منصور الماتِريدي» (-: أنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب لا غيرُ، والإقرار باللِّسان دليلٌ عليه، وليس بركنٍ». «التمهيد» (ص128).
وقال الإمام الدَّردير (: «الإيمان هو تصديق النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالقلبِ، وهذا الإيمانُ هو أقلُّ شيءٍ يحصلُ به الإيمان المُنْجِي من الخلود في النَّار وإن دَخَلَها. وعلى هذا فالنُّطقُ إنَّما هو شرطُ كمالٍ فيه كبقيَّة الأعمال» «الحاشية على مختصر شرح الخريدة» (ص176).
الرَّأيُ الثّاني: للماتريديَّة والرِّواية المشهورة عند الإمام «أبي حنيفة» (: هو التَّصديق والإقرار، قال «الإمام الأعظم» في الوصيَّة: «الإيمان إقرارٌ باللِّسان وتصديقٌ بالجَنان» (ص58).
الرَّأيُ الثّالث: للمعتزلة، فالإيمانُ عندهم: التَّصديق والإقرار والعمل، فمن ترك العمل فليس بمؤمن - لفُقْدانِ جزءٍ من الإيمان، وهو العمل- ولا كافرٍ؛ لوجود التَّصديق، فهو عندهم في منزلةٍ بين المنزلتين؛ أي: بين المؤمن والكافر، ومَصيرُهُ الخلود في النَّار، لكن بعذابٍ أقلَّ من عذاب الكافر. «أُسُس العقيدة بشرح متن النَّسفيَّة» (ص89).
الرَّأي الرّابعُ: للخوارج، فإنَّهم يُكَفِّرون مرتكبَ الكبيرةِ. «أُسُس العقيدة بشرح متن النَّسَفِيَّةِ» (ص89).
والأحكامُ الشرعيَّةُ المتعلِّقةُ بالتَّصديقِ يُقالُ لها: دينٌ ومِلَّة (¬1).
والأحكامُ الإلهيَّةُ المتعلِّقةُ بالأعمال يُقالُ لها: شريعة (¬2).
أمَّا أساسُ الإيمانِ وفرائضُه فسِتَّةٌ (¬3):
¬
(¬1) الدِّين: وهو الطَّاعة لله فيما أمر به من الاعتقاد الصَّحيح، والعمل الصَّالح والخلق القويم، أو وضعٌ إلهيّ سائقٌ للبشر إلى ما هو خيرٌ لهم في الدَّاريْنِ. «مقالات الكوثري» (ص179).
(¬2) الشِّرعة والشَّريعة: الدِّين: أي ما شرع الله لعباده، وأيضاً: الظاهر المستقيم من المذاهب. قال (: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]، وأيضًا: الطريقة، قال (: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18]: أي على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا به مَن قبلكَ من رسلنا فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك «تفسير الطبري» (11/ 258). وقد شاع في عصرنا الحاضر إطلاق لفظ الشَّريعة على الأحكام الفقهية حتى سُمِّيَ قسم الفقه وأصوله في بعض الكلِّيات المتخصصة لدراسة العلوم الإسلاميَّة بقسم الشَّريعة، فالمقصود منها هاهنا هو المعنى الاصطلاحي للفقه، في حين كثر تسمية الكلِّيات التي تُدرَّس فيها هذه العلوم الإسلامية بكليات الشَّريعة، وهذا على المعنى العام للشَّريعة، ومبدأ هذه التَّسمية كان في مدرسة الحقوق في مصر، ومن ثمَّ انتقل إلى غيرها. «الموسوعة الفقهية المصرية» (1/ 13) نقلًا عن «المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي» (ص 26).
(¬3) وهذا ما بينه سيدنا رسول الله (في حديث جبريل (المشهور عندما سأله عن الإيمان، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، وبلقائه، ورسله وتؤمن بالبعث». «صحيح البخاري» (50)، و «صحيح مسلم» (9)، وفي «سنن الترمذي» (2610): «والقدر خيره وشره».
1 - الإيمانُ بالله تعالى.
2 - وملائكتِه.
3 - وكُتبِه.
4 - ورُسلِه.
5 - واليومِ الآخرِ.
6 - وبالقَدَرِ خيرِه وشرِّه مِنَ الله تعالى.
يعني:
- الإيمانَ بوَحْدانيَّته تعالى وسائرِ صفاتِهِ (¬1).
¬
(¬1) صفات الله تعالى كما هو مقرَّرٌ عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية وفضلاء الحنابلة، إليك تصوُّرها ليسهيل حفظها وتدريسها:
1. ... الصِّفة النَّفسيَّةُ: وسُمِّيت نفسيَّة لأنَّها نَفسُ الموجود. وهي واحدة، يعبَّر عنها بواجب الوجود.
2. ... الصِّفات السَّلبيَّة: وسمِّيت سلبيَّة؛ لأنَّ مدلولَ كلِّ واحدةٍ منها سَلَبَ أمرًا لا يليقُ به سبحانه. وهي خمسٌ، ذُكرتْ في سورة الإخلاص.
3. ... صفات المعاني، وسمِّيت كذلك لأنَّ كلِّ واحدةٍ منها عبارةٌ عن معنىً قائمٍ بذاته تعالى. وهي سبعٌ، وعند الماتريديَّة هي ثمانٍ بإضافة صفة التَّكوين إليها.
4. ... الصِّفات المعنويَّة، وهي متعلَّقاتُ صفات المعاني إلا الحياة وهي تقتضي أمرًا زائدًا على قيامها بالذَّات، وهذا الاقتضاء يسمَّى التَّعلُّقَ.
(تنبيهٌ): هذه الصِّفات المعدودةُ سابقًا هي القَدْرُ الأقلُّ الذي يجبُ على الإنسان أن يعرفه، ولا يعني هذا أنَّ صفاتِ اللهِ محصورةٌ في هذا العددِ؛ لأنَّ كمالاتِ الله لا تنتهي، فلا يعلمُ اللهَ إلّا اللهُ سبحانه.
قال الإمام «السَّنُوسي» (في «شرحه» على «أم البراهين» (ص73) -عند شرحه عبارةَ: «فممَّا يجبُ لمولانا عزَّ وجل عشرون صفةً» -: «صفاتُ الله تعالى لا تنحصر في هذه العشرين؛ إذ كمالاتُهُ تعالى لا نهايةَ لها، لكنَّ العجزَ عن معرفةِ ما لم يُنصَبْ عليه دليلٌ عقليٌّ ولا نقليٌّ لا نُؤاخَذُ به بفضلِ الله».
فمن يَزْعُمْ أنَّ الأشاعرة والماتريديَّة (حَصَرُوا الصِّفات بعددٍ معيَّنٍ، واتَّهموهم بأنَّهم مُعطِّلةٌ فما أنصفوا في ذلك، فعليهمُ التَّثبُّتُ وبَذْلُ الجهدِ قبل الحكم على أهل السُّنَّةِ والجماعةِ بالضَّلال والتَّبديع، هدانا اللهُ والمسلمين للحقِّ والخضوعِ له.
- وبأنَّ الملائكةَ عِبَادُهُ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام نجم الدين النسفي: «الملائكة عبادُ الله تعالى، عاملونَ بأمرهِ، لا يوصفون بذكورةٍ ولا أنوثةٍ» «العقيدة النسفية»، قال الشيخ عبد الملك السعديّ: «وهم جسمٌ لطيفٌ قادرٌ على التشكل بأشكال مختلفة، يجب الإيمان بهم وهم أكثر خلق الله تعالى ولا يتناسلون؛ لذلك لا يجوز وصفهم بالذكورة والأنوثة، والملائكة على نوعين: نوع واجبهم الاستغراق في عبادة الله تعالى وتقديسه وليسوا مكلفين بخدمة البشر، ولم يؤمروا بالسُّجود لآدم وهم المقربون، ونوع واجبهم خدمة الإنسان وما تتطلبه حالته، فمنهم موكل بالوحي، ومنهم بقبض الأرواح، وهكذا. «شرح العقيدة النسفية للشيخ السعدي» (ص189 - 190).
- وبأنَّ الكُتبَ المُنزَّلةَ كلامُه الأزليُّ (¬1) القديم (¬2).
- وبأنَّه تعالى أرسل الرُّسلَ إلى هدايةِ الخَلق (¬3).
