الجزء 1 · صفحة 5
حكم إطعام الطعام في مولده
عليه السلام
للإمام الفقيه المحدث محمد عابد السندي الأنصاري الحنفي
توفي سنة 1257هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
قال الشيخ الإمام القدوة العارف الفقيه المحدث محمد عابد» ابن «أحمد على» السندي الأنصاري النقشبندي المدني نفع الله تعالى ببركته، وتغمده برضوانه ومغفرته:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير البرية وسيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين.
جرى في عرف بعض الناس أنهم يجعلون بعض أيام الأفراح موسماً للمواليد واتخاذا للأطعمة، وكذا يتخذون في بعض وفيات أكابر الصلحاء والأولياء أطعمة ويجمعون عليها ناسا، وهناك من متقشفي أهل العلم يمنعون عن اتخاذ هذه الأطعمة والحضور عليها، فهل مثل هذا المنع يسمع منهم أم كيف الحكم، أفتونا مأجورين ومشكورين؟
مستعينًا بالله تعالى فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم علمنا ما لم نعلم وزدنا علما {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}.
ثواب إطعام الطعام
وبعد: في شأن اتخاذ الأطعمة في المواليد وعند الوفيات، فلا شك لأحد من علماء المسلمين في فضل إطعام الطعام، وقد مدح الله تعالى أقوامًا بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حبّهِ مسكينًا وَيَتِيمَا وَأَسِيرا}.
ووبخ أقواما بقوله: {وَلَا تَحاضُونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}، وبقوله: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامٍ المسكين}، وذكر عن جواب الكفار عند خلودهم في النار أنهم يقولون: {قَالُوا لَم نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}.
ورغب جَلَّ جَلالُهُ بقوله: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَام فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ}.
الجزء 1 · صفحة 7
رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإِسْلامِ خَيْرُ؟ قَالَ: اتُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقَرَأ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفُ».
وأخرج «أحمد» و (الحاكم»، وابن حبان وصححاه عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بشيء إذا عملته- دخلت الجنة، قال: «أَطْعِمِ الطَّعَامَ، وأفش السَّلَامَ، وَصِلِ الْأَرْحَامَ، وَصَلِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ، تَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».
وأخرج الترمذي» وقال: حسن صحيح، عن عبد الله بن عمرو رض الله عنه عن صل الله عليه وعلى اله وسلم قال: «اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ».
أخرج «الطبراني» في «الكبير» بإسناد حسن، و «الحاكم صححه عن عبد الله بن عمرو أيضًا قال: قال رسول الله د: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَيُرَى بَاطِنُها مِنْ ظَاهِرِهَا، فقال أبو مالك الأشعري: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قال: لمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا، وَالنَّاسُ نِيَامُ.
وأخرج ابن حبان» في (صحيحه عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله: إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَيُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا الله لَمِنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ».
أخرج الترمذي وقال: حسن صحيح، عن عبد الله بن سلام الله عنه قال: قال رسول الله د: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بالليل وَالنَّاسُ نِيَامُ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
وأخرج «الحاكم وصححه عن «أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَ الله عَلَيْهِ وَعَلَى آهِ وَسَلَّمَ: الْكَفَّارَاتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامُ».
وأخرج أيضًا: عن «صهيب» أنه قال له «عمر» ت: فِيكَ سَرَفُ فِي الطَّعَامِ، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم يقول: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ.
أخرج الحاكم والبيهقي عن جابر ت مرسلًا ومتصلا قال: قال رسول الله د: «مُوجِبَاتُ الرَّحْمَةِ إِطْعَامُ الْمُسْلِمِ الْمِسْكِين»، وفي رواية «إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَة إِطْعَامَ الْمُسْلِمِ السَّغْبَانِ الجائع».
وأخرج ابن حبان عن عائشة ك قالت: قال رسول الله: «إِنَّ الله لَيرَبي لِأَحَدِكُمُ الثَّمَرَةَ وَاللقمةَ كمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحدِ».
الجزء 1 · صفحة 8
وأخرج الطبراني» في «الأوسط» عن أبي هريرة رضوانه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَ لَيُدْخِلُ بِلْقَمَةِ الخبز، وَقَبضَةِ الثَّمَرِ، وَمِثْلِهِ مِمَّا يَنْتَفَعُ بِهِ الْمِسْكِينُ ثَلَاثَةُ الجُنَّةَ: رَبَّ البَيتِ الْآمِرَ بِهِ، وَالزَّوْجَةَ تُصْلِحُهُ، وَالخَادِمَ الَّذِي يُناوِلُ المسكين».
