تحقيق وتعليق مخطوط
كِتَابُ الإرْشَادِ
للإِمَامِ أَكْمَلُ الدِّينِ البَابَرْتيِّ الحَنَفِيِّ
تحقيق وتعليق
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ الله رَيْحَان
عضو هيئة تدريس في كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمَّان، الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
تحقيق وتعليق مخطوط
كِتَابُ الإرْشَادِ
للإِمَامِ أَكْمَلُ الدِّينِ البَابَرْتيِّ الحَنَفِيِّ
تحقيق وتعليق
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ الله رَيْحَان
عضو هيئة تدريس في كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمَّان، الأردن
إهداء
إلى من كان لهم الفضل عليَّ بعد الله في كل شيء
والديَّ وإخواني وأخواتي حفظهم الله.
إلى من علَّمني المثابرة والهمَّة، وطريق أخذ العلم من أهله
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج حفظه الله.
إلى من علَّمني فقه الحياة بمنظور متكامل متزن معطاء
الدكتور معاذ سعيد حوا حفظه الله.
إلى من علَّمني المبادرة والإقدام على التجارب الفريدة
الدكتور حسني مبروك الضلاعين حفظه الله.
إلى من علَّمني الدقَّة وفقه اللغة وذوقياتها
الدكتورة إيمان عبد المنعم شجراوي حفظها الله.
إلى من دلَّني على طريق أهل السُنَّة والجماعة
الدكتور محمد عبد المنَّان النَّجار حفظه الله.
إلى كل معلم بذل عمره في العطاء، أنار الله دربك كما أنرت دروبنا
مقدمة المحقق
الحمدُ لله صاحبُ الإمداد، المتفضلُ علينا بنعمة الإيجاد، واهبُ طريق الإرشاد، غنيٌ عن الأنداد، الواحدُ الأحدُ له مطلقُ الانقياد.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبي الأجداد، صاحبُ الإسناد، فَقَّهَ وأجاد، ردَّ الضَّلال والإلحاد، أوصلنا بالدِّين الحنيف إلى الإسِعَاد والرَشَاد، وعلى آله وصحبه الأمجاد خير العباد.
وبعدُ:
فإنَّ كتاب الإرشاد للإمام البَابَرْتيّ (من كتب الحنفيَّة التي جمعتْ بين الفقهِ والاعتقادِ، إذ امتاز بصغر حجمه، ودقَّة عبارته، واشتماله على أبرز المسائل التي يحتاجها العباد في مسائل الفقه والاعتقاد دون استطراد، وذِكْره معتمد مذهب جُل البلاد.
وإنَّ من امتنان الله عليَّ أن يسَّر ليَ تحقيق هذا الكتاب الجليِّ، واستخراجه من التراث المحمديّ، ليظهر نوره للقارئ السَّويّ، ويكون طريقًا في ضبط أشهر مسائل الفقه الحنفيّ.
حيثُ قمتُ بعمل دراسة للمخطوط بينتُ فيها نسبتها للمصنف وموضوعها، وسبب تأليفها، وميزاتها، والنسخ المعتمدة في تحقيق هذا الكتاب، ثمَّ ترجمت للمؤلف (ببيان حال عصره واسمه ونسبه، وذكرت شيوخه وتلامذته، ومؤلفاته والترجمة لها، وبيان درجته الفقهية في ... المذهب، ثمَّ أدرجت النَّص المحقَّق مع التَّعليقات والحواشي النافعة.
المنهج المتبع في الكتاب وتحقيقه
فخطة العمل في تحقيق «كتاب الإرشاد» للإمام البَابَرْتيّ (موضحة في منهجٍ يمكن بيانه في النقاط الآتية:
1. جمعتُ ثلاث نسخ مخطوطة وقابلتها، وأثبت الصحيح في الأعلى بناءً على كتب المذهب المعتمدة، وسجلت غيره من الفروق في الهامش.
2. ضبطتُ النص ضبطًا كاملًا.
3. وضعتُ العناوين التي يحتاج إليها القارئ، وجعلتها بين معكوفتين [].
4. ذكرتُ الاستدلال للمسائل بالمنقول والمعقول، وحرصتُ على تخريجها.
5. وثَّقتُ ما ورد من آيات بذكر السورة ورقم الآية، وتتمتها إن احتيج لذلك.
6. تخريج الأحاديث الموجودة وبيان حالها.
7. أرجعتُ ما ورد فيه من النصوص إلى مظانِّها، مطبوعة كانت أو مخطوطة، فذكرت في الهامش اسم الكتاب، ونص العبارة كما هي.
8. ضبطتُ ما يشكل من الكلمات بالشكل وكذا أواخرها؛ للإعانة على فهم العبارة.
9. راعيتُ قواعد الإملاء الحديثة مع وضع علامات الترقيم المناسبة وفصَّلتُ عباراته إلى مقاطع قصيرة على حسب ما يقتضيه المعنى.
10. بيَّنتُ المعاني اللغوية من كتب اللغة، لربطها مع المعنى الفقهي وتوضيح العبارة.
11. خرجتُ من اختلاف النسخ بصيغة الصلاة على رسول الله بإثبات شكل الصلاة كالآتي «?»، والأنبياء بـ (()، وكذا اختلاف النسخ بصيغة الترحم والترضي على من يذكر من الصحابة وعدمه بذكر (()، ومجموعهم بذكر (- رضي الله عنهم -)، وأئمة الفقه والحديث بـ (().
12. وضعتُ الحواشي والتعليقات المناسبة؛ لتكون عونًا للقارئ على توضيح كلام المصنف، وإزالة الإبهام والإشكال إن وجد.
13. رمزتُ لكل نسخة بحرف، فالأولى (أ) والثانية (ب) والثالثة (ج).
14. في حال الاختلاف بين النسخ في كلمة وضعت علامة الحاشية () عليها دون وضعها بين معكوفتين، وإن كان الاختلاف في كلمتين فأكثر، أو إسقاط من نسخة ما، وضعت علامة المعكوفتين [].
15. في حال وجود كلمات ساقطة من نسخة أو أكثر، أثبتُ في الحاشية «ساقطة من ب» مثلاً أو «ساقطة من أ، ب»، وفي حال سقوط الكلمة في أكثر الحواشي، أثبت في الحاشية «زيادة في ج» وهكذا.
16. ترجمة للمصنف (بدراسة خاصَّة موسعة، بالإضافة إلى ترجمة بعض مؤلفاته، وبيان درجته الفقهية.
17. رصدّتُ عدد المسائل في الكتاب فوجدتها ما يقارب (640) مسألة موزعة كالآتي:
- (70) مسألة في العقيدة.
- (250) مسألة في الطهارة والصلاة.
- (70) مسألة في الصيام.
- (60) مسألة في الزكاة
- (90) مسألة في الحج.
- (100) مسألة في الحظر والإباحة والأضحية وصدقة الفطر.
سائلًا المولى صاحب الإفراد أن يتقبل كتاب الإرشاد، ويديم النفع فيه بين العباد وفي البلاد، وأن يرزقنا الإخلاص وطريق الرشاد.
كتبه
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ الله رَيْحَان الخميس
12 - ربيع الأول-1442هـ
29 - تشرين الأول-2020م
الأردن-عمَّان
الدِّراسة الأولى
في المخطوط
المطلب الأول: صحة نسبته للمصنِّف، ومطبوعاته.
أولًا: اسمه وصحة نسبته له:
هكذا اسمه في «مقدمته» (¬1) وكتب التراجم وغيرها (¬2).
ثانيًا: مطبوعاته:
الطبعة التي بين يديك هي الطبعة الأولى للكتاب، وهذا من فضل الله علينا أن وفقنا لخدمة دينه، وأسأل الله أن يتقبل العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكون فيه الرشاد لحياتنا.
ثالثًا: أوله: «الحمدُ لله الهَادِي إلى الصِّراطِ المستقيم، والصَّلاةُ ... إلخ».
نهايته: «واللهُ أعلمُ بالصواب وإليه المرجع والمآب، والحمْدُ للهِ وحدَهُ وحسبُنَا ونعمَ الوَكيلُ».
¬
(¬1) من خلال تحقيقي ظهر: في نسخة (أ): الإرشاد في الفقه، وفي نسخة (ج): الإرشاد ومعها إضافة «بما يتعلق بمنافع العباد» ولعلها من النُسَّاخ، وذُكر في نسخة (أ) في خاتمة الكتاب: «تمَّ كتاب إرشَادِ المستَرشِدِينَ»، فأثبتُ ما اتفقتْ عليه جميع النسخ، وهي «الإرشاد».
(¬2) في «خزانة التراث» (337:61) و «فهرس آل البيت» (3:7).
المطلب الثاني: موضوعه وسبب تأليفه، ومخطوطاته ومميزاته.
أولًا: موضوعه وسبب تأليفه:
قال الإمام البَابَرْتيّ في مقدمته على الكتاب: «فهذا مختصرٌ في الفقهِ، يشتملُ على مقدِّمةٍ وكتابينِ وخاتمةٍ، على مذهبِ الإمامِ الأعظمِ أبي حنيفة (رحمةً واسعةً؛ إرشادًا للمسترشدين ومنفعةً للمتعلمين».
تنبيه: حصل خلط كبير بين كتاب «الإرشاد» الذي بين يديك، وكتاب «الإرشاد في شرح الفقه الأكبر»، فعامَّة كتب التراجم والمحققين خلطوا بينهما وجعلوهما واحد، وبعد التحقيق للكتاب ومراجعة كتاب الفقه الأكبر، ترجح لدي أنَّ كتاب الإرشاد للإمام البَابَرْتيّ، لا علاقة له بالفقه الأكبر سواء اختصارًا أو شرحاً، للأسباب الآتية:
1. كتاب الفقه الأكبر يشمل كتاب الاعتقادات فقط، أما كتاب الإرشاد يشمل كتاب الاعتقادات وكتاب العبادات.
2. عبارات كتاب الفقه الأكبر وترتيب موضوعاته مختلفة عن كتاب الإرشاد للإمام البَابَرْتيّ.
3. لم يشر المؤلف في جميع النسخ إلى كتاب الفقه الأكبر، سواء اختصارًا أو شرحًا، وعادة العلماء يذكروا هذا في مقدماتهم.
4. هناك موضوعات ذُكرت في الفقه الأكبر، لم تذكر في كتاب الإرشاد، مثل موضوع القضاء والقدر بتفاصيله، والطاعات والمعاصي، وبعض آيات الأنبياء وكرامات الأولياء، والقصاص يوم القيامة وغيرها.
ثانيًا: مخطوطاته:
ذُكِرَ في «خزانة التراث» (337:61)، أن له ثمانية مخطوطات، وأشار في «الخزانة» أن الإرشاد هو شرح للفقه الأكبر، وهذا من الخلط الذي أشرنا له سابقًا، حيث قمت بأخذ النسخ التي تخص كتابنا الإرشاد فقط (¬1).
وذكر في فهرس آل البيت» (7:3)، سبعة عشر نسخة، ذكرت بعضها في الحاشية (¬2).
ثالثًا: مميزات المخطوط:
1. صغر حجمه ودقة فروعه.
2. سهولة وإيجاز عبارته ووضوحها.
3. اشتماله على أبرز الكتب الفقهية التي يحتاجها الناس.
4. اشتماله على أمهات المسائل العقدية التي يحتاجها الناس.
5. ذكره معتمد المذهب.
¬
(¬1) من نسخ التحقيق: نسخة في مكتبة الغازي خسرو بيك، ورقم الحفظ لها (4554) ونسخة في مكة المكرمة في مركز البحث العلمي، وإحياء التراث الإسلامي، ورقم حفظها (238).
(¬2) من النُّسخ أيضًا: نسخة كتبت في القرن 10هـ/ 16، في متحف طوبقبو سراي/ أستانبول، برقم (4012)، ونسخة كتبت في القرن 10هـ/ 16، في المكتبة الوطنية/باريس برقم (1287/ 8)، ونسخة كتبت سنة 1072هـ/1661م، في المكتبة الأزهرية/القاهرة برقم (2773)، ونسخة كتبها عبد الحامد بن مُلاّ إبراهيم، سنة 1273هـ/ 1856م، في مكتبة الغازي خسرو/سراييفو، برقم (6880).
المطلب الثالث: النسخ المعتمدة:
اعتمدت في اخراج هذا الكتاب على ثلاثة نسخ، وهي:
نسخة (أ):
وهي نسخة ضمتها المكتبة الأزهرية رقم (2773)، وتقع في (51) ورقة، وتحتوي كل صفحة على (12) سطراً، وهي بخط معتاد كبير ... مضبوط، مُيزت بعض الكلمات باللون الأحمر وبخط أكبر.
نسخة (ب):
وهي نسخة ضمتها المكتبة الأزهرية، وتقع في (15) ورقة، وتحتوي كل صفحة على (22) سطراً، وهي وهي بخط صغير متعرج غير واضح.
نسخة (ج):
وهي نسخة ضمتها مكتبة الغازي خسرو بيك، رقم (4554)، وتقع في (43) ورقة، وتحتوي كل صفحة على (11) سطراً، وهي بخط متوسط واضح.
تَرْجَمةُ الإمَامِ
أكْمَلُ الدِّيِنِ مُحَمَّدٌ البَابَرْتيِّ
الحَنَفِيِّ (
وسمَّيتها
القَوْلُ الفَتِيّ .................
.... في تَرْجَمَةِ الإمَامِ البَابَرْتيِّ
الدِّراسة الثَّانية
ترجمةُ المؤلِّف
ففي هذه الترجمة التي بين يديك التفاصيل الجليَّة المفيدة؛ للتعرّف على الإمام الفذ العلامة المحقق البَابَرْتيّ، ببيان من عاصر، وأشهر شيوخه وتلامذته والترجمة لهم، وذِكْرُ مؤلفاته وترجمتها، والإشارة إلى مكانته العلمية، ودرجته الفقهية في المذهب.
واتبعت في الترجمة المنهج:
أولًا: المنهج الوصفي: استخدمته في عرض الترجمة الشخصية للإمام البَابَرْتيّ (، بذكر من عاصر من الحكام وفق التسلسل الزمني، واسمه ولقبه، ثم ولادته ونشأته، وعلى من تعلم ومن علم.
ثانيًا: المنهج التحليلي: استخدمته في عرض الترجمة العلمية للإمام البَابَرْتيّ (، بذكر مؤلفاته والترجمة لها جميعًا، والتعريج على ملامح لدرجة اجتهاده في المذهب.
