الجزء 1 · صفحة 5
تقبيل الصحابة يد رسول الله ورجله ورأسه الشريف
صلى الله عليه وسلم
للإمام الفقيه المحدث محمد عابد السندي الأنصاري الحنفي
توفي سنة 1257هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه هداة الدين.
وبعد فيقول «محمد عابد» بن الشيخ «أحمد علي» الأنصاري الخزرجي الأيوبي نسبا، السندي مولدا، قد سألني بعض من لا يسعني مخالفته بسؤال ما لفظه:
هل ورد في الأحاديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون يد رسول الله صلَى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم الكريمة أو رأسه، أو قدمه الشريفين أو غيره من أعضاءه الشريفة أم لا؟
أفيدونا بنقل صريح أفادكم الله تعالى بكل خير وجزاكم الله تعالى عنا بما هو أهله، الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
فأجيب عليه بقولي:
فاعلم: أن التقبيل على الإطلاق سواء على الرأس أو اليد أو بين العينين أو غير ذلك الأعضاء لا يخلو إما أن يكون للشهوة وهذا لا شك في تحريمه إلا لزوجة، أو من يحل له وطؤها، أو يكون للمودة والشفقة كتقبيل الوالد ولده، وذلك جائز (لتقبيل النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم بسرة «الحسين رضي الله عنه.
وتقبيل «أبي بكر» خد بنته «عائشة» أم المؤمنين رضي الله عنها حين وجدها محمومة، كما أخرجه أبو داود.
وهذا القسم من التقبيل غالبة يكون للشفقة وإظهار المودة.
ومن ذلك تقبيل النبي صل الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بين عينيه كما أخرجه أبو داود» و «البيهقي» في «شعب الإيمان.
الجزء 1 · صفحة 7
أو يكون التقبيل لتعظيم شخص فلا يجوز مالم يكن لعالم أو سلطان عادل، أومن له شرف ديني لشرفه كسيد علوي تعظيما الجناب تعظيما لجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عدا ذلك فحرام لم يرد في الشرع الشريف جوازه ولم نجد النصوص إلا فيما ذكرناه.
وليس لأحد أن ينكر على من قبل يد أحد من المذكورين؛ لما تظاهرت الأدلة القوية الكثيرة على وقوع التقبيل من الصحابة يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله.
تقبيل الصحابة وغيرهم يد النبي
منها: ما أخرجه أبو داود و «البخاري» في الأدب المفرد عن «زارع» رضي الله عنه وكان في وفد عبد القيس، قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم ورجليه.
ومنها: ما أخرجه أبو داود أيضا من حديث عبد الله بن عمر رضاه عنها بعد أن ذكر قصة، قال: فدنونا من النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّم فقبلنا يديه.
ومنها: ما أخرجه أبو داود» أيضا من حديث «عائشة» رضي الله عنها إن «فاطمة» رضي الله عنها كانت إذا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم قامت إليه فأخذت بيده فقبلته.
ومنها: ما أخرجه أيضا عن أسيد بن حضير» عن رجل من الأنصار قال: بينما يحدث القوم وكان رجل فيه مزاح، فبيننا يضحكهم فطعنه النبي صلى اللَّه عليه وعلى اله وسلم في خاصرته بعود. فقال: أصبرني قال «اصطبر» قال: إن عليك قميصا وليس على قميص، فرفع النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّم عن قميصه فاحتضنه وجعل يقبل كشحه، وقال: إنما أردت هذا يا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمه.
ومنها: ما رواه «الطبراني عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه لما نزل عنده النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فأخذ بيده فقبلها.
ومنها: ما أخرجه الطبراني» في «الأوسط بسند جيد عن سلمة بن الأكوع» رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى اله عليه على اله وسلم بيدي هذه فقبلناها فلم ينكر علي.
ومنها: ما أخرجه الحاكم» وصححه في مستدركه عن «بريدة» أن رجلا أتى النبي صلى الله عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 8
وَعَلَى الهِ وسَلَّم فقبل رأسه ورجليه.
