مقام أئمة الدين العلم والتفقيه
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
مقام أئمة الدين العلم والتفقيه
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحق الطوائف بالأمانة وصدق التمسك بالمبادئ القويمة، العلماء حراس شرع الله سبحانه وأمناء الله في أرضه، لأن صلاح الأمة منوط بصلاحهم وفسادها ناشئ من فسادهم. فإذن هم أجدر الناس بالابتعاد عن طرفي قصد الأمور ليبقوا أمة وسطا عدولا شهداء على الناس بالحق لا يميلون إلى الإفراط ولا إلى التفريط يأبون التنطع البالغ والتساهل المزري فلا يكون من شأنهم الجمود على كل قديم ولا الجحود مسايرة للملحدين.
فإذا حرم العالم الاعتصام بالكتاب والسنة وأخذ يتنكب هدى الأئمة مستسهلا هجر الشرع المتوارث مجاريا لكل مبدأ مستحدث فهناك انطواء صحائف الفرع والأصل وهلاك الحرث والنسل وشمول الإلحاد وعموم الفساد، فمثله لابد وأن يلقى جزاء عمله فى العاجل قبل ما أعد له من بدون أن يقطع يده العذاب الأجل، والشعب الذي يدع الأثيمة لا يلقى سوى الوبال والنكال.
مثله يعيث فسادا وأما العالم الذى يخاف مقام ربه المنتقم الجبار، العزيز القهار ويتحدث باسم شرع الله سبحانه فلابد وأن يقف حيث تقف الأدلة إن كان من أرباب الحجة، وأن يقتصر على أقوال أئمة الهدى المعترف بإمامتهم عند الأمة خلفا سلف المنقولة أقوالهم بطريق الاستفاضة مدى القرون إن كان يجرى في محجة اتباع وأما إن كان ممن لاهم له غير ملء الكرش ولم القرش قام الدين أم قعد فكفاه ذلك خزيا له فى الدنيا والآخرة، ومثله لا يخشى الله ولا يخشى الناس
أن يقمش عن كل من هب ودب فيضل ويضل وفي مثله قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه البخارى إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوساً جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا فإذا وسد الأمر إلى أصحاب النفوس الصغيرة لا تلقى الجماعة ذلك والصغار والزوال، وإليه يشير قوله: «من أشراط الساعة أن يلتمس العلم: عند الأصاغر».
من سوي الانحلال وإذا اجتمع فى المرء الشقوتان الجهل والتجرؤ على الله، ووسد إليه الأمر فهناك الطامة الكبرى، حيث لا يكون عنده ورع يحجزه عن تخطى الله، ولا علم يتصون به من الوقوع في مهامه الجهل. وليس يأتي التقلب فى الرأى والتحول من شيء إلى شيء في باب الدين إلا من حدود قلة العلم وفقدان الورع، وفى مثل هذا المتقلب يقول مالك: أبدع دينه كل يوم الدين جديد؟!! كما ذكره ابن عبد البر والجهر بالحق في كل السلف الصالح، والتلاعب به شأن كل منافق.
وقد اتفقت كلمة علماء هذه الأمة على أن من الواجب على من أقام نفسه مقام التحدث عن شرع الله أن يكون عالما بكتاب الله وسنة رسوله وبمواطن الإجماع ومواضع الخلاف، وبمن يعتد أو لا يعتد بخلافهم وإلا يهوى رأيه به وبمتابعيه فى هوة سحيقة لا قرار لها.
وليس من شك أن شرع الله نافذ الأحكام عند كل مسلم بدون أن يحتاج إلى تصديق أى مجلس وإنما المحتاج إلى تصديق مجالس الشورى في نفاذ أحكامه هو القوانين الوضعية، فبمجرد تصديق البرلمانات على الاقتراحات الوضعية
تكون نافذة الأحكام، لا تسوع مخالفتها فى نظر دساتير الدول. لكن التصديق المذكور لا يجعل ما ليس من شرع الله من شرع ولا ما هو من شرع الله ليس من شرع الله فيبقى الشرع شرعا والقانون قانونا بعد استكمال أدوار التقنين، ولذا كانت العادة المتبعة فى الحكومات الإسلامية عرض المقترحات التي تمس الشرع الإسلامى على علماء الشرع الأمناء على شرع الله قبل عرضها على البرلمانات ليعلم ما إذا كانت المقترحات لا تصادم الشرع، حذرا من تصديق ما فيه مخالفة صارحة للشرع.
