الجزء 1 · صفحة 5
كرامات الأولياء
للإمام الفقيه المحدث محمد عابد السندي الأنصاري الحنفي
توفي سنة 1257هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله الله وصحبه هداة الدين.
وبعد: فيقول محمد عابد بن الشيخ أحمد على الأنصاري الخزرجي الأيوبي نسباً، السندي مولدا، قد سألني بعض من لا يسعني مخالفته بسوال ما لفظه: هل كرامة الأولياء جائزة الوقوع؟ وهل التصديق بها واجب أم جائز؟ وسواء وقعت في حال الحياة كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قال: يا سارية الجبل، فسمعوا صوته. ولما كتب إلى النيل إن كنت تجري بقدرة عز وجل (إلى آخره).
فلما ألقى فيها الكتاب جرت.
أو وقعت منه بعد موته كما في قصة عاصم بن ثابت أحد العشرة الذين أرسلهم د عيناً، قتل (منهم سبعة أو ثمانية) منهم عاصم رضي الله عنه، فلما سمع المشركون بقلته أرسلوا رسلا يأتوا برأسه؛ لأنه قتل منهم رجلا من عظمائهم [يوم بدر فبعث الله ? مثل الظلة من الدبر فحمته منهم فلم يقدروا على أن يقطعوا شيئًا من جسمه ت.
أو لا تسمى كرامة إلا إذا وقعت في حال الحياة، وبعد الموت لا تسمى كرامة، فما تسمى مثل هذا الذي وقعت بعاصم ت بعد موته؟ أفيدونا بنقل صريح أفادكم الله تعالى بكل خير وجزاكم الله عنا بما هو أهله وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
فأجيب عليه بقولي اعلم: يا أخي رحمك الله تعالى وإياي أن الكلام فيما ذكره السائل متعلق في بحث الكرامة.
ثم بحث الكرامة متوقف على عدة أبحاث، منها تبيين معنى الولي، ومعنى الكرامة وماهيتها، والفرق بينها وبين المعجزة، ثم في أنها ثابتة بالكتاب والسنة، ثم في أن كرامة الميت معتبرة ككرامة الحي؟
الجزء 1 · صفحة 7
فها أنا أقول في ذلك مستعينًا بالله تعالى، أنه مفيض الخير والجود.
تعريف الكرامة والمعجزة والاستدراج والفرق بينهم
اعلم أن الكرامة هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة»، وإنما يشترط فيها الإيمان والعمل الصالح، فكل من استجيبت دعوته، أو أعدم الله تعالى على يده موجودا، أو أوجد معدوما، أو اطلع على أمور غيبية أو قطع المسافة البعيدة في أدنى مدة، أو سمع كلام الحيوانات والنباتات، والجمادات من التسبيح ونحوه، أو مشى على الماء أو ساح في الهواء، أو نحو ذلك من فنون الأعمال الناقضة للعادة، وكان ذلك مؤمناً صالحاً غير مدعي للنبوة كان ذلك كرامة منه.
وما لا يكون مقرونا بالإيمان والأعمال الصالحة يكون استدراجا ومكرا)، فليس الفارق بينهما إلا أن يكون الآخر يظهر على يد الفساق والزنادقة والكفار الذين هم على غير شريعة نبينا د ومتابعيه)، والكرامة لا تقع إلا على يد من بالغ في الاتباع للشريعة الغراء.
وأما المعجزة: فهي ما ظهرت من خوارق العادات على يد شخص يدعو إلى الخير والسعادة مقرونة بدعوى النبوة قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول الله، فخرج بقولنا «مقرونة بالتحدي» الخارق المتقدم على التحدي، وذلك بأن يوجد من نبي عليه السلام قبل دعوى النبوة، فإن ذلك لا يسمى معجزة بل يسمى إرهاصا، أي: تأسيسا للنبوة من أرهص الحائط إذا أسسه فالفرق بين المعجزة والكرامة حينئذ واضح، وذلك أن المعجزة تقع عند قصد النبي وتحديه، وأما الكرامة: فقد تقع من غير قصد الولي ولو وقعت منه في بعض الحالات قصدًا أيضًا، فالمعجزة تقع مع التحدي، والكرامة لا يتحدى بها الولي، ولو وقعت منه في بعض الحالات لمصلحة نصيحة الخلق حتى يهديهم الله تعالى إلى الحق مقرونة بالتحدي، فالمعجزة لا تكون إلا بعد الدعوى ولا تكون مع السكوت معجزة، والكرامة تقع بغير دعوى النبوة وتقع مع السكوت أيضًا، لكن الأغلب أن القصد والتحدي ودعوى النبوة شرط في المعجزة لا في الكرامة إلا أنهما مشتركان في إظهار خارق للعادة، فما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي فتنتبه.