لم أعثر على كتاب مستقل لترجمة للإمام البَابَرْتيّ (، إلا ما ترجمه بعض الأساتذة في مقدمات كتبهم، ومنهم:
- كتاب «شرح وصية الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -»، تحقيق الدكتور حمزة البكري، والدكتور محمد العايدي حفظهما الله: حيث ذكرا بداية الكتاب ترجمة الإمام بذكر اسمه ومولده وحياته، ثم ترجما لبعض شيوخه وتلامذته، وذكرا تصمانيفه ووفاته، لكنهما لم يتعرضا لترجمة الحُكام الذين عاصرهم، ولم يذكرا درجة الإمام البَابَرْتيّ في الاجتهاد بالمذهب، فأُضيفَ كل هذا في هذه الترجمة، ولله الحمّد والمنَّة.
- كتاب «شرح التلخيص»، تحقيق محمد مصطفى صوفيه: حيث ذكر العصر الذي عاش فيه المؤلف، ودراسته حياته بإيجاز، وذكر مصنفات مترجمنا لكنه لم يترجم لها بما يعود بالنفع على القارئ، فأُضيف هذا في هذه الترجمة أيضًا.
- كتاب «شرح العقيدة الطحاوية»، تحقيق الدكتور عارف آيتكن، ومراجعة عبد الستار أبو غدة: اقتصر في ترجمته على ذكر اسمه ونسبته ومولده، ومكانته العلمية، وبعض شيوخه وتلامذته دون الترجمة لهم، وسَرَد أسماء الكتب سردًا دون الترجمة لها، فأُضيف هذا في الصفحات التالية، بما يعطيك تصورًا كافيًا لحياة الإمام البَابَرْتيّ (.
هذا وقد خَلُصَتْ الترجمة بتوفيق الله إلى فصليْن وستة مباحث واثني عشر مطلبًا.
فالفصل الأول: الترجمة الشخصية للإمام البَابَرْتيّ (، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: عصره واسمه ونَسَبه ولقبه وكنيته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عصره.
والمطلب الثاني: اسمه ونَسَبه ولقبه وكنيته.
والمبحث الثاني: نسبته وولادته وأسرته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: نسبته.
والمطلب الثاني: ولادته وأسرته.
والمبحث الثالث: شيوخه وتلامذته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: شيوخه.
والمطلب الثاني: تلامذته.
والمبحث الرابع: ثناء العلماء عليه ووفاته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ثناء العلماء عليه.
والمطلب الثاني: وفاته ومكان دفنه.
والفصل الثاني: الترجمة العلمية للإمام البَابَرْتيّ (، وفيه مبحثان:
فالمبحث الأول: مؤلفاته وترجمتها، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مؤلفاته.
والمطلب الثاني: ترجمة مؤلفاته.
والمبحث الثاني: درجته في الاجتهاد، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: طبقات ووظائف المجتهدين.
والمطلب الثاني: درجته في الاجتهاد.
والحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه محمدٍ وآله أجمعين.
الفصل الأول
الترجمة الشخصية للإمام البَابَرْتيّ (
المبحث الأول
عصره واسمه ونَسَبه ولقبه وكنيته
المطلب الأول: عصر الإمام البَابَرْتيّ - رضي الله عنه -:
إن الحديث عن أيِّ شخصيَّة يتطلَّب التعريج على العصر الذي عاشت فيه، لما في ذلك من عظيم الفائدة، والتي تظهر في أمور، منها:
الأول: تصوُّر هذا العصر بصورة مبسطة، يمكن فيها فهم هذه الشخصية؛ لأنَّ البيئة التي يعيش فيها المرءُ يكون لها مردودها الكبير على شخصيته وسلوكه.
الثاني: أنَّ هناك كثير من الأحداث تمر أثناء الحديث عن الشخصية، ولن تتمكن من فهم هذه الأحداث إلا بمعرفة بعض تفاصيل زمانه وبعض أفراده.
وفي الكلام عن عصر المترجم (، نبيِّن الصورة العامَّة للدولة في عهد المماليك، من الناحية السياسية والاقتصادية، والأوضاع الاجتماعية.
فأقول وبالله التوفيق: عاش الإمام البارتي في عهد دولة المماليك التي جاءت بعد دولة الأيوبيين، فبعد وفاة صلاح الدين الأيوبي تولى أبناؤه مع عمهم الولايات الإسلامية التي جمعها صلاح الدين تحت لوائه، فحصل خلافًا عظيمًا بين هؤلاء الأبناء، وكان لعمهم الدور الأكبر، مما أضعف قوتهم، فطمع المماليك بالحكم بناء على تلك المعطيات، فسلبوا الملك من الأيوبيين.
ولا ننسى أن فتوحات صلاح الدين الأيوبي أنتجت حركة فكرية أدت إلى الاتصال بين الشرق الإسلامي وبلاد الفرنجة.
وحصلت عدة انقلابات في عهد المماليك، أدت إلى ظهور فوضى سياسية متقلبة يتجاذب الحكم فيها الأمراء.
فدولة المماليك التي حكمت مصر وعاش فيها الإمام البَابَرْتيّ، ما كان حكامها من أبناء الدولة، فنتج عن هذا وجود طبقة الأمراء وحاشيتهم، وطبقة العمال الفلاحين الذين كانوا يعانون من الظلم الاجتماعي.
كان بعض الأثرياء يوقفون بعض ممتلكاتهم على وقف المساجد، ودور التعليم، والزوايا والمدارس، فأشرف الإمام البَابَرْتيّ على الخانقاه الشيخونية التي كان فيها دروسًا لفقهاء المذاهب الأربعة، ودرسًا للحديث، ودرسًا لإقراء القرآن بالروايات، ولا تزال موجودة إلى الآن، إلا أنها مخصَّصة للصلاة فقط باسم جامع شيخون القبلي بالقاهرة.
هذه جولة سريعة للعهد المملوكي بمؤثراته السياسية والاقتصادية وأوضاعه الاجتماعية، حيث كان مجتمعًا متنوعًا.
رغم هذا التنوع المجتمعي، والأوضاع السياسية الراهنة، إلا أن الحركة الفكرية العلمية كانت مزدهرة لاهتمام العلماء بهذا بعيدًا عن الصراعات السياسية السائدة (¬1).
¬
(¬1) ينظر: «النُّجوم الزاهرة» (129:12)، و «موجز التاريخ الإسلامي» (264:1)، و «نهر الذَّهب» (161:3)، و «الموسوعة الموجزة» (95:5 - 130).
وهذه نبذة عن الحٌكَّام الذي عاصرهم الإمام البَابَرْتيّ (في العهد المملوكي، وهم (¬1):
1. «السلطان الملك الناصر محمد» (709هـ-741هـ) - (1310م-1340م).
2. «السلطان الملك المنصور أبو بكر» (741هـ-742هـ) - (1340م-1341م).
3. «السلطان الملك الأشرف كجك» (742هـ) - (1341م).
4. «السلطان الملك الناصر أحمد» (742هـ-743هـ) - (1341م-1342م).
5. «السلطان الملك الصالح إسماعيل» (743هـ-746هـ) - (1341م-1345م).
6. «السلطان الملك الكامل شعبان» (746هـ-747هـ) - (1345م-1346م).
7. «السلطان الملك المظفر حاجي» (747هـ-748هـ) - (1346م-1348م).
8. «السلطان الملك الناصر حسن» (748هـ-752هـ) - (1348م-1351م).
9. «السلطان الملك الصالح صالح» (752هـ-755هـ) - (1351م-1354م).
10. «السلطان الملك الناصر حسن» (755هـ-762هـ) - (1354م-1361م).
11. «السلطان الملك المنصور محمد» (762هـ-764هـ) - (1361م-1363م).
12. «السلطان الملك الأشرف شعبان» (764هـ-778هـ) - (1363م-1377م).
13. «السلطان الملك المنصور علي» (778هـ-783هـ) - (1377م-1381م).
¬
(¬1) ينظر: «النُّجوم الزاهرة» (129:12)، و «مورد اللطافة» (151:2)، و «نهر الذَّهب» (161:3).
14. «السلطان الملك الصالح حاجي» (783هـ-784هـ) - (1381م-1382م).
15. «السلطان الملك الظاهر برقوق» (784هـ-790هـ) - (1382م-1388م).
وإليك ترجمة وجيزة لبعض الحكام السابقين، منهم:
الأول: السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون: ولد بالقاهرة في (684 هـ/1285م)، تاسع سلاطين الدولة المملوكية البحرية.
فلقبه أبو المعالي وأبو الفتح، جلس على تحت السلطنة ثلاث مرات وهو من أبرز سلاطين الأسرة القلاوونية والدولة المملوكية.
خاض حروبًا ضد الصليبيين والمغول، وحروبًا إصلاحية في الداخل ضد الفساد، شهدت مصر في فترة حكمه نهضة حضارية وعمرانية لم تشهدها في عهد أي سلطانٍ آخر من سلاطين الدولة المملوكية، توفي في عام ... (741 هـ /1341م) (¬1).
الثاني: السلطان الملك المنصور أبو بكر: سيف الدين أبو بكر بن الناصر محمد بن قلاوون، ولد بالقاهرة (1321م)، وهو أول من تربع على عرش السلطنة من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون وثالث عشر سلاطين الدولة المملوكية.
حكم نحو شهرين في عام (1341م)، وعلى الرغم من أن مصر لم تواجه تحديات خارجية ذات أهمية في فترة حكم السلطان سيف
¬
(¬1) ينظر: «الأعلام» (11:7).
الدَّين أبو بكر، إلا أن فترة حكمه القصيرة كانت مشوبة بالمشكلات والصراعات الداخلية والتي أدت في نهاية المطاف إلى سقوطه، وتوفى بقوص (1341م) (¬1).
الثالث: الملك الأشرف علاء الدين كجك بن الناصر محمد بن قلاوون: ولد بالقاهرة سنة (1334م)، وهو ثاني من تربع على عرش السلطنة من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون ورابع عشر سلاطين الدولة المملوكية.
نصبه الأمراء في عام (1341م) بزعامة الأمير قوصون الناصرى، بعد أن خلعوا أخيه سيف الدين أبو بكر، وكان عمره ما بين الخمس والسبع سنين، وبقى على تخت السلطنة نحو خمسة شهور.
ولفظ «كجك» لفظ تركي أي صغير، توفى بسرياقوس (1345م) (¬2).
الأخير: السلطان الصالح صلاح الدين حاجي: أحد سلاطنة المماليك البحرية، تولى عرش مصر في الفترة من (1381م-1382م)، من أحفاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون.
تولى الصالح حاجي الحكم خلفًا لأخية السلطان المنصور علاء الدين، ولم يمض على حكمه سوى سنة حتى خلع، وتسلطن الأمير برقوق من المماليك الجراكسة، غير أنه أعيد الصالح حاجي وحكم مدة سنة واحدة
¬
(¬1) ينظر: «تاريخ المقريزي» (330:3)، و «ويكيبيديا».
(¬2) ينظر: «تاريخ المقريزي» (238:3)، و «ويكيبيديا».
ثم أخرج السلطان برقوق من سجنه وأعيد إلى سلطانه، وانتهى أمر المماليك البحرية بشكل دائم وجاء عهد المماليك الجراكسة أو البرجية (¬1).
الخلاصة ممَّا سبق: كانت الحياة السياسية في زمن الإمام البَابَرْتيّ مضطربة وغير مستقرة كما شاهدنا، بسبب تصارع السلاطين والأمراء على الحكم، وما كان للحياة للحياة الاجتماعية من تأثر بسبب طبقاته، برغم كل هذا فإن الحياة العلمية الفكرية كانت نشطة، ولعل السبب في ذلك هو اهتمام العلماء وبعدهم عن النزاعات السياسية، فانشغلوا بدورهم الأساسي الذي يدور حول العلم والمعرفة والفكر والحضارة والبحث والدرس.
وهذا الاهتمام جعل للعلماء مكانة عظمى بين الساسة والسلاطين يتقربون إليهم ويخطبون ودهم، وكان قولهم القول الفصل يخضع له السلطان فمن دونه (¬2).
فقد كان الإمام البَابَرْتيّ له نصيب من هذا، فقد كان أصحاب المناصب على بابه، قائمين بأوامره، مسرعين إلى قضاء مآربه، وكان الظاهر يبالغ في تعظيمه، حتى أنه إذا اجتاز به لا يزال راكبًا واقفًا على باب الخانقاه إلى أن يخرج فيركب معه ويتحدث معه في الطريق.
¬
(¬1) ينظر: «ويكيبيديا».
(¬2) ينظر: ترجمة الإمام البابرتي من كتاب «شرح التلخيص» (ص49 - ص51 - ص52). «بتصرف».
وعند وفاة الإمام البَابَرْتيّ (حضر السلطان فمن دونه جنازته، وأراد السلطان حمل نعشه فمنعه الأمراء وحملها أيتمش، وأحمد بن يلبغا وسودون النائب ونحوهم (¬1)، رحمهم الله من علماء ربانيين لا يخافون في الله لومة لائم، فقد وزنوا الأمور بميزان الشرع، فأيدهم الله، وكانوا مؤثرين فاهمين عالمين عاملين - رضي الله عنهم -.
¬
(¬1) في «إنباء الغمر» (298:1).
المطلب الثاني: اسمه ونَسَبه ولقبه وكنيته:
أولًا: اسمه:
ذكر العلماء أنَّ اسمه: محمد (¬1)، وما وقفتُ على خلافً على هذا.
ثانيًا: نَسَبه:
وقف السخاوي (¬2)، وكَحَّالة (¬3)، والزركلي (¬4) وابن قطلوبغا (¬5) عند ذكر أبيه، فقالوا: اسمه أيضًا محمد.
في حين ذَكَرَ ابن حجر العسقلاني (¬6): بأن اسم والده محمود.
وعلق السيد أحمد عبيد (¬7): «والذي رأيته بخط المترجم (: محمد بن محمد».
وعند ذكر اسم جده قال السخاوي، وكَحَّالة، والزركلي، وابن قطلوبغا: محمد بن محمد بن محمود.
¬
(¬1) ينظر: «معجم المؤلفين» (289:11)، و «الأعلام» (42:7).
(¬2) في «الضوء اللامع» (81:9).