ومنها: ما أخرجه الترمذي» والنسائي» وابن ماجه عن صفوان بن عسال» أن قوما من اليهود قبلوا يد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ ورجليه قال الترمذي: هذا حديث حسن.
فإذا ثبت تقبيل الصحابة يد النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى اليهِ وسَلَّم ورجله أيضا في بعض الحالات كان ذلك دليلا قاطعا لجواز تقبيل يد العالم ويد الملك العادل، ويد صاحب الشرف، وأرجلهم أيضا، لما أنه صلى الله عليه وعلى اليه وسلم قد جمعت فيه من الفضائل الشريفة، والمناقب الحميدة، والمفاخر العديدة من العلم الكبير اللدني الرباني والرياسة التامة في الإمامة، وشرافة النسب بحيث لا يدانيه أحد في واحد من تلك الخصال، فيستنبط من كل واحد من خصاله الثلاثة جواز التقبيل على يد من شرفه الله تعالى بأحد تلك الخصال الثلاثة عملا لعموم قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
ولعموم قوله تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}، ولعموم قوله تعالى: {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، ولما ثبت من عموم قوله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم: إن أخشاكم وأعليكم بالله أنا.
ولا يقال: إن ذلك خاص بالنبي صلى الله علي وعلى اله وسلم لما أخرجه الترمذي بسند حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله صلَى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم! الرجل منا يلقى أخاه وصديقه أ ينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: «لا»، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: «نعم».
لأنا نقول هذا الحديث محمول على غير العالم، وغير من يجوز تقبيل يده كما سردناه.
وإنما قلنا بذلك لما ثبت من تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم «زيد بن حارثة» حين قدم المدينة بعد ما عانقه، كما أخرجه الترمذي».
ولما ثبت من تقبيل النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ فاه «أبي بكر رضي انه عنه بعد ما عانقه حين أقبل، واعلي روي عنه واقف مع رسول الله صلى اله علي وعل اله وسلم فقال «علي» بابه عنه: أتقبل صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى وَسَلَّمَ فاه «أبي بكر»؟ روله عنه، فقال صلى الله عليه وعلى اله وسلم: "يا أبا الحسن منزلة «أبي بكر» عندي كمنزلتي عند أبي».
الجزء 1 · صفحة 9
فهذه الأخبار صريحة في رفع الخصوصية على أن المنكر إنما يستنبط من حديث «أنس» عدم جواز التقبيل، وهو بعض ما سأله السائل، وإلا فهو قائل بجواز المعانقة وهي بعينها نفس الالتزام الذي سأل عنه السائل عنه أيضًا، فإن قال بتحريم التقبيل قال بتحريم المعانقة أيضًا، وليس فليس.
فعلم حينئذ أن مفهوم الحديث غير معمول به إلا في الانحناء، وجواز المصافحة، وهذا ظاهر لا غبار عليه.
ويؤيد ما حملنا حديث «أنس» قول الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل) يلقى أخاه أو صديقه، ولم يقل: الرجل يلقى من له فضل وشرف، والجواب أسير السؤال. وإنما قلنا بذلك دفعا للتعارض مع أن اللفظة غير قابل بغير ما ذكرناه، كما لا يخفى على من له أدنى لبّ أو أدنى بصيرة.
فإن قلت: إنما استدللت في رفع احتمال الخصوصية بتقبيل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّم للصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وذلك أمر مرفوع منه غير وارد علينا.
لأنا نقول: كما اختص النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بتقبيل الصحابة يديه ورجليه الشريفين
كذلك اختص صلى الله عليه وعلى اله وسَم بتقبيله أفواه الصحابة ومعانقتهم.
فمن أين لك أن تستدل على أن تقبيل أهل العلم والشرف مأمور به وجائز، وذلك لا يفهم ولا يتحقق إلا بأحاديث تدل على أن الصحابة رضوان الله تعالي عليهم أجمعين كانت تفعل ذلك فيما بينهم من غير نكير من أحدهم في ذلك، وما لم تكن الأحاديث كذلك كان غير رافع للخصوصية.