تعريف الولي
والولي هو العارف بالله تعالى وصفاته، المواظب على الطاعات، المجتنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات.
الجزء 1 · صفحة 8
إذا علمت هذا، فاعلم أن كرامات الأولياء حق ثابت بالكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الدلائل على كرامات الأولياء من كتاب الله تعالى
أما الكتاب: فقوله تعالى: وَكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا. قال ابن عباس ب: وجد عندها عنباً في مكتل في غير حينه وقاله «جبر» و «مجاهد».
وقال «الضحاك» و «مجاهد» أيضًا و «قتادة»: كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء وبه قال ابن عباس رضي الله عنها أيضًا، لكن قال: إن ذلك كان من ثمار الجنة.
وقال «الحسن»: كان يجد عندها رزقاً من السماء ليس من عند الناس، ولو أنه علم أن ذلك الرزق من عنده لم يسألها عنه، وغير ذلك من أقوال المتقدمين في تفسير هذه الآية على ما ذكره السيوطي» في «الدر المنثوره، وابن عطية في تفسيره.
ومعلوم أن مريم لم تكن نبية على الصحيح حتى يسمى ذلك معجزة، فبالأولى أن يكون ذلك كرامة لها كما وقع لها ما قص الله تعالى في كتابه وأمرها بقوله: {وَهُزِّى إِلَيْكِ بجذع النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنيا}، وكان ذلك في غير أوان الرطب كما ذكره المحققون من أهل التفسير كـ: ابن الأثير وغيره.
ومن ذلك أيضًا كلام كلب أصحاب الكهف حين أرادوا طرده فقال لهم: ما تريدون مني؟ إني أحب أحباب الله ? فقاموا حتى أحرسكم.
ومن ذلك أيضًا قصة «آصف بن برخيا» مع سليمان عليه السلام في عرش بلقيس وإتيانه قبل أن يرتد إليه الطرف كما وصفها الله تعالى في قوله: {قال الَّذِي عِندَهُ، علم من الكتاب أنا ءَاتِيكَ به قبل أن يرتد إليك طرفك}.
ومعلوم أن كل أولئك المذكورين لم يكونوا أنبياء، فلا شك في أنها كرامة منهم.
الدلائل عليها من السنة النبوية
وأما ثبوتها بالسنة:
الجزء 1 · صفحة 9
فقصة الجريج الراهب حين هدموا صومعته لما اتهموه بالراعية وأنزلوه منها فتوضأ وصلى وقال للصبي: يا بابوس، من أبوك؟ فقال فلان الراعي، كما أخرجه البخاري، وذلك لا شك في أنها كرامة؛ إذ تكلم الصبي بعد وضع أمه له خارق في العادة.
وكذلك كلام الصبي الذي كانت ترضعه أمه ومر بها جبار «فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فالتفت الصبي إليه وقال: اللهم لا تجعلني مثله ومرت بها امرأة تجر ويلعب بها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فالتفت الصبي، وقال: اللهم اجعلني مثلها والقصة مشهورة في البخاري وغيره وهذه كرامة أيضًا.
وكذلك قصة أصحاب الغار الذي انحطت عليهم الصخرة فدعوا الله تعالى متوسلين بصالحي أعمالهم فارتفعت الصخرة عنهم بعد ذلك. كما أخرجه البخاري» وغيره وغيره، كرامة أيضًا لا يرتاب فيها أحد.
