الجزء 1 · صفحة 5
هفوة خطرة تنسب إلى أبي حنيفة ضد ما تواتر عنه
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الفضيلة الأستاذ الشيخ حامد محيسن الأزهرى شغف غريب بمجابهة القراء بآراء لم يسبق إليها مما لا نلمس فيها غاية حكيمة مهما تطلبناها، والأستاذ حر، يرى ما يشاء تحت مسؤوليته الأدبية والقراء أيضا أحرار يناقشونه فيها إذا شاؤوا أو يكتفون بتسجيلها باسم مرتئيها .. لكن إذا جاز الأمر هذا الحد وبدأ الأستاذ يعزو إلى إمام من أئمة الدين ضد ما تواتر عنه - بدون ثبت ولا سند - فهناك نرى الحاجة ملحة فى مطالبة فضيلته بتصحيح النقل، وليس كل عزو يثبت ... وقد اطلعنا فى 6 / 337 سنة 1359 من مجلة الأزهر الغراء على مقال له تحت عنوان شبه قد ترد على القارئ وفيه يقول فضيلته:
ويرى الإمام الأعظم أبو حنيفة أن النظر واجب على كل إنسان وإن لم مجرد تبلغه دعوة رسول من الرسل، ولا يشترط ما اشترطناه. بل يرى: أن وجود الإنسان وأمام عينيه السماوات والأرض وأمامه نفسه، وما في ذلك من آيات وشواهد على وجود الصانع الحكيم كاف فى وجوب النظر. غير أن الإمام يرى مع إيجابه النظر على كل إنسان أنه إذا أفضى بالناظر نظره إلى عدم الاعتراف بالصانع، يكون غير مؤاخذ ما دام قد فعل ما واجتهاده هو الذي أدى به إلى اعتقاد غير صحيح.
وجب عليه، وهذا هو نص عبارة الأستاذ. ثم لخص ذلك بقوله إنه غير
الجزء 1 · صفحة 7
مؤاخذ إن أدى بالمرء اجتهاده إلى عدم الاعتقاد بالربوبية.
وهذا الذي يعزوه الأستاذ إلى أبي حنيفة أشنع مما يعزى إلى العنبرى والجاحظ فى كتب الأصول والواقع أن أبا حنيفة يقول: «لا عذر لأحد فى الجهل بخالقه لما يرى من خلق السماوات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه، أما فى الشرائع فمعذور حتى تقوم عليه الحجة كما ذكره المروزى المعروف بالحاكم الشهيد المتوفى في سنة 334 هـ في كتاب المنتقى له رواية عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. ويروى عن أبي حنيفة أيضا أنه قال: «لو لم يبعث الله رسولا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم.
وفي كتب أصول الدين وكتب أصول الفقه المبسوطة نصوص كثيرة من هذا القبيل، تدل على أن مذهب أبي حنيفة هو هذا لا ما ذكره الأستاذ، وتلك الكتب في متناول أيدى كل عالم فلا داعى إلى التوسع في سرد نصوص منها، فلعل الأستاذ زاغ بصره عن كلمة في مصدره، فقلب المعنى كما ترى؛ لأن أبا حنيفة لا يرى وجوب النظر فقط، بل يوجب على العاقل مطلقا معرفة وجود الله سبحانه ووحدته وعلمه، وقدرته، إلى آخر ما فصل في موضعه وقد شهر الخلاف بين الأئمة فيمن لم تبلغه دعوة رسل الله خاصة هل يعذر في جهله بالله سبحانه، فأبو حنيفة ومن معه لا يعذرونه بخلاف الآخرين، فمن لم ينظر أو لم يهتد إلى معرفة الخالق سبحانه، فهو غير معذور عنده أصلا، فلا يتصور ثبوت ما عزاه صاحب المقال إليه و إنَّ اللَّهَ لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلكَ لِمَن يَشَاء.