الجزء 1 · صفحة 5
التوسل بالأنبياء والأولياء
للإمام الفقيه المحدث محمد عابد السندي الأنصاري الحنفي
توفي سنة 1257هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الإمام القدوة العارف الفقيه المحدّث المفسر محمد عابد ابن أحمد الأنصاري النقشبندي السندي المدني نفع الله تعالى ببركته، وتغمده برضوانه ومغفرته:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على خير البرية وسيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد ورد سؤال في جواز الاستغاثة والخطاب بن أغثني يا رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسَلَّم مع أن المتكلم بها في المدينة المشرفة أو خارجها؟
فإن قيل: بالجواز فهل هذا يختص بحضرة الرسالة، أم يعم كل ولي في أقطار الأرض؟ كأن يقال: يا سيدي عبد القادر أغثني.
ويا مولائي خواجه نقشبند أرهقني، وما يقال: من أن التخليص من المكروه ونحوه إنما هو بيد الله تعالى وليس الأمر في ذلك إلى نبي أو ولي بوجه من الوجوه.
نعم الأولياء والأنبياء يشفعون في العرصات الحشرية، لكن ذلك خاص بذلك الوقت بشرط الإذن والأمر، وحيث لا إذن ولا أمر. فسؤال الشفاعة منهم والاستغاثة بهم في المهمات أمر يكاد لا ينفع بل لا يصح.
فهل هذا الكلام وأضرابه مقبول عند العلماء الأعلام كثرهم الله تعالى؟ أجيبونا وأفتونا والناس في هذه المسألة في حيص وبيص، والمطلوب نص صريح من الكتاب، أو حديث صحيح.
أقول: مستعيناً بالله تعالى فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم علمنا مالم نعلم وزدنا علماً ورَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.
وبعد:
الجزء 1 · صفحة 7
فلا يخفى أن قول القائل: أغثني يا رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم، ما أراه مستنكراً ولا مستقبحا؛ لأنه إما أن ينكر وجود شعور لميت وسماعه لما يسمع.
فيجاب عليه: بأنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة القوية ما يقتضي أن للميت شعورًا بعد موته، وسماعا لما يسمع.
منها: ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اله علي وعلى اله وسلم قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الْجَنازَةُ واحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةٌ قَالَتْ: قَدِمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَير صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتِهَا شَيء إلا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِق» (الحديث).
فهذا: مما يفيد ثبوت الشعور للميت بحملهم له أولا، وذهابهم به ثانيا، ومعرفة تامة بما آل إليه أمره من خير، أو شر.
قلت: إنما هي في حق من يقوم عليهم الساعة بغتة فلا يقدرون على التوصية لضيق الوقت كما أشار إليه «ابن الخازن» في «تفسيره».
ومنها: ما أخرجه الشيخان» عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد إِذَا وضع في قبره وَتَوَلَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ» (الحديث).
ففيه ثبوت سماع الميت لقرع النعال، فالأولى سماعه لما يتلفظ به من الأقوال.
وأما ما قال ابن الهمام» بأن أكثر المشائخ الحنفية أجابوا عن حديث «إنه ليسمع قرع نعالهم، بأنه مخصوص بأول الوضع مقدمة للسوال، فهو خلاف الظاهر، بل الظاهر أن هذه الحالة حاصلة في القبر سرمدا لما سقنا فيه من الأدلة التي تقتضي ثبوت سماع الميت دواما.
ومنها: ما جاء في زيارته صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل البقيع والسلام عليهم والخطاب معهم بقوله: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَّا تُوعَدُونَ غَدًا مُّؤَجَلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بكُمْ لاحِقُونَ فالخطاب مع من لا يسمع ولا يفهم مما لا يعقل وكان يعد من العبث، وليس هذا مخصوصا به صلى الله عليه وعلى اله وسلم، بل الأمر بخطاب أهل القبور بقول السلام عليكم. إلخ، سنة مستمرة بمن يزور القبور.
الجزء 1 · صفحة 8
وقد ذكروا في توجيه قوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «عليك السلام بتحية الميت أنه ليس المراد منه المنع من التحية بن السّلام عليك» بل المراد به أنه لما لم يتوقع رد السلام، استوى في حقه التقديم والتاخير فيفهم أن السلام حاصل له لا الرد.
ومنها: ما أخرجه الشيخان عن قتادة رضي لله عنه قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم أَمَرَ يومَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقْذِفُوا فِي طَوِي مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثِ مُخَبِيثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثلاث ليالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ اليَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفْةِ الرَّبِي فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: «يَا فُلان بنَ فُلانٍ، ويَا فلان بن فلان، أ يَسُرُكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادِ لَا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اله علي وعلى اله وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحمدٍ بِيَدِهِ مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُم وَلكِنْ لا يُجيبُونَ» (الحديث).
فدفع النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم ما توهمه عمر رضي الله عنه من استبعاد سماع الموتى لكلام الأحياء، وقرر بأن سماعهم ا أكثر من سماع الأحياء.
وقال «ابن اسحاق: حدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَا أَهْلَ القَلِيبِ، بِئْسَ الْعَشِيرَةُ كُنتُمْ لِنَبِيكُمْ، كَذبتموني وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وآوانِي النَّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ جَزَاكُمُ اللهُ عَنِي مِنْ عِصَابَةٍ شَرًّا خَوْنَتقُونِي أَمِينًا، وكذبتموني صَادِقًا».
قال «الزرقاني»: في شرح المواهب في قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ وَلَكِن لا
يجيبون» أي: لعدم الإذن لهم في إجابة أهل الدنيا، كقوله تعالى:
(هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ* وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) هذا هو الأصل فلا يقدح فيه ما اتفق من كلام بعض الموتى لبعض الأحياء لاحتمال الإذن لذلك البعض، (انتهى).
وقال السهيلي» ما محصله: أن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة ذلك لنبيه صل اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّم لقول الصحابة له: أتخاطب أقواما قد جيفوا فأجابهم بما أجابهم، (انتهى).
وفي كلامه إشارة إلى ما قيل بأن حديث مخاطبة قتلى البدر خصوصية له صلى الله عليه وعلى اله
الجزء 1 · صفحة 9
وسلم ومعجزة، كما ثبت عند البخاري» أنه قال قتادة رضي عنه: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله توييخاً وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما.
ولا يخفى: أن الحمل على ذلك بمجرد احتمال وتأويل لا يذهب إليه حتى يقوم دليل على استحالة السماع والله تعالى قادر على ذلك وعلى تثبت الحواس للإحساس.