¬
(¬1) الأزليّ: ما لا يكون مسبوقًا بالعدم. واعلم أن الموجود أقسام ثلاثة لا رابع لها، فإنه إما أزلي وأبدي، وهو الله سبحانه وتعالى، أولا أزلي ولا أبدي، وهو الآخرة، وعكسه محال، فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه. «التعريفات» (ص17)، «الكليات» (ص81).
(¬2) قال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: «وإنَّ القرآن كلام الله تعالى، بدأ بلا كيفيةٍ قولًا، وأنزلَهُ على نبيِّهِ وَحْيًا، وصدَّقَهُ المؤمنونَ على ذلك حَقَّاً، وأيقنوا أنَّهُ كلام الله تعالى بالحقيقةِ، ليس بمخلوقٍ ككلامِ البَريَّةِ، فمن سمعه فزعم أنَّه كلام البشر فقد كفر» انتهى. وقال الشيخ الغني الغنيني الحنفي: «كلام الله: الصفة الأزليَّة القائمة بذاته تعالى، المنافية للسُّكوت والآفة، وليس بحرف ولا صوت» كما في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص67)، وقال الإمام البابرتي الحنفي: «متكلِّمٌ بكلامٍ واحدٍ أزليّ قائمٍ بذاتِه ليس من جنس الحروفِ والأصواتِ» «الإرشاد» (ص95).
(¬3) قال الشيخ جمال الدِّين الغَزْنَويّ الحنفيّ: «إرسال الرُّسل في الحكمة من الواجبات لوجهين: أحدهما: أن شكر نعمة المنعم واجب عقلًا وشرعًا، والعقل لا يهتدي لمعرفة ذلك بطريق التفصيل إلا بالسمع، والسمع بإرسال الرُّسل فكان واجبًا قضية للحكم، والثاني: أن في بعث الرُّسل إثبات حجة، وقطع الحجة للحكم، وتحقيق ما وعد الله عز وجل بالجنة والنار، لأنهم لو لم يبعثوا لثبت للكفار حجة في عدم إيمانهم، كما قال الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، فإذا كان بعثهم لهذه الحكمة فيكون واجبًا، ونعني بالوجوب أن من مقتضى الحكمة يوجد لا محالة، لا أنَّه يجب على الله تعالى بإيجابه أو بإيجاب غيره عليه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. «أصول الدين» (ص120 - 121). يقول صاحب الجوهرة:
ومنه إرسال جميع الرسل *** بلا وجوب بل بمحض الفضل.
- وبأنَّ اليومَ الآخرَ واقعٌ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الصَّاوي (: «ممَّا يجب اعتقاده -وإنكارُهُ كفرٌ- اليوم الآخر، ويسمَّى يومَ الدِّين، ويومَ الجزاء، ويومَ القيامة، وسُمِّيَ بذلك لأنَّه آخِرُ الأيّام، فلا ليلَ بعدَهُ، بل إمَّا نورٌ محضٌ على من آمَنَ، أو ظلامٌ محضٌ على من طَغى وكَفَر، وأوَّلُهُ من قيامِ النَّاسِ من القبور، ولا نهايةَ لآخره». «شرج الجوهرة» (ص382).
وأورَدَ الإمامُ الغُنَيميُّ في «شرحِهِ على العقيدة الطَّحاويَّة» (ص140) أحداثَ يومِ القيامة، فقال: «ونؤمنُ بالبَعثِ لجميعِ العبادِ، ونؤمنُ بجزاءِ الأعمالِ يومَ القيامة، ونؤمنُ بالعَرْضِ، ونؤمنُ بالحسابِ، ونؤمنُ بقراءةِ الكتاب، ونؤمنُ بأنَّ الصِّراط حقٌّ، ونؤمنُ بالميزانِ ... الخ».
يقول الإمام الغَزنويُّ (عن الحشر: «يُجمَعُ الخلائقُ في عَرَصات القيامةِ ويقفون خمسينَ موقفًا في كلِّ موقفٍ ألفَ سنةٍ، قال الله - جل جلاله -: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج:4]، وقيل أربعين سنة يقفون على قبورهم حيارى، أي مثل سكارى ينتظرون مَنَّ الله - جل جلاله -: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]. «أصول الدين» (ص223 - 224).
- وبأنَّ الخيرَ والشرَّ بقضاءِ الله تعالى وقَدَرِهِ (¬1).
الأعمالُ (¬2)
¬
(¬1) قال الإمام الطحاوي في «عقيدته المشهورة»: «وأصلُ القدر سرٌّ اللهِ في خَلْقِهِ، لمْ يطَّلِعْ على ذلكَ مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، والتَّعمُّقُ والنَّظَرُ في ذلك ذريعةُ الخُذلانِ، وُسلَّمُ الحرمانِ، ودرجةُ الطُّغيانِ، فالحذَرَ كلَّ الحذَرِ من ذلك، نظرًا أو فِكرًا أو وسوسةً، فإنَّ الله تعالى طوى علم القَدَرِ عن أنامهِ، ونهاهُمْ عن مَرامِهِ، كما قال في كتابه {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فمن سأل: لِمَ فعلَ؟ فقد ردَّ حُكْمَ كتابِ الله، ومن ردَّ حُكم كتاب الله كان من الكافرين». قال الإمام الغزنويّ: «القدر سرٌ والقضاء ظهور السر على اللوح، والحكم نزوله على العبد، فالحكم يقتضي التسليم، والقضاء يقتضي الرضا، والقدر يقتضي التفويض، والقدر في علم الله عزَّ وجل لا في وجه اللوح والقلم والاطلاع، وإذا اطلع اللوح عليه سمِّيَ قضاء، وإذا وصل إلى العبد سمِّيَ حكمًا. «أصول الدين» (ص183).
(¬2) يشير المصنف إلى علم الفقه، وتعريفه: كما عرَّفه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان (: «معرفةُ النَّفسِ ما لها، وما عليها» وزاد أصحابه لفظ «عملًا» لتخرجَ الاعتقادات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتَّصوف. والمعرفة: إدراكُ الجزئياتِ عن دليل. ومعنى ما لها وما عليها: ما يجوز لها، وما يحرم عليها، فيشملان جميع الأصناف: أي الحل والحرمة والكراهة والسنة وغيرها. «المدخل إلى الفقه الحنفي» (ص56).
الأحكامُ الشَّرعيَّة المتعلِّقةُ بالأعمال خمسةٌ:
أوَّلها: كلمةُ الشَّهادة، وهي: أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأَشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله (.
وثانيها: إقامةُ الصَّلواتِ الخمس: الفجرِ، والظُّهرِ، والعصرِ، والمغربِ، والعشاءِ.
ثالثُها: صيامُ شهرِ رمضانَ.
رابعُها: أداءُ زكاةِ المالِ مرَّةً في السَّنة.
خامسُها: حجُّ المستطيع مرَّةً في العُمر.
أفعالُ المُكلَّفينَ (¬1)
¬
(¬1) والمرادُ المكلَّفِ: هو البالغُ العاقلُ، كما في «البحر الرَّائق» (1/ 7)، و «ردِّ المحتار» (1/ 38)، والتَّقييدِ بالمكلَّف؛ لأنَّهُ لا جزاءَ عليه في الآخرة بلا بلوغٍ أو عَقْلٍ، وليسَ معنى ذلكَ أنَّ الفقهاءَ لمْ يبحثوا أفعالَ الصِّغارِ والمجانين والمعاتيه، ومنْ تصفَّحَ كُتُبِ الفقه رأى فيها كثيرًا مِنْ أحكامهم، حتَّى أنَّ الْأُسْرُوشَنِيُّ (ألَّفَ كتابًا خاصًّا وسمَّاهُ «جامعُ أحكامِ الصِّغارِ». يُنظر: «المدخل إلى الفقه الحنفيِّ» (ص26).
أفعالُ المُكلَّفينَ ثمانيةٌ:
1 - فرضٌ.
2 - وواجبٌ.
3 - وسُنَّةٌ.
4 - ومستحَبٌّ.
5 - ومباحٌ.
6 - وحرامٌ.
7 - ومكروهٌ.
8 - ومفسِدٌ.
ففرضٌ على كلِّ إنسانٍ - ذكرًا كان أو أنثى مِن حين بُلوغِه عاقلًا - معرفةُ هذه الأحكامِ والعملُ بمُوجبها.