(¬3) في «معجم المؤلفين» (289:11).
(¬4) في «الأعلام» (42:7).
(¬5) في «تاج التراجم» (276:1).
(¬6) في «الدرر الكامنة» (6:1).
(¬7) في الطبعة الأولى من «الأعلام» (42:7).
في حين ذَكَرَ ابن حجر العسقلاني قال (¬1): محمد بن محمود بن أحمد.
ثالثًا: لقبه وكنيته:
ذكر ابن قُطْلُوْبَغَا (¬2)، والسيوطي (¬3) وابن العِماد (¬4) أن لقبه: «أكمل الدِّين» وكنيته: «أبو عبد الله».
¬
(¬1) في «الدرر الكامنة» (6:1).
(¬2) في «تاج التراجم» (276:1).
(¬3) في «بغية الوعاة» (239:1).
(¬4) في «شذرات الذَّهب» (504:8).
المبحث الثاني
نِسبته وولادته وأسرته
المطلب الأول: نِسبته:
زيادة في التمييز والتفريق بين المرء وغيره، فإنّه يُنسَب إلى ما يمكن به أن يُعرَف عن غيره، من نسبةٍ إلى بلدٍ أو حِرفةٍ أو فعلٍ أو غير ذلك، وظهر بعد استقصاء في البحث ظهر للمترجم أنَّ له ثلاث نسب: البَابَرْتيّ الرومي الحنفي (¬1).
فها أنا أذكر النسبة الأولى ثم أتبعها بالنسبة الثانية والثالثة، فأقول:
النسبة الأولى: البَابَرْتيّ:
اختلفوا في سبب هذه التسمية على أقوال، وهي:
1. نسبته إلى «بابرت» التابعة لأرزن الروم - أرضروم - بتركيا، حيث تبعد عنها مئة كيلو متر (¬2).
2. نسبته إلى «بابرتي» من أعمال دجيل بالعراق وتحديدًا ببغداد.
والأول أشهر لقول بعض مترجميه، ومنهم ابن حجر، إنه رومي (¬3).
¬
(¬1) ينظر: «الدرر الكامنة» (6:1)، و «الأعلام» (42:7).
(¬2) في «الأعلام» (42:7)، و «معجم المفسرين» (518:2).
(¬3) المصادر السابقة.
النسبة الثانية: الرُّومي: نسبة إلى بلاد الروم المشهورة، فكثيرًا ما يُطلق العلماء على علماء الدولة العثمانية: نسبة الرُّومي (¬1).
النسبة الثالثة: الحَنَفِيّ:
نسبة للمذهب الحنفي الفقهيِّ الذي اشتغل به عالِمنا، وتعلَّمه وعلَّمه وألف فيه، المذهب العظيم الذي عليه عامَّة المسلمين في بقاع الأرض.
وهذه النِّسبة لمذهب فقهي عند جميع علمائنا السَّابقين هي نسبة تخصص في علم؛ لأنَّ الفقه من أوسع العلوم على الإطلاق، وفي كلِّ علم مناهج وطرق ومذاهب في تعلمه، وإلا لم يكن علمًا، فما لم يكن اختلافًا لم يكن علمًا؛ لأنَّه حينئذٍ سيكون أمورًا مسلَّمةً يعرفها الخاصُّ والعام، وبالتالي لا تحتاج إلى دراسة وتخصص وتميز (¬2).
¬
(¬1) في «الأعلام» (243:6)، و «معجم المفسرين» (518:2).
(¬2) في «منَّةِ الفتَّاح» (ص21).
وإليك نصيحة الإمام الكوثري (حول أهمية التمذهب (¬1): «ومَن يتذبذب بين المذاهب، منتهجًا اللامذهبية في الدِّين الإسلامي، فهو أسوأ وأردأ من الجميع، وللعلوم طوائف خاصة، تختلف مناهجهم، حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص، فمَن ادّعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة، فإنه يُعدُّ سفيهًا منتسبًا إلى السَّفه لا إلى الفلسفة، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة، حتى في العلوم العربية، لا يمكن إغفالها ولا تسفيه أحلام المستمسكين بأهدابها، لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصَّافية، وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي الإسلام، مثل الفقه الإسلامي».
وقال الدجوي (¬2): «ولعمر الله إني لا أرى هذا الرَّأي إلا فتحًا لبناء الأهواءِ، التي تجعل الكتاب والسنة لعبة لأولئك المتهوسين، الذين هم من ذوي الجهل المركب، والخيالات الفاسدة، ومما لا شكَّ فيه أن الأهواء تختلف حدَّ الاختلاف، وأنَّ الجهال إنَّما يستمدون من العواصف والأوهام، لا من العقول والأفهام، فماذا يكون الحال إذا سلطانهم على الشَّريعة، يفهمونها بآرائهم، ويلعبون فيها بأهوائهم».
¬
(¬1) في «مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينيَّة» (ص (219)).
(¬2) في «الاجتهاد» (ص62).
المطلب الثاني: ولادته وحياته العلمية:
أولًا: ولادته:
ولد فيها سنة (714هـ) كما ذكره «الباباني» (¬1)، واكتفت معظم المصادر بأنه ولد سنة بضع وعشرة وسبعمائة هجرية، وتوفي سنة (786هـ) (¬2).
ثانيًا: حياته العلمية:
حصَّل الكثير من العلوم في بلاده، وتفقَّه على شيخه قوام الدين محمد الكاكي، ثم رحل إلى حلب ودرس فيها بالمدرسة السادحية، ثم رحل إلى القاهرة بعد سنة (740) هجري.
فأخذ عن جمع من العلماء منهم: أبو حيَّان الأندلسيِّ، وأبو شمس الدين الأصفهاني شارح «مختصر ابن الحاجب»، وعينه شيخون على المكان الذي يتخلَّى فيه الصوفية للعبادة وتسمَّى «الخانقاه»، وكان فيها دروسًا لفقهاء المذاهب الأربعة، ودرسًا للحديث، ودرسًا لإقراء القرآن بالروايات.
ولا تزال موجودة إلى الآن، إلا أنها مخصَّصة للصلاة فقط باسم جامع شيخون القبلي بالقاهرة، وعُرض عليه القضاء مرارًا فامتنع (¬3).
¬
(¬1) ينظر: «هدية العارفين» (717:2).
(¬2) ينظر: «تاج التراجم» (277:1) و «الأعلام» (42:7)، و «معجم المفسرين» (518:2).
(¬3) ينظر: «شذرات الذَّهب» (504:8)، و «إنباء الغمر» (298:1)، وغيرهم.
المبحث الثالث
شيوخه وتلامذته
المطلب الأول: شيوخه:
يمثِّل شيوخه المنبع الصافي الذي أخذ منه هذا العلم الغَزِّير، وهم الأساس في تكوين شخصيَّته العلمية، وتحديد تطلُّعاته واهتماماته، فصفات كلِّ واحدِّ منهم تنعكس على شخصيته، ويكون لها تأثيرها.
وللوقوف على جوانب عظَمة هذه الشخصية، وفَهْم ما يصدر عنها من تصرّفات، يحسُن بنا الاطلاع على الشخصيات التي كان لها الأثر البالغ في تكوينها المتجسِّد في شيوخها:
الأول: قوام الدين الكاكي: هو العلامة الفقيه الحنفي محمد بن محمد بن أحمد الخجندي السِّنجاري (¬1).
من شيوخه: أخذ عن علاء الدين عبد العزيز البخاري وقرأ عليه «الهداية»، وعن حسام الدين حسن السغناقي، وتفقه بترمذ على عبد العزيز شارح «أصول الأخسيكثي» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: «(الأعلام) (36:7)، و «معجم المؤلفين» (182:11).
(¬2) ينظر: «(طبقات الحنفية) (340:2)، و «معجم المؤلفين» (182:11).
ومن تصانيفه: «معراج الدراية شرح الهداية»، و «جامع الأسرار شرح المنار»، و «عيون المذاهب الكاملي» وهو مختصر جمع فيه أقوال الأئمة الأربعة وأهداه إلى السلطان شعبان بن محمد الملك الكامل (¬1).
قال ابن الغزي: «هو الإمام العلامة الحبر الفقيه» (¬2)
قدم إلى فوم ثم قدم إلى القاهرة، فأقام بجامع المارداني يؤم به ويدرس للطائفة الحنفية إلى أن مات سنة (749) هـ (¬3).
الثاني: شمس الدين الأصفهاني: العلامة الأصولي محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني، ولد بأصفهان سنة 674 هـ، وقدم دمشق ثم القاهرة (¬4)، قال الإمام السيوطي: «كان إمامًا بارعًا في العقليات، عارفًا بالأصلين، فقيها» (¬5).
ومن مصنفاته: «معاني البديع»، و «شرح المنهاج للبيضاوي»، و «شرح مختصر ابن الحاجب»، مات شهيدًا بالطاعون في أواخر سنة 749هـ (¬6).
¬
(¬1) ينظر: «(الأعلام) (36:7).
(¬2) «ديوان الإسلام» (261:1).
(¬3) ينظر: «طبقات الحنفية» (340:2).
(¬4) ينظر: «حسن المحاضرة» (545:1).
(¬5) «حسن المحاضرة» (545:1).
(¬6) «طبقات الشافعية» (72:3)، و «حسن المحاضرة» (545:1).
الثالث: ابن عبد الهادي: الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد المقدسي الدمشقي الصالحي، ولد سنة 705 هـ، وهو ابن قدامة المعروف (¬1).
من مصنفاته: «تنقيح التحقيق»، و «الصارم المنكي»، و «طبقات علماء الحديث» (¬2).
قال ابن رجب الحنبلي: «وقرأ بالروايات، وعنى بالحديث وفنونه ومعرفة الرجال والعلل، وقرأ الأصلين والعربية، وبرع فيها، وأخذ عن الذهبي» (¬3)، توفي (سنة 744 هـ (¬4).
الرابع: أبو حيان الأندلسي: الإمام العلامة الحافظ المفسر النحوي المالكي ثم الشافعي محمد بن يوسف بن علي بن حيان بن يوسف ولد بغرناطة 652 هـ، وتوفي سنة 745 هـ، قال ابن قاضي: «فريد الدهر، وشيخ النحاة في عصره، وإمام المفسرين في وقته، وصاحب التصانيف المشهورة التي سارت شرقًا وغربًا، أثير الدين».
من مصنفاته: اختصر «منهاج النووي»، و «شرح التسهيل»، و «البحر المحيط في التفسير» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: «شذرات الذَّهب» (349:11).
(¬2) «الأعلام» (326:5).
(¬3) ينظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (115:6).
(¬4) «الأعلام» (326:5).
(¬5) ينظر: «طبقات الشافعية» (67:3).
الخامس: الدلاصي: هو محمد بن أحمد بن أبي الربيع سليمان الدلاصي المصري صدر الدين، ولد بعد سنة 670هـ، ومات سنة 756 هـ (¬1).
ومن شيوخه: ابن خطيب المزة، ومحمد بن عبد الخالق، ومحمد بن عبد الله ابن أبي الزهر الصرفندي (¬2).
وهؤلاء المشايخ الخمسة هم المشهورين في كتب التراجم والتاريخ، أما في حلب فلم أعثر على أسماء المشايخ الذي أخذ عنهم الإمام البَابَرْتيّ، وكذلك العلماء الذي أخذ عنهم قبل مجيئه إلى حلب من موطنه الأصلي الذي نشأ فيه.
¬
(¬1) ينظر: «الدرر الكامنة» (46:5).
(¬2) المصدر السَّابق.
المطلب الثاني: تلامذته:
بعد الاطلاع على حال بعض شيوخه، اذكر لكم بعضًا من تلامذته وهم نِتاج علمه الغَزِّير وأخذه العلم كابرًا عن كابر.
الأول: علي بن محمد الجرجاني: هو الإمام العلامة المحقق زين الدين أبو الحسن الجرجاني الحسيني الحنفي، ولد سنة 704 هـ، وهو صاحب المؤلفات الحافلة التي تزيد على الخمسين، منها: «شرح المواقف»، و «شرح المفتاح»، و «شرح السراجية» و «حاشية البيضاوي»، توفي سنة 816هـ (¬1).
الثاني: شمس الدين الفناري (¬2): هو محمد بن حمزة الرومي العثماني، ولد سنة 751هـ، وتوفي سنة 834هـ (¬3)،
ومن تصانيفه: «مقدمة الصلاة» و «مرشد المصلي» و «فصول البدائع في أصول الشرائع» و «شرح الفرائض السراجية» (¬4).
قال ابن حجر العسقلاني: «وكان المولى الفناري عارفًا بالعلوم العربية وعلمي المعاني والبيان، وعلم القراءات، كثير المشاركة في الفنون» (¬5).
¬
(¬1) «ديوان الإسلام» (26:3).
(¬2) ينظر لترجمته الموسعة النافعة في «المرقاة شرح مقدمة الصَّلاة» للدكتور صلاح أبو الحاج.
(¬3) «الأعلام» (243:6)، و «البدر الطالع» (266:2).
(¬4) «البدر الطالع» (266:2)، و «معجم المؤلفين» (270:3).
(¬5) «الشقائق» (ص17).
الثالث: ابن قاضي سِماونة: هو الشيخ البارع بدر الدين محمود بن إسرائيل، هو فقيه حنفي، مفسر، صوفي، رحل إلى قونية ثم إلى مصر، ونصِّب قاضيًا للعسكر، ومن مصنفاته: «تفسير القرآن» في مجلدين، توفي 818 هـ (¬1).
الرابع: العلامة قارئ الهداية: هو عمر بن علي بن فارس الكناني القاهري الحسيني، أبو حفص، سراج الدين المعروف «بقارئ الهداية»، قال صاحب الضوء اللامع: «وسبب تسميته بقارئ الهداية؛ لأنَّه قرأ كتاب الهداية على شيخه البَابَرْتيّ ست عشرة سنة، وصار أفضل منه».
وقال الجلال البقيني: «هو أبو حنيفة زمانه»، من مؤلفاته: «أجوبة على سؤالات سألها بعض الحكام» «فتاوى قارئ الهداية»، توفي 829هـ (¬2).
الخامس: بدر الدين السبكي: هو محمد بن خاص بك الحنفي، ينسب إلى الظاهر بيبرس من جهة النساء، قد اشتغل في مذهب الحنفية فبرع، وكان يجيد البحث مع الديانة والمروءة والعصبية لمذهبه وأهله؛ مات في خامس شهر رجب 813 هـ، وقد جاوز الخمسين (¬3).