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك رضوانه عنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُشْبِعَ كَبِدًا جَائِعًا».
وأخرج الطبراني» في «الكبير» عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله د: مَنْ أَطْعَمَ مُؤمِنًا حَتَّى يُشْبِعَهُ مِنْ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ الله بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الجنَّةِ، لَا يُدْخِلُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ».
وأخرج «أبو الشيخ في «الثواب» عن أنس بن مالك ت عن النبي د قال: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ إِشْبَاعِ كَبِدِ جَائِعِ».
وأخرج أيضًا، أبو الشيخ» في «الثواب عن الحسن بن على ب عن النبي د قال: «لأن أطعم أخا لي في الله لقمة، أحبُّ إليَّ من أن أتصدق على مسكين بدرهم، ولأن أعطيَ أَخا لي في الله درهما، أحبُّ إليَّ من أن أتصدق على مسكين بمئة درهم.
وأخرج «ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر ت قال: قال رسول الله د: تَعَبَّدَ عَابِدُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَبَدَ اللهَ فِي صَوْمَعَتِهِ، سِنِينَ عَامًا، فَأَمْطَرَتِ الْأَرْضُ، فَاخْضَرَّتْ، فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ نَزَلْتُ فَذَكَرْتُ الله لَازْدَدْتُ خَيْرًا، فَتَزَلَ وَمَعَهُ رَغِيفُ أَو رَغِيفَانِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الْأَرْضِ، لَقِيتُهُ امْرَأَةُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهَا وتكلمهُ، حَتَّى غَشِيَهَا، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ الْغَدِيرَ يَسْتَحِمْ، جَاءَهُ سَائِلُ، فَأَوْمَأ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغِيفَيْنِ، أَوِ الرَّغِيفَ، ثُمَّ مَاتَ فَوُزَنَتْ عِبَادَةُ سِيِّينَ سَنَةٌ بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ، فَرَبحتِ الزنيةُ بِحَسَنَاتِهِ، ثُمَّ وُضِعَ الرَّغِيفُ أَوِ الرَّغِيفَانِ مَعَ حَسَنَاتِهِ، فَرَبحتْ حَسَنَاتُهُ فَغُفِرَ لَهُ».
أخرج «أبو الشيخ في «الثواب» والبيهقي، والطبراني» في «الكبير» و «الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو ب قال: قال رسول الله د: من أَطْعَمَ أَخَاهُ خَبْرًا حَتَّى يُشْبِعَهُ، وَسَقَاهُ مَاءً حَتَّى يَرْوِيه، بعَّدَهُ اللهُ عَنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ، بعد ما بين خندقين مسيرة خمسمائة عام».
وأخرج «أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ت عن النبي د قال: أيما مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤمِنًا عَلَى جُوعِ أَطْعَمَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ ثَمَارِ الجَنَّةِ، وأيما مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَاء سَقَاهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيِ كَسَاهُ الله مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ» قال «الترمذي: وقفه على
الجزء 1 · صفحة 9
أبي سعيد أصح.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف موقوفا على [عبد الله] بن مسعود الله عنه قال (يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ الْقِيَامَةِ أَعْرَى مَا كانوا قط، وأجوع مَا كَانُوا قَطُّ، وَأَظْمَأ مَا كَانُوا قَطُّ، وَأَنْصَبَ مَا كَانُوا قَطُّ، فَمَنْ كَسَا لِله كَسَاهُ الله، وَمَنْ أَطْعَمَ لِله أَطْعَمَهُ الله وَمَنْ سَقَى لِله سَقَاهُ اللهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِله أَغنَاهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَنْ عَفَا لِلَّهِ أَعفاه الله عَزَّ وَجَلَّ»، وقد روي مرفوعاً بهذا اللفظ.
وأخرج «مسلم» عن أبي هريرة ربي الله عنه قال: قال رسول الله د: إِنَّ الله ? يَقُولُ يومَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وأَنتَ رَبُّ الْعالَمينَ، قَالَ: أَمَا عَلمتَ أَنَّ عَبْدِي فَلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدهُ، أَمَا عَلمتَ أَنَّكَ لَو عدته لوجدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلَيْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَانُ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلمتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عبدي فُلَانُ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّك لو سقيته وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
وأخرج «الطبراني» في «الأوسط» عن عمر ت قال: سئل رسول الله د أي الأعمال أفضل (عند الله تعالى)؟ قال: إدخال السرور على مؤمن مِن شبعة جوعة أو كسوة عورته، أو قضيت حَاجَته».