الدلائل عليها من آثار الصحابة
1 - وكذلك قصة خبيب حين كان أسيرًا موثقاً في الحديد وكانوا يجدون عنده العنب، وما كان بأرض مكة يومئذ العنب كما أخرجه البخاري» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كرامة أيضًا.
2 - وكذلك قصة الرجل الذي سمع صوتا في السحاب يقول: اسْقِ حَديقة فلان، كما أخرجه البخاري، كرامة أيضًا.
3 - ومن ذلك استجابة دعاء سعد ابن أبي وقاص في الرجل الذي كذب عليه، وقال: إِنَّ سَعْدًا كَانَ لا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ، فدعا عليه سعد قال: اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا شَيْء قَامَ رِيَاءٌ، فَأَطِلْ عُمرَهُ، وَأَكْثِرِ فَقَرَهُ، وعرضه للفتنِ، فكان بعد ذلك يتعرض للجواري وفي الطريق يغمزهن (فإذا قيل له كيف أنت) يقول: شَيْخُ كَبِيرُ مَفْتُونُ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، كما أخرجه البخاري» أيضًا، فلا شك أن ذلك كرامة أيضًا.
4 - وكذلك كلام البقرة التي حمل عليها صاحب المتاع وقولها: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ كما أخرجه البخاري»، كرامة أيضا.
5 - وكذلك ما جاء في (البخاري» من قصة أكل أبي بكر رضي الله عنه مع ضيفه فكان كلما أكل لقمة من تلك القصعة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبع الضيوف وهي أكثر منها كانت قبل الأكل
الجزء 1 · صفحة 10
بثلاث مرات، كرامة أيضًا.
6-وكذلك سماع عمران بن حصين ت بتسليم الملائكة عليه، أخرجه «مسلم» كرامة أيضا).
7 - وكذلك ما رواه أبو نعيم عن عبد الله بن شقيق أنه كان إذا مرت سحابة يقول لها: أقسمت عليك بالله إلا أمطري علينا فتمطر بالحال، كرامة أيضًا.
8 - وكذلك قصة «العلاء بن الحضرمي» رضا عنه كما أخرجه أبو نعيم حين أرسله النبي د في غزوة وحين حال بينه وبين الجيش وعدوهم قطعة من البحر فدعا الله تعالى ومشى كلهم بخيلهم ودوابهم على الماء، كرامة أيضًا.
9 - وكذلك ما أخرجه أبو نعيم من تسبيح القصعة التي أكل فيها سلمان، وأبو الدرداء ت حتى سمع تسبيحها الناس الحاضرون كرامة أيضًا.
10-وقصة النيل.
11-وقصة يا سارية الجبل كما ذكره السائل عافاه الله تعالى صريحتان في أن كل واحدة منهما، كرامة أيضًا.
12-وكذلك ما روى «المستغفري من أن عليا كرم الله تعالى وجهه سأل رجلا عن حديث في الرحبة فكذبه، فقال: إنما كذبتني، قال: ما كذبتك، قال: فأدعوا الله عليك، إن كنت كاذبا أن يعمي بصرك؟ قال: فادع الله. فدعا الله تعالى عليه، فعمى بصره، فلم يخرج من الرحبة إلا وهو أعمى، وهكذا عن سائر الصحابة، والتابعين، وتبع التابعين، ومشايخ الطريقة (طبقة بعد طبقة) لا تزال تظهر علي أيديهم كرامات كثيرة بحيث لا يمكن عدها وحصرها.
ولذلك قال «القشيري» رحمه الله تعالى في رسالته: ولكثرة ما تواتر بأجناسها، يعنى بأجناس الكرامات: الأخبار، والحكايات حتى صار العلم بكونها وظهورها على الأولياء علما قويا انتفى عنه الشكوك.
وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لم لا يشتهر من الصحابة من كثرة الكرامات كما وقع لمن بعدهم من الأولياء؟ فقال: (إنما لم يشتهر عن الصحابة من كثرة الكرامات) لأن إيمانهم كان في غاية القوة بخلاف إيمان من بعدهم، فلما ضعف إيمان قوم كثرت كرامات أولياء عصرهم تقوية ليقين
الجزء 1 · صفحة 11
الضعفاء فيهم، (انتهى).