فإن قلت: إنه قد ثبت أنّ عائشة رضي الله تعالى عنها قد أنكرت على عمر رض اللَّه عنه، وقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «إنهُمُ الآنَ ليَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ صَلَّى وَعَلَى وَسَلَّمَ الحق». ثم قرأتُ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَولى حتى قرأتِ الآية، كما أخرجه البخاري).
الجواب: عن ذلك من وجوه:
أولها: ما قاله السهيلي: أنه إذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين كما أثبتته عائشة رضي الله تعالى عنها (جاز أن يكونوا سامعين كما أثبته عمر رض الله عنه) مع أن ذلك اللفظ لم يتفرد به عمر رض انه عنه فإنه قد ثبت من رواية ابنه عبد الله ورواية أبي طلحة.
وأيضًا: فالعلم لا يمنع السماع ثم سماعهم إما بأذن رؤوسهم إذا قلنا: إن الروح تعاد إلى الجسد كله أو إلى بعضه عند المسألة. وهذا قول أكثر أهل السنة وإما بأذن القلب، أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال على الروح، من غير رجوع إلى الجسد كله، أو بعضه.
ثانيها: أن معارضتها بقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى} أو بقوله تعالى: {وَمَا أَنتَ بمُسمع من فِي الْقُبُورِ) دافعة لمن ادعى الخصوصية في حديث أهل القليب تصريحاً لنفي الإسماع منه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّم باعتبار ظاهر الآية على أن الله تعالى قادر على أن يخلق تلك الحالة في الأموات كلهم عند ندائهم من أي شخص كان وفي أي زمان يكون.
ثالثها: أنه لم يتلق العلماء إنكارها بالقبول، قال «الإسماعيلي»: كان عند عائشة رضي الله تعالى عنها من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنص مثله، يدلّ على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} لا ينافي قوله صلى الله عليه وعلى اله وسَلَّمَ إِنهم الآنَ يَسْمَعُونَ» لأنّ الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي صلى اله عليه على اله وسلم ولم يسمعهم المصطفى صلى الله عليه
الجزء 1 · صفحة 10
وسلم فحصل التوفيق بين الآية والحديث.
وأما جوابها: بأنه إنما قال: «إنهم ليعلمون» فإن كانت سمعت ذلك من النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم أو من غيره لأنها لم تشهد القصة، فلا تنافي رواية: «يسمعون» إذ العلم لا يمنع السماع (كما ا قدمناه بل تؤيدها؛ لأنّ علم المخاطب في العادة إنما يكون بما يسمعه.
رابعها: أن المراد بالموتى ومن في القبور هم الكفّار مجازا باعتبار أنهم موتى القلوب حيث لا تتأثر من سماع المواعظ، وبيوتهم أجسادهم التي فيها تلك القلوب الميتة كأنها قبور لهم، وهذا من غير نظر إلى حقيقة الكلام والمراد بنفي سماعهم عدم إجابتهم للحق بدليل أن الآيتين نزلنا في دعاء الكفار إلى الإيمان وعدم إجابتهم إلى ذلك.
خامسها: أن عائشة رضي الله تعالى عنها رجعت عن إنكارها بدليل ما قال في «المواهب اللدنية أنّ من الغريب أن في «المغازي» لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة رضي الله تعالى عنها مثل حديث أبي طلحة وفيه: «مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، فلعلها لما ثبت عندها الحديث من رواية الصحابة رضي الله عنهم المتعددين رجعت وروت موافقا لروايتهم وعذرها في ذلك أنها لم تحضر بدرا.
ومما يؤيد رجوعها ما أخرجه الترمذي أنّ عائشة رضي ا الله تعالى عنها لما زارت قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما خاطبته وقالت: «الله! تو حَضَرْتُكَ مَا دَفَنَتُكَ إِلا حَيْثُ مُتَ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ».
وما أخرجه «أحمد» عائشة عن رضي الله تعالى عنها قالت: «كنت أضع ثيابي في بيتي بعد وضع رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسلم وأبي بكر رضي عنه؛ لأنه ما كان هناك إلا زوجي، وأبي، فلما وضع عمر رض الله عنه كنت أستر نفسي حياءً منه» ففي هذا إثباتها لإدراك الميت كهيئة الحي فضلا عن سماع مقالته.
فإن قلت: كيف يستقيم ما ذكرت مع ما ذكره ابن الهمام في «فتحه» من كتاب الجنائز إن الميت لا يسمع شيئًا عند أكثر مشائخنا على ما صرحوا به في كتاب الأيمان في باب اليمين بالضرب، أنه لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتاً لا يحنث؛ لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك.
قلت: بعد تحقق ثبوت السماع للموتى من لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ
الجزء 1 · صفحة 11
قَرعَ نِعَالِهِم» وبقوله: «مَا أَنتُم بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وبمخاطبة لهم بالسلام عليهم لا يسع للعالم المنصف المتمسك بذيل الحق إلا الرجوع إلى ما ثبت في ذلك منه صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اليه وسلم والقول به والاعتماد عليه وهجر ما يخالفه، ولو كان القائل هماما.
والله در من قال:
العلم ما قال الله وقال رسوله ... إن صح والإجماع فاجهد فيه
وحذر من نصب الخالف جهالة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
وقال جمال الدين الهادي ابن إبراهيم
عليك بما كان النبي محمد ... عليه ودع ما شئت من قول قائل
هو المنسك المرضي والمذهب الذي ... عليه مضى خير القرون الأوائل
فدن بالذي دان النبي وصحبه ... من الدين واترك غيرهم في بلائل
هم الشامة الغرا وسادة [ذا] الورى ... وهم بهجة الدنيا ونور القلائل
إذا أنت لم تسلك مسالك رشدهم ... وتمسك من أقوالهم بالوسائل
فقد فاتك الحظ السني ولم تكن ... إلى الحق من نهج السبيل بواصل
عليك بهدى القوم تنج من الردى ... وتغل بهم في الفوز أعلى المنازل
على أن ما ذكره من مسألة اليمين.
يجاب عنه: بأن الأيمان مبنية على العرف ولا يلزم منه نفي حقيقة السماع كما قالوا: فيمن حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك لا يحنث مع أنه تعالى سماه لَحْمًا طريا.
وقد ذكر «ابن الهمام» في «فتح القدير» في فصل زيارة النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّم: أنهم قالوا في زيارة القبور: الأولى أن يأتي الزائر من قبل رجلي المتوفى لا من قبل رأسه فإنه أتعب لبصر الميت بخلاف الأول لأنه يكون مقابل بصره! لأن بصره ناظر إلى جهة قدميه إذا كان على جنبه (انتهى).