وكانت السنة المتبعة منع من يعلم الناس وجوه الحيل وآراء الشذاذ من الإفتاء ليبقى الفقه الإسلامى خاليا من الشوب صافيا، وكان علماء الشرع الموسد إليهم النظر فى المسائل التى لها تعلق بالشرع لا يعلمون المجاراة ولا المحاباة وإنما يكون نصب أعينهم تمحيص الحق وإبطال الباطل، علما هذا اليوم له غد وللغد حسابه وعادة عرض المقترحات على علماء الشرع العادة المرعية بمصر أيضا وستبقى كذلك مدى الدهر إن شاء الله تعالى.
أنا نرى علماء اليوم قطعوا شوطا بعيدا فى التساهل وتوسيع الدائرة في النقل عن كل قائل بسند وبدون سند، ومن غير التفات إلى حال الراوى وحال المروى وحال المروى عنه عند ثقات أهل العلم، ومن غير نظر إلى مخالفته لكتاب الله وسنة رسوله وعمل الأمة خلف سلف، وبدون إبداء أي حجة في تأييد ما تخيروه، ولا يعلم منتهى ذلك غير الله سبحانه.
وكنت أتحدث بعض الأصدقاء مع العلماء في موضع التوسع في من باب التشريع وكان فى جملة ما قلته له تعلمون أن البلاد التي تجرى فيها أحكام الإسلام
كانت واسعة الرقعة جدا، تشمل القارات الثلاث في الدولة العباسية، بل فى الدولة العثمانية بالأمس، وكانت أبواب الفقه كلها من معاملات وعقوبات وغيرهما نافذة الأحكام إذ ذاك.
ذلك كان المذهب الواحد يكفى لإقامة العدل بين سكنة تلك الأقاليم الشاسعة الأرجاء بدون أى شكوى ولا أى تذمر إلا من بعض قضاة السوء وولاة السوء فما بال المسلمين لا يقتنعون اليوم بمذهب واحد، ولا بالمذاهب الأربعة المتوارثة ولا بمذاهب من انقرضت مذاهبهم من أئمة السنة المعروفين، وإن تستفض رواية آرائهم استفاضة رواية الأئمة الأربعة، وكل ذلك بعد أن ضاقت رقعة بلاد الإسلام إلى الحد الذى تراه، وبعد أن تخلت المحاكم الشرعية عن الأخذ بأبواب الفقه كلها غير باب المناكحات والمفارقات وما إليهما والسنة الواحدة تستكثر للاضطلاع بمسائل تلك البحوث فكلما ضاقت رقعة البلاد التي تجرى فيها أحكام الإسلام وضاقت رقعة أبواب الفقه التي يحكم بها في محاكم الإسلام، يأخذ باب المناكحات والمفارقات وما إليهما، المأخوذ به في المحاكم يتسع في انبساط بدون أن يقف عند أقوال الأئمة الأربعة ولا أقوال سائر الأئمة بل يبدأ أصحاب الشأن يتصيدون مسائل على هواهم من كتب الإباضية والروافض وصنوف من الشذاذ الخاطئين، أفهذا معنى ما يقال: إذا ضاق الأمر اتسع!! فضحك صاحبي، ومن شر المصيبات ما يضحك!
والتساهل بهذه الدرجة فى النقل والاستشهاد مما لا يرضاه العالم الورع لكن من يدين بمصلحة الطوفى التى شرحناها يستغنى عن التوسع في معرفة الكتاب والسنة ومسائل الإجماع ومسائل الاختلاف محكما رأيه الشخصي فى تخير ما يشاء من أقوال من شاء كائنا من كان القائل، فيعد حرمان ابن الابن المتوفى أبوه من
ميراث جده مثلا ظلما وعدوانا، وإن كان على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة وعمل الملة إلى اليوم منذ مدة تزيد على ثلاثة عشر قرنا، قال الله تعالى: {للرجال نصيب مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَو كثر} مفروضا وقد بين سبحانه ذلك النصيب بقوله يوصيكم الله أولادكم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيين فعلمنا من ذلك أن الإرث، بالقرب إلى الميت، وأن الأقرب يحجب من دونه فمهما كان الابن أقرب إلى الميت من الابن يكون ابن الابن ساقطا بوجود ابن بنص الكتاب، وقال النبي - فيما أخرجه البخارى ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر يعنى أقرب صلة إلى الميت اتفاقا فلا يرث ابن الابن مع وجود ابن لذلك، ولا يصح شيء خلاف هذا عن صحابي مطلقا، وقال ابن هبيرة في «الإشراف على مذاهب الأئمة الأشراف 255 المفرز من كتابه «الإفصاح في شرح الصحاح: وأما حجب الجميع ويسمى حجب الإسقاط فإن إجماعهم وقع على أن الابن يسقط ولد الابن الذكر والأنثى وأن الأب يسقط الجد والأجداد وأن الأم تسقط الجدة والجدات. وقال ابن حزم في مراتب الإجماع ?? واتفقوا أن الابن وابن الابن يرث وإن سفل إذا كان يرجع بنسب آبائه إلى الميت ولم تحل بين ابنين منهما أم ما لم يكن هناك ابن حى أو ابن ابن أقرب منه فعلم ذلك قيام الإجماع على حرمان ابن الابن عند وجود ابن وابن حزم يرى إكفار من ينكر شيئا من مسائل الإجماع التي دونها في كتابه المذكور.