وهذه الأحاديث والآيات المتقدمة كلها مرغبة في إطعام المسلم، وأن المطعم يستوجب الثواب الجزيل من الملك الجليل، ولا يتوجه الإنكار إلى الطعام.
التصدق والإطعام عن الميت
وإتيان أرواح المؤمنين إلى بيوتهم
فإن قال قائل: إنما يتوجه إنكار المنكر من حيث كونه إطعاما عن الميت وأي دليل دل على جواز ذلك؟
قلنا: لا سبيل إلى إنكار ذلك أيضًا فقد روى «الغزالي» في «إحياء العلوم» عن النبي د أنه قال: «أرواح المؤمنين) يأتون في كل ليلة الجمعة ويومها فيقومون بفناء بيوتهم ثم ينادي كل واحد منهم بصوت حزين يا أهلي ويا أولادي ويا أقربائي! رحمكم الله تعالى أعطفوا علينا بصدقة أو دعاء واذكرونا ولا تنسونا وارحمونا في غربتنا، ينادي كل واحد منهم باكياً حزيناً حتى يخطب الخطيب يوم الجمعة».
الجزء 1 · صفحة 10
في «جواهر القلوب» عن «المصابيح» أن روح الميت تأتي إلى داره ليلة الجمعة فينظر هل يتصدق لأجله، أو هل يذكر بخير فيكون هناك إلى المصباح ثم ينصرف خائباً إذا لم يذكرون بشيء، (انتهى).
وفي «دستور القضاة أن أرواح المؤمنين يأتون في كل ليلة جمعة فيقومون بفناء بيوتهم ثم ينادي كل واحد منهم بصوت حزين يا أهلي وأقربائي [وأولادي]! اعطفوا علينا بالصدقة والدعاء واذكرونا ولا تنسونا وارحمونا في عسرتنا وقلة حيلتنا في قبر ضيق وسجن دقيق وغم طويل وفقر شديد وكان هذا المال الذي في أيديكم في أيدينا لو كنا ننفق في طاعة الله لم نسأل منه شيئًا وأنتم تأكلون وتشربون ونحن نحاسب ونعذب، فيرجعون باكيا حزينا ثم ينادي كل واحد بصوت حزين ويقول: اللهم قنطهم من الرحمة كما قنطونا من الدعاء والصدقة.
وفي كنز العباد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يقول: إذا كان يوم جمعة أو يوم عيد أو يوم عاشوراء أو ليلة النصف من شعبان يأتون أرواح الأموات ويقومون على أبواب بيوتهم فيقولون: هل من أحد يذكر غربتنا يا من سكنتم بيوتنا، ويا من أقمتم في أوسع قصورنا، ونحن في ضيق قبورنا، ويا من نكحتم نساءنا، هل من يتفكر في غربتنا وفقرنا وكنا مطوية وكنتم منشورة.
وفي الجوامع عن ابن عباس ت قال: قال رسول الله د: «ما الميت في القبر إلا كالغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم، أو أخ، أو ابن أو صديق، فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالى ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم.
وفي كنز العباد عن الشرعة يستحب أن يتصدق عن الميت بعده إلى سبعة أيام .. إلخ».
في «التجنيس» في الفصل الخامس في كتاب الصلاة لو صلى وصام أو أعتق أو فعل شيئًا من القربان ليصل ثوابه إلى الميت يجوز ويصل إليه وتعتبر هذه النية وتعمل في الإيصال انتهى.
قلت: ويؤيده ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث سعد بن عبادة ت أنه استفتى النبي د عن التصدق عن أمه حيث ماتت فجاءة ولم توص وأنه لو تصدق عنها هل ينفعها؟ فأفتاه د بالتصدق عنها وأخبره بما مفاده "أن ذلك تنفعها فتصدق عنها بحائط المخراف.
وفي رواية "أنه أمره بان يحفر لها بئرا ويتصدق عنها بالماء».
الجزء 1 · صفحة 11
وفي رواية "استفتاه في الإعتاق فأمره د بأن يعتق عنها.