¬
(¬1) «معجم المفسرين» (561:2).
(¬2) ينظر: «الضوء اللامع» (109:6) و «شذرات الذَّهب» (7: 191).
(¬3) ينظر: «أنباء الغمر» (475:2)، و «شذرات الذَّهب» (154:9).
المبحث الرابع
ثناء العلماء عليه ووفاته
المطلب الأول: ثناء العلماء عليه:
فإنَّه كما جرت العادةُ في كتب التراجم يؤتَى بكلماتٍ للعلماء دالّةٍ على فضل المترجم ومكانته، إذ أهلُ كل فنٍّ أدرى بحال أهله، والاستئناس بكلمات الكبار في معرفة الرجال وحالهم، له الأثر الكبير في القلب.
والعلماء حملة الدِّين، وناقلوه لنا، وهذا الدِّين لا يؤخذ من أيِّ أحد، بل يجب لمن يحمله ويؤتمن عليه أن يكون صالحًا لذلك في ورعه وتقواه.
ولا يمكن معرفة ذلك لشخص من أصحاب القرون السابقة، إلاّ بالرجوع إلى من عايشه وعاصره، أو تتبع حاله من أهل الفضل والعدل لذلك أوردنا كلمات في حال مترجمنا؛ لتبين لنا مكانة مترجمنا ((¬1).
قال الزركلي: «فقه الحنفية، عارف بالأدب» (¬2).
وقال ابن العِماد الحنبلي: «كان قوي النفس، عظيم الهمة، مهابًا، عفيفًا في المباشرة، حسن المعرفة بالفقه، والعربية، والأصول» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: «المرقاة» (ص126) «بتصرف يسير».
(¬2) «الأعلام» (42:7).
(¬3) «شذرات الذَّهب» (505:8).
وقال ابن حجر: «كانت رسالته لا تُرَدُّ مع حُسنِ البشر والقيام مع من يَقصِدُه، والإنصاف، والتواضع، والتلطف في المعاشرة، والتنزه عن الدخول في المناصب الكبار، وكان أرباب المناصب على بابه قائمين بأوامره، مسرعين إلى قضاء مآربه، وكان الظاهر يبالغ في تعظيمه» (¬1).
وقال ابن تَغْري بَرْدي: «كان إمام عصره، ووحيد دهره، وأعجوبة زمانه، واحد زمانه في المنقول والمعقول، ونالته السعادة» (¬2)، وقال أيضًا: «هو شيخ خانقاته ومدرسها، وعمر أوقافها وعدة أماكن أخر، وصار عظيم الدولة ومدبرها، وأثرى وكثر ماله وأملاكه، حتى قيل إنه كان يدخل إلى حاصله في اليوم مائتا ألف درهم من أملاكه وإقطاعه ومستأجراته» (¬3).
وقال ابن حجر العسقلاني: «زادت عظمته عند الظاهر برقوق بحيث كان يجيء إلى شباك الشيخونية فيكلمه وهو راكب وينتظره حتى يخرج فيركب معه، وكان فاضلًا صاحب فنون وافر العقل» (¬4).
وقال السيوطي: «علامة المتأخرين، وخاتمة المحققين» (¬5).
¬
(¬1) في «شذرات الذَّهب» (505:8).
(¬2) في «النُّجوم الزاهرة» (302:11).
(¬3) في «المنهل الصافي» (261:6).
(¬4) في «الدرر الكامنة» (6:1).
(¬5) في «حسن المحاضرة» (471:1).
المطلب الثاني: وفاته ومكان دفنه:
مات في ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة 786 هـ، وحضر السلطان فمن دونه جنازته، وأراد السلطان حمل نعشه، فمنعه الأمراء وحملها أيتمش، وأحمد بن يلبغا وسودون النائب ونحوهم، وتقدم في الصلاة عليه عز الدين الرازي، ودفن بالخانقاه (¬1).
¬
(¬1) في «إنباء الغمر» (298:1).
الفصل الثاني
الترجمة العلمية للإمام البَابَرْتيّ (
المبحث الأول
مؤلفاته وترجمتها
المطلب الأول: مؤلفاته:
مؤلفات العالم هي الشاهد له على ما عنده من علم، فبها يمكن بيان ما هو عليه من الحال، دون الحاجة إلى ثناءِ مثنٍ، أو إساءة مسيء، فعند الرجوع إليها يمكن دفع مقُولة كلِّ قائل، وإثبات الحقِّ المبين، كما يتبين من خلالها طول باعه في العلوم، ورسوخ قدمه في الفهوم (¬1).
وللمترجم مؤلفاتٌ كثيرةٌ متنوعةٌ تدل على ما كان عليه من غزارة العلم، خلّدها له إخلاصه وعمق علمه، وكثرة فهمه.
¬
(¬1) ينظر: «المرقاة» (ص126) «بتصرف يسير».
ومن التصانيف التي شاعت وراجت (¬1):
فله في الفقه:
1. الإرشاد، وفيه شيء من علم العقيدة، وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
2. العناية شرح الهداية.
3. شرح الفرائض السِّراجية.
4. مقدمة في الفرائض.
5. شرح تلخيص الخلاطي.
6. شرح منشأ النظر في علم الخلاف.
7. النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة.
8. خلاصة الفتاوى.
9. رسالة في عدم جواز رفع اليدين عند الركوع.
¬
(¬1) استفدتُ من تقسيم الكتب بموضوعاتها من الدكتور حمزة البكري والدكتور محمد العايدي في ترجمتهما للإمام البابرتي في كتاب «شرح وصية الإمام» (ص17/ 19)، وذكرتُ بعض الكتب التي لم تُذكر مستينًا بكتب الفهارس والتراجم، كما في «كشف الظنون» (81:1)، و «خزانة التراث» (683:19)، و «فهرس آل البيت» (26:87) و «فهرس مخطوطات المكتبة السليمانية» (489:1).
10. شرح فرائض السجاوندي.
11. رسالة في عدم جواز بيع الحيوان.
12. مقالة في عدم وجوب تضمين المنفي بالأعيان.
13. رسالة في أن المذهب الحنفي أقدم وأرجح المذاهب.
14. رسالة في ترجيح تقليد الإمام الأعظم.
وله في أصول الفقه:
1. التقرير شرح أصول البزدوي.
2. الأنوار شرح المنار.
3. شرح مختصر ابن الحاجب وسماه: النقود والردود.
وله في العقيدة:
1. شرح وصية الإمام أبي حنيفة.
2. شرح العقيدة الطحاوية.
3. شرح تجريد الكلام.
4. المقصد في الكلام.
5. الكواشف البرهانية.
6. شرح المواقف.
7. شرح عمدة العقائد النسفية.
8. عقيدة الطوسي.
9. رسالة في أهل الأهواء والبدع.
وله في التفسير:
1. حاشية على الكشَّاف.
2. تفسير الباباتي.
وله في الحديث: تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار.
وله في النحو: الصَّدفة المَليَّة بالدّرَّة الألفيَّة: شرح ألفية ابن معطي.
وله في الصَّرف: شرح التصريف.
وله في علم المعاني والبيان: شرح التلخيص.
وله في اللغة: ترتيب «تهذيب الأسماء واللغات» للإمام النووي.
فمجموع التصانيف التي استطعت الوقوف عليها هي: ثلاث وثلاثون.
المطلب الثاني: ترجمة لبعض مؤلفاته، ومنها:
الكتاب الأول: الإرشاد: سبق أن ترجمة له في «الدراسة للمخطوط».
الكتاب الثاني: شرح وصية الإمام أبي حنيفة:
أولًا: اسمه وصحة نسبته له:
تبين صحة النسبة من قول الإمام البَابَرْتيّ في «مقدمته» (¬1): «لما رأيت كتاب «الوصية» المنسوب إلى الإمام الأعظم أقدم المجتهدين سراج الملة الحنفية .... ، وافيًا لما يحتاج إليه في أصول الدين، كافيًا لما يجب الاعتقاد به على المسلمين، جمعت له في كلام المشايخ فوائد تبين ميامن فوائده، .... ، وتحرر ما أفاد من مبانيه، تفصح عن معاقد القواعد، وتوضح وجه الاستدلال على العقائد».
بالإضافة إلى كتب التراجم والفهارس وغيرها (¬2).
قال الإمام اللكنوي: «وقد طالعت من تصانيفه: شرح وصية الامام أبي حَنِيْفَةَ» (¬3).
¬
(¬1) مقدمة «شرح الوصية»، تحقيق د. حمزة البكري، و د. محمد العايدي. (ص57).
(¬2) في «الأعلام» (42:7) و «خزانة التراث» (278:2)، و «فهرس مخطوطات المكتبة السليمانية» (125:3).
(¬3) الفوائد البهية» (ص197).
ثانيًا: مطبوعاته:
طبع في «دار الفتح» 2015م، وقدّم له وحقّقه: الدكتور حمزة البكري والدكتور محمد العايدي حفظهما الله.
ثالثًا: أوله: «الحمد لله المتوحد بوجوب الوجود والبقاء .... إلخ».
نهايته: «وهذا آخر ما أردنا إيراده في شرح هذه الوصية المباركة».
رابعًا: عدد صفحاته: طبعة «دار الفتح» (153) صفحة.
خامسًا: موضوعه وسبب تأليفه:
قال الإمام البَابَرْتيّ في مقدمته على الوصية: «لما رأيت كتاب «الوصية» المنسوب إلى الإمام الأعظم أقدم المجتهدين سراج الملة الحنفية .... ، وافيًا لما يحتاج إليه في أصول الدين، كافيًا لما يجب الاعتقاد به على المسلمين، جمعت له في كلام المشايخ فوائد تبين ميامن فوائده، .... ، وتحرر ما أفاد من مبانيه تفصح عن معاقد القواعد، وتوضح وجه الاستدلال على العقائد، وشرطت على نفسي أن لا أتجاوز المراد، ليكون سهل المأخذ سلس القياد».
سادسًا: مخطوطاته:
ذكر في «خزانة التراث» (480:61)، أن له ثمانية مخطوطات في العالم ذكرت بعضها في الحاشية (¬1).
الكتاب الثالث: شرح العقيدة الطحاوية:
أولًا: اسمه وصحة نسبته له:
تبين صحة النسبة من قول الإمام البَابَرْتيّ في «مقدمته» (¬2): «ومن المختصرات التي نارت في حسنه طالعه ..... أبو جعفر الطحاوي (فرغب الناس في قراءته وحفظه .... ، فشرحته شرحًا مختصرًا .... ».
ثانيًا: مطبوعاته:
طبع بتحقيق الدكتور عارف آيتكن ومراجعة الدكتور عبد الستار أبو رغدة، الطبعة الأولى سنة (1988م-1409هـ)، نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت.
وطبع بتحقيق وضبط الشيخ عبد السلام الشنار، الطبعة الأولى سنة (2015م-1436هـ) بدار الدقاق.
¬
(¬1) من النسخ: نسخة كتبت بالرياض في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، برقم (99)، ونسخة كتبت بتركيا في مكتبة سليم آغا برقم (150 - 769).
(¬2) مقدمة «شرح العقيدة الطحاوية»، تحقيق د. عارف آيتكن. (ص20).
ثالثًا: أوله: «الحمد لله الواجب وجوده وبقاؤه .... إلخ».
نهايته: «ثمَّ القدرية نحن براء منهم ...... وإليه المرجع والمآب».
رابعًا: عدد صفحاته: طبعة «دار الدقاق» (144) صفحة، وطبعة «أوقاف الكويت» (157) صفحة.
خامسًا: موضوعه وسبب تأليفه:
قال الإمام البَابَرْتيّ في مقدمته على الشرح (ص20): «من المختصرات العقدية، شرحته شرحًا مختصرًا يبين أسراره، ويوضح مشكلاته، ويكشف أستاره، معتمدًا على الله مفيض الخير والجود، واهب وجود كل موجود».
المبحث الثاني
درجته في الاجتهاد
المطلب الأول: طبقات ووظائف المجتهدين:
أولًا: المجتهد المطلق: من استقل بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثر في بعضها من شيوخه وبنى عليها الفروع مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -.
ثانيًا: المجتهد المطلق المنتسب: من استقل بأصوله عن اجتهاد منه وإن أخذ بعضها عمَّن انتسب لمذهبه وبنى عليها فروعًا مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن - رضي الله عنهم -.
ثالثًا: المجتهد المنتسب: الذي مشى على أصول إمامه وفروعه إلا أنه قد يخالف في أصول وفروع عن اجتهاد منه فيستنبط بها من الكتاب والسنة وهذا مثل أبي جعفر الطحاوي وأمثاله من علماء القرنين الثالث والرابع - رضي الله عنهم -.
طبقة المجتهدين في المذهب، وهم على درجات إجمالًا على حسب التسلسل الزماني:
أولًا: علماء القرنين الخامس والسادس وبعض علماء القرن السابع.
ثانيًا: بعض علماء القرنين السابع والثامن (أصحاب المتون).
ثالثًا: علماء القرنين التاسع والعاشر.
ومن أعمالهم:
- التخريج على أصول الأئمة وفروعهم لكنه قليل بالنسبة إلى من سبقهم.
- التصحيح للأقوال والترجيح على حسب قواعد رسم المفتي لكن نجد أن تصحيحهم وتضعيفهم أقل درجة ممن سبقهم.
- التمييز بين الروايات لكنه أضعف من الطبقة التي سبقتهم حيث إنهم ذكروا في متونهم وكتبهم بعض مسائل الفتاوى والنوادر وغيرها مما ليس بمعتمد في المذهب ومشوا عليه.
رابعًا: علماء ما بعد الألف هجري» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: «نظرات في تكوين الملكة الفقهية» (1/ 26) و «التقسيم الزماني» (1/ 7).
المطلب الثاني: درجة الإمام البَابَرْتيّ الفقهية:
وبعد كل هذا التفصيل يمكن التكلم عن درجة الإمام البَابَرْتيّ في الاجتهاد، فلو نظرنا لطبقات المجتهدين السابقة يتبين أنَّه عاش في طور مجتهدي المذهب، فهو إذن من طبقة المجتهدين المتأخرين في المذهب بلا شك ولا ريب، وهذا أمر واضح، بناء على التقسيم الزمنيّ السابق.