الفَرْضُ
1 - الفرضُ: هو ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ متنًا وسندًا (¬1)؛ كالصَّلواتِ الخمسِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ (¬2)، فتاركُ الفرضِ مُستحِقٌ لعذابِ جهنَّمَ، وجاحدُه - نعوذُ بالله تعالى - كافرٌ (¬3).
¬
(¬1) وهنا ينبغي للقارئ استحضار أقسام الأدلة السمعية؛ لأنَّ مرد فهم هذه التعاريف عليها، وهي أربعة: الأول: قطعي الثبوت والدلالة: كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة والسنة المتواترة التي مفهومها قطعي، يثبت به الافتراض والتحريم
الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة، يثبت به الإيجاب وكراهة التحريم.
الثالث: ظني الثبوت قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي، يثبت به الإيجاب وكراهة التحريم.
الرابع: ظنيهما كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني، يثبت به السنية والاستحباب. ينظر: «رد المحتار» (1/ 95).
(¬2) من تعريفات الفرض: هو ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه كالكتاب والسنة المتواترة إذا لم يلحقهما خصوص. ينظر: «أصول الشاشي» (1/ 379)، ومن التعريفات أيضًا: «هو إن كان الفعلُ أولى من التَّركِ مع منع التَّرك، الثَّابت بدليلٍ قطعيٍّ، فظاهر القرآن يفيد القطع، وحكمُهُ أنَّه يعاقبُ تاركُهُ إلّا أن يعفوَ اللهُ عنه». كما في «التَّلويح» (2/ 247).
(¬3) والفرق بين الفرض والواجب: أن الفرضَ لازم علمًا وعملًا حتى يكفر جاحده، والواجب لازم عملاً لا علمًا فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخف بأخبار الآحاد غير المؤولة، وأمَّا المؤولة فلا. كما في «التَّلويح» (2/ 247)، «المدخل إلى دراسة الفقه الحنفي» (1/ 14).
الواجبُ
2 - الواجبُ: هو ما ثبت بدليلٍ فيه شبهةٌ متنًا أو سندًا (¬1)؛ كصلاةِ الوترِ، والعيدَينِ، وسجودِ التِّلاوةِ، وصدقةِ الفطرِ، والأُضحيةِ، فتاركُ الواجبِ مُستحِقٌ لعذابِ جهنَّمَ، وجاحدُهُ فاسقٌ، ليس بكافرٍ (¬2).
السُّنَّةُ
3 - السُّنَّةُ: ما واظب عليه نبيُّنا (في أكثر أحيانِهِ (¬3)؛ كصلاةِ الجماعة، ومثلُها: التَّراويحُ، وعدمُ المواظبة؛ خشيةَ الوجوب، وخِتانُ الصِّبيانِ،
¬
(¬1) أي: غير قطعي الثبوت أو الدلالة.
(¬2) من تعريفاتِ الواجبِ: هو إن كان الفعلُ أولى من التَّرك مع منع التَّرك الثَّابتِ بدليلٍ ظنِّيٍّ، وحكمُهُ: أنَّه يعاقَبُ تاركُهُ إلّا أن يعفو الله عنه». كما في «التَّلويح» (2/ 247)، وهو: الذي بتركه عمدًا يوجبُ الإساءةَ، ويتمكَّنُ النُّقصانُ. «بدائع الصَّنائع» (1/ 161)، و «المبسوط» (1/ 220).
(¬3) قال الإمام اللكنويّ في «تحفة الأخيار» (ص84) بعد إطالة النَّفس في تحقيق معنى السنة المؤكدة: «إن كثيرا من أصحابنا كصاحب الهداية وصاحب التحرير، وبحر العلوم، وصاحب الكشف والتحقيق، وصاحب التبيين، وصاحب الإصلاح والإيضاح، وصاحب مرقاة الأصول، وصاحب المحيط، وصاحب الخلاصة، وصاحب النهر، وأبي اليسر البزدوي، والطحطاوي، وغيرهم، عمموا تعريف السنة بحيث يشمل سنة الخلفاء أيضاً وجعلوه مما يلام تاركه، بل جعله صاحب البناية مما يعاقب»، ينظر: «سبل الوصول» (1/ 86)، ومن الأدلة على اعتبار فعل الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالهم من السنة ما روي عن العِرْباض بن سارية (قال (: «مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومُحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» كما في: «سنن أبي داود» (2/ 610)، و «سنن الترمذي» (5/ 44) وصححه، و «مسند أحمد» (4/ 126)، وعن حذيفة (، قال (: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر». كما في «سنن الترمذي» (5/ 609)، وحسنه.
فتاركُها لا يُعذَّبُ بل يُعاتَبُ، ومن عَمِلَ بها كان مَقبولًا عند الرَّسول ((¬1).
¬
(¬1) من تعريفاتِ السُّنَّةِ: هو ما كان الفعلُ أولى من التَّرك بلا منع التَّركِ، وهذا إذا كان الفعلُ طريقةً مسلوكةً في الدِّينِ، وإلّا فنفلٌ ومندوبٌ.
وحُكمُها: أنَّ السُّنَّةَ نوعان:
سُنَّةُ الهدى: وتركُها يوجبُ إساءةً وكراهيةً؛ كالجماعةِ والأذانِ والإقامةِ ونحوِها.
سُنَّةُ الزَّوائدِ: وتركُها لا يوجبُ ذلك؛ كسُننِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في لباسِهِ وقعودِهِ وقيامِهِ. كما في «التَّوضيح» (243:2).
قال العلَّامةُ عبد الغنيِّ النَّابلسيُّ (في «الجوهر الكليِّ» (1/ 4): أي: داوَمَ ولازَمَ عليه - صلى الله عليه وسلم -، أو أحدُ الخلفاءِ الأربعةِ - رضي الله عنهم -، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسُنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ من بعدي». وهذا الحديثُ في «سننِ التَّرمذيِّ» (2676)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، و «مسندِ أحمد» (17144)، و «سننِ أبي داودَ» (4607)، و «سننِ ابنِ ماجهْ» (42) و «صحيحِ ابن حبَّانَ» رقم (5).
المُستحَبُّ
4 - المُستحَبُّ: ما فَعَله النَّبيُّ (في بعض أحيانِهِ؛ كالصَّدقةِ، وصيام ِ بعضِ الأيَّامِ المباركةِ، وصلاةِ الضحى، فعامله نائلٌ للثوابِ (¬1) ..
¬
(¬1) قال خاتمةُ المحقِّقين العلَّامةُ «ابنُ عابدين» (في «ردِّ المحتار» (1/ 123): «اعلمْ أنَّ الذي عليه الأصوليُّون: عدم الفرق بين المستحب والمندوب، وأن ما واظب عليه (مع ترك ما بلا عذر سنة، وما لم يواظب عليه مندوب ومستحب وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه. كذا في «التحرير»، وعند الفقهاء: المستحب: ما فعله النبي (مرّة وتركه أخرى، والمندوب: ما فعله مرة أو مرتين تعليمًا للجواز». ينظر في: «منحةِ الخالق» (2/ 278)، «البحر الرائق» (1/ 29)، «حاشية الطحطاوي» (1/ 276).
قال الإمام الفناري (في «مقدمة الصلاة»: المستحب: «ما فعله النبي (مرة وتركه مرة أخرى، وما أحبه السلف». علَّق الدكتور صلاح أبو الحاج في شرحه على هذا التعريف بما يلي: قال العلامة عبد الغني النابلسي في «الجوهر الكلي ق3/ب»: «وإن لم يكن فعله النبي (ولا مرة، والسلف جمع سالف، وهو الماضي، والمراد بهم أئمتنا المتقدمون: أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم -»
ثم قال شيخنا الدكتور صلاح حفظه الله: وهنا ينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: إن التقييد من العلامة النابلسي (لمعنى السلف لطيف؛ يغفل عنه كثير من الناس؛ لأن السلف لا يحصون عدداً، ولهم مدارس فقهية في فهم الأحكام الشرعية، فلا بد لأحدنا عندما يقول: أنا متبع للسلف، من تحديد أي مدرسة من مدارسهم كمدرسة الكوفة التي يستند لها المذهب الحنفي في الفهم، أم مدرسة المدينة التي يستند لها المذهب المالكي في الفهم، وهكذا، وإن لم يحدد فإنه سيقع في زيغ كبير؛ لأن أفهام السلف مختلفة، وقد نقل عنهم في كل مسألة عدّة أقوال، ومعلوم أن تطبيق آراء في مسألة واحد في وقت واحد محال.