ويؤيد ذلك قول «أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: إن مريم عليها السلام كان عَلَيْهَا يتعرف إليها في بدايتها بخرق العادات بغير سبب تقوية لإيمانها وتكميلا ليقينها، فكانت {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}.
فلما قوى إيمانها ويقينها ردت إلى السبب لعدم وقوفها معه فقيل لها: {وَهُزّي إِلَيْكِ يجذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطَ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنيا}، (انتهى).
فالحاصل: أن الأدلة من الكتاب والسنة كثيرة قوية متظاهرة على أن كرامات الأولياء حق ثابت لا يجوز إنكاره فمن أنكر في ذلك كان مخالفًا للكتاب والسنة الذين هما مرجع الأحكام، وكان متبعا لهواه، قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقال الله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}، فمن لا يرد ما نازع فيه إلى الكتاب والسنة كان غير مؤمن بالله ورسوله د وقد قال بحقية كرامات الأولياء كافة العلماء غير المعتزلة إلا أبا «الحسين» البصري". وصاحبه «محمود» الخارزمي فإنهما عدلا إلى الجمهور، وما أوجب المعتزلة في مخالفتهم إلا شبهات ساقطة بينة الفساد، ولولا التطويل لأوردناها وأجبنا عن كل واحد منها.
قال اليافعي: «والناس في إنكار الكرامات على أقسام: فمنهم من ينكرها مطلقا وهم أهل مذاهب مشهورة.
ومنهم: (من يصدق بكرامة) من مضى، ويكذب بكرامات أهل زمانه، فهؤلاء كبني اسرائيل فإنهم صدقوا بموسى حيث لم يروه وكذبوا بحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اله وسلم حين رأوه حسدا وعدوانا.
ومنهم: من يصدق بأن الله تعالى أولياء في عصره ولكن لا يصدق بأحد معين، فهذا محروم من جميع أهل الإمداد في عصره، وبعضهم إذا رأى أحدا من أولياء زمانه متربعا في الهواء قال: هذا استخدام للجن لا ولاية.
وأطال اليافعي» في ذلك ثم قال «وبالجملة فلا ينبغي لأحد التوقف في الإيمان بكرامات الأولياء؛ لأنها جائزة عقلا وواقعة نقلاً.
الجزء 1 · صفحة 12
أما جوازها عقلا فلأنها من جملة الممكنات التي لا تستحيل على القدرة الإلهية، وبذلك قال أهل السنة والجماعة من المشايخ العارفين، والنظار، والأصوليين، والفقهاء والمحدثين رضى الله عنهم أجمعين.
وأما واقعتها نقلا فقد سردنا لك بعض ما استحضرته ولو لا خشية التطويل لسردناها بأسانيدها، وإنما هيهات أن يعدها عاد أو يحصرها حاسب، وإنما على كل حال يَشَاءُ من لم تكفه الدلائل المحتضرة لم تشفه القناطير المقنطرة، ومن سبقت له الشقاوة لا يهتدي، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى من يشاء}، وإنما لما كان العلم أمانة في أعناق العلماء، وكنت سئلت عن ذلك، ما وسعنى إلا تحرير هذه الأسطر القليلة المشتملة على الفوائد الجلية، والله الهادي إلى سواء سواء الطريق.
الدلائل على كرامات الأولياء بعد الموت
وأما قول القائل: في أنه هل تكون كرامة الميت معتبرة ككرامة الحي أم لا؟ فاعلم أن كل خارق ظهر بعد موت ولي أو نبي يسمى كرامة أيضًا، إلا أن كان حيا كانت الخوارق منه معجزة وبعد موته لا تسمى الخوارق التي تظهر منه معجزة؛ لعدم وجود التحدي منه حينئذ، فكان حينئذ مشاركًا للولي، وكرامات الولي بعد الموت ثابتة بأدلة واضحة ساطعة لا غبار عليها.