وفي شرح النقاية "في مسائل شتى ولو فعل شيئًا من القربان والصدقة والصلاة للميت يجوز ويصل ثوابه للميت.
وفي الواقعات» رجل تصدق عن الميت أو دعا له يصل ثوابه إلى الميت لأنه روى في بعض الأخبار أن الحي إذا تصدق عن الميت أو دعا له بعث إلى الميت ذلك على طبق من نور (انتهى).
(وأيضًا توارث أهل المدينة جارية على تعين هذه الأيام، ولا يسع لأحد من المسلمين الإنكار من جواز التصدق أو اتخاذ الطعام في هذه الأيام، ومن أنكر فلا يعتمد عليه، لأن إنكاره إنكار من توارث أهل المدينة، وتوارثهم بمنزلة الإجماع فلا ينبغي له لأحد من المسلمين الإنكار منه).
التصدق والإطعام في يوم المولد ويوم الوفاة
فإن قلت: هذا الذي ذكرته كله إنما أفاد جواز التصدق والإطعام عن الميت فما وجه تخصيص يوم المولد ويوم الوفاة بذلك، وكلام السائل إنما هو في ذلك؟
قلت: نقل «الزرقاني» في «شرح المواهب اللدنية» عن الحافظ ابن حجر، أنه قال في جواب سؤال: وظهر لي تخريجه على أصل ثابت، وهو ما في «الصحيحين»: أن النبي د قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم؟ فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى عليه السلام ونحن نصومه شكرا، فقال د: فنحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه».
قال: فيستفاد منه فعل الشكر على ما منَّ به في يوم معين، وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة د، في ذلك اليوم، والشكر يحصل بأنواع العبادات، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن رجب.
قال السيوطي: وظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما رواه البيهقي: عن أنس ت: أَنه د عتق عن نفسه بعد النبوة ولا تعاد العقيقة مرة ثانية، يعني: وقد عق عنه في صغره جده عبد المطلب، فيحمل على أنه د فعل ذلك شكرا (بمولده) وكذلك يستحب لنا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات.
وتعقبه «النجم" بأنه حديث منكر، كما قاله الحافظ ابن حجر بل قال في الشرح المهذب: إن
الجزء 1 · صفحة 12
حديث أنه د عق عن نفسه حديث باطل، فالتخريج عليه ساقط، (انتهى).
قلت: وفي المواهب اللدنية» و «شرحه الزرقاني» ما مفاد عبارتهما: «أنه قد رؤي أبو لهب بعد موته في المنام فقيل له ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني كل ليلة إثنين، وذلك أني أمص من بين أصبعي هاتين ماءًا، وأشار أبو لهب رأس أصبعه إلى النقرة التي تحت إبهامه، كما ثبت في رواية «عبد الرزاق» وقال: إن ذلك بإعتاقي ثويبة حين بشرتني بولادة النبي د وبإرضاعها له، وقد رواه البخاري (مختصرا) وعبد الرزاق، والإسماعيلي قال ابن الجزري فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي د به، فما حال المسلم الموحد من أمته د يستبشر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته د ... (من الصدقات).
وقال حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر في قصة أبي لهب المتقدمة شعراً:
إذا كان هذا كافرًا جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتي أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورا ومات موحدا
لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم.
ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده د، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم، ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام"، كذا قال ابن الجزري».
وأول من أحدث فعل ذلك الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل قال ابن كثير في تاريخه ........ كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل فيه احتفالًا هائلًا، وكان مع ذلك شهما شجاعا، بطلا عاقلا عالما عادلا (رحمه الله وأكرم مثواه).
وطالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا في سنة ثلاثين وستمائة .. إلخ.
قال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض المواليد أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف
الجزء 1 · صفحة 13
صحن حلوى، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويطلق لهم البخور، وكان يصرف على المولد (في كل سنة) ثلاث مائة ألف دينار، هذا ما استفدناه من «المواهب، وشرحه.
ورأيت في فتاوى جدي» عبارة فارسية مفهومها: أنه ذكر في «كتاب الشمالي أن العلماء اختلفوا في أنه هل يهدى لروحه د في هذا اليوم أم لا؟ فقال بعضهم: لا يهدى؛ لأنه من قلة الأدب وهو د مستغني عنه، وقال بعضهم: بل يهدى قليلا كان أو كثيراً؛ لأنه لا استغناء لأحد عن رحمة الله تعالى سواء كان نبياً أو وليا ويوم مولده د ذبح أبو بكر الصديق ت مائة ناقة وتصدق بها، وتصدق أبو هريرة ت في ذلك بثلاثة أقراص من شعير، (انتهى).