الثاني: إن المقصود بما أحبه السلف، ليس الحب النابع من الطبيعة البشرية، وإنما الحبّ المرتكز على الأدلة الشرعية؛ لأنه لا يوجد مشرع غير الله (، حتى رسول الله (فإنه مبين وموضح لمراد الله (وليس بمشرع، فما سبق ذكره من اعتماد سنة الخلفاء الراشدين، ومن اعتماد السلف كما ذكر المصنف (هنا، إنما هو لقرب هؤلاء القوم من عصر النبوة وشيوع الأدلة والسنة بين الناس، وانتقال ذلك جيلاً بعد جيل وإن لم ينقلوا فيه لفظ حديث؛ لانتشار الأمر وعدم الحاجة إلى ذلك، فالصحابة والتابعون وأئمة الدين - رضي الله عنهم - من أشد الناس اتباعاً لسنة المصطفى واقتفاء حاله - (، وديننا دين اتباع لا ابتداع، والله أعلم.
المُباحُ
5 - المُباحُ: ما ليس في فِعلِه ثوابٌ، ولا في تَرْكِه عقابٌ؛ كالقيامِ، والقعودِ، والأكلِ، والشُّربِ (¬1) ..
¬
(¬1) المباحُ: وهو ما أجيز للمكلفين فعله وتركه بلا استحقاق ثواب وعقاب، أو ما خير المكلف بين فعله وتركه. ينظر: «الجوهرة» (2/ 280)، و «ردُّ المحتار» (6/ 336).
وحكمةُ مشروعيَّة المباحِ: هي ترويح النفوس المكلفة من مشقة القيام بتلك الأحكام الأربعة الباقية، التي هي: الفرض والمندوب فعلاً، والحرام والمكروه تركاً.
والمباح قابل أن يصير طاعة بالنية الحسنة كالأكل مقدار الشبع؛ ليتقوى به على طاعة الله تعالى، وأن يصير معصية بالنية القبيحة كلبس الثياب الفاخرة؛ لأجل التكبر على غيره. ينظر: «الدُّررُ المباحة في الحظر والإباحة» (ص8 - 9)، و «البيانُ» (ص172 - 173)، وغيرهما.
الحرامُ
6 - الحرامُ: ما نَهى اللهُ تعالى عنه؛ كشُربِ الخمرِ، والقمارِ، وعقوقِ الوالدَينِ، ففاعِليُه مُستحِقٌ لعذابِ جهنَّمَ، وَمَن اعتقدَ الحرامَ حلالًا فهو كافرٌ، نعوذُ بالله تعالى (¬1).
المكْرُوهُ
7 - المكْرُوهُ: ما كان تَرْكُه راجِحًا؛ كصلاةِ النَّفلِ عندَ طلوع الشَّمس، وعندَ الاستواءِ، وعندَ الغروبِ، وفاعِلُ المكروه يستحِقُّ العِتابَ، و لا يستحِقُّ العذاب (¬2).
¬
(¬1) الحرامُ: وهو إن كان التَّرك أولى من الفعلِ مع منعِ الفعلِ الثَّابتِ بدليلٍ قطعيٍّ.
وحكمُهُ: العقابُ على فعلِهِ. «المدخل إلى دراسة الفقه» (ص14 - 15).
(¬2) المكروهُ: وهو إن كان التَّركُ أولى من الفعل مع منع الفعل الثَّابت بدليلٍ ظنيٍّ.
وحكمُهُ: أنَّ المكروهَ نوعان:
الأوَّلُ: مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ: وهو إلى الحلِّ أقربُ كسُؤر الهرِّة ولبن ولحم الحمار.
والثَّاني: مكروهٌ كراهةَ تحريمٍ: وهو إلى الحرمةِ أقربُ كسؤرِ البقرةِ الجلَّالةِ وسباع الطَّير، ينظر: «التَّوضيح» (2/ 248) و «المدخل إلى دراسة الفقه» (ص14 - 15).
المُفسِدُ
8 - المُفسِدُ: الأشياءُ التي تُبطِل الصَّلاةَ والوضوءَ والصِّيامَ؛ كصدورِ الكلام مِنَ المصِّلي، وسيَلانِ الدَّمِ مِنَ المتوضِّئ، وحصولِ الأكل مِنَ الصَّائمِ الذَّاكر لصومِهِ، وما أشبهَ ذلك مِنَ المُفسِدات (¬1).
¬
(¬1) المفسِدُ: هو النَّاقضُ للعملِ المشروع فيهِ، وحكمه: العقاب بالفعل عمدًا، وعدمه سهوًا. «مقدمة الصلاة» للإمام الفناري في مقدمته.
[مذهب أهل السنة والجماعة] (¬1)
ثمَّ مِنَ اللَّازمِ على كلِّ واحدٍ منا:
- إذا سُئِل عن مذهبه في الاعتقاد؟ أنْ يقولَ: «مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجماعة» (¬2).
¬
(¬1) إضافة من المحقق.
(¬2) من المعلوم أن المصيب في أصول الدِّين واحدٌ، والاختلاف في أصول الدين لا يجوز، بعكس الاختلاف في الفروع والأحكام؛ لأنَّها مبنية في معظمها على الظنِّ، أمَّا أصول الدين التي منها أصول العقائد فمبنيةٌ على اليقين.
والفرقة التي على الحقِّ من جملة الفرق التي تنسب إلى الإسلام هم أهل السنة والجماعة؛ لأنَّها هي التي تحقق فيها قول النبي (: «هم من كان على ما أنا عليه وأصحابي» في «معجم الطبراني الكبير» (62)، و «الاعتقاد» للبيهقي (233).
وأهل السنة والجماعة في العقائد هم السواد الأعظم في المسلمين من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة، وهم في تقرير مسائل الاعتقاد ثلاثة اتجاهات:
المذهب الأول: مذهب الحنفية، ويُسمى بالماتريدية، نسبة إلى أبي منصور الماتريدي (.
المذهب الثاني: مذهب المالكية والشافعية وأكثر الحنابلة، وهو مذهب الأشاعرة، نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (.
المذهب الثالث: مذهب فضلاء الحنابلة أو بعض أهل الحديث، ويسمى مذهب الحنبلية أو أهل الحديث أو الأثرية. ينظر: مقدمة كتاب «أسس العقيدة الإسلامية» للدكتور محمد عبد المنان النجار، في تحديد معالم أهل السنة والجماعة. قال تاج الدين السبكي ?: «وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة - ولله الحمد - في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري (، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية، لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيًا إلا أشعري العقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي (التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة» «في «معيد النعم ومبيد النقم» (ص75).
[مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة (] (¬1)
- وإذا سُئِل عن مذهبه في التَّقليد (¬2)؟
¬
(¬1) إضافة من المحقق.
(¬2) قال العلّامة الدهلوي: «هذه المذاهب الأربعة المدوَّنة المحررة قد اجتمعت الأمَّة أو من يعتد بها منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي فصرت فيها الهمم جدًا، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه» كما في «الإنصاف» (ص97). وقال الفقيه الحطَّاب: «التقليد: هو الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله، والذي عليه الجمهور أنه يجب على من ليس فيه أهلية الاجتهاد أن يقلد أحد الأئمة المجتهدين سواء كان عالمًا أو ليس بعالم» كما في «مواهب الجليل» (1/ 30).وقال الفقيه عليش: «وقد أجمع أهل السنة على وجوب التقليد على من ليس فيه أهلية الاجتهاد». كما في «فتح العلي المالك» (1/ 90). وقال الإمام ابن قدامة: «وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا، فكانت الحجة فيه الإجماع» كما في «روضة الناظر» (2/ 382).
أنْ يقولَ: «مذهبُ الإمامِ الأعظم أبي حنيفةَ» ((¬1)، فإنَّ معناه: أنَّي اتَّخَذْتُ في العباداتِ والمعاملاتِ الإمامَ الأعظمَ إمامي، وقبِلْتُ ما فَهِمَه واستخرجَه مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وقلَّدَّتُهُ، واختَرْتُ العملَ بقولِهِ في ذلك.