فقد أثبت رحمه الله تعالى للميت اطلاعاً بحاسة بصره وهي أضعف من حاسة السمع لافتقار حاسة البصر إلى الضوء، وأفاد بأن أطباق الثرى لا تحول بين بصره وبين الزائر فبالأولى أن لا تمتنع حاسة
الجزء 1 · صفحة 12
السمع عما تعتاده.
ثم إنا لو نزلنا عن هذا، فلا يلزم من نفي السماع نفي العلم؛ لأن السمع يكون بالحاسة التي هي في البدن وقد خرب البدن، وأما العلم فيكون بالروح وهي باق، وعلمه لا يكون بالقوى الجسمانية، فيكون علمه بالمسموعات والمبصرات لا على وجه الأبصار والسمع بخروج الشعاع ووقوع الصوت، كما أوّل بعض المسلمين سمع الله وبصره بالعلم بالمسموعات والمبصرات، وهؤلاء الموتى من الصالحين بعد إنسلاخهم من الصفات البشرية وإنقطاع علائقهم عن الدنيا الدنية، وإرتياحهم بلقاء الله تعالى المستوجب لهم السعادة السرمدية، أفيضت عليهم أنوار الحضرة القيومية حتى أوضحت لهم كل خفية ورفعت عنهم الحجب من الثرى والمسافة المقضية. وقد ثبت ذلك لبعض الأحياء في حياتهم الدنيوية كما يشير إليه «يا سارية الجبل» في السيرة العمرية.
فكيف بمن تجرد وفاز باللقاء واستراح من موجبات الشقاء.
ولله در من قال:
إذا ما بَدَتْ ليلى فكلّي أعينُ ... وإن هي نَاجَتْني فَلَي مَسَامِع
وقد وردت الآثار والأخبار بعلم الموتى بأحوال الزائرين لهم، وأيضًا لا شك في حصول العلم للموتى بأحوال الآخرة وحقيقة الدين وحقيته، فليمكن أن يكون العلم بأحوال الدنيا وأهلها أيضًا ثابتا.
وأما الدليل على حصول العلم لهم مع بقاء الروح لهم في عالم البرزخ فهو ما ورد في الأحاديث أن الشهداء لما رأوا ما عند الله تعالى لهم من النعمة والراحة قالوا له سبحانه وتعالى: من يخبر إخواننا عن أحوالنا فقال الله تعالى: أنا أخبرهم بذلك فأنزل الله تعالى قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَاءَ أَتَهُمُ الله
وقد جاء أن القراء الذين قتلوا في بير معونة قالوا: أخبر إخواننا بأنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وكان هذا قرآنًا يقرأ ثم نسخ تلاوته.
وجاء في الحديث: «أَنَّ الْمَيْتَ إِذَا فَرَغَ مِنْ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ بِالخَيْرِ يَنُورُ لَهُ فِي الْقَبْرِ وَيُقَالُ لَهُ: لَمْ كَنَوْمِ الْعُرُوسِ فَيَقُولُ لَهُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ؟. فعلم بهذا أن الموتى ثبت لهم العلم بالأهل والإخوان
الجزء 1 · صفحة 13
والأحباب.
وقد ثبت بالقرآن تمني الكفار العود إلى الدنيا والتحسر على إضلال أخلائهم إياهم كما قال: {يَوَيلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا وإذا كان لهم علم بأصحابهم وإخوانهم يوم القيامة ففي البرزخ أولى وأقرب، ثم أنه لا حاجة إلى هذه الأولوية مع ما قدمنا من الأدلة الصحيحة الصريحة في ثبوت العلم والسماع لهم فلا مجال لإنكاره إلا لجاهل بالأخبار، أو منكر للدين.
وقد ثبت في حق الموتى ما هو فوق سماعهم وهو الكلام وقراءة القرآن. أما الأول: وقد ثبت سماع كثير من كلام الموتى وقدمنا ذلك، منهم ربعي خراش قد صرح غير واحد بأنه تكلم بعد الموت.
وأما الثاني: فقد ثبت ذلك فيما أخرجه الترمذي» وحسنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ضرب بعضُ أَصْحَابِ النَّبي صلى اله عليه وعلى اله وسلم حَبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ لَا يَحْسَبُ قبر، فَإِذَا فِيهِ قَبْرُ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيِّ أَنَّهُ صلى اله علي وعلى اله وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ صلى اله علي وعلى اله وسلم إِنِّي ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لَا أَحْسِبُ أَنَّهُ قبر فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانُ يقرأُ سُورَةَ الْمُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَ الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: هِيَ الْمَائِعَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنخِيهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» وهذا القدر كاف في إثبات سماع الموتى وشعورهم وكلامهم للأحياء وقراءتهم القرآن فلا وجه لإنكار من أنكر ذلك.
وأما إن ينكر نداء غير الله تعالى فيقول: إنه لا يجوز.
فيجاب عليه: بأن هذا مردود بما أخرجه ابن السني» في عمل اليوم والليلة»، في باب ما يقول إذا خدرت رجله عن أبي سعيد الخدري قال: كنت أمشي مع ابن عمر فدرت رجله، فجلس فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمداه. فقام ومشى.
وأخرج أيضًا: عن عبد الرحمن بن سعد قال: كنت عند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقدرت رجله، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ما لرجلك؟ قال اجتمع عصبها من ههنا، فقلت: أدع أحب الناس إليك، فقال: يا محمد صل اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّه. فانبسطت.
وأخرج أيضًا: عن الهيثم ابن حنش، قال: كنا عند عبد الد بن عمرو رضي الله عنها الله يعني ابن العاص فخدرت رجله، فقال له رجل أذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّم. قال: فكأنما نشط من عقال.
الجزء 1 · صفحة 14
ويستفاد من هذه الآثار جواز نداء للميت بعد موته قريباً كان منه أو بعيدا عنه. ويؤيد ذلك ما ثبت في ألفاظ التشهد: السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فإن «أي من حرف النداء على أن فيه مخاطبة الميت بعد موته.
ويستفاد منه: أنه لا يقتصر في جوازه على اشتراط قربه من الميت بل القرب والبعد سواءان في هذا الحكم، وذلك؛ لأن المصلّي كان مأمورًا بهذا القول في تشهده أين كان. وأما إن ينكر جواز الاستغاثة بغير الله تعالى؟
فيجاب عليه: بأنه مردود بما أخرجه الطبراني» في «الكبير» بإسناد رجاله ثقات عن عقبة بن غزوان عن نبي الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّمَ قال: «إذَا أَضَلَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا، أَوْ أَرَادَ عَوْنًا وَهُوَ بِأَرْضِ لَيْسَ بِهَا أَنيْسُ فَلْيَقُلْ يَا عِبَادَ اللَّهِ أَعِينُونِي فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لا ترونهم، وقد جرب ذلك، (انتهى لفظ الطبراني).
وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفا أنه قال: إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُنَادِ أَعُيْمُونِي عِبَادَ اللَّهِ رَحِمَكُمُ الله.
وقد جاء في الاستعاذة بالميت من المكروه، ما أخرجه ابن السني» في «عمل اليوم والليلة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إِذَا كُنتَ بِوَادٍ تَخَافُ فِيهِ السَّبَاعَ فَقُلْ: أعوذ بدانيال وبالجب مِنْ شَرِّ الأَسَدِ».
على أنه قد ثبت بأدلة قوية وأسانيد صحيحة حياة الأنبياء الكرام) عليهم أفضل الصلاة والسلام خصوصا نبينا صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ وأن الله تعالى وملائكته يبلغون الصلاة والسلام من كل مصلّ حيث كان إليه.
ولا يستنكر قول من ادعى أنه رآهم في اليقظة عليهم السلام بدليل ما ورد أنه صلى اله عليه وعلى اله وسلم رأى موسى عليه السلام رافعا صوته بالتلبية ورأى يونس عليه السلام الله عَلَيْهِ وَعَلَى وَسَلَّمَ كذلك.
على أن إحياء الله تعالى لمن شاء من الكفار للتعذيب والهوان، وليكون موعظة للمؤمنين غير مستنكر أيضًا لما رواه الطبراني في «الأوسط وابن أبي الدنياه" وغيرهم عن ابن عمر رضي انه عنهما قال: «بينا أَنَا سَائِرُ، بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ حفير، في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ، فَنَادَانِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي. يَا عَبْدَ
الجزء 1 · صفحة 15
اللَّهِ اسْقِنِي، فَلَا أَدْرِي، أعرف اسمي أَوْ دَعَانِي بِدِعَايَةِ الْعَرَبِ، وَخَرَجَ أَسْوَدُ مِنْ ذَلِكَ الْخَفَيْرِ، فِي يَدِهِ سوط، فَنَادَانِي: يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَسْقِهِ، فَإِنَّهُ كَافِرُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ حَتَّى عَادَ إِلَى حُفْرَتِهِ، فَأَتَيْتُ النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اله وَسَلَّمَ فَأَخبرتهُ، فَقَالَ لِي: أَو قَدْ رَأَيْتَهُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «ذَاكَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَذَاكَ عَذَابَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وروى ابن أبي الدنيا» عن (الشعبي» أن رجلا قال: للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ إنِّي مَرَرْتُ بِبَدْرٍ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ فَضَرَبَهُ رَجُلُ بِمقْمَعَةٍ مَعَهُ حَتَّى يتغيب في الْأَرْضِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّمَ: ذَاكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ يُعَذِّبُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَذلِكَ» (الحديث).
قال «الزرقاني» في «شرح المواهب اللدنية»: والرجل الذي أبهمه «الشعبي» الظاهر أنه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ويحتمل أنه غيره فيكون الرائي لأبي جهل بعدد، (انتهى).
وقال السمهودي في «الوفاء»: اعلم أن الاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم وبجاهه وببركته إلى ربه (تعالى) من فعل الأنبياء والمرسلين، وسنن السلف الصالحين، واقع في كل حال، قبل خلقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وبعد خلقه في حياته الدنيوية ومدة البرزخ وعرصات القيامة.
الحال الأول: ورد فيه الآثار عن الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، ولنقتصر على ما رواه جماعة منهم (الحاكم» وصحح إسناده عن عمر بن الخطاب رضي ليلة عن قال: قال رسول الله صل الله لَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّم: الما اقْتَرَفَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أسألُكَ بِحَقِّ مُحمدٍ لِمَا غَفَرْتَ لِي، قَالَ اللهُ تعالى: يَا آدَمُ وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحمَّدًا وَلَمْ أَخْلَقَهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ لأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَني بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِي مِنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا: لا إِلَهَ إِلا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَعَرَفْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلا أَحَبَّ الخلقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: صَدَقْتَ يَا آدَمُ إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، إِذْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْ لا محمد مَا خَلَقْتُكَ» (الحديث).
ورواه الطبراني» وزاد «وَهُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتَكَ».
قال السبكي: وإذا جاز التوسل بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح وهي مخلوقة فالسؤال بالنبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ، أولى، وفي العادة أن من كان له عند شخص قدر فتوسل به إليه في غيبته فإنه يجيب إكراما للمتوسل به، وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سبباً للإجابة.
الجزء 1 · صفحة 16
[قال]: ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسل والاستغاثة والتشفع والتجوه، ومعناه التوجه به في الحاجة، وقد يتوسل به ممن له جاه إلى من هو أعلى منه.
الحال الثاني: التوسل به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا.
منه ما رواه جماعة منهم (النسائي والترمذي في الدعوات من «جامعه» عن عثمان بن حنيف: أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصْرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى الله لَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِنِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكَ، قَالَ: فَادْعُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأُ فَلْيُحْسِن وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهذا الدُّعَاءِ: أَللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ محمد نبيّ الرَّحمَةِ، يَا مُحَمدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللهمَّ فَشَفَعَهُ في» قال «الترمذي»: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد أبصر، وفي رواية.
ففعل الرجل فبرأ.
الحال الثالث: التوسل به صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم بعد وفاته روى الطبراني» في الكبير» عن عثمان بن حنيف رَض الله عنه المتقدم: «أَنَّ رَجُلًا، كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ اله عنهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَنظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَشَكَى ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: «ائتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأُ، ثُمَّ ائتِ الْمَسْجِدَ فَصَلَّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِينَا مُحَمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم نبي الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي وَتُذَكَّرُ حَاجَتَكَ.
فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ، فَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عثمان بن عفانَ رَينَ الله عَنْهُ فأجلسه معه عَلَى الطَّنْفسَة فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَر حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأَذْكُرَهَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ الله خَيْرًا مَا كَانَ يَنظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِي، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ، وَلَكِنِي شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عَلَيْهِ عَلَى الهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُ ضَرِيرُ فَشَكَى إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبي صل الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم: «إِنْ شِئْتَ دَعوتُ أَوْ تَصْبِرْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدُ وَقَدْ شَقَ عَلَيَّ، فقال له النبي صل الله عليه وعلى اله وسلم: «ائتِ
الجزء 1 · صفحة 17
الْمِيَضَأَةَ فَتَوَضَّأُ، ثُمَّ صَلَّ رَكَعَتَيْنِ ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يکن به ضر قط»، ورواه البيهقي من طريقين بنحوه:
وأخرج الطبراني» في «الكبير و «الأوسط» بسند فيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي دخل عليها رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم فجلس عند رأسها فقال: رَحمَكِ الله يا أمي بعد أمي» وذكر ثناءه عليها وتكفنها ببرده قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد، وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب، وغلاما أسود يحفرون ففروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم فاضطجع فيه، ثم قال: «الله الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَي لا يموتُ اغْفِرْ لأُمّي فَاطِمَةَ بنت أَسَدٍ، وَلَقِنَها حجتها ووسع عليها مَدْخَلَها بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وكبر عليها أربعا، وأدخلها اللحد هو، والعباس، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم.
فيستفاد من هذا أنه صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّمَ قد توسل بالأنبياء الكرام عليهم السلام فأمته بالأولى لا يمنعون من ذلك.
وقد يكون التوسل به صلى اله عليه وعلى اله وسلم بعد الوفاة بمعنى طلب أن يدعو كما كان في حياته، وذلك فيما رواه البيهقي» وابن أبي شيبة» عن مالك الدار قال: أَصَابَ النَّاسَ قَط فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَانَ عَنْهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِي صلى اله عليه وعلى اله وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: اسْتَسْقِ اللهَ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلى اللَّه عليه وعلى الوسام في المنام، فَقَالَ انْتِ عُمَرَ، فَأَقْرِتْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْقَوْنَ. وَقُلْ لَهُ: عَلَيْكَ الْكَيْسَ الْكَيْسَ. فَأَتَى الرَّجُلُ عُمر رضي الله عنه، فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى عُمَر رضي الله عنه ثُمَّ قَالَ: يَا رَبُّ مَا أَلُو إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ.
وروي "سيف" في «الفتوح» أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة رضي الله عنهم.
ومحل الاستشهاد: طلب الاستغاثة منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى اله وسلم وهو في البرزخ ودعاؤه لربه غير ممتنع في هذه الحالة، وعلمه بسؤال من يسأله قد ورد.
الجزء 1 · صفحة 18
[قال]: وقد يكون التوسل به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم بطلب ذلك الأمر منه، بمعنى أنه صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قادر على التسبب فيه بسؤاله وبشفاعته إلى ربه، فيعود إلى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة. ومنه قول القائل له صلى اله عليه وعلى اله وسَلَّم: «أسألك مرافقتك في الجنة (الحديث) ولا يقصد به إلا كونه صَى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّمَ سبباً وشافعًا.
الحال الرابع: إن التوسل به صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه تعالى، وذلك مما قام الإجماع عليه وتواترت به الأخبار.
وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «أَوْحَى الله إِلَى عيسى عليه السّلامُ يَا عِيسَى آمِنْ مِحَمَّدٍ وَأَمر مَن أدركَهُ مِنْ أُمَّتِكَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَلَوْلَا مُحمَّد مَا خَلَقْتُ آدَمَ وَلَوْلَا مُحمَّدُ مَا خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَلَا النَّارَ وَلَقَدْ خَلَقْتُ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ فَاضْطَرَبَ فَكَتَبْتُ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله فَسَكَنَ.
[قال]: فكيف لا تتشفع ولا نتوسل بمن له هذا المقام والجاه عند مولاه؟ بل يجوز التوسل بسائر الصالحين كما قاله السبكي.
وروى عياض في الشفاء بسند جيد عن مالك.
قال: ناظر «أبو جعفر» أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما، فقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
ومدح قوما فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أُولبك الَّذِينَ امْتَحَنَ الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ}.
وذم قوماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها «أبو جعفر»، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أ أستقبل رسول الله صلى اله عليه وعلى اله وسلم وأدعو؟ فقال: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الجزء 1 · صفحة 19
فانظر إلى هذا الكلام من مالك رحمه الله تعالى وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستقباله عند الدعاء، وحسن الأدب التام معه. عَلَيْهِ وقد ذكر «ابن الجوزي» في كتاب «الوفاء» بإسناده إلى «أبي بكر بن المقريء الله تعالى، قال: كنت أنا والطبراني»، و «أبو الشيخ في حرم رسول الله صل اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّمَ وأثر فينا الجوع وواصلنا ذلك اليوم فلما كان وقت العشاء حضرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله الجوع!! وانصرفت فقال لي أبو القاسم: اجلس، فإما أن يكون الرزق أو الموت. قال أبو بكر»: فنمت أنا و «أبو الشيخ»، و «الطبراني جالس ينظر في شيء فحضر بالباب علوي فدق [الباب] ففتحنا له، فإذا معه غلامان مع كل واحد منهما زنبيل [الكبير] فيه شيء كثير، فجلسنا وأكلنا وظننا أن الباقي يأخذه الغلام، فولى وترك عندنا الباقي، فلما فرغنا من الطعام، قال العلوي: يا قوم! أشكوتم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّم؟ فإني رأيت رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّم في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم.
وقال ابن الجلاء» رحمه الله تعالى: دخلت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي فاقة، فتقدمت إلى القبر وقلت أنا ضيفك ونمت فرأيت النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فأعطاني رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت وبيدي النصف الآخر.
وقال «أبو الخير الأقطع رحمه الله تعالى دخلت مدينة رسول الله صَلى الله عَليهِ وَعَلَى الهِ وَسَلَّم وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً، فتقدمت إلى القبر [الشريف] وسلمت على النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقلت: أنا ضيفك يا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسلم، وتنحيت ونمت خلف القبر فرأيت في المنام النبي صلى اله علي وعلى اله وسلم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بن أبي طالب بين يديه، فركني علي رض الله عنه وقال: قم، قد جاء رسول الله صلى اله عليه وعلى اله وسلم، قال: فقمت إليه وقبلت بين يديه، فدفع إلي رغيفا فأكلت نصفه، وانتبهت فإذا في يدي نصف رغيف.
وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زرعة الصوفي رحمه الله تعالى سافرت مع أبي [ومع أبي عبد الرحمن ابن خُفيف إلى مكة المشرفة] فأصابتنا فاقة شديدة فدخلنا مدينة الرسول صلى الله عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وبتنا طاويين، وكنت دون البلوغ، فكنت أجيء إلى أبي غير دفعة وأقول: أنا جائع، فأتى أبي إلى الحظيرة وقال: يا رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّمَ أنا ضيفك الليلة، وجلس على المراقبة، فلما كان بعد ساعة، رفع رأسه وكان يبكي ساعةً ويضحك ساعةً، فسئل عنه فقال: رأيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 20
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم فوضع في يدي دراهم، وفتح يده فإذا فيها دراهم، وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شيراز، وكنا ننفق منها.