وأما ما يعزى إلى كتاب النيل فى المسألة فلا يفيد غير «تنييل» على سوء فهم في المسألة وغلط فى النقل، وهكذا المسائل التي تعزى إلى كتب الروافض، قال ابن حزم في مراتب الإجماع»: وصفة الإجماع هو ما يتيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام .. وإنما نعنى بقولنا العلماء من حفظ عنه الفتيا من الصحابة
والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة أهل الحديث ومن تبعهم رضي الله عنهم أجمعين ولسنا نعنى أبا الهذيل ولا ابن الأصم ولا بشر بن المعتمر ولا إبراهيم بن سيار ولا جعفر بن حرب ولا جعفر بن مبشر ولا ثمامة ولا أبا عفان ولا الرقاشى ولا الأزارقة والصفرية ولا جهال الإباضية ولا أهل الرفض، فإن هؤلاء لم يعتنوا من تثقيف الآثار ومعرفة صحيحها من سقيمها ولا البحث عن أحكام القرآن لتمييز حق الفتيا من باطلها بطرف محمود بل اشتغلوا عن ذلك بالجدال في أصول الاعتقادات ولكل قوم علمهم اهـ.
ولا بأس أن أنقل هنا ما علقته على الكتاب المذكور عند الكلام في الله الإباضية وأهل الرفض حيث قلت والإباضية هم أتباع عبد بن إباض من الخوارج ويعده اللالكائى فى شرح السنة معاصرا لأبي الهذيل وليس بصحيح، ويوجد منهم اليوم طوائف فى الجزائر وطرابلس الغرب وحضرموت والبحرين وزنجبار وقد شرح المصنف نحلتهم في «الفصل» ولهم كتب مطبوعة فى الجزائر ومصر وزنجبار ويوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق کتاب الكشف والبيان عن النحل والأديان لمحمد سعيد القلهاتي الإباضي، يعد مذاهب الأئمة المتبوعين من فرق الزيغ، وليس هؤلاء الإباضية من الذين يعول على فقههم وهو أحدث خضاب شيخهم، وليس لهم علم بالسنة؛ لابتعادهم عن الأمة وتكفيرهم لها فلا يتلقون السنة الذين يكفرونهم بالطبع - فيبقون من أجهل خلق الله بالسنة، ولا فقه من حيث لا تكون سنة، وهذا ظاهر جدا. وأما أهل الرفض فقد شرح مذاهبهم الأصلية والفرعية المحدث عبد العزيز الدهلوى فى التحفة الاثنى عشرية باللغة الفارسية بتوسع وقد لخص ترجمتها إلى العربية الشيخ محمود شكرى الآلوسي وهما مطبوعان في الهند ومن الكتب الممتعة في هذا الباب الصارم الحديد
في الرد على ابن أبى حديد كتاب ضخم لعالم بغداد في القرن الثاني عشر المحجاج النظار المشهور العلامة عبد الله السويدى المترجم سلك الدرر» وهو من محفوظات مكتبة الفاتح بالآستانة. وفي ذيول أجوبة المسائل في كتاب «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية للمفسر الآلوسي مسائل في فروعهم يسترشد بها إلى مبلغ سقوط نحلتهم أصلا وفرعا فلا يكون لأمثالهم شأن في مسائل الإجماع.
فلا يعرج على كتب الفريقين إلا من يجهل دخائل النحلتين، فنسأل الله السلامة.
وأما استبشاع حرمان الحفيد من ميراث جده بالعقل المجرد فلا يعقل إلا ممن يرى المساواة بين أفراد البشر فى الثروة والغنى لكن الله سبحانه يعنى هذا ويفقر ذاك، والناس لا يزالون مختلفين فى المواهب والأرزاق والحظوظ وليس إلينا جعلهم سواسية في كل شيء، أفليس هناك من يرث عشرات الألوف من الدنانير، حينما لا يرث تسعون فى المائة من المسلمين شروى نقير؟ والمؤمنون إخوة فهل يسوغ لنا بهذا العذر أن نستلب عشرات الألوف من مواريث الأغنياء ونجمعها في خزانة باسم توزيعها على الفقراء على حد سواء؟! ومثل هذا الخيال لا يصدر إلا من فلسفة هائفة تالفة.