¬
(¬1) قال الدكتور صلاح أبو الحاج -حفظه الله-: «من أراد التخصص بعلم فعليه أن يسلك أحد طرق ومذاهب أهله؛ ليتمكَّن فيه ويضبطه، وهذا مسلَّم عند أهل العلوم والاختصاص، وكذا الحال في علم الفقه، فمن أراد دراسة الفقه وضبطه؛ لا بدَّ له من سبيل أهله بسلوك أحد الطرق الموصلة له بدراسته من خلال مذهب من المذاهب الفقهية المقرَّرة المؤسَّسة على قواعد علمية في الأصول والفروع، وإلَّا فإنَّه لن يُعَدُّ عالمًّا في الفقه، ولو قضى عمره فيه، قال الإمام الكوثري في «اللامذهبية قنطرة اللادينية (ص219): «ومَن يتذبذب بين المذاهب، منتهجاً اللامذهبية في الدِّين الإسلامي، فهو أسوأ وأردأ من الجميع، وللعلوم طوائف خاصة، تختلف مناهجهم، حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص، فمَن ادّعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة، فإنه يُعدُّ سفيهاً منتسباً إلى السَّفه لا إلى الفلسفة، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة، حتى في العلوم العربية، لا يمكن إغفالها ولا تسفيه أحلام المستمسكين بأهدابها، لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصَّافية. وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي الإسلام، مثل الفقه الإسلامي» انتهى. ثم قال شيخنا: «فما نُرَغِّبُ به طلبةَ العلم أن يسلكوا سبيل علمائنا السابقين، بأن يتخصَّصوا بمذهبٍ يتمكَّنوا فيه، حتى ينفعوا أنفسهم وينفعوا غيرهم، فيتحقَّق لهم من الخير كما تحقَّق لإمامنا، ولا يغتروا بطريق المعاصرين. ينظر: «منة الفتاح» (1/ 26).
الصَّلاةُ
فرائضُ الصَّلواتِ الخمسِ - التي هي عمادُ الدِّينِ- اثنا عشَرَ (¬1):
سِتَّةٌ منها: خارجَ الصَّلاة، يقال لها: شُروطٌ (¬2).
وسِتَّةٌ منها: داخلَ الصَّلاة، ويقال لها: أركانٌ (¬3).
أمَّا الشُّروطُ فهي:
1 - الطَّهارة من الحَدَثِ.
2 - الطَّهارة من النَّجاسةِ.
3 - وسَترُ العورةِ.
4 - واستقبالُ القبلةِ.
5 - والوَقتُ.
6 - والنِّيَّةُ.
¬
(¬1) الفرض يجوز إطلاقه على الشرط والركن جميعًا. «التوضيح شرح مقدمة القرماني» (1/ 48).
(¬2) الشرط: هو ما يتوقف على وجود الشيء وهو خارج عن ماهية الشيء كذا في «غاية البيان». ينظر: ««التوضيح شرح مقدمة القرماني» (1/ 48)، و «التعريفات» (1/ 126).
(¬3) الركن: هو ما يقوم به الشيء، وهو جزء داخل في ماهية الشيء. ينظر: «التوضيح شرح مقدمة القرماني» (1/ 48)، و «الكليات» (1/ 481).
كيفيةُ الوُضوءِ
1. الطَّهارةُ من الحَدَثِ هي:
- الوُضوءُ إذا بدا منه ما يَقتضي الوُضوءَ (¬1).
- والغُسْلُ إذا حَصَلَ منهُ ما يوجبُ الغُسْلَ (¬2).
- أو التيمُّمُ حالَ فَقْدِ الماء، أو عَدَمِ القُدْرَةِ على استعماله.
¬
(¬1) قال الإمام الشُّرُنْبُلاليّ: السبب: ما أَفضى إلى الشيء من غير تأثير فيه، وسبب الوضوء: استباحة ما لا يَحِلُّ إلا به وهو. (استباحة): أي إرادةُ فعل (ما) يكون من صلاةٍ ومسِّ مصحفٍ وطوافٍ (لا يَحِلُّ) الإقدام عليه، (إلا به): أي الوضوء، (وهو) أي حلُّ الإقدام على الفعل متوضئاً.
(حكمُه الدنيوي) المختصّ به المقام، (وحكمُه الأُخروي): الثواب في الآخرة) إذا كان بنيّتِه، وهذا حكمُ كلِّ عبادة. ينظر: «مراقي الفلاح» (1/ 54)، و «نور الإيضاح» (1/ 20)
(¬2) والغُسلُ المفروض ثلاثةٌ: الغُسلُ من الجنابة - بإنزال المنيِّ أو التقاء الختانين- ومن الحيض، ومن والنِّفاس. «البدائع» (1/ 3).
ثُمَّ إنَّ فرائضَ الوُضوءِ أربعةٌ (¬1):
1 - غَسْلُ الوَجْهِ مَرَّةً (¬2).
¬
(¬1) الفرضُ: هو ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ لا شبهةَ فيه كالكتاب والسُّنَّةِ المتواترة إذا لم يَلحقهما خصوصٌ. ينظر: «أصول الشاشي» (1/ 379)، و «التلويح» (2/ 247)، فظاهرُ القرآنِ يفيد القطع، وفروض الوضوء ذُكرتْ في القرآن الكريم، في قوله - جل جلاله -: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، أمَّا النِّيَّة والتَّرتيب فسنَّةٌ، وسيتم الحديث عنها في مكانها.
(¬2) والوجهُ: هو من قُصاصِ الشَّعرِ إلى أسفلِ الذَّقَنِ، ومنْ شَحمةِ الأُذُنِ إلى شَحمةِ الأُذُنِ. «الإرشاد» (ص164) للبابرتيّ.
وفَصَّلَ الفقهاء في حكم غسل اللِّحية فقالوا:
- فاللِّحية الخفيفة التي تُرى بشرتُها فيجب غسلُ ما تحتها. «الدر المختار» (1/ 69).
- ويجبُ غسلُ ظاهرِ اللِّحية الكَثَّةِ في أصحِّ ما يفتى به. «نور الإيضاح» (1/ 30).
- ولا يجب غسلُ ما استرسلَ من اللِّحية؛ لأنَّه إنَّما يواجَهُ إلى المتَّصل عادةً لا إلى المسترسل، فلم يكن المسترسَلُ وجهًا، فلا يجب غسلُهُ. «البدائع» (1/ 3).
- ويجبُ غسلُ البياضِ الذي بين العِذارِ والأُذُنِ على المفتى به؛ لأنَّ البياضَ داخلٌ في حدِّ الوجهِ، ولم يُسْتَر بالشَّعر، فبقيَ واجبَ الغَسلِ كما كان بخلاف العِذارِ. وإن كان امرأةً أو أمردَ فَغَسْلُهُ واجبٌ اتفاقًا. كما في «البدائع» (1/ 4)، و «البحر الرَّائق» (1/ 152)، و «الدُّرِّ المختار» (1/ 97).
- وعذارا اللِّحية: جانِباها، استُعِيرا من عِذارَيِ الدَّابَّةِ، وهما ما على خدَّيه من اللِّجام. «المغرب» (2/ 47).
ولا يجبُ غسلُ باطنِ الأنفِ والفمِ؛ لأنَّه لا يُوَاجَهُ، وللحَرَجِ. «الدُّرُّ المختار» (1/ 97).
2 - وغَسْلُ اليَدَينِ مَعَ المرفَقَيْنِ مرَّةً (¬1).
3 - ومسحُ ربعُ الرَّأسِ مرَّةً (¬2).
¬
(¬1) المِرفَقُ: بكسر الميم وفتح الفاء، وهو ملتقى عظماتِ العضد والذِّراع. كما في «درر الحكام» (1/ 9)، و «البناية» (1/ 152).
وغسلُ اليَدَينِ مرَّةٌ واحدةٌ؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، ومطلق الأمر لا يقتضي التِّكرار. «البدائع» (1/ 4).
والمِرفقانِ يَدْخُلانِ في الغَسل: لما روى «جابرٌ» (أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا بَلَغَ المرفقينِ في الوضوء أدارَ الماءَ عليهما». «المخلصيات» (1576).