فقلنا: الخصائص لا يثبت بالاحتمال، ولولا ذلك لكان كل أمر فعله الشارع صلى الله عليه وعلى آله وسلم قابلاً للخصوصية ما لم يثبت عليه دليل التشريع، وهذا خلاف مفاد كلام الله تعالى، وخلاف ما قرره العلماء المحققون من أهل العقل والنقل.
على أن الذي يمنع التقبيل إنما يستند إلى أنه تعظيم لغير الله تعالي (وتعظيم غير الله تعالى).
حرام ولو كان ذلك كذلك مطلقا لكان النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم أولى بالتنزه من ذلك لما أسلفنا من قوله صل الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أخشاكم وأعليكم بالله أنا ولكثرة ما ثبت من تنفره صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم عن مثل ذلك في غير ما هنالك من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم.
الجزء 1 · صفحة 10
ومن قوله صل الله عليه وعلى اله وسلم: "إن كد تم لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وذلك لما قاموا في الصلاة خلف النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يصلي، مع أنهم ما أرادوا في تلك الحالة تعظيم جانب الرسالة، وإنما كانوا جاهلين عن حكم من ائتم خلف قاعد حتى قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون.
فمن كانت هذه حاله في التنفر عن تعظيم أصحابه له كيف لا يتنفر عن أمر يعلم لأصحابه فيه الحرج والمشقة مع كمال علمه صلى الله عليه وعلى اله وسلم بشدة اتباع أصحابه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم وتتبعهم آثاره واقتفائهم هديه.
وقد علم ذلك منهم غير مرة حاشا جنابه الشريف صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الله وَسَلَّم أن يفعل أمرًا يكون لأصاحبه فيه الإثم ثم لا ينبههم بعلة الاختصاص.
والحال أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في الاتباع من غير بحث وتفتيش كثيرة ظاهرة الأمر بالمبادرة إلى المتابعة كما لا يخفى على من له أدنى فقاهة أن الأدلة صريحة بأن الصحابة كانت تفعل التقبيل فيما بينهم من غير نكير أحد منهم على الآخر.
التقبيل عن الصحابة وغيرهم
وذلك ما أخرجه الطبراني عن يحيى بن الحارث» الذماري قال: لقيت «وائلة بن الأسقع»، فقلت: بايعت بيدك هذه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم؟، فقال: نعم، فقلت: أعطني يدك أقبلها فأعطانيها وقبلتها، قال الهيثمي: ورجال إسناده ثقات.
ونقل «المحب الطبري» في كتابه الرياض النضرة) عن «الصفوة» أنه أخرج في فضائل «أبي بكر» عن أبي رجاء العطاردني قال: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين، ورأيت رجلا يقبل رأس رجل وهو يقول: فداؤك، ولولا أنت لهلكنا، فقلت من المقبل؟
ومن المقبل؟ قالوا: ذاك عمر يقبل رأس أبي بكر في قتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوها صاغرين.
نقل الحافظ ابن حجر» في كتاب (الإصابة» في ترجمة «عبد الله بن عباس رضي انه عنها (عن
الجزء 1 · صفحة 11
«المجالسة» من طريق ابن المبارك» عن «داود» «هو» ابن هند) عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ ابن عباس» رضي لله عنهما بركابه فقال: لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبل "زيد بن ثابت يده وقال: هكذا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الله وَسَلَّم.
وأخرج البيهقي من طريق ضرار بن عمرو» عن أبي رافع» قال وجه «عمر» رضي الله عنه جيشا إلى الروم وفيهم عبد بن حذافة»، فأسروه، فقال له ملك الروم» تنصر وأشركك في ملكي، فأبى، فأمر به فصلب، فأمر برميه بالسهام، فلم يجزع، فأنزل، وأمر بقدر فصب فيها الماء وأغلي عليه وأمر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بکي، قال: ردوه، فقال: لم بكيت؟ قال: تمنيت لو أن لي مائة نفس تلقى هذا في الله فتعجب، فقال: قبل رأسي وأنا أخلي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، وقبل رأسه، فحل بينهم، فقدم بهم على «عمر» رضي الله عنه، فقام «عمر» رضي الله عنه فقبل رأسه.
