الجزء 1 · صفحة 5
مقام الكوثري ومقالاته
للشيخ محمد يوسف البنوري
أستاذ الحديث بدار العلوم الإسلامية بباكستان
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العالمين وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم رب النبيين من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه الذين حفظوا للإسلام عزه ومجده، وعلى حملة العلم الذين ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فبلغ فيه كل جهده.
أما بعد
فكنت قرأت كلمة في طبقات ابن سعد ج 2 ص 105 بإسناد صحيح إلى مسروق - ذلك التابعى الكبير من رجال الكوفة - في حق حبر الكوفة وحبر القادسية وأقربهم إلى الله زلفى عبد الله بن مسعود قال: لقد جالست أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم - فوجدتهم كالإخاذ، فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ.
هذه كلمة كنت قرأتها رأيتها صدقت في عهدنا هذا على محقق العصر الجهبذ الناقد البحاثة، الخبير الشيخ محمد زاهد بن حسن الكوثرى المتوفى في ذي القعدة سنة 1371هـ، سواء بسواء. فكان رجلا يتجلى فيه هذه المزية بأجلى منظرها رجل جمع بين غاية سعة العلم والاستبحار بعصره المدهش ودقة النظر، والحافظة الخارقة للعادة والاستحضار المحير، والجمع بين علوم الرواية على اختلاف فروعها وشعبها وعلوم الدراية على تفنن مراميها ومقاصدها، وبين رقة الشمائل
الجزء 1 · صفحة 7
ومكارم الأخلاق من التواضع والقناعة بالكفاف والورع والتقوى والصبر على المكاره، وكرم النفس، والسماحة بخزائن معارفه ودفائن علمه مع علم واسع بنوادر المخطوطات في أقطار الأرض وخزانات العالم ثم الغيرة على حفظ سياج الدين، وإبداء وجه الحق إلى الأمة ناصع الجبين، كل هذا مع جمال منظر وسيماء، وقوة هيكل وأعضاء، فصدق فيه قول الله عز وجل وزاده بسطة في العلم والجسم.
وعلى الرغم من كل