قال صاحبُ «البدائع» (1/ 4)، و «الجصَّاص» (3/ 344): «فكان فعلُهُ بيانًا لمجملِ الكتابِ، والمجملُ إذا التحقَ به البيانُ يصيرُ مفسَّرًا من الأصل».
(¬2) المسحُ: هو الإصابةُ فقط. «البدائع» (1/ 3).
وأذكُرُ بعضَ الاستدلالات على مسح ربع الرَّأس:
1. ... قوله - جل جلاله -: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}، ومقدارُ الرُّبُعِ هو الذي بيَّنَهُ النَّبيُّ ? في حديث «المغيرةِ بن شُعبةَ» - رضي الله عنه -، أنَّ النَّبيَّ ?: «توضَّأَ ومسَحَ بناصيتِهِ وعلى خُفَّيْهِ» رواه مسلمٌ في «صحيحه» (274)، والكتابُ مُجمَلٌ فالتحَقَ بيانًا به. «فتح القدير» (1/ 17)، فكان حرفُ الباءُ مجملًا يحتملُ معانيَ في اللُّغةِ، جاء الشَّارع فبيَّنَهُ.
2. ... والنَّاصيةُ: هي مقدَّمُ الرَّأسِ، والنَّاصيةُ تُقدَّرُ بربعِ الرَّأس. «البدائع» (1/ 5)، و «فتح القدير» (1/ 17).
3. ... وعن «معاويةَ» - رضي الله عنه -: «أنَّه أَراهُم وضوءَ رسولِ الله ? فلمَّا بلَغَ مسحَ رأسِهِ وضع كفَّيهِ على مقدَّمِ رأسِهِ»، «شرح مشكل الآثار» (1/ 30).
وَحَدُّ استيعابِ اليدِ-كما في «الأصل» (1/ 44)، و «الهداية» (1/ 15)، و «البدائع» (1/ 4) -: المسحُ بالأكثرِ من أصابعِهِ، فلو مسحَه بكفِّهِ كلِّهِ إلَّا إصبعًا واحدةً أو بعضَ إصبعٍ يجزئُهُ، والأفضلُ أن يمسحَ بكفَّيِهِ كليهما، وجازَ بثلاثِ أصابعَ من أصابعِ اليدِ؛ لأنَّهُ أكثرُ ما هو الأصلُ في آلةِ المسحِ، وللأكثرِ حُكْمُ الكلِّ، فصارَ كأنَّهُ نصَّ على الثَّلاثِ، فكأنَّهُ: وامسحُوا برؤوسِكم بثلاثِ أصابعِ أيديكم.
4 - وغَسْلُ الرِّجلينِ مع الكَعِبينِ مرَّةً (¬1).
¬
(¬1) لقوله - جل جلاله -: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.
والكَعْبُ: هو العَظْمُ النَّاتئُ الذي ينتهي إليه عَظْمُ السَّاقِ. «البدائع» (1/ 7)، و «العناية» (1/ 17). والفرضُ فيهما الغَسْلُ لا المسحُ.
وإليكَ الأدلَّةَ للرَّدِّ على الرَّافضةِ التي تقول: «إنَّ فيهما المسحَ لا غير»:
- فعن «عبد الله بن عمرو» - رضي الله عنه -، قال: تخلَّف عنَّا النَّبيُّ (في سَفْرَةٍ سافَرْناها، فأدرَكَنا-وقد أرهقَتْنا الصَّلاةُ-ونحن نتوضَّأُ، فجعَلْنا نمسحُ على أَرجُلِنا، فنادى بأعلى صوتِهِ (: «ويلٌ للأعقابِ من النَّار» مرَّتينِ أو ثلاثًا. كما في «صحيح البخاريِّ» (96)، و «صحيحِ مسلمٍ» (241).
- وعن «أبي هريرة» - رضي الله عنه -، أنَّه رأى قومًا يتوضَؤُون مِن المَطهَرةِ فقال: أَسبِغُوا الوضوءَ؛ فإنِّي سمعتُ أبا القاسمِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «ويلٌ للعراقيبِ من النَّار». «صحيح مسلمٍ» (242).
علَّق على هذه الأحاديث الإمامُ «الطَّحاويُّ» (فقال: «ففي هذه الآثارِ ذُكِرَ الثَّوابُ على غَسلِ الرِّجليْنِ، ولو كان فرضُهما غيرَ الغَسْلِ، إذًا لما كان في غَسلِهما ثوابٌ، ألا تَرَى مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ في وُضُوئِهِ لَمْ يَكُنْ مُثَابًا على ذلك، إذْ كان فَرْضُهُ فيهِ غَيْرَ الغَسْلِ، فلَوْ كَانَتِ الْقَدَمَانِ في الْمَسْحِ مِثْلَ الرَّأْسِ، إذًا لَمَا كَانَ غَاسِلُهُمَا مُثَابًا على ذلكَ، ولَكَانَ كَغَاسِلِ الرَّأْسِ في الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ. وهو قولُ «مالكٍ»، و «أبي حنيفةَ»، و «زُفرَ»، و «أبي يوسفَ»، و «محمَّدٍ»، و «الشَّافعيِّ» - رضي الله عنهم -. «أحكام القرآن» (1/ 86).
وسُنن الوُضوء:
1 - النِّيَّةُ بدْءًا (¬1).
¬
(¬1) وهي: أن يَقْصِدَ بالقلبِ الوضوءَ، أو رفعَ الحدثِ، أو عبادةَ لا تصحُّ إلا بالطَّهارةِ. «باب العناية» (1/ 31).
وكيفيَّتُها: أنْ ينويَ رفعَ الحدثِ أو إقامةَ الصَّلاةِ، أو ينويَ الوضوءَ أو امتثالَ الأمرِ.
ومحلُّها: القلبُ، فإن نَطَقَ بها ليجمعَ بينَ فعلِ القلبِ واللِّسانِ استحبَّهُ المشايخُ؛ لجمعِهِ معَ القلبِ. ولم يَرِدِ التَّلفُّظُ بها عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصَّحابةِ والتَّابعينَ والأئمَّةِ - رضي الله عنهم - أجمعين. «حاشية الطَّحطاويِّ» (73:1).
ومن الأدلَّة على أنَّ حُكمَ النيَّةِ سنَّةٌ في الوضوءِ:
1. ... أنَّ الوضوءَ شرطٌ للصَّلاةِ، فلا يَفتقِرُ إلى النيَّةِ كسائرِ شُروطِها، فالمرادُ بالأعمالِ العباداتُ، فإنَّ المباحاتِ تعتبَرُ شرعًا بلا نيَّةٍ كالطَّلاقِ، والنِّكاحِ، وسائرِ المعاملات، بل المراد بها الطَّاعاتُ المستقلَّةُ، دونَ ما يتعلَّق بها من الشَّرائطِ التي هي كالوسيلةِ من طهارةِ الثَّوبِ وسترِ العورةِ، ومعرفةِ القِبْلةِ، فالنِّيَّةُ فيها تُوجِبُ المثُوبةَ، وتُصيَّرُ العملَ عبادةً، فمَن ادَّعى أنَّ الشَّرطَ وضوءٌ هو عبادةٌ فعليه البيانُ. «باب العناية» (1/ 31).
2. ... والنِّيَّةَ سنَّةٌ لتحصيلِ الثَّوابِ، لأنَّ المأمورَ به ليس إلّا غَسْلًا ومَسْحًا في الآيةِ، ولم يُعلِّمْهُ النَّبيُّ ? للأعرابيِّ معَ جهلِهِ. وفُرِضَتْ في التيمُّمِ؛ لأنَّهُ بالتُّرابِ، وليس مُزِيلًا للحَدثِ بالأصالةِ. «حاشية الطَّحطاويِّ» (1/ 73).
3. ... وقولُهُ - جل جلاله -: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]؛ أَمَرَ بالغَسلِ والمسحِ مطلقًا عن شرطِ النِّيَّةِ، ولا يجوزُ تقييدُ المطلقِ إلّا بدليلٍ. «المصدر السابق».