وقال «أحمد بن محمده الصوفي: أصبت في البادية ثلاثة أشهر فانسلخ جلدي، فدخلت المدينة وجئت إلى النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم، فسلمت عليه وعلى صاحبيه، ثم نمت فرأيته صلى الله عَلَيْهِ وَعلى اله وسلم في النوم فقال لي: يا أحمد، جئت؟ فقلت: نعم، وأنا جائع، وأنا في ضيافتك. فقال صلى الله عليه وعلى اله وسلم: افتح كفيك. ففتحتهما، فملأهما دراهم، وانتبهت وهما مملؤتان، وقمت فاشتريت خبرًا حواريًا وفالوذجا، وأكلت، وقمت للوقت ودخلت بالبادية.
وذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر» في تاريخه بسنده إلى «أبي القاسم ثابت بن أحمد بن الحسين البغدادي قال: إنه رأى رجلًا بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم أذن للصبح عند قبر النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فقال فيه: الصلاة خير من النوم، فجاءه خادم من خدم المسجد فلطمه حين سمع ذلك، فبكى الرجل، وقال: يا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعلى اله وسلم في حضرتك يفعل بي هذا الفعل؟ ففلج الخادم [في الحال] وحمل إلى داره فمكث ثلاثة أيام ومات.
وهذه الوقائع المذكورة رواها ابن الجوزي في كتابه «الوفاء وغيره كالإمام محمد بن موسى بن النعمان» في كتابه مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأذكى السلام في اليقظة والمنام].
ومن ذلك ما ذكر ابن النعمان أيضًا أنه سمعه ممن وقع له أو عنه بواسطة فقال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن سعد رحمه الله تعالى يقول: كنت بمدينة النبي صل الله عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم ومعي ثلاثة من الفقراء فأصابتنا فاقة، فجئت إلى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الهِ وسَلَّم فقلت: يا رسول الله ليس لنا شيء، ويكفينا ثلاثة أمداد من أي شيء كان، فتلقاني رجل فدفع إلي ثلاثة أمداد من التمر الطيب.
وسمعت الشريف أبا محمد عبد السلام بن عبد الرحمن الحسيني الفاسي يقول: أقمت بمدينة النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم ثلاثة أيام لم أستطعم فيها، فأتيت عند منبره صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى الِهِ وَسَلَّم فركعت ركعتين وقلت: يا جدي جعت وأتمنى عليك ثردة ثم غلبتني عيني فنمت، فبينما أنا نائم وإذا برجل يوقظني، فانتبهت فرأيتُ معه قدحاً من خشب وفيه ثريد وسمن ولحم وأفاويه، فقال لي: كل، فقلت له: من أين هذا؟ فقال: إن صغاري لهم ثلاثة أيام يتمنون هذا الطعام. فلما كان اليوم فتح الله لي
الجزء 1 · صفحة 21
بشيء عملت به هذا ثم نمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم في المنام وهو يقول: إن أحد إخوانك تمنى علي هذا الطعام فأطعمه منه.
وسمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن أبي الأمان» رحمه الله تعالى يقول: كُنتُ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم خَلَفَ محراب فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكان الشريف مكثر القاسمي نائماً خلف المحراب المذكور فانتبه فجاء إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّمَ فسلّم عليه، وعاد إلينا مبتسماً، فقال له شمس الدين صوّاف» خادم الضريح النبوي: فيما تبسمت؟ فقال: كانت بي فاقة، فخرجت من بيتي، فأتيت بيت فاطمة رضي الله عنها، فاستغثت الله بالنبي صلى اله علي وعلى اله وسلم، وقلت: إني جائع، فنمت فرأيت النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَى اللَّهِ وَسَلَّم وقد أعطاني قدح لبن، فشربت حتى رويت، وهذا هو. فبصق اللبن من فيه في كفّي وشاهدناه من فيه.
وسمعت عبد الله بن الحسن الدمياطي رحمه الله تعالى يقول: حكى لي الشيخ عبد القادر التنيسي بثغر دمياط قال: كنت أمشي على قاعدة الفقر فدخلت مدينة النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى اله وسلم، وسلمت على النبي صلى الله عليهِ وَعَلَى اللَّهِ وَسَلَّم، وشكوت له ضرري من الجوع، واشتهيت عليه الطعام من البر واللحم والتمر، وتقدمت بعد الزيارة للروضة فصليت فيها، وبت فيها. فإذا شخص يُوقِظُني من النوم، فانتبهتُ ومضيتُ. معه وكان شابا جميلا خلقا وخُلْقًا، فقدَّمَ إلى جَفْنَةَ ثريد وعليها شاة وأطباق من أنواع التمر الصيحاني وغيره، وخبز كثير من جملته خُبز أقراص سويقِ النَّبق، فأكلتُ وملأ لي جرابي لحما وخبرا وتمراً.
وقال: كنت نائماً بعد صلاة الضحى فرأيتُ النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم في المنام وأمرني أن أفعل لك هذا، ودلني عليك وعرفني مكانك بالروضة، وقال لي [عنك]: إنك أردت هذا واشتهيته.
وسمعت صديقي علي بن إبراهيم بن سوار البوصيري يقول: سمعتُ عبد السلام بن أبي القاسم الصقلي يقول: حدثني رجل ثقة نسي اسمه.
قال: كنتُ بمدينة النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم، ولم يكن لي شَيءٍ فَضَعَفْتُ، وأتيتُ حجرة النبي صلى اله عليه وعلى اله وسلم وقلتُ: يا سيد الأولين والآخرين، أنا رجل من أهل مصر ولي خمسة أشهر في جوارك، وقد ضَعُفَتُ فقُلتُ: أسأل الله تعالى وأسألك يا رسول الله، أن تسخر لي من يشبِعُني أو يُخرِجُني، ثم دعوتُ عند الحجرة بدعوات، وجلست عند المنبر.
الجزء 1 · صفحة 22
فإذا بِرَجُلٍ قد دخل إلى الحجرة، فوقف يتكلم بكلام ويقول: يا جَدَاهُ يا جَدَاهُ. ثم جاء إلي وقبض على يدي وقال لي: قم فقُمْتُ صحبة خرج بي من باب جبريل، وغدا إلى البقيع وخرج منه.