والحفيد الذى نتحدث عنه إن كان أبوه غنيا فبغنى أبيه يستغنى عن مال جده، وإن كان فقيرا فهو أسوة غيره من الفقراء فى العالم، وكم في الدنيا من فقير لم يرث ولم يورث ويزيد هذا الحفيد على سائر الفقراء مزية من جهة أنه يمكنه استجلاب عطف جده الغنى فيغدق عليه جده كل خير هبة أو وقفا أو وصية ثم توريث هذا الحفيد الذى مات أبوه من مال جده مع حرمان من في طبقته من
الحفدة الذين آباؤهم أحياء يكون محض إجحاف وحيف؛ لمساواة هؤلاء لهذا في درجة القرب إلى الميت ولا نصيب للحفدة من استحقاق آبائهم الأحياء من الميراث عند توريث هذا فظهر أن العدل فيما قرره الشرع والحيف فيما يقترحه المقترحون على خلاف الشرع، وشفقة الجد الطبيعية لا تدع الجد يحرم ابن ابنه من نعمة غناه إن كان جديرا بالشفقة والهبة والوقف والوصية أبواب واسعة تسع الحفيد وغيره. وأما التذرع بالقوانين الغربية فى استنكار حرمان الحفيد من الميراث فمن أوهى الذرائع؛ لأنها تجعل الميراث لمن يوصى به له کائنا كان، وفي ذلك من وجوه حرمان الأقربين ما لا يدع مجالا للكلام في حرمان بعض الأبعدين، هذا. ثم إن الأئمة الأربعة - اليوم - كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها ولهم من المنازل السامية مالا يسامى عند من يستذكر ما للفقهاء السبعة في المدينة من الفقه الناضج وكثرة الأصحاب، وما للإمام مالك – رضي الله عنه - من السعي الحثيث في جمع علومهم واستثمار مناهجهم وأصولهم بكفاية ممتازة وورع عظيم، وما له من العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
وما للمجمع الفقهى الذى كان يجمع فحول أهل الاجتهاد ويرأسه أبو حنيفة – رضي الله عنه - فى العراق من الطريقة المثلى فى التدريب على الفقه التقديري وتدوين المسائل بعد أخذ ورد مديدين لا يدعان ناحية لم تدرس من نواحى التفكير فيها عن غوص دقيق وورع عظيم كما أشرت إلى الروايات في تقدمة نصب الراية حتى فاضت علومهم وملأت ما بين الخافقين كتبهم طبقة فطبقة وأصبح فقههم مدار الحكم فى أغلب محاكم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مدى القرون رغم إباء الإمام أبي حنيفة نفسه القضاء.
وما للإمام الشافعي – رضي الله عنه - من السعى البالغ المثمر في الجمع
بين الطريقتين والمقارنة بين مسائل الطائفتين، وزيادة مبادئ فقهية تدعو إلى انضواء المحدثين المبتعدين عن أهل الاستنباط من القبيلين تحت رايته حتى نشر الله له من العلم ما يعلمه القاصي والداني.
وهكذا الإمام أحمد – رضي الله عنه - فى المحاكمة بين المذاهب وكثرة الحديث. وهؤلاء لا يسامون في الغوص وكثرة الأصحاب وكثرة الأتباع على توالى القرون واستفاضة النقول عنهم. فمن يحاول أن ينبذهم في آخر الزمن يجنى على العلم جناية لا تغتفر.
ومن أغرب ما نسمعه في هذا الصدد قول القائل في هضم جانب أبي حنيفة لم يكن الأخذ بأقواله فى محاكم مصر لميزة فيه بل لكون الخليفة العثماني على مذهبه وهذا جهل عظيم بمنازل الأئمة وبتاريخ الفقه أليس مذهبه أقدم المذاهب تنفيذا لأحكامه في المحاكم وآخرها انسحابا منها في مشارق الأرض ومغاربها كما هو مشهود عند كل ذى عينين فدونك محاكم الدولة العباسية والدولة الغزنوية والخوارزمية والزنكية والسلجوقية والبحرية والبرجية ودول أفريقية إلى عهد المعز باديس والدول المصرية غير دولة العبيديين ودول الهند والأفغان وبخارى تجد فيها ما لهذا المذهب من القدح المعلى فى باب القضاء، أهؤلاء كلهم كانوا يرعون الخليفة العثماني في الأخذ بالمذهب أم ابن خلدون حينما قال ما قاله عند كلامه في مذهب مالك الذي مذهبه كان يرعى الخليفة العثماني؟ والعثمانيون ما كانوا يحلمون بالخلافة إذ ذاك، والإمام الشافعي هو الذى يقول فيه الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة والحاصل أن تلك الكلمة أبشع كلمة تصدر ممن يلم بالفقه والقضاء وتاريخهما، وهكذا الهوى يجعل المرء ينطق بما يكذبه التاريخ بقلم عريض، نسأل الله الصون.