وأشارَ الإمامُ «الجصَّاصُ» (في «أحكامِهِ» (3/ 336)، في آيةِ {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلى أنَّ حُكمَ النِّيَّةِ في الوضوءِ سنَّةٌ بقولِهِ: «يقتضي جوازَ الصَّلاةِ بوجودِ الغَسلِ، سواءٌ قارَنَتْهُ النِّيَّةُ أو لم تُقارنْهُ، وذلك لأنَّ الغَسلَ اسمٌ شرعيٌ مفهومُ المعنى في اللُّغةِ، وهو إمرارُ الماءِ على الموضعِ، وليس هو عبارةً عن النِّيَّةِ، فمَن شرَطَ فيه النِّيَّةَ فهو زائدٌ في النَّصِّ، وهذا فاسدٌ من وجهيْن:
أحدُهما: أنَّه يُوجِبُ نسخَ الآيةِ؛ لأنَّها قد أباحَتْ فعلَ الصَّلاةِ بوجودِ الغَسلِ للطَّهارةِ من غيرِ شرطِ النِّيَّة، فمَن حظَرَ الصَّلاة ومنَعَها إلّا معَ وجودِ نيَّةِ الغَسلِ فقد أوجَبَ نسخَها، وذلك لا يجوزُ إلّا بنصٍّ مثلِهِ.
والوجُهُ الآخرُ: أنَّ النَّصَّ له حُكمُهُ ولا يجوزُ أن يُلحَقَ به ما ليس منه، كما لا يجوزُ أن يُسقَطَ منه ما هو منه».
2 - وغَسْلُ اليَدَينِ إلى الرُّسغَيْنِ ثلاثًا (¬1).
3 - وقولُهُ: «باسمِ الله العظيم، والحمدُ لله على دينِ الإسلام» (¬2).
¬
(¬1) من سُننِ الوضوءِ: «غَسلُ اليدينِ إلى الرُّسْغَينِ قبلَ إدخالِهما في الإناء» (1/ 249)، «البناية»، و «الاختيار» (1/ 8).
وقَيَّدَ: «قبلَ إدخالهِما الإناءَ»؛ لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقَظَ أحدُكم من مَنامِهِ فلا يَغْمِسَنَّ يدَهُ في الإناءِ حتَّى يَغسلِهَا ثلاثًا؛ فإنَّه لا يَدرِي: أين باتَتْ يدُهُ». «سنن التِّرمذيِّ» (رقم 24) وقال: «حديثٌ حسنٌ».
ولأنَّ اليدَ آلةُ التَّطهيرِ، فتُسَنُّ البَداءةُ بتنظيفِها، وهذا الغَسلُ إلى الرُّسْغِ لوقوعِ الكفايةِ به في التَّنظيفِ. «الهداية» (1/ 15)، و «فتح القدير» (1/ 21).
وهذا شرطٌ وقَيْدٌ اتفاقيٌّ، أشارَ إلى هذا جَمْعٌ من الفقهاءِ: غَسلُ اليدينِ إلى الرُّسغينِ سُنَّةٌ مطلقًا للمُستيقِظِ وغيرِهِ في ابتداءِ الوضوء. وهو الأَولى مِن جَعْلِهِ قيدًا احترازيًّا. يُنظر: «فتح القدير» (1/ 21)، و «البناية» (179)، و «مجمع الأنهر» (1/ 12).
(¬2) والمنقولُ عن السَّلفِ في لفظها: «باسمِ الله العظيم، والحمدُ لله على دينِ الإسلامِ». وقيل الأفضل: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم». «المراقي» (ص32).
ودليلُ التَّسميةُ: قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاةَ لِمَن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لِمَن لم يَذكرِ اسم الله تعالى عليه»، «سنن أبي داودَ» (101)، و «شرح معاني الآثار» (107).
قال الإمامُ «الطَّحاويُّ» (: «أي: لا وضوءَ له مُتكامِلًا في الثَّوابِ». «المصدرُ السَّابق».
اعلمْ: أنَّ هذا الحديثَ رُوِيَ عن أحدَ عشرَ صحابيًّا - رضي الله عنهم -. كما في «البناية» (1/ 188).
وعن «ابن مسعودٍ» (أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ توضَّأَ، وذكَرَ اسمَ الله عليه كان طُهورًا لجميعِ بدنِهِ، ومن توضَّأ ولم يَذكُرِ اسمَ الله كان طُهورًا لِما أصابَ الماءُ من بدنِهِ»، «سنن الدَّارَقطنيِّ» (232).
قال الإمامُ «الكاسانيُّ» (: «والحديثُ هذا مِن جملةِ الآحادِ، ولا يجوزُ تقييدُ مطلقِ الكتابِ بخبرِ الواحدِ، ثمَّ هو محمولٌ على نفيِ الكمالِ، وهو معنى السُّنَّةِ كقولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا في المسجدِ». «البدائع» (1/ 20).
ووقتُ التَّسميةِ بدايتُهُ، حتى لو نَسِيَها فتذكَّرَها في خلالِهِ، لا تَحصُلُ له السُّنَّةُ، أي: الثَّوابُ بخلافِ الأكلِ؛ لأنَّ الوضوءَ عملٌ واحدٌ، وكلُّ لُقْمةٍ فعلٌ مستأنَفٌ، «الدُّرُ المختار» (1/ 109).
4 - والسِّواكُ (¬1).
¬
(¬1) بكسرِ السِّينِ: اسمٌ للاستِياكِ، وهو عُودُ الأَراكِ، والجمعُ: سُوْكٌ بالسُّكون. «المصباح المنير» (1/ 297)، قال الإمام الأعظم «أبو حنيفة» (: «الأَراكُ هو أفضلُ ما استِيكَ بفرعِهِ مِن الشَّجرِ». «لسان العرب» (10/ 388).
حكمُهُ: هو سنَّةٌ مؤكَّدةٌ.
ووقتُهُ: عندَ المضمضةِ. «الجوهرة النيرة» (1/ 5)، و «الآثار» (1/ 66).
فعن «أبي هريرة» - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لولا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتي لأمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ وضوءٍ». «صحيح البخاري» (1933)، و «السُّنن الكبرى» (2030)، و «صحيح ابنِ خُزيمةَ» (140).
وهو قبلَ الوضوء؛ لتَحصُلَ به الفضيلةُ الواردةُ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَضْلُ الصَّلاة بالسِّواكِ على الصَّلاةِ بغيرِ سواكٍ، سبعون ضِعْفًا». «مسند البَزّار» (108)، و «مسند أحمدَ» (26340).
قال «محمَّدٌ»: «والسِّواكُ عندنا من السُّنَّةِ لا ينبغي أن يُترَكَ». «الآثار» (1/ 66).
وللتِّوفيقِ بينَ روايةِ «عندَ كلِّ وضوءٍ» وروايةِ «عندَ كلِّ صلاةٍ» التي رَواها «البخاريُّ» أيضًا (887) و «أبو داودَ» في «سُننِهِ» (47)، يُجيبُ الإمامُ «العينيُّ» (، فيقولُ: «السِّواكُ الواقعُ عندَ الوضوءِ واقعٌ للصَّلاةِ؛ لأنَّ الوضوءَ شُرِعَ لها، فتُجعَلُ الأحاديثُ التي فيها «عندَ كلِّ صلاةٍ» على ما ذَكَرْنا توفيقًا بين الأحاديثِ. والسِّواكُ عندَ كلِّ صلاةٍ رُبَّما جَرَحَ الفمَ وأخرَجَ الدَّمَ، وهو نَجِسٌ بلا خلافٍ وإنْ كانَ خلافٌ في انتقاضِ الوضوءِ، فيُتَجَنَّبُ عن ذلك». «البناية» (1/ 201).
ومن فوائدِهِ: أنَّه مَطهَرةٌ للفمِ على ما نَطَقَ به الحديثُ: «السِّواكُ مَطهَرةٌ للفمِ ومرضاةٌ للرَّبِّ عزَّ وجلَّ». «صحيح البخاريِّ» (1933)، و «سنن الدَّارميِّ» (711). ينظر: «البدائع» (1/ 19).
ومن هيئاتِ الاستياك: أن يَستاكَ عَرْضًا في الأسنانِ، وطُولًا في اللِّسانِ؛ جمعًا بينَ الأحاديثِ الواردةِ. «أحكام السِّواك» (1/ 40).
5 - والمَضْمَضَةُ (¬1).
¬
(¬1) هي إدارةُ الماءِ في الفمِ. «درر الحكام» (1/ 11)، وهي سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ. «الجوهرة النيِّرة» (1/ 6)، «البناية» (1/ 149).