وأخرج ابن عساكر بهذه القصة شاهدا من حديث ابن عباس» عنه موصولا وأخرج من فوائد هشام ابن عثمان من مرسل الزهري.
فهذه الأحاديث مصرحة، فإن الصحابة لم ينكروا التقبيل بل استأنسوا به وما أنكر عليهم أحد على أن قول زيد بن ثابت: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، يؤنس منه بأن التقبيل على يد ذي الشرف مأمور به من النبي صل اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؛ لأن قول الصحابي (أمرنا) له حكم الرفع إذ ليس له آمر غير النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم كما حققه ابن الصلاح في مقدمة في علوم الحديث»، والحافظ ابن حجر في الشرح نخبة الفكر» وكلما كان مأمورًا من النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إذا لم يفعله كان آثما، فكل من لم يقبل يد ذي الشرف كان آثما مخالفا لأمر النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم، قال الله تعالى:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ}.
وإذا كانت هذه الحالة لمن لم يقبل، فماظنك من أنكر التقبيل كان إثمه أكبر ووزره أوفر، نسأل من الله تعالى المغفرة.
الجزء 1 · صفحة 12
التقبيل عن الأئمة المحققين طبقة بعد طبقة
على أن العلماء لم يزل طبقة بعد طبقة تقبل الأيدي أيضًا بلا نكير منهم في ذلك ولا منازعة، كما أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن أبي بكر بن محمد بن عمر رجاله عنه قال: كنت عند أبي بكر بن مجاهد فجاء «الشبلي» فقام إليه أبو بكر بن مجاهد فعانقه، وقبل بين عينيه، فقلت له: يا سيدي تفعل بالشبلي هكذا! فقال لي: فعلت به كما رأيت رسول الله صل الله عليه وعلى آله وسَلَّم فعل معه في المنام، وقد أقبل الشبلي» فقام إليه، وقبل ما بين عينيه، فقلت: يا رسول الله! أتفعل هذا بالشبلي! فقال: هذا يقرأ بعد صلاته {لقد جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ}، ويتبعها بالصلاة علي، ذكره الحافظ أبو موسى المديني وغيره.
وروي عن سفيان» أنه قال: تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة، فقام عبد الله ابن المبارك وقبل رأسه، فقال: من يحسن هذا غيرك! وقصة «مسلم بن الحجاج» القشيري صاحب الصحيح حين قبل بين عيني (البخاري» وأراد تقبيل رجله، مشهورة.
فعلم من هذا: أن العلماء بعد عصر الصحابة أيضًا كانوا يستأنسون بذلك ولا ينكرونه فضلا عن المبالغة في الزجر على من صنع ذلك.
ومما يؤمي إلى جواز التقبيل للعالم ويرشد إليه ما أخرجه البخاري» من تقبيل أبي بكر» للنبي صَلى الله علَيْهِ وَسَلَّم بعد وفاته وتقبيل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم العثمان بن مظعون» بعد موته وقد أخذ من ذلك جواز تقبيل الميت أئمة من المحققين.
وقال به جماعة من المحدثين فإذا كان التقبيل للميت جائزا فما ظنك بالعالم الحي الذي ينتفع منه الناس في أمر دينهم، ولم يرد المقبل ليده إلا تعظيم العلم الشريف.
وهذا آخر ما فتح الله علي في إيراد الجواب على ما سأله السائل، قاله عجلا ورقمه خجلا، أفقر عباد الله إلى رحمته، وأحوجهم إلى مغفرته «محمد عابد» بن المرحوم الشيخ «أحمد علي الأنصاري نسباً، السندي مولدا لاطفه ربه الغني آ آمين.
وكان الجواب في سنة ???? هجري بعد دخولي في الحديدة المحروسة، وأنا على ساق العزم بالسفر إلى بعض الجبال، وأسأل الله تعالى العفو والغفران والفوز بالجنة والرضوان أنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما مباركًا طيباً.