فقول «الزرقاني» فيما تقدم: أول من أحدث ذلك إلخ» أولية نسبية بالنظر إلى ما بعد القرون الثلاثة إن ثبت ما نقله الجد رحمه الله تعالى.
ونقل «الجد» رحمه الله تعالى أيضًا عن رسالة ذكر أنه لم يقف على اسمها وعلى اسم مصنفها وهي مشهورة بين الناس بمولد النبي د قال: روي أنه كان رجل في بغداد أو في مصر، وكان يصنع في كل سنة مولد الرسول د، ويجمع الناس على تلاوة القرآن التماسا ببركة النبي د، وكان بجواره رجل يهودي فقالت له زوجته: ما بال جارنا المسلم يبذل مالا جزيلا وينفق أموالا كثيرة ويتصدق على الفقراء والمسكين ويطعم بأنواع الطعام) في كل عام في مثل هذا الشهر دون سائر الشهور؟ فقال لها زوجها: يزعم أن نبيه ولد فيه فهو يفعل ذلك كرامة له، فناما ليلتهما وكان في قلب الزوجة اشتياق المصطفى د فرأت في المنام كأن رجلاً جميل الوجه كثير الأنوار قد دخل بيت جارهم المسلم، وحوله جماعة من أ أصحابه كالأقمار، وهم يعظمونه ويجلونه، فقالت لواحد منهم من هذا جميل الوجه كثير الأنوار؟ فقال لها: هذا محمد المختار د قد دخل بيت جارك المسلم يزور لفرحهم به، قالت: هل يكلمني إذا كلمته؟ فقالوا: نعم إنه ليس بمتكبر ولا متجبر فأتت إليه، فقالت: يا محمد، فقال: لبيك يا أمة الله فبكت وقالت: يا رسول الله أتجيب مثلي بالتلبية وأنا على غير دينك ومن أعدائك؟!! فقال لها: والذي بعثني بالحق نبياً ما أجبت نداءك حتى علمت أن الله تعالى قد هداك، فقالت له: إنك لنبي كريم وإنك لعلى خلق عظيم، تعس من خالف أمرك، وخاب من جهل قدرك، مدّ يدك فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فاستيقظت فرحة مسرورة بهذا المنام، حيث رأت سيد الأنام، ودخلت في ملة الإسلام، فعاهدت الله تعالى في سرها أنها إذا أصبحت تتصدق بجميع ما تملكه وتعمل مولد النبي فرحة بإسلامها، وشكرا للرؤيا التي رأتها في منامها، فلما أصبحت رأت زوجها قد تهيأ للوليمة بهمة عظيمة،
الجزء 1 · صفحة 14
وشمر عن ساعديه بنية رفيعة، ووضع القدور على النار. وهو يخدمها بنفسه، وعليه أثر الفرح والاستبشار، فقالت له: ما لي أراك في همة عظيمة صالحة؟!! فقال: من أجل الذي أسلمت على يديه البارحة، قالت له: من كشف لك عن هذا السر المصون وأطلعك عليه؟ فقال لها: الذي أسلمت أنا من بعدك على يديه. فقالت: الحمد لله الذي جمعني وإياك على دين الإسلام، وأنقذنا من الكفر والظلام ببركة النبي د، (انتهى).
تعيين الأيام بمناسبة المواليد والوفيات
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: في مؤلف له سماه بـ: «ما ثبت من السنة في أيام السنة».
فإن قلت: فهل لهذا العرف الذي شاع في ديارنا في حفظ أعراس المشايخ في أيام وفاتهم أصل، فإن كان عندك علم بذلك فاذكره؟
قلت: سألت عن ذلك شيخنا الإمام عبد الوهاب المتقي الحنفي المكي، فأجاب: بأن ذلك من طرق المشايخ (رحمهم الله تعالى) وعاداتهم ولهم في ذلك نيات، قلت: كيف تعيين ذلك اليوم دون سائر الأيام؟
فقال: الضيافة مسنونة على الإطلاق فاقطعوا النظر عن تعيين اليوم: وله نظائر كمصافحة بعض المشايخ بعد الصلوات وكاكتحال يوم عاشوراء فإنه سنة على الإطلاق وبدعة من جهة الخصوصية.