قال الإمام «ابنُ نُجيمٍ» (: «والاستدلالُ على سُنِّيَّةِ المضمضةِ والاستنشاقِ: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - فعَلَهما على المواظبةِ، والمواظبةُ المقرونةُ بعدمِ التَّركِ مرَّةً لمََّا اقترَنَتْ بعدمِ الإنكارِ على مَن لم يَفَعَلْهُ من الصَّحابةِ كانتْ دليلَ السُّنِّيَّةِ». «البحر الرائق» (1/ 17).
وقال الإمامُ «الشُّرُنبلاليُّ» (: «ويُسَنُ المبالغةُ في المضمضةِ، وهي: إيصالُ الماءِ لرأسِ الحَلْقِ». «مراقي الفلاح» (ص32).
والسُّنَّةُ: أَخْذُ ماءٍ جديدٍ لكلِّ غَسْلةٍ من تثليثِ غَسْلِهِما «دررالحكام» (1/ 11)، «فتح القدير» (1/ 27)، «لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضَّأَ، فمضمَضَ ثلاثًا، واستنشَقَ ثلاثًا، يأخُذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديدًا». أخرجه «التِّرمذيُّ» (1/ 67)، وفي «مصنَّفِ عبد الرَّزَّاقِ» (122).
6 - والاستنشاقُ (¬1).
¬
(¬1) والاستنشاقُ: هو إدخالُ الماءِ في الأنفِ.
والاستنثارُ: هو استخراج ما في الأنفِ من أَذًى أو مُخاطٍ. «تاج العروس» (14/ 174)، و «شمس العلوم» (10/ 6610) أي: أنْ يصلَ الماءُ إلى المارِنِ، والمارِنُ: هو ما دُونَ قَصَبةِ الأنفِ، وهو ما لانَ مِنه. «المغرب» (2/ 246)، و «المعجم الوسيط» (2/ 865).
وحُكمُهُ: سُنَّةٌ مثلُ المضمضةِ؛ لأنَّ سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهما - أي: المضمضةَ والاستنشاقَ- على المواظبة، يعني: معَ التَّركِ، والدَّليلُ على التَّركِ روايةُ «عائشةَ» (: «أنَّها حَكَتْ وضوءَ سيدنا رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم تَذكُرِ المضمضةَ والاستنشاقَ».
والفمُ والأنفُ عُضوانِ مُنفرِدانِ، فلا يُجمَعُ بينَهُما بماءٍ واحدٍ. كما في «العناية» (1/ 25)، وغيرِهِ.
7 - والتَّرتيبُ (¬1).
8 - والتَّيامنُ (¬2).
9 - وتثليثُ غَسْلِ أعضاءِ الوضوءِ (¬3).
¬
(¬1) والتَّرتيبُ بين الأعضاءِ المفروضةِ، كما هو مذكورٌ في النَّصِّ القرآنيِّ؛ لمواظبةُ النَّبيِّ (عليها، وهذا دليلُ السُّنِّيَّة. «البدائع» (1/ 22). ومشى على سنيتها صاحب الوقاية (ص83)، و «النقاية» (1/) 56، و «الملتقى» (1/) 15، وذكرَهُ المُوصِليّ في «المُختَار» (1/ 15) مع المستحبات؛ لكنَّه قال في شرحه «الاختيار» (1/ 15): والأصحُّ أنَّها سُنَّة؛ لمواظبة النَّبيِّ (عليها.
(¬2) المعتمد في المذهب أنَّها من مستحبات الوضوء لا سننه كما قرَّرَهُ صاحب «الاختيار»، و «دُرَرِ الحُكَّام» (1/ 11)، و «الاختيار» (1/ 9)، و «البناية» (1/ 247)، و «البحر الرَّائق» (1/ 29)، و «مَجْمَعُ الأنهر» (1/ 16) أي: الشُّروعُ من جانبِ اليمينِ. «درر الحكام» (1/ 11)، فعن «أبي هريرة» - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضَّأْتُم فابدؤُوا بمَيامِنِكم»، «سنن ابن ماجه» (402)، «المعجم الأوسط» (1097)، قال ابنُ الملقِّنِ: «حديثٌ صحيحٌ». «البدر المنير» (2/ 199).
وعن «عائشةَ» (قالت: «كانَ رسولُ الله (ليحبُّ التَّيمُّن في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجّله إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعلَ» كما في «صحيح مسلم» (268).
(¬3) أي: وتثليثُ الغَسل لأعضاءِ الوضوءِ المغسولاتِ. «درر الحكام» (1/ 11)، فمَن زادَ أو نقَصَ فقد تَعدَّى وظلَمَ إلّا للضَّرورةِ، «المراقي» (ص33)، و «حاشية الطحطاوي» (1/ 71).
قال الإمامُ الشُرُنبلاليُّ (: «التَّثليثُ: أنْ يَغسِلَ كلَّ عضوٍ من أعضاءِ الوضوءِ ثلاثَ مرَّاتٍ، ويكونَ الغَسلُ مُستوعِبًا للأعضاءِ» «مراقي السعادات» (1/ 11).
فلو غسَلَ في المرَّةِ الأُولى وبقيَ موضعٌ يابسٌ، وفي المرَّةِ الثَّانيةِ أصابَ الماءُ بعضَهُ، ثمَّ في الثَّالثةِ أصابَ الجميعَ لا يكون غَسلًا ثلاثًا. كذا نقلَهُ في «جامع المضمرات عن «فتاوي الحجَّة». يُنظر: «السِّعاية» (1/ 202).
10 - ومَسْحُ الرَّقَبَةِ (¬1).
¬
(¬1) جمهور الحنفية قالوا: إنَّ مسح الرَّقبة مستحبٌ. كما في «الوقاية» (ص 85)، و «النقاية» (57)، و «الملتقى» (1/ 16)، وغيرهم. وقال أبو بكر الإسكاف: «إنَّه أدبٌ» «البناية» (1/ 219)، و «البدائع» (1/ 23) وقال صاحب «البحر الرَّئق» (1/ 29) وصاحب «النتف» (1/ 23): «فإنَّ مسحَ الرَّقبةِ مستحبٌ، لا الحُلقومِ فإنَّ مسحَهُ بدعةٌ».
فعن «طلحةَ بن مُصَرِّفٍ» عن أبيه عن جدِّه - رضي الله عنهم -: «رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمسحُ رأسَهُ مرَّةً واحدةً حتى بلَغَ القَذَالَ»، «سنن أبي داودَ» (132) و «المعجم الكبير» (19/ 180)، و «شرح معاني الآثار» (1/ 30).
والقَذَالُ: جِماعُ مُؤخَّرِ الرَّأسِ. «المصباح المنير» (2/ 409).
وذكَرَ الإمامُ «اللَّكنويُّ» (في رسالتِهِ «تحفة الطَّلَبة في تحقيقِ مسحِ الرَّقبة» (1/ 409) قال: «إنِّي قد سُئِلْتُ عن مسحِ الرَّقبةِ في الوضوءِ: هل هو سنَّةٌ أو مستحبٌّ أو أمرُ سوءٍ؟ وهل ورَدَ فيه حديثٌ صحيحٌ أو أثرٌ صريحٌ، أم هو مِن المخترعاتِ في الدِّين، ولا أصلَ له في الشَّرعِ المبين؟
فأجبتُ: بأنَّه قد اختلَفَ فيه الأقوالُ: فمِن قائلٍ: أنَّهُ سنَّةٌ، ومِن قائلٍ: أنَّه مستحبٌ، ومِن قائلٌ: أنَّه مكروهٌ موجِبٌ لغضبِ الرَّبِّ. وقد ورَدَتْ فيه عدَّةُ أحاديثَ قوليَّةِ وفعليَّةِ، إلّا أنَّ أسانيدَها ضعيفةٌ. وبالغَ بعضُ المبالِغين، فحَكَمُوا فيها بالوَضْعِ في الدِّينِ.
والحقُّ في هذا البابِ ما اختارَهُ أُولو الألبابِ: من أنَّهُ مستحبٌ، مَن فعَلَهُ أحسَنَ، ومَن
لم يَفعلْهُ لا بأسَ عليه، والأحاديثُ الواردةُ وإنْ كانت ضعيفةً تَكفي لإثباتِ الفضيلةِ». انتهى قولُ الإمامِ المحقق «اللَّكنويِّ».