فإذا بخيمة مضروبةٍ وجَارِيَةً وعبد، فقال لهما: قوما فاصنعا لضيفكما عيشة. فقام العبد فجمع الحطب، وأوقد النار. وقامَتِ الجارية طحنت وصنعت ملة، وشاغلني بالحديث حتى أتت الجارية بالملة فقسمها نصفين، وأتت الجارية بعدة فيها سمن، فصب على الملة وأتت بتمر صيحاني، فصنعها حيسا وقال لي: كُل، فأكلت شيئًا قليلا، فصدرت، فقال لي: كُل، فأكلت شيئًا، ثُمَّ قَالَ لي: كُل، فقلتُ: يا سيدي! لي أشهر لم آكل فيها حنطة، ولا أزيد شيئًا، فَأَخَذَ النصف الثاني وضم ما فَضُلَ مِني من الملة، وأتى بمزود وصاعين من تمر فوضعهما في المزود، وقال لي: ما اسمك؟ فقلتُ فلان. فقال لي بالله عليك، لا تعد تشكو إلى جدي، فإنه يعز عليه ذلك، ومن الساعة متى جُعْتَ يأتيك رِزْقُكَ حتى يُسبب الله لك من يخرجكَ، وقال للغُلام خُذْهُ وأوصله إلى حجرة جَدِي فَغَدَوْتُ مع الغلام إلى البقيع، فقلتُ له: فقد وصلت، فقال لي: يا سيدي! والله ما أقدرُ أُفَارِقُكَ حتى أوصلك إلى الحجرة، لئلا يعلم النبي صلى اله عليه وعلى اله وسلم سيدي بذلك، فأوصلني إلى الحجرة الشريفة وودعني ورجع.
فمكثت آكل من الذي أَعْطَاني أربعة أيام، ثُمَّ جُعْتُ بعد ذلك، فإذا بالغُلام قد أتاني بطعام، ثم لم أزل كذلك، كلما جُعْتُ أتاني بطعام، حتى سبب الله تعالى لي جماعة خرجت معهم إلى الينبع، وذلك ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم.
وروى ابن نعمان» أيضًا بسنده إلى أبي العباس أحمد بن نفيس المقريء الضرير التونسي قال: جعت بالمدينة ثلاثة أيام، فجئت إلى القبر الشريف وقلت: يا رسول صلى اله عليه وعلى اله وسله جعت، ثم نمت ضعيفًا، فركضتني جارية برجلها، فقمت إليها فقالت: اعزم، فقمت معها إلى دارها، فقدمت إلي خبز بر وتمراً وسمنا وقالت: كل يا أبا العباس! قد أمرني بهذا جدي رسول الله صلى لله عَلَيْهِ وَعَلَى اليه وسلم ومتى جعت فأت إلينا.
قال «أبو سليمان داود في مصنفه في الزيارة بعد رؤيته لذلك كله: إنه قد وقع في كثير مما ذكر وأمثاله أن الذي يأمره رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم في ذلك إنما يكون من الذرية الشريفة، لا سيما إذا كان المتناول طعامًا؛ لأن من تمام جميل أخلاق الكرام إذا سئل القرى البداءة بأنفسهم، ثم بمن يكون منهم، فاقتضى خلقه الكريم أن إعطاء سائل القرى يكون منه ومن ذريته الكريمة.
الجزء 1 · صفحة 23
قال السيد «السمهودي» والحكايات في هذا الباب كثيرة بل وقع لنا أشياء من ذلك ثم ذكر بعض ما وقع له، وتركت نقله اختصارا.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي» في شرح مشكاة المصابيح وغيره من مصنفاته ما محصله:
وأما الاستمداد بأهل القبور فقد أنكره بعض الفقهاء، فإن كان الإنكار من جهة أنه لا سماع لهم، ولا شعور بالزائر وأحواله فقد ثبت بطلانه، وإن كان بسبب أنه لا قدرة لهم ولا تصرف في ذلك الموطن بل هم محبوسون عن ذلك ومشتغلون بما عرض لأنفسهم من المحنة ما يشغلهم عما عداهم، فلا نرى ذلك كليا خصوصا في شأن المتقين الذين هم أولياء الله، فيمكن أن يحصل لأرواحهم عند الرب تعالى من القرب في البرزخ والمنزلة والقدرة على الشفاعة والدعاء وطلب الحاجات لزائريهم المتوسلين بهم ما يحصل لهم يوم القيامة، وما الدليل على نفي ذلك؟ وقد فسر البيضاوي قوله تعالى: {وَالنَّزعَتِ غرقا} إلى قوله: {فَالْمُدَبرَاتِ أَمْرًا} بصفات النفوس الفاضلة حال المفارقة، فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أو نزعاً شديدا، من إغراق النازع في القوس، وتنبسط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه فتسبق إلى خطائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات.
ولا أدري ما المراد بالاستمداد الذي ينفيه المنكر والذي يفهم أن الداعي المحتاج الفقير يدعو الله تعالى ويطلب حاجاته من الله تعالى ويتوسل بروحانية هذا العبد المقرب المكرم: عنده تعالى، ويقول: اللهم ببركة هذا العبد الذي رحمته وأكرمته وبما لك به من اللطف والكرم اقض حاجتي وأعط سؤالي، إنك أنت المعطي الكريم، أو ينادي هذا العبد المكرم المقرب عند الله تعالى، ويقول: يا عبد الله ويا وليه اشفع لي وادع ربك وسله أن يعطيني سؤالي ويقضي حاجتي، والمعطي والمسؤول عنه والمأمول منه هو الرب تعالى وتقدس، وما العبد في البين إلا وسيلة، وليس الفاعل والقادر والمتصرف إلا هو، وأولياء الله تعالى هم الفانون الهالكون في فعله تعالى وقدرته وسطوته لا فعل لهم ولا قدرة لهم ولا تصرف، لا الآن ولا حين كانوا أحياءً في دار الدنيا، فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا به، ولو كان هذا شركا وتوجها إلى غير الله تعالى كما يزعمه المنكر، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من عباد الله الصالحين وأوليائه في حال الحياة أيضًا، وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب ومستحسن شائع في الدين.
ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا، فما الدليل عليه؟
الجزء 1 · صفحة 24
ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كلياً، ولا دليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة، غايته أنه لم تكن هذه المسألة كلية. وفائدة الاستمداد عامة بل يمكن أن يكون بعض منهم متجذبًا إلى عالم القدس ومستهلكا في حضرة الله تعالى بحيث لا يكون له شعور ولا توجه إلى عالم الدنيا ولا تصرف ولا تدبير فيه كما يوجد من اختلاف أحوال المجذوبين والمتمكنة من المشائخ في الدنيا.