منها ما أخرجه الترمذي» وحسنه، والحاكم، والبيهقي عن ابن عباس ت قال: ضَرَبَ بعضُ أَصْحَابِ النَّبي د حَبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ لَا يَحْسِبُ أنه قبر، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانُ يَقرَأُ سُورَةَ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا فَأَتَى النَّبِيِّ د فأخبره فَقَالَ رَسُولُ الله د: «هِيَ الْمَانِعَةُ، هِيَ الْمُنْجِيَةُ، تُنْخِيهِ مِنْ عَذَابِ القبر.
قال أبو القاسم» السعدي في كتاب الروح: هذا تصديق من رسول الله د أن الميت يقرأ في قبره، فإن عبد الله أخبره بذلك، وصدق رسول الله د وأخرج «المستغفري عن جابر بن عبد الله ت قال: أمر أبو بكر رضوانه عنه فقال: إذا أنا مت فجيئوا بي إلى الباب يعني باب البيت الذي فيه قبر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اله وسلم فدقوه، فإن فتح لكم فادفنوني، قال جابر: فانطلقنا فدققنا الباب، وقلنا: إن هذا أبو بكر قد اشتهى أن يدفن عند النبي د، ففتح الباب ولا ندري من فتح الباب، وقيل لنا: أدخلوه وادفنوه، كرامة وعزا، لا نرى شخصا ولا نرى شيئا، فهذه لا شك أنها كرامة من النبي د، وكرامة لأبي بكر رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 13
وأخرج «المستغفري عن ابن عمر ب قال: رأى عثمان رضي الله عنه ليلة قتل صبيحتها رسول الله د وهو يقول: يا عثمان! إنك تفطر عندنا، فقتل رضي الله عنه من يومه»، وهذه أيضًا كرامة من النبي د.
وقد أخرج البخاري في قصة موت «سعد» بن معاذ أنه اهتز له عرش الرحمن، وإخبار النبي د للصحابة بذلك، وهذه كرامة لسعد بن معاذ.
وقصة حنظلة الغسيل الذي غسله الملائكة بعد موته، مشهورة أخرجها [ .... ] وهذه كرامة أيضًا. وقصة «عاصم» التي ذكرها السائل أخرجها البخاري لا شك أنها كرامة أيضًا.
وقصة سماع «سعيد بن المسيب الآذان لوقت كل صلاة في أيام الحرة من قبر النبي د، وسماعه الإقامة، أيضًا أخرجها «أبو نعيم» في دلائل النبوة و «ابن سعده كرامة أيضا.
وقصة زيد بن خارجة الأنصاري عند وفاته في أيام عثمان بن عفان أنهم سمعوا جلجلة في صدره، وتكلم: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق، أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوى في أمر الله في الكتاب الأول، صدق صدق، (عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق) عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم من جيشكم خبر بئر أريس، وما بئر أريس!
قال سعيد بن المسيب: ثم هلك رجل من بني خطمة فسجي بثوبه، فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدق صدق، أخرجها «البيهقي» في «دلائل النبوة»، وقال: إسناده صحيح، وله شواهد.
وكذلك أخرجها «ابن أبي الدنيا، و «أبو نعيم» في «الدلائل»، و «البخاري في تاريخه ولا شك أن هذه كرامة أيضًا بعد موت زيد بن خارجة.
وأخرج «البيهقي، وابن عساكر عن النعمان بن بشير» قال: بينما يوارون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل إذ تكلم رجل من الأنصار (من القتلى) فقال: محمد رسول الله د، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، عثمان الرحيم، ثم سكت، وهذه كرامة أيضًا.
وقصة ثابت بن قيس بن شماس حين أصيب يوم اليمامة" بعد ما أدخل في قبره يشهد لهذه القصة.
أخرجها «البخاري» في «تاريخه وابن مندة، وابن مندة، و «ابن عساكره، كرامة أيضا.
الجزء 1 · صفحة 14
وقصة والد «جابر بن عبد الله الأنصاري حين استشهد يوم أن أحد، وبكت أخته، فقال النبي د: «تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها أخرجه البخاري» في «صحيحه»، كرامة أيضا.