وإن ما نحتاج إلى مناقشته وتحقيقه هو مقدار الاجتهاد الذي حققه في المذهب، وذلك بالنظر إلى القدر الذي حصله من الوظائف الخمس للمجتهدين في المذهب.
ونستطيع أن نتوصل إلى درجة اجتهاده بتطبيق وظائف المجتهدين فكل وظيفة فيها درجات عديدة ومتفاوتة بين العلماء في مقدار تحصيلها.
والإمام البَابَرْتيّ من العلماء الذين تميزوا بالجمع بين الفقه والعقيدة اللغة والتفسير وغيرها من العلوم الأخرى، وهذا يدل على توفيق الله ورجحان عقله، وبركة وقته، (رحمة واسعة، وجمعنا به على النبي - صلى الله عليه وسلم - في مستقر جنته.
خلاصة الترجمة:
1. اسم مترجمنا أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود بن أحمد البَابَرْتيّ الرومي الحنفي، وكنيته أبو عبد الله.
2. المصادر التي تحدثت عن نشأته وطبيعة البيئة التي عاشها طفيفة.
3. عدد مؤلفاته تجاوزت (30) مؤلفًا، وله رسائل قصيرة عديدة.
4. هو من المجتهدين المتأخرين في المذهب.
5. أكثر ما يميز نتاجه العلمي، كتابه «العناية»، فقد أبدع شرح الهداية وساهم بشكل مباشر في تقريب عبارات الهداية لطلاب العلم.
6. كان ورعًا تقيًّا عفيفًا، جمع بين السلوك القويم والعلم السليم، والمهابة الشخصية، فكون ملكة فقهية فذة، وهيبة جلية لورعه وتواضعه فساعده على رسوخ اسمه في المذهب الأعظم.
7. كان له اهتمام كبير في الفقه، ولم يغفل جانب التأليف في الأصول والعقيدة والعربية وغيرها من العلوم كما رأينا في مؤلفاته.
8. ثناء من بعده عليه، دليل له على رسوخه في العلم، وانتشار كتبه ليومنا هذا، دليل على قَبول الله له.
9. الناظر لمؤلفاته المتنوعة وترجمتها، تكشف له عن عقلية ضابطة للقواعد والأصول، محبًا للعربية، منشغًلا بالفقه، فهو عالم موسوعي.
وهذا ما أشار إليه قول الزركلي: «فقه الحنفية، عارف بالأدب» (¬1) وقول ابن تَغْري بَرْدي: «كان إمام عصره، ووحيد دهره، وأعجوبة زمانه، واحد زمانه في المنقول والمعقول، ونالته السعادة» (¬2).
10. كان صاحب همة عالية نادرة في زمانه، وهذا ما أشار إليه قول ابن العِماد الحنبلي: «كان قوي النفس، عظيم الهمة، مهابًا، عفيفًا في المباشرة حسن المعرفة بالفقه، والعربية، والأصول» (¬3)،
11. كان متواضعًا، منصفًا، لطيف العبارة مع الخلق، عفيف النفس، وهذا ما أشار إليه قول ابن حجر العسقلاني: «كانت رسالته لا تُرَدُّ مع حُسنِ البشر والقيام مع من يَقصِدُه، والإنصاف، والتواضع، والتلطف في المعاشرة، والتنزه عن الدخول في المناصب الكبار» (¬4).
¬
(¬1) «الأعلام» (42:7).
(¬2) «النُّجوم الزاهرة» (302:11).
(¬3) «شذرات الذَّهب» (505:8).
(¬4) المصدر السَّابق.
النصُ المُحَقَقُ
كتَابُ الإرْشَادِ
تأليفُ العَلَّامَة المُحَقِّق الشَّيخُ
أكْمَلُ الدِّينِ الحَنَفِيِّ
(
(
الحمدُ للهِ (¬1) الهَادِي إلى الصِّراطِ المستقيم، والصَّلاةُ والسَّلامُ على من خَصَّهُ اللهُ بالخُلُقِ العظيم، محمَّدٍ خاتم النَّبيِّين، وعلى آله وصحبه (¬2) أجمعين.
أمَّا بعد:
فهذا مختصرٌ في الفقهِ، [ألَّفَه الشَّيخ أكملُ الدِّينِ محمَّد الحنفيَّ، سقى اللهُ مضجعَهُ بوابِلِ رحمتهِ] (¬3)، يشتملُ على مقدِّمةٍ وكتابينِ وخاتمةٍ، على مذهبِ الإمامِ الأعظمِ أبي حنيفة (رحمةً واسعةً؛ إرشادًا للمسترشدين ومنفعةً للمتعلمين.
وسمَّيتُهُ «الإرشاد»، ورجَوتُ ادِّخارَهُ ليوم الميعاد، وفوَّضتُ أمري إلى من به الحَولُ والقوةُ؛ فإنَّه رؤوف بالعباد.
¬
(¬1) الحَمّدُ: ضدّ الذّمّ وبابه فهم و (محمدة) بوزن متربة فهو (حميد) و (محمود)، والحَمّدُ أعمُّ من الشُّكر، في «مختار الصحاح» (1/ 80) و «لسان العرب» (3/ 155) والحمدلة: حكاية قولك: الحمّد لله. كما في «القاموس المحيط» (1/ 987).
(¬2) قال الإمام الجرجاني (: «هو من رأى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وطالت صحبته معه، وإن لم يرو عنه - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: وإن لم تطل»، «التعريفات» (1/ 132)، وعرَّفَهُ الإمام أبو البقاء الْحَنَفِيّ (: «هو من لقي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد النُّبوّة في حال حياته يقظة مؤمنًا به ومات على ذلك ولو أعمى كابن أم مكتوم (»، «الكليات» (1/ 558).
(¬3) ساقطة من (ب-ج).
الْمُقَدِّمَة
اعلمْ أنَّ اللهَ تعالى خَلَق الجِنَّ والإنسَ ليَعبُدُوهُ، وكيفيةُ العبادةِ وكمَّيتُها لا تُدرَكُ بالعقولِ؛ فأرسلَ إليهم رُسُلًا مبيِّنينَ لما يجبُ عليهم، وكيفَ يجبُ وكم يجبُ، ومتى يجبُ، وعلى من يجبُ، مبشِّرين لمنْ أطاعَ بالجَّنةِ ونعيمِها منْذِرينَ لمنْ عصى بأنواعِ العذابِ، وإليها جَعَلَنا اللهُ وإيَّاكمْ من المُنْعَمِ عليهمْ المطيعينَ، غيرَ الجاحدينَ المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِّين.
الكتابُ الأوَّلُ
في الاعتقادات
قال الله تعالى لنبيِّهِ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] (¬1).
¬
(¬1) هذه الآية تدل على أنَّ نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى جميع الخلق، وقال طائفة من اليهود يقال لهم «العيسوية»: وهم أتباع عيسى الأصفهاني: «إنَّ محمدًا رسول صادق مبعوث إلى العرب وغير مبعوث إلى بني إسرائيل»، ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية؛ لأنَّ قوله - جل جلاله -: {قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ} خطاب يتناول كل النَّاس. «تفسير الرازي» (ج15/ص383).
[بعض معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -]
فبلَّغ الرِّسالة وأدى الأمانة فكذَّبوُه، فأظهرَ الله تصديقَ دعواهُ على يَدَيْهِ بالمعجزاتِ (¬1) الباهرات (¬2):
1. كانشقاقِ القمرِ (¬3).
2. وانجذابِ (¬4) الشَّجرِ (¬5).
3. وتسليم الحَجَر (¬6).
¬
(¬1) في (أ): بالمعجزة. وهي أمر خارق للعادة مقرون بالتَّحدي مع عدم المعارضة. «شرح الصُّغرى للسَّنوسي» (56:1)، تظهرُ على يد من ادَّعى النُّبوة عندما يتحدى، والعادة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فقد يكون الشَّيء خارقًا للعادة في زمان دون آخر، أو في مكان دون آخر»، كما في «شرح الشَّيخ السَّعْدي على متن العقائد» (ص181).
(¬2) ساقطة من (أ-ب).
(¬3) ويشير إليها قول الله - جل جلاله -: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1، 2]، وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «انشَّق القمر على عهد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - شقتين، فقال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «اشهدوا». كما في «صحيح البخاري» (3636).
(¬4) الانجذاب من جذَبَ الشَّيءَ: شدَّه إليه، وهو الْمَدُّ. كما في «العين» (6/ 95).
(¬5) ينظر إلى هذه القصة الطويلة التي رواها جابر - رضي الله عنه -. كما في «صحيح مسلم» (3013).
(¬6) فعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إنِّي لأعرفه الآن». كما في «صحيح مسلم» (2277).
4. والإخبارِ عن الغيبيات (¬1).
5. وإشباعِ الخلقِ الكثيرِ بالزَّادِ القليلِ (¬2).
6. وغير ذلك (¬3).
¬
(¬1) ومن الغيبيات التي تحدث عنها النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -:
1. ... عن عمر - رضي الله عنه - قال: «قام فينا النَّبيّ ? مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنَّة منازلهم، وأهل النَّار منازلهم». كما في «صحيح البخاري» (3192)، وغيره.
2. ... وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أنَّ رسول الله ? نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى، فصف بهم وكبَّر أربعًا». كما في «صحيح البخاري» (1245)، وغيره.
3. ... والحديث عن الغيبيات: كما في سورة المسد.
4. ... ومن الحقائق العلميَّة الغيّبيَّة التي أخبر بها رسول الله ? قال: «إنَّ في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا، فيه يركب يوم القيامة» قالوا أي عظم هو؟ يا رسول الله قال: «عجب الذنب». كما رواه مسلم في «صحيحه» (2955).
(¬2) ذكر البخاري في صحيحه (3578): قصَّة أبو طلحة - رضي الله عنه - مع أم سليم (، عندما أطعما سبعين أو ثمانين رجلًا من طعام قليل، بدعوة من النَّبيّ (.
(¬3) ومن المعجزات أيضًا:
1. ... الإسراء والمعراج: فقد جاء ذكر الإسراء في القرآن الكريم، في قوله - جل جلاله -: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّميع الْبَصِيرُ} [الإسراء:1]، وأمَّا المعراج فورد في مطلع سورة النَّجم لكن ليس صريحًا من الآية (1) إلى (18).
= قال الإمام أبو حنيفة (: «وخبر المعراج حقٌ، فمن ردَّه فهو ضالٌّ مبتدع». في «الفقه الأكّبر» (ص70)، وقال الإمام الصَّاوي (في شرحه على «جوهرة التوحيد» (ص312): «فمن أنكر الإسراء كفر؛ لتكذيبه القرآن، ومن أنكر المعراج فُسِّقَ وبُدِّعَ»، وروى الإمام البخاري (في «صحيحه» (349) حادثة المعراج بتفاصيلها، قال الإمام التفتازاني (في «شرح العقائد النسفية» (ص146): «والمعراج لرسول الله ? في اليقظة بشخصه إلى السَّماوات، ثمَّ إلى ما شاء الله من العُلى حقٌ».
2. ... أنينُ جِذع النخلة الذي كان يَستند إليه حين يخطُب، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم -، قال: «كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النَّبيّ ? إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتَّى جاء النَّبيّ ? فوضع يده عليها فسكنت»، رواه البخاري في «صحيحه» (3585).
3. ... نبع الماء من بين أصابعه ? وتكثير الماء، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: كنَّا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنَّا مع رسول الله ? في سفر، فقل الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: «حي على الطهور المبارك والبركة منَّ الله» فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ? ولقد كنَّا نسمع تسبيح الطَّعام وهو يؤكل». كما في «صحيح البخاري» (3579).
7. أظهرُها القرآنُ الباقي على صفحاتِ الدَّهر دُونَ كلِّ معجزةٍ فطَلَبَ منهمُ المعارضة فعَجَزوا عنها (¬1).
¬
(¬1) فقد ورد في كتاب الله تبارك وتعالى أكّبر تحدٍّ لقريش وهم أهل اللغة والفصاحة البلغاء أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال الله - جل جلاله -: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88]، ثم تحداهم بعد أن= =عجزوا عن الإتيان بمثله بأن يأتوا بعشر سور من مثله. كما في قوله - جل جلاله -: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة هود:13]، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة كما في قوله - جل جلاله -: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سورة يونس:38].
فثَبَت بذلك نُبُوَّتُه - صلى الله عليه وسلم - فوجب علينا امتثالُ ما أمر به والانتهاءُ عمَّا نهى عنه (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام ابنُ جُزَيِّ (: «لَمَّا كانت رسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم - أعمَّ، وشريعته ناسخة لما تقدم .. ، أيَّدهُ الله بأنواع من الآيات الباهرة والعلامات الظَّاهرة، فيها عبرة لأولي الألباب»، «القوانين الفقهية» (ص34)، ثم ذكر في كتابه «النُّور المبين» (ص66 - 76)، خمسة أنواع لصحة رسالته وثبوت نبوته - صلى الله عليه وسلم -، أشير إليها هنا بنوع من الإيجاز: النوع الأول: القرآن المجيد، وذكر (10) وجوه لذلك، النوع الثاني: ما ظهر على يديه من المعجزات، وذكر منها ما يقارب (20) معجزة، النوع الثالث: الاستدلال بما وهبه الله من الفضائل والشمائل الكريمة، وذكر منها ما يقارب (35)، النوع الرابع: الاستدلال بما ظهر قبل مبعثه من العلامات، وذكر منها (7) علامات، النوع الخامس: الاستدلال بما ظهر بعده - صلى الله عليه وسلم - من العلامات، (6) علامات، ولمعرفة تفاصيل هذه الأنواع يرجع لكتاب «النُّور المبين لابن جُزَيّ»: (ص66 - ص76).
[تعريف الإيمان]
فأمرَ بالإيمانِ (¬1) وهو: تصديقُ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بالقلب فيما عُلِمَ مجيئُهُ به من عند ربِّهِ، والإقرار بالِّلسانِ.
¬
(¬1) الإيمان في الاصطلاح الشرعي، مختلف بين المدارس، ومن هذا الاختلاف ما هو لفظي كما هو معلوم بين أهل السُّنة والجماعة الماتردية والأشاعرة، ومنه ما هو خلاف حقيقي بين أهل السُّنة والجماعة والمعتزلة والخوارج، وإليك بيان ذلك:
الرأي الأول: للأشاعرة والإمام أبو منصور الماتردي (وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (: الإيمان هو التصديق، وهذا يكفي عند الله تعالى، أمَّا الإقرار جعلوه شرط لإجراء الأحكام في الدنيا؛ كالإرث من القريب المسلم والدَّفن في مقابر المسلمين، قال الإمام اللامشي (: روي عن الإمام أبي حنيفة (، وبه قال الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي (، أنَّ الإيمان: الإيمان هو التصديق بالقلب لا غير، والإقرار باللسان دليل عليه وليس بركن. «التمهيد» (ص128)، وقال الإمام الدردير (: «الإيمان هو تصديق النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالقلب، وهذا الإيمان هو أقل شيء يحصل به الإيمان المنجي من الخلود في النار وإن دخلها، وعلى هذا فالنطق إنَّما هو شرط كمال فيه كبقية الأعمال» «الحاشية على مختصر شرح الخريدة» (ص176).
الرأي الثاني: للماتردية والرواية المشهورة عند الإمام أبي حنيفة (: هو التصديق والإقرار، قال الإمام الأعظم في الوصيَّة: «الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجَنان» (ص58).
الرأي الثالث: للمعتزلة، فالإيمان عندهم: التصديق والإقرار والعمل، فمن ترك العمل فليس بمؤمن؛ فقدان جزءٍ من الإيمان وهو العمل، ولا كافر؛ لوجود التصديق، فهو عندهم في منزلة بين المنزلتين؛ أي: بين المؤمن والكافر، ومصيره الخلود في النار، لكن بعذاب أقل من عذاب الكافر. «أسس العقيدة بشرح متن النسفية» (ص89).
=الرأي الرابع: للخوارج، فإنَّهم يكفرون مرتكب الكبيرة. «أُسُس العقيدة بشرح متن النَّسَفِيَّةِ» (ص89).
[وجود الله (وصفاته]
فنحنُ نؤمنُ بقلوبنا ونُقِرُ بألسنتنا أنَّ الله سبحانَه وتعالى (¬1): ............
¬
(¬1) سيشرع الإمام أكمل الدين (، في بيان صفات الله تعالى كم هو مقرر عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتردية، وإليك تصور الصِّفات لتسهيل حفظها وتدريسها:
1. ... الصفة النفسية، وسمِّيت نفسية؛ لأنَّها نفس الموجود، وهي واحدة، يعبر عنها بواجب الوجود.
2. ... الصِّفات السلبية، وسمِّيت سلبية؛ لأنَّ مدلول كل واحدة منها سلب أمر لا يليق به سبحانه، وهي خمسة، ذُكرتْ في سورة الإخلاص.
3. ... صفات المعاني، وسمِّيت كذلك؛ لأنَّ كل واحدة منها عبارة عن معنى قائم بذاته تعالى وهي سبعة، وعند الماتردية هي ثمانية بإضافة صفة التكوين إليها.
4. ... الصِّفات المعنوية، وهي متعلقات صفات المعاني- إلا الحياة- وهي تقتضي أمرًا زائدًا على قيامها بالذات، وهذا الاقتضاء يسمَّى التعلق.
تنبيه: هذه الصِّفات المعدودة سابقًا، هي القدر الأقل الذي يجب على الإنسان أن يعرفه، ولا يعني هذا أنَّ صفات الله محصورة في هذا العدد؛ لأنَّ كمالات الله لا تنتهي، فلا يعرف الله إلّا الله سبحانه.
قال الإمام السنوسي (في شرحه على «أم البراهين» (ص73) عند شرحه عبارة: «فمما يجب لمولانا عزوجل عشرون صفة»، فقال: «صفات الله تعالى لا تنحصر في هذه العشرين؛ إذ= =كمالاته تعالى لا نهاية لها، لكن العجز عن معرفة ما لم ينصب عليه دليل عقلي ولا نقلي لا نؤاخذ به بفضل الله.
فمن يزعم أنَّ الأشاعرة والماتردية - رضي الله عنهم - حصروا الصِّفات بعدد معين، واتَّهموهم بأنَّهم معِّطلة فما أنصفوا ذلك، فعليهم التثبت وبذل الجهد قبل الحكم على أهل السُنة والجماعة بالضَّلال والتبديع، هدانا الله والمسلمين للحق والخضوع له.
1. موجودٌ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الصَّاوي (في «شرحه على جوهرة التوحيد» (ص143): «الوجود: أي الذَّاتي، وهي صفة نفسيَّة؛ والمراد بها: صفة ثبوتيَّة، فخرجت الصِّفات السلبيَّة، يدلُّ الوصف بها على نفس الذات، خرج به صفات المعاني، دون معنى زائد عليها، خرجت الصِّفات المعنوية».
والدَّليل على صفة الوجود: هناك أدلَّة عقليَّة ونقليَّة على وجود الله تعالى، وأنَّه واجب الوجود، ويصعب في هذا المقام أن أبين كل دليل بتفاصيله ومقدماته ونتيجته، فسأشير إليها إشارة، ومن أحبَّ التوسع في ذلك، سيجدها في كتب العقائد جليَّة.
- ... فمن الأدلَّة العقلية:
1. ... دليل الحدوث باختصار: المقدمة الأولى: العالم حادث، المقدمة الثانية: كل محدث لا بد له من محدث، النتيجة: العالم لا بد له من محدِث، وهو الله تعالى.
2. ... دليل الاتقان، وهو: نظام العالم أو التصميم الذكي كما يسمِّيه البعض: المقدمة الأولى: العالم منظَّم (متقن)، المقدمة الثانية: كل منظَم (متقن) يحتاج إلى منظِّم، النَّتيجة: احتياج العالم إلى من ينظمه وهو الله تعالى.
3. ... الاستحالات العقليَّة تفيدنا في إثبات وجود الله، مثل: الدَوْر، والتسلسل، والرُجْحَان بلا مرجح.
- ... ومن الأدلَّة النقليَّة:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9].
2. ... وعن أنس - رضي الله عنه - قال: جاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمَّد، أتانا رسولك فزعم لنا أنَّك تزعم أنَّ الله أرسلك، قال: «صدق»، قال: فمنْ خلق السَّماء؟ قال: «الله»، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله»، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله»، قال: فبالذي خلق السَّماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: «نعم». رواه مسلم في «صحيحه» رقم (10).
2. واحدٌ (¬1).
¬
(¬1) ولها ثلاثة معانٍ كلُّها صحيحة في حق الله كما ذكرها الإمام ابن جُزَيّ (في «التسهيل» (ص117): أنَّه واحد لا ثاني معه، فهو نفيٌ للعدد، وأنَّه واحد لا نظيرَ له ولا شريك، وأنَّه واحد لا ينقسم ولا يتبعض.
قال الإمام الصَّاوي (في «شرحه على جوهرة التوحيد»: «هذه الصفة من أهم الصِّفات، ولذا سُمِّيَ علم التوحيد بها» (ص156)، والوحدانية صفة سلبيَّة تقال على ثلاثة أنواع كما ذكرها الإمام الغُنَيمي (في «شرحه العقيدة الطحاوية» (ص31):
1. ... الوَحَدة في الذات: أي انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى، بمعنى عدم قبولها الانقسام.
2. ... الوَحدة في الصِّفات: أي انتفاء النَّظير له تعالى في كلِّ صفة من صفاته، فعلمه واحد ومعلوماتُه كثيرة، وقدرتُه واحدة ومقدوراتُه كثيرة، وعلى هذا جميع الصِّفات.
3. ... الوَحدَة في الأفعال: أي انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عمومًا، وامتناع إسناد التأثير في شيء من الممكنات أصلًا» اهـ. ومن وحدة الأفعال ردٌ على الثانوية القائلين بوجود إلهين (الخير والشَّر) أو (النُّور والظُّلمة)، وكذلك الرد على النَّصارى القائلين بأنَّه ثالث ثلاثة وهي (أبُّ وهو الله-ابن وهو عيسى-وأم وهي مريم)، وكذلك الرد على الطبيعيين القائلين: بأنَّه زحل والمشتري والمريخ والشمس .... الخ، «شرح النَّسفية للشيخ عبد الملك السَّعْدي» (ص52)، والدَّليل على صفة الوحدانية:
1. ... من الأدلَّة العقلية: قاعدة استحالة اجتماع مؤثرين تامين على أثر واحد، ودليل الحدوث وبرهان التمانع، وبرهان التوارد.
- ... ومن الأدلَّة النقليَّة:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
2. ... قال الله - جل جلاله -: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)} [سورة الإخلاص].
3. قديمٌ (¬1).
¬
(¬1) هو ضد الحادث، فإنَّ محدث العالم قديم، لا أول له ولا بداية له، فليس كالحوادث. «شرح النسفية للشيخ عبد الملك السَّعْدي» (ص55).
والدَّليل على صفة القدم:
- ... الدَّليل عقلي غير مباشر، يسمَّى استثنائي: وهو أنَّه: لو لم يكن الله قديماً لكان حادث، ولو كان حادث لكان محتاج لمحدث وهذا المحدث إن كان حادث يحتاج لمحدث، ويستلزم الدور أو التسلسل وهذا محال.
=بعد ذكر الدليل الإستثنائي، أذكر بعض الأدلة النقلية:
- ... من الأدلَّة النقليَّة:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3].
2. ... قال ?: «اللهُمَّ أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء». رواه «مسلم» (2713).
4. حيٌّ بحياةٍ أزليَّةٍ (¬1) سرمديَّةٍ (¬2) لا سبيلَ للفَنَاءِ عليه (¬3).
¬
(¬1) الأزل: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما أن الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل، والأزلي: ما لا يكون مسبوقًا بالعدم. واعلم أن الموجود أقسام ثلاثة لا رابع لها، فإنه إما أزلي وأبدي، وهو الله سبحانه وتعالى، أولا أزلي ولا أبدي، وهو الآخرة، وعكسه محال، فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه. «التعريفات» (ص17)، «الكليات» (ص81).
(¬2) السَّرْمَدُ: هو ما لا أول له ولا آخر، وهو الدَّائم الذي لا ينقطع. «التعريفات» (ص118)، «لسان العرب» (212:3).
(¬3) عرَّف الإمام الغُنَيمي (صفة الحياة فقال: هي صفة أزليَّة قائمة بذاته تعالى لا تتعلق بشيء، وهي شرط عقلي لسائر الصِّفات، كما أن الوجود شرط لها. اهـ «شرح العقيدة الطحاوية» (ص42).
والشَّرط العقلي هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، أي بانعدام صفة الحياة تنعدم سائر الصِّفات، وبوجود صفة الحياة لا يشترط الاتصاف بكل الصِّفات.
=والدَّليل على صفة الحياة:
- ... من الأدلَّة العقلية: لو لم يصف بصفة الحياة سيتصف بضدها وهي الموت، ولو كان ميتًا لما صحَّ اتصافه بسائر الصِّفات، والتي قام الدَّليل على وجوب اتصافه بها، فالميت لا قدرة له ولا إرداة ولا علم، ولا غيرها، ومن المحال أن الميت يخلق مخلوقًا حيًا.
- ... ومن الأدلَّة النقليَّة:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2].
2. ... عن ابن عباس (، أن رسول الله ?، كان يقول: «اللهُمَّ لك أسلمت، وبك آمنت، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون»، كما في «صحيح مسلم» (2717).
3. ... وعن ابن مسعود (، قال: قال رسول الله ?: «من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه، ثلاثًا غفرت ذنوبه، وإن كان فارًا من الزحف»، «المتسدرك» (2550)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».
5. عالمٌ بعلمٍ أزليّ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الدردير (العلم: وهي صفة أزليَّة تنكشف بها الموجودات والمعدومات على ما هي عليه انكشافًا لا يحتمل النقيض بوجه، فعلمه تعالى محيط بالأشياء كلها واجبها وجائزها. «الحاشية على شرح الخريدة» (ص80)، فمن آمن بوجود الله، لا بد له من إثبات صفة العلم، والعلم صفة كاشفة، وعلمه لا يتغير، ولا يجوز أن يتغير؛ لأنه لو جاز عليه التغير للزم أن يكون جائز الوجود، وهذا لا يجوز على الله تعالى.
الدَّليل العقلي على صفة العلم: هو أنه لا يمكن أن يوجد هذا الكون من لا معرفة له بتكوينه وترتيبه أو دقة صنعته؛ لأنَّ الجاهل بالشيء يستحيل عليه خلقه، فالذي يجهل النِّجارة لا يستطيع أن يعمل الكرسي مثلًا. «شرح د. السَّعْدي على العقائد النسفية» (ص59).
=وأما الدَّليل النقلي:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة:255].
2. ... عن عائشة (قالت: كان ? إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهُمَّ رب جبرائيل وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة ... »، كما في «صحيح مسلم» (770).
6. قادرٌ بقدرةٍ أزليَّةٍ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الصَّاوي (: وهي صفة أزليَّة، قائمة بذاته، زائدة عليها، يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه، على وفق الإرادة، وشرح التعريف فقال: خرج بقولنا: «قائمة بذاته»: السلبية، وخرج بقولنا: «زائدة عليها»: النفسية، وخرج بقولنا: «يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه»: ما عدا المعرَّف؛ لأنَّ تعلق الإرادة التخصيص، وتعلق العلم الانكشاف، وتعلق الكلام الدلالة، وتعلق السَّمع والبصر الانكشاف، والحياة لا تعلق لها بشيء، وخرج بقولنا: «كل ممكن» الواجبات كذات الله، والمستحيلات كالشريك، فإن القدرة لا تعلُّق بهما؛ لأنها إن تعلقت بالواجب فإما أن تعدمه وهو محال، وإما أن توجده، وهو تحصيل الحاصل، وإن تعلقت بالمستحيل فإما أن تتعلق بإعدامه، وهو تحصيل الحاصل، أو بإيجاده وهو محال، فتخلُّف فدرة الله عن تعلقها بالواجب والمستحيل ليس بعجز» «شرحه على جوهرة التوحيد» (ص171).
ولتقريب الصورة: لو قلنا لإنسان انظر بأُذُنك في كتاب!!، فستعجز الأذن عن النظر، وهي في ذلك ليست بعاجزة حقيقة، لأنه طُلب منها غير وظيفتها؛ إذ وظيفتها السَّمع لا البصر.
الدَّليل العقلي على صفة القدرة: إيجاده سبحانه وتعالى لهذا العالم، وما احتوى عليه من الأنواع ذات العظمة والغرابة من: عالم الحيوان، والنبات، والمعادن ذات الأصناف، التي تعجز= =العقول وتغرق في عجائبها الأفهام، فمن المستحيل أن يكون الموجد والخالق لها فاقدًا للقدرة؛ لأن العاجز لا يستطيع أن يقوم بنفسه، فكيف يقوم به غيره؟ «شرح د. السَّعْدي على العقاد النسفية» (ص59).
أمَّا الأدلَّة النقليَّة:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:20].
2. ... وعبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، عن النَّبيّ ? قال: «من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمّد، وهو على كل شيء قدير، الحمّد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكّبر، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، ثم قال: اللهُمَّ اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته». كما في «صحيح البخاري» (1154).
7. مُريدٌ بإرادةٍ أزليةٍ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الدردير (: هي صفة أزليَّة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه من وجود أوعدم ومقدار وزمان ومكان وجهة وصفة. «شرحه على الخريدة» (ص84).
وقال الإمام الغُنيمي (: «الحق عندنا أنها صفة شأنها التخصيص قديمة زائدة قائمة به على ما هو شأن سائر الصِّفات الحقيقية؛ لأن تخصيص بعض الأضداد بالوقوع دون البعض وبعض الأوقات دون البعض، مع استواء الذات إلى الكل، لا بد أن يكون لصفة شأنها التخصيص لامتناع التخصيص بلا مخصص، وامتناع احتياج الواجب في فاعليته إلى أمر منفصل». كما في «شرح الغُنيمي على العقيدة الطحاوية» (ص39).
الدَّليل العقلي على صفة الإرادة: لو لم تجب له الإرادة؛ لما كان هذا العالم حادثًا؛ لأنه إن لم يوجد بالإرداة يكون وجوده بطريق العلِّيَّة والضرورة بدون اختيار، وإن كان كذلك؛ لزم كونه قديمًا؛ لأنه يصبح معلولًا لعلة، وهي الله ومعلول القديم قديم؛ لأنه تابع لعلته لا يتأخر =عنها، وقد ثبت أن العالم حادث، وجد بعد أن لم يكون موجودًا، والله تعالى موجود قبل الكون، ثم وجد الكون بإرادته واختياره. «شرح الشيخ عبد الملك السَّعْدي على العقائد النسفية» (ص61).
أمَّا الدَّليل النقلي على صفة الإرادة:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14].
2. ... وقال - جل جلاله -: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
3. ... قال ?: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». كما في «صحيح البخاري» (3116).
8. سميعٌ بصيرٌ بغير آلةٍ جُسمانيَّةٍ (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الدردير (: هما صفتان أزليتان ينكشف بهما جميع الموجودات انكشافًا تامًا والانكشاف بهما يغاير الانكشاف بالعلم، كما أن الانكشاف بأحدهما يغاير الانكشاف بالأخرى». «شرح الدردير على الخريدة» (ص89)، ولا ننسى أن العلم يتعلق بالموجودات والمعدومات، أما صفة السَّمع والبصر فيتعلقان بالموجودات فقط.
الدَّليل العقلي على السَّمع والبصر: لو لم يتصف الله بهما؛ لزم اتصافه بضدهما، وهما الصَّمم والعمى، وهما نقص في حق الخالق، إذ لا يتصور أن الأصم أو الأعمى يوجد هذا الكون المشتمل على أنواع الأصوات والمبصرات، وليس من المعقول أن يوجد نوعًا من المخلوقات سميعًا وهو فاقد السَّمع، أو بصيرًا وهو فاقد البصر.
وأما الأدلَّة النقليَّة على صفة السَّمع والبصر:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {وَهُوَ السَّميعُ الْعَلِيمُ} [الشورى:11].
2. ... قال رسول الله ?: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسّم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السَّميع العليم ثلاث مرات
=فيضره شيء» رواه الترمذي (3388)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
ونبه الإمام أكمل الدين (في المتن أعلاه: أنهما بلا آلة جسمانية، فأهل السنة والجماعة أثبتوا لله ما أثبته لنفسه في عدد كبير من الآيات، مع تنزيه الله تعالى عن أن يكون سمعه كسمع المخلوقين أو بصره كبصر المخلوقين، فسمعه وبصره لا يكونا بعضو ولا أداة ولا جارحة كالعين والأذن، ولا أي أداة ولا عضو؛ لأن الله ليس مركبًا ولا جسمًا.
9. متكلِّمٌ بكلامٍ واحدٍ أزليّ قائمٍ بذاتِه ليس من جنس الحروفِ والأصواتِ (¬1).
10. ليس بعرضٍ (¬2).
11. ولا جسمٍ (¬3).
¬
(¬1) قال الإمام الدردير (: «هو صفة أزليَّة نفسية ليست بحروف ولا صوت، وتدل على جميع المعلومات». «شرحه على الخريدة» (ص88).
دليله:
1. ... قال الله - جل جلاله -: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء:164].
2. ... قال رسول الله ?: « ... وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه»، رواه الترمذي (2926)، وقال: «هذا حديث حسن».
(¬2) قال الإمام التفتازاني (هو: ما لا يقوم بذاته بل بغيره، بأن يكون تابعًا له في التحيز ويحدث في الأجسام والجواهر؛ كالألوان والأكوان والطعوم والروائح ينظر: «شرح العقائد النسفية» (ص266)، وذكر الشيخ زكريا الأنصاري (تقسيم الأعراض الموافق لمذهب الحكماء لتسعة وهي: الكم كالأعداد والكيف كالألوان، والأين، ومتى، والوضع، والملك والإضافة، وأن يفعل الشيء وهو التأثير، وأن ينفعل عن الشيء وهو التأثر. «فتح الإله الماجد» (ص267).
(¬3) عرفَه الشيخ زكريا الأنصاري (فقال: هو ما تركب من جزئين فصاعدًا. «فتح الإله الماجد». (ص256)، وعرفه الإمام الجرجاني (: بأنه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة «التعريفات» (ص76)، ويوضح الإمام الغزالي (كيفية إبطال دعوى الجسمية لله تعالى عمَّا يقولون، فيقول: «إن كل جسم مؤلف من جوهرين متحرزين، وإذا استحال أن يكون جوهرًا استحال أن يكون جسمًا، ولأنه لو كان جسمًا لكان مقدارًا بمقدار مخصوص، ويجوز أن يكون أصغر منه أو أكّبر منه، ولا يترجح أحد الجائزين عن الآخر إلا بمخصص ومرجح .... فيفتقر إلى مخصص بتصرف فيه فيقدر بمقدار، فيكون مصنوعًا لا صانعًا وخلوقًا لا خالقًا، وهذا باطل، ومحال على الله تعالى»، «الاقتصاد في الاعتقاد» (ص28 - 29).
12. ولا جوهرٍ (¬1).
13. منزَّهٌ عن صفاتِ النَّقص والحدوثِ (¬2).
¬
(¬1) الجوهر هو: «العين الذي لا يقبل الانقسام؛ لا فعلًا ولا وهمًا ولا فرضًا عقليًا، وهو الذي لا يتجزأ». «شرح التفتازاني على العقائد النسفية» (ص261)، وشرح تعريفه الشيخ زكريا الأنصاري (في «فتح الإله» (ص261) فقال: لا يقبل الانقسام لا فعلًا، أي: لا قَطعًا لصغره، ولا كسرًا لصلابته، ولا وهمًا: لعجزه عن تمييز طرف منه عن طرف، ولا فرضًا، أي: ولا بالفرض العقلي المطابق للواقع، لامتناع العقل من الحكم بانقسام ما لا نثبت له حجمًا يمكن انقسامه.
(¬2) النقص من النقيصة وهي: العيب، والضعف والقلة، والحطُّ من الشيء. ينظر: «العين» (65:5) و «أساس البلاغة» (229:2)، و «مختار الصحاح» (ص317).
=والحدوث: أي تجدد وجوده، وهو المخلوق. ينظر: «المصباح المنير» (124:2)، و «العين» (177:3)، وحاش لله أن يكون ناقصًا أو حادثًا، قال الإمام الغّزنوي: «صانع العالم واحد لا شريك له، ليس بجوهر، ولا جسم، لا عرض، وليس له صورة، ولا يوصف باللون، وليس فوق العالم ولا في جهة خارجة عنه، ولا يوصف بكونه متمكنًا في مكان، ولا يشبه العالم، ولا والد ول ولد ولا صاحبة له، ولا علة لصنعه، ولا يدركه فهم، وكلامه ليس بحروف ولا صوت، وعلمه ليس كسبي». ينظر: «أصول الدين» (ص64 - 80).
14. لا يتَّصفُ بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ (¬1).
15. ولا بالتبعيضِ (¬2).
16. والتَّناهي (¬3).
17. ولا بمشابهةِ المُحْدَثاتِ (¬4).
¬
(¬1) لأنها أعراض تحل في الجواهر، فإذا نفينا كونه عرضًا وكونه محلًا للأعراض ينتفي جميع ذلك. «أصول الدين» (ص69).
(¬2) أي: من البعض وهو الجزء، «المصباح المنير» (53:1)، والله لا ينحل إلى أقسام أو أبعاض، ينظر: «شرح د. السَّعْدي على النسفية» (ص62).
(¬3) أي: ليس له أطراف ونهاية، كالمساحات والأعداد. «المصدر السابق».
(¬4) في (ج): محدث. قال الإمام الجرجاني (: «ما يكون مسبوقًا بالعدم، ويسمَّى: حدوثًا زمانيًا، وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمَّى: حدوثًا ذاتيًا»، «التعريفات» (ص81)، وعلل ذلك الإمام الغَزنوي (فقال: لو كان حادثًا فلا بد له من صانع أحدثه ومبدع أنشأه، وذلك هو الله تعالى، وهو المبدئ المنشئ، تبارك الله رب العالمين، «أصول الدين» (ص60).
=قال الله - جل جلاله -: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]: أي ليس كذاته وصفاته صفات، وهو تعالى لا يشبهه شيء من المخلوقين وصفاتهم وأحوالهم، فهو منزه عن المماثلة؛ لأن مثل الشيء ما يكون مشاركًا له في جميع أوصافه الجائزة والواجبة والمستحيلة، ويعبر عنه بأن المثلين: كل شيئيين ينوب أحدهما مناب صاحبه، ينظر بتصرف: «التصيبر في الدين» (ص157)، وقال الإمام النسفي (في «تفسره»: «قيل إن كلمة التشبيه كررت؛ لتأكيد نفي التماثل وتقديره ليس مثله شيء، وقيل المثل زيادة وتقديره ليس كهو شيء، وقيل المراد ليس كذاته شيء». ينظر: «تفسير النسفي» (247:3).
18. وليس بمتمكنٍ في مكانٍ (¬1).
¬
(¬1) في (ب): بمكان واحد. قال الإمام الدردير (: «الله العليّ وهو المرتفع المبرَّأُ عن كل نقص، وهو منزه عن الحلول في الأمكنة، وعن الكون في الجهات، وعن الاتصال والانفصال، وقد اشتبه الأمر على قوم وقوفا على الأمور العادية وتمسُّكًا بما توهموه ظواهر نصوص شرعية، فقال قوم بالجهة، وقال آخرون بالجسمية، ويلزم منهما الحلول والاتصال أو الانفصال، وهما محالان على الله تعالى». «شرحه على الخريدة» (ص72).
وقال الإمام القشيري (: «وليس علوه علو جهة ولا اختصاصًا ببقعة» «شرح أسماء الله الحسنى» (ص148).
وقال الإمام الغَزنوي (: «صانع العالم لا يوصف بكونه متمكنًا في مكان؛ لأنه كان في الأزل غير متمكن، فلو تمكن بعدما خلق المكان لتغير عمَّا كان، تعالى الله عن ذلك». «أصول الدين» (72)، وإن لم يكن في مكان لم يكن في جهة؛ لا علو ولا سفل ولا غيرهما؛ لأنها إمَّا حدود وأطراف للأمكنة، أو نفس الأمكنة باعتبار عروض الإضافة إلى شيء. «شرح العقائد للتفتازاني» (ص304).
19. ولا مُستَقِرٍّ على العرش (¬1).
[خلق أفعال العباد وتقدير رزقهم وآجالهم]
20. خَلَقَ الخلقَ وأعمالَهُم (¬2) ......................................
¬
(¬1) قال الله - جل جلاله -: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد:4]، قال النسفي في تفسيره: {ثُمَّ اسْتَوَى} أي: استولى، {عَلَى الْعَرْشِ}: أضاف الاستيلاء إلى العرش، وإن كان سبحانه وتعالى مستوليًا على جميع المخلوقات؛ لأن العرش أعظمها وأعلاها، وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقار، كما تقوله الشبهة باطل؛ لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان، وهو الآن كما كان، لأن التغير من صفات الأكوان، ينظر: «تفسير النسفي» (573:1).
(¬2) للإمام الغَزنوي (تفصيل جميل حيث قال: «أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة بخلق الله؛ لأن قدرة الله قديمة لا تتخصص ببعض المقدورات دون البعض، بل تتعلق بكل ما يصلح مقدورًا في نفسه، وأفعال العباد حوادث صلحت مقدورة في نفسها، فيتعلق بها فإذا وجدت كانت مخلوقة بخلق الله تعالى، والعبد ليس بخالق لأفعاله، ولا بموجد لها؛ لأنَّه لو كان قادرًا على الخلق والإيجاد، لكان فعله على الوجه الذي قصده وأرداه، وحيث لم يقع علم أنه ليس بخالق، وللخلق أفعال صاروا بها عصاة ومطيعين، فهي مخلوقة لله تعالى، تعلق الثواب والعقاب بفعلها وقت تخليقها من الله تعالى؛ لأن فعل الفاعل ما يدخل تحت قصده وإرادته داعية، ويمتنع دخوله تحت كراهية ومصادقة، وهذا تمام في أفعال العباد فكانت فعلًا لهم، ثم إن دخول مقدور واحد تحت قدرتين، إحداهما قدرة الاختراع، والأخرى قدرة الاكتساب، جائز كما في الحسِّيات، وإنما الممتنع الدخول تحت قدرتين، وكل واحدة قدرة: الاختراع أو الاكتساب». «أصول الدين» (ص167 - 170).
=ويشير الإمام الدردير (لمسألة عدم وجوب الأصلح على الله تعالى، فيقول: «ولا يجب عليه شيء من غيره، ولكن هو تعالى يوجب على نفسه أشياء، ويجوز في حقه تعالى الإشقاء وهو خلق قدرة الكفر أو خلق الكفر في العبد، والعياذ بالله، ويجوز في حقه تعالى الإسعاد وهو خلق قدرة الطاعة أو خلق الطاعة في العبد ويمسى الهداية، ولا يجب عليه تعالى رعاية الصلاح والأصلح لعبيده؛ إذ لو وجب عليه ما هو الأصلح في حق عبيده ما وقعت محنة، وما خلق الله تعالى الكافر الفقير المعذب دنيا وآخرى، وما حصل ألمٌ لِطِفلٍ لا تكليف عليه، ولما كانت بعض البهائم والطيور في غاية الضعف والبلاء» «شرحه على الخريدة» (ص107 - 109)، وهناك كلام نفيس يتعلق بخلق أفعال العباد للإمام أكمل الدين البابرتي في «شرحه على وصية الإمام أبي حنيفة»، في (ص115 - 120).
21. وقدَّر الأرزاقَ وآجالَهُم (¬1).
¬
(¬1) قال الإمام الأعظم أبو حنيفة (: «ونقر بأن الله تعالى خلق الخلق ولم يكن لهم طاقة لأنَّهم ضعفاء عاجزون، والله خالقهم ورازقهم؛ لقوله - جل جلاله -: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]، والكسب حلال، وجمع المال من الحلال حلال، وجمع المال من الحرام حرام، والناس على ثلاثة أصناف: المؤمن المخلص في إيمانه، والكافر الجاحد في كفره، والمنافق المداهن في نفاقه، والله تعالى فرض على المؤمن العمل، وعلى الكافر الإيمان وعلى المنافق الإخلاص؛ لقوله - جل جلاله -: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النساء: 1]، يعني: أيها المؤمنون أطيعوا، وأيها الكافرون آمنوا، وأيها المنافقون أخلصوا». «الوصية» (ص120)، ثم شرح الإمام البابرتي (كلام الإمام الأعظم (فقال: «والرزق عندنا عبارة عن الغذاء، كما جاء في قوله - جل جلاله -: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، حلالًا كان ذلك أو حرامًا، وكل يستوفي في مدة حياته ما قدر له، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن روح القدس نفث في روعي أن= =نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (227:13) وصححه «ابن حبان» (3239)، فعلى هذا لا يمكن أن يأكل أحد رزق غيره أي غذاءه، ولا أن يأكل غيره رزقه، وعند المعتزلة: أنه عبارة عن الملك، وقد جاء به قوله - جل جلاله -: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، فلا يكون الحرام رزقًا، لأنه غير ملك، ويأكل غيره رزقه أي ملكه، وهو يأكل رزق غيره. ينظر: «شرح وصية الإمام» (ص120 - 121).
فمحل النزاع في مسألة الرزق: هو تعريف أهل السنة والجماعة غير تعريف المعتزلة كما بيَّن الإمام البابرتي (.
فمحل النزاع في مسألة الرزق: هو تعريف أهل السنة والجماعة غير تعريف المعتزلة كما بيَّن الإمام البابرتي (.
[سؤال القبر ونعيمه وعذابه]
فإذا استوفُوا مدَّةَ أعمارِهِم (¬1)، يأمرُ الله تعالى ملكَ الموتِ ..............
¬
(¬1) مسألة المقتول ميت بأجله:
قال الإمام الغَزنوي (: «المقتول ميت بأجله ولا أجل له سوى ذلك، ولا يتقدم أجله ولا يتأخر؛ لأنه إذا علم الله أنه يموت غدًا بأجله، يستحيل أن يقتل اليوم لا بأجله؛ لأنه يؤدي إلى تعجيز الله تعالى عن إحياء عبده إلى الغد وأنه محال، وكل آدمي له أجل واحد لأنه لو كان له أجلان من تعيين يؤدي إلى أن الله تعالى لا يعرف عواقب الأمور تعالى الله عن ذلك.
والأجل: عبارة عن المدة وعن نهاية المدة إلا أنه في الثاني أكثر استعمالا، والقتل فعل قائم بالقاتل، والموت: إزهاق الروح مخلوق لله تعالى لا صنع للقاتل في المحل، وكذلك كل محدث يحدث في العالم بغير صانع فهو مخلوق لله تعالى، وهو محدث بإحداثه بما ذكرنا في حدوث العالم. كما في: «أصول الدين» (ص175).
بقبضِ أرواحِهِم (¬1)، فإذا ماتوُا ودُفنوُا (¬2) يُعيدُ الله الحياةَ فيهم بحيثُ يعقلونَ السُّؤالَ ويَقْدِرونَ على ردِّ الجواب.
¬
(¬1) ملك الموت: الذي يقبض به الأرواح حق لقوله - جل جلاله -: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام:61]، وصانع العالم يُميت الخلائق إلا وجهه الكريم كما قال - جل جلاله -: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}. [القصص:88]. ينظر: «أصول الدين» (ص214).
(¬2) قال الإمام أبي حنيفة (: «ونقر بأن عذاب القبر كائن لا محالة» «الوصية» (ص131).
وشَرَحَ الإمام البابرتي هذه العبارة (ص131 - 133) فقال: «أصل في هذا كله أن كل ما ورد به السَّمع وأمكن في ذاته يجب تصديقه، ولا شك في إمكان هذه الأشياء، وتواترت الدلائل السَّمعية، فيجب التصديق بعذاب القبر للكفار، ولبعض العصاة من المؤمنين، بإعادة الحياة في الجسد وإن توقفنا في إعادة الروح، ثم قيل: العذاب على الروح، وقيل: على البدن، وقيل: عليهما فلا نشتغل بكيفيته، ثم ذكر أدلة عذاب القبر:
1. ... وقال: الأصل في ذلك: قوله - جل جلاله - في قوم نوح عليه السلام: {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً} [نوح: 25]، والفاء للتعقيب بلا تراخ، ولن يكون ذلك إلا في الدنيا؛ لأن إغراقهم كان فيها، فكذلك إدخال النار.
2. ... وقال الله - جل جلاله - حكاية عن الكفار: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] وذلك دليل على أن في القبر حياة وموتًا آخر.
3. ... وقوله ?: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الدارقطني وقال مرسل (464).
4. ... وما روي أنه ? خرج بعدما غربت الشمس، فسمع صوتًا فقال ?: «يهود تعذب في قبورها». كما في «صحيح البخاري» (1375)، و «مسلم» (2869).
=وذكر الإمام الغزنوي (عدة أدلة على عذاب القبر، فقال:
1. ... وعذاب القبر حق لقوله - جل جلاله -: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46]، فثبت عرض آل فرعون على النار قبل يوم القيامة غدوا وعشيا وليس ذلك إلا عذاب القبر». «أصول الدين» (ص215).
2. ... وأخرج الإمام الطحاوي (في «شرح مشكل الآثار» (273)، وابن حبان في «صحيحه» (3112) من حديث عائشة (مرفوعًا: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ». وإسناده صحيح.
3. ... وعن ابن عباس (، قال: مر النَّبيّ ?بحائط من حيطان المدينة، أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النَّبيّ ?: «يعذبان، وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنَّميمة»، كما في «صحيح البخاري» (216)، وذكر الإمام الغزنوي (نعيم القبر فقال: «يقال رجوع الحياة إلى الميت في القبر كلها أو بعضها بقدر ما يقدر العقل السؤال ويفهم ويتلذذ بالإكرام إن كان مؤمنًا ويتألم بالعذاب إن كان كافرًا» «أصول الدين» (ص215).
فيأتيِهِم مَلكان يقال لأحدهما المنُكرُ وللآخرِ النَّكيرُ (¬1)، فيُجلسانِ الميِّت فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ الذي يبعث إليكم؟ ..................
¬
(¬1) قال صاحب جوهرة التوحيد:
سؤالنا ثم عذاب القبر *** نعيمه واجب كبعث الحشر
وقال الإمام الغزنوي: «مما يجب اعتقاده سؤال منكر ونكير لنا، فهو مختص بهذه الأمة، أي: أمة الدعوة المؤمنين والمنافقين والكافرين، ومحله بعد تمام الدفن وانصراف الناس، فيعيد الله الروح إلى الميت والحواس، فيترفقان المؤمن، وينهران الكافر والمنافق، ويُسأل كلُّ أنسان بلغته
=ويجمع من تفرقت أجزاؤه، أو أكلته السباع» كما في: «أصول الغزنوي» (ص370).
فعن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر (: «كيف بك يا عمر بِفَتَّانَيِ القبر إذا أتياك يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها» قال عمر: وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: «وأنت على ما أنت عليه اليوم» قال: «إذًا أَكْفِيهِمَا إن شاء الله» قال: وكان عبيد بن عمير يقول: نعم، ذلك منكر ونكير. مصف عبد الرزاق» (6738). قال الإمام ابن حجر (: «وذكر بعض الفقهاء أنَّ اسم اللذيْن يسألان المذنب منكر ونكير، وأنَّ اسم اللذيْن يسألان المطيع مبشر وبشير، فإذا كان مؤمنًا كانت الصَّلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له اجلس فيجلس ....... فيمسح عينيه ويقول دعوني أصلي». ينظر «فتح الباري» (237:3).
فيقولُ: عبدُ اللهِ ورسُولُه أشهدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله (¬1).
فيقولانِ: ِ قد كنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ هذا، ثمَّ يُفْسَحُ لهُ في قبرِهِ سبعينَ ذراعًا في سبعين، ثمَّ يُنَوَّرُ له فيه (¬2).
¬
(¬1) في (أ): محمد رسول الله. وأثبتُ صيغة «عبده ورسوله»؛ لأنها موافقة لرواية الصحابي ابن مسعود - رضي الله عنه -، وبها أخذ معشر الأحناف.
(¬2) فيه إشارة إلى نعيم القبر، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار». كما في «سنن الترمذي» (2460). وقال «حديث حسن». قال الإمام التفتازني (: «عامة الكتب تقتصر على إثبات عذاب القبر دون تنعيمه؛ بناءً على أن النصوص الواردة فيه أكثر، وعلى أن عامة أهل القبور كفار وعصاة، فالتعذيب بالذكر= =أجدر»، «شرح النسفية» (ص458). قال صاحب التيسير (: «إنما القبر روضة من رياض الجنة حقيقة لما يتحف به المؤمن من الريحان وأزهار الجنان أو مجازًا عن الأمن والراحة والسعة». كما في «التيسير في شرح الجامع الصغير» (320:1). قال القيرواني: «الروضة التي
لا يعرف بنتها تعبر بالإسلام؛ لنضارتها وحسن بهجتها»، ينظر: «عمدة القاري» (148:24)
ثمَّ يقالُ له: نَمْ.
فيقولُ: أرجعْ إلى أهلي فأخبرُهُم.
فيقولان: نم، فينام (¬1) كنومةِ العَرُوسِ الَّذي لا يُوقظُهُ إلَّا أحبُّ أهلِهِ.
حتَّى يبعثُهُ الله من مضجعِهِ ذلك.
وإن كان منافقًا يقول: سمعتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا (¬2)، فقلتُ مثلهم لا أدري.
فيقولانِ: ِ قد كنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ ذلك.
فيقالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عليهِ، فَتَلْتَئِمُ عليهِ، فَتَخْتَلِفُ أضلاعُهُ، فلا يزالُ فيها مُعَذَّبًا حتَّى يَبْعَثَهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ (¬3).
¬
(¬1) ساقطة من (أ-ب).
(¬2) ساقطة من (ب-ج).
(¬3) ذُكر هذا الحديث الطويل بلفظه في «سنن الترمذي» (1071) وقال: حديث حسن، وفي «صحيح ابن حبان» (3117)، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (12062) في لفظ قريب منه وزيادة.
وهو لكلِّ مَيِّتٍ صغيرٍ أو كبير (¬1)، يُسألُ إذا غابَ عن الآدمييَّنَ (¬2)، وإذا ماتَ في البحْر أو أكلَهُ السَّبُعُ فهو مسؤولٌ (¬3) .................................
¬
(¬1) ونشير هنا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة «سؤال القبر وعذابه»: قال الإمام النسفي (: «وعذاب القبر للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين، وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله ويريده، وسؤال منكر ونكير ثابت بالدلائل السَّمعية». «النسفية» (ص123). قال الإمام الغُنيمي (: «تسميتهما بمنكر ونكير ليست على جهة الذَّم، وإنَّما هي لقبٌ وليس أسماء»، «شرح الطحاوية» (ص133). قال الإمام التفتازاني (: «وأنكر عذاب القبر بعض المعتزلة والروافض؛ لأن الميت جماد لا حياة له ولا إدراك، فتعذيبه محال، والجواب: أنه يجوز أن يخلق الله جميع الأجزاء أو في بعضها نوعًا من الحياة قدر ما يدرك من ألم العذاب أو لذة النعيم، وهذا لا يستلزم إعادة الروح إلى بدنه، ولا يتحرك ويضطرب، أو يرى أثر العذاب عليه». «شرح النسفية» (ص462).
(¬2) «ومحله بعد تمام الدفن، وانصراف الناس، فيعيد الله الروح إلى الميت والحواس». «شرح الصَّاوي على شرح جوهرة التوحيد» (ص370)، وحكمة السؤال هي إظهار ما كتمه العباد في الدنيا من إيمان أو كفر أو طاعة أو عصيان؛ فالمؤمنون الطائعون يباهي الله بهم الملائكة وغيرهم يفضحون عند الملائكة. «شرح الجوهرة» للإمام البيجوري ((ص197).
(¬3) قال الإمام الغُنيمي (: «فمن أكلته السباع وأحرقته الناء، ومن لم يدفن، يأتيانه من حيثُ شاءَ الله ويسألانه» «شرح العقيدة الطحاوية» (ص134)، وقال الإمام التفتازاني (: «حتى أن الغريق في الماء، أو المأكول في بطون الحيوانات، او المصلوب في الهواء، يعذب وإن لم نطلع عليه، ومن تأمل في عجائب مكله وملكوته وغرائب قدرته وجبروته، لم يستبعد أمثال ذلك فضلًا عن الاستحالة» «شرح النسفية» (ص463).