وأما نفي ذلك ذلك مطلقا وإنكاره كليا فلا، ولا دليل على ذلك أصلا بل الدلائل قائمة على خلافه.
نعم إن كان الزائر يعتقد أن أهل القبور متصرفون ومستندون وقادرون من غير وجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليها كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون، وكما يفعلون أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير، بل كفر البعض بالسجود إليه، فذلك مما يمنع ويحذر منه، وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن المبحث، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل هذا، وما ينقل عن المشائخ المكاشفين في الاستمداد من أرواح الكمل واستفادتهم منهم: خارج عن الحصر المذكور في كتبهم مشهور بينهم لا حاجة إلى أن نذكرها، ولعل المنكر المتعصب لا تنفعه كلماتهم، عافانا الله تعالى من ذلك.
نعم المروي في السنة في الزيارة السلام على الموتى والاستغفار لهم وقراءة القرآن، وليس فيها نهي عن الاستمداد، فتكون الزيارة للإمداد والاستمداد معا على تفاوت حال الزائر والمزور، (انتهى) كذا قال رحمه الله تعالى.
وأقول: بل ثبت في السنة الاستمداد أيضًا. وذلك فيما أخرجه «ابن عسا كر في تاريخه» وابن الجوزي» في مثير الغرام وابن النجار» بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: أتيت قبر النبي صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم فزرته فجلست بحذائه، فجاء أعرابي وذكر نحو ما سيأتي، بل روى أبو سعيد السمعاني» عن علي روايته عنه قال قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبره وحتى من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قلت فسمعنا قولك الله ووعيت عن سبحانه وتعالى ما وعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ} وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر «أنه قَدْ غُفِرَ
الجزء 1 · صفحة 25
لَكَ»، (انتهى).
فهذه القصة كانت بمشهد من الصحابة كلّهم، ولم ينكر على الأعرابي أحد. منهم في مقالته، ولا في فعل من أفعاله، فهذا كالإجماع منهم على جواز ذلك، ولا يقال إن الخلاف إنما هو في الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، فأما هم لا شك في حياتهم ولا خلاف لأحد من العلماء في ذلك.
ومن استشكل قوله صل الله ليه وعلى اله وسلم: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ روحي حَتَّى أَردَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة بسند صحيح.
فيجاب عليه: بأنه خطاب على قدر فهم المخاطبين أنه لا بد من رد الروح ليسمع حكايته فكأنه قال: أسمعه تمام السماع وأجيبه تمام الإجابة مع دلالته على الرد عند سلام أول مسلّم ولم يرو قبضها بعد ولا قائل به لتوالي موتات لا تحصر.
أو أن الرد معنوي من الاستغراق في الشهود فهو التفات روحاني إلى دوائر البشرية من الاستغراق في الحضرة العلية كذا نقل في خلاصة الوفا. عن «البيهقي».
وقال ابن حجر الهيتمي» في الجوهر المنظم» ما محصله: أن المراد بالروح كالإجماع منهم على جواز ذلك، ولا يقال: إن الخلاف إنما هو في غير النطق كما صرح به جماعة فهو صل الله عليه وعلى اله وسلم حي على الدوام؛ إذ من المحال العادي أن يخلو الوجود كله عن أحد يسلّم عليه في ليل أو نهار، وهذا بناء على عدم اشتراط حضور المسلّم بل لو سلّم أحد من أقصى الآفاق ردّ عليه صلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى اليه وسَلَّم كما هو ظاهر لفظ الحديث لكن لم يلزم من حياته صلى اله عليه وعلى اله وسلم دوام نطقه أفاد بهذه الحديث الشريف أنه يرد على المسلم بلفظه الشريف كرد الله تعالى عليه نطقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
والحاصل: أن الأدلة على حياة الأنبياء الكرام متكاثرة لا تسع هذه الأوراق حصرها، وقد ألف السيوطي رحمه الله تعالى وغيره في ذلك رسائل متعدّدة، والاستمداد منهم لا يزال في كل عصر وكان هناك زمان الخلفاء الراشدين فمع إطلاعهم على قصة «العتبي» سكوتهم عن الإنكار عليه لا يسع لكل ذي فضيلة وفهم أن يتردد في جواز ذلك.
وأما غيرهم من الأولياء والصالحين فهل قد ورد في جواز الاستمداد. منهم أثر من العلماء المجتهدين؟ لأنا نقول قد ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة أنه كان إبراهيم الحربي».
الجزء 1 · صفحة 26
يقول: «قبر معروف كرخي الترياق المجرب.
ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال: «قبر موسى الكاظم رضي الله عنه ترياق مجرب» ونقل عن بعض المشائخ العظام أنه قال: وجدت أربعة من الأولياء يتصرفون في قبورهم مثل تصرفهم في حياتهم أو أكثر من ذلك. أحدهم: «المعروف الكرخي» وثانيهم: «الشيخ عبد القادر الجيلاني وعد أيضًا اثنين من الأولياء غيرهما.
وقال الإمام الحجة محمد الغزالي»: «من يتوسل ويتبرك به في حياته، يتوسل ويتبرك به بعد موته.
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي: هذا كلام موافق الدليل لثبوت بقاء الروح بعد الموت بالأدلة الحديثة وإجماع الأمة، والمتصرف في الحياة وبعد الممات إنما هو الروح لا البدن، والمتصرف الحقيقي إنما هو الله تعالى، والولاية عبارة عن الفناء في الله تعالى والبقاء به، وهذه النسبة بعد الموت أتم وأكمل.
وقال سيدي الشيخ أحمد زروق: إنه سألني يوما شيخنا «أبو العباس الحضرمي هل إمداد الحي أقوى أو إمداد الميت؟
فقلت: إن قوما يقولون بأن إمداد الحي أقوى وأنا أقول إمداد الميت أقوى، فقال الشيخ: نعم؛ لأنه في بساط الحق وفي حضرته تعالى. وعند أهل التحقيق أن روح الزائر يقابل روح المزور فيستوجب انعكاس أشعة لوامع أنوار الولي الصالح وأسراره، (انتهى).
ولنقتصر على هذا القدر في جواب السوال، هذا ظهر لي والله سُبْحَانَهُ وَتَعالى أعلم، هـ بفمه ورقمه بقلمه محمد عابد بن الشيخ المرحوم أحمد علي بن محمد مراد بن يعقوب بن محمود السندي مولدا، الأنصاري الأيوبي الخزرجي نسباً، النقشبندي طريقة، غفر الله تعالى له والأسلافه ومشائخه ذنوبهم، ورضي الله تعالى عن الجميع رضاء لا يسخط بعده، آمين.