فإن قلت: إن جميع ما سردته من الأدلة إنما هي كرامات لم تظهر فائدتها للغير، ونحن لا ننكر مثل هذا، وإنما الإنكار فيمن قصد ميتا من الأموات في مهم عرض له، فكشف الله عنه ذلك الكرب بسبب عرض مهمه على الميت، وهذا هو الشائع بين الناس في عصرنا هذا، فما الدليل على أن ذلك جاز؟ فإن مثل تلك الكرامات معتبرة.
قلت: إذا كان الميت مكنه الله تعالى من إبانة شيء خارق للعادة في نفسه كان لا محالة مظهراً للخوارق في الآخر أيضًا بسبب تمكين الباري تعالى ? له، فقدرة الله تعالى ممكنة من كل شيء، وهذه الكرامات إنما هي تشريف) من الله تعالى وإكرام لعبده المؤمن الصالح ليقتدي بهديه من كان قاصرا عن درجته، وهذا ظاهر لا أن لنا دلائل نقلية صريحة قالعة لهذه الشبهة الفاسدة، منها ما رواه البيهقي، وابن أبي شيبة» بسند صحيح عن مالك الدار وكان خازن عمر ت قال: أَصَابَ النَّاسَ قحط فِي زَمَنِ عُمر بن الْخَطَّابِ ت، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قبرِ رَسُولِ الله د فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَأَتَاهُم رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: «ائتِ عُمَرَ فَأَقْرِتْهُ السَّلامَ، وأخبره أنكُمْ مُسقونَ وَقُلْ لَهُ: عَلَيْك الْكَيْسُ الْكَيْسُ فَأَتَى الْرَجلُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَبَكَى عُمَرُ رض له عنه، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ ما الُو إلا مَا عَجَرْت عَنْهُ، وهذه كرامة أيضًا ظهر نفعها للناس مع أن عمر بن الخطاب رض الله عنه لم ينكر عليه في عرض مهمه على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّم بعد موته.
وقصة «أبي بكر بن المقرئ، و «أبي الشيخ و «الطبراني حين باتوا في حرم رسول الله د ليلتين جياعا، فقال أبو بكر: الجوع يا رسول الله، في الليلة الثالثة فما مضت ساعة إلا وجاء العلوي معه غلامان مع كل واحد زنبيل فيه طعام كثير، وقال: أشكوتم إلى رسول الله د؟ فأنا رأيته في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم وهذه كرمة أيضًا، استأنس بها هؤلاء العلماء العظام، ولم يستقبحوها، مع شدة غيرتهم على الشريعة المطهرة، واتباعهم للسنة النبوية ونشرها في كتبهم.
وقصة الأعرابي الذي أنشد بعد ما دفن رسول الله د على قبره.
يا خير من دفنت في التراب أعظمه ... إلى آخر الأبيات وبشر بالمغفرة بعد ذلك مشهورة. فهذه كلها صريحة في أن الكرامة جائزة الوقوع من كل حي وميت، ومن أنكر صادم الشريعة الغراء؛ إذ مدار
الجزء 1 · صفحة 15
أمرها على الكتاب والسنة، وليس بعدهما إلا الخيبة والخسارة أعاذنا الله تعالى من بوائقه وبوائق النار بفضله وكرمه، وما ذكرت من الأدلة إلا ما لا يسع للمنكر رد شيء منها، وأما ما عرفت فيه بعض شيء فتركت إيراده في هذه الأسطر؛ لئلا يؤولها مؤول أو يقول بضعفها، والإنصاف من الإيمان، الإيمان، وما كلامنا إلا مع المنصف، ومن كان متبعا لهواه في جميع ما يهواه، فلسنا فلسنا بصدده، والله الهادي إلى سواء الصراط، وليكن هذا آخر كلامنا في بحث الكرامات.
ونسأل من الله تعالى الكريم علو الدرجات، والمغفرة من جميع السبنات بحرمة أخفر الموجودات عليه وآله وأزواجه وأصحابه أفضل الصلوات وأشرف التسليمات.