ثم قال: وقد ذكر بعض المتأخرين من مشايخ العرب أن اليوم الذي وصلوا فيه إلى جناب العزة وحظائر القدس يرجى فيه من الخير والكرامة والبركة والنورانية أكثر وأوفي من سائر الأيام، ثم أطرق مليا ثم رفع رأسه، فقال: لم يكن في زمن السلف شيء من ذلك وإنما هو من مستحسنات المتأخرين، والله تعالى أعلم، (انتهى).
قلت: وقدمنا أنه قد نحر (أبو بكر الصديق رضي الله عنه مائة بدنة، وأطعم «أبو هريرة ت عنه ثلاثة أرغفة في يوم مولد النبي د وهو يوم وفاته، فإن ثبت ذلك فيؤخذ منه رد على ما نقله الشيخ عبد الحق الدهلوي» عن شيخ «عبد الوهاب المتقي بأنه لم يكن في زمن السلف شيء من ذلك.
البدعة وأقسامها
الجزء 1 · صفحة 15
فإن قلت: هذا موقوف على صحة ثبوت ما روي عن أبي بكر وعن أبي هريرة» ر انه عنها، فإن لم يثبت يرجع الكلام إلى كونه بدعة حيث خلا عصر ا القرون الثلاثة عن فعل ذلك، والبدعة مما يجتنب منها.
قلت: قد قسم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام، واجبة كتدوين العلوم، ومندوبة كبناء المدارس والرباط، ومحرمة كالمكوس ومكروهة كتزيين المساجد، ومباحة كالتوسع في لذيذ المآكل والمشارب.
ولا يخفى: أن البدعة لا تذم من حيث اللفظ والتسمية كما لا يذم لفظ «المحدث» من هذه الحيثية توهماً من ظاهر الحديث كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
فقد قال الله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعَا مِنَ الرُّسُلِ} وقال الله تعالى {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرِ مِنَ الرَّحمنِ مُحْدَثٍ}.
وإنما تذم من حيث كونها لا ترضى الله تعالى ورسوله د كما يفيد عموم رواية هذا الحديث منطوق ما رواه الترمذي وقال حديث حسن وابن ماجه من قوله د: من ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ لَا يرضاها الله تعالى ورسوله د كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا ......
ومفهوم ما أخرجه البخاري و «مسلم» من قوله: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا ليسَ فِيهِ، فَهُوَ رَد.
فإن مفهومه: من أحدث ما هو منه مما يشهد له شيء من قواعده وأدلته العامة فإنه مقبول، وقد صح قوله د: «مَنْ سَنَ سُنَةٌ حَسَنَةٌ، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها" الحديث أخرجه «مسلم».
و (من) من صيغ العموم فلا يختص ذلك بالسلف، بل هم ومن تبعهم بإحسان من علماء الأمة في ذلك سواء، فعلى هذا أفعال أهل العلم وما استمروا عليه مما لا يخالف نص الشارع كتابا وسنة، إما نصا أو استنباطا لا وجه لمنعها، بل مندوب إليها، والناس مأمورون باتباعها، فإن العلماء الراسخين من المنيبين إليه تعالى وقد أمر الله تعالى في كتابه العزيز باتباع المنيب إليه بقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ}.
وفي الحديث الموقوف من طريق المرفوع من أخرى مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِندَ الله حَسَنُ.
فالحاصل أن البدعة التي ينبغي التجنب عنها إنما هي البدعة القبيحة المذمومة التي يجب الإنكار عليها لا كل بدعة.
الجزء 1 · صفحة 16
وفي مبسوط شروح الأحاديث ما يكشف النقاب عن التي يتجنب منها. هذا ما ظهر لي في جواب السؤال، والله سُبْحَانَهُ وَتَعالى أعلم.
هذا ما قاله بفمه ورقمه بقلمه محمد عابد ابن الشيخ المرحوم أحمد على ابن محمد مراد بن يعقوب بن محمود السندي مولدا والأنصاري الأيوبي الخزرجي نسبأ، النقشبندي طريقة غفر الله تعالى له ولأسلافه ومشائخه ذنوبهم ورضى عن الجميع رضاء لا يسخط بعده آمين حرره في ذي الحجة سنة ????هـ في وادي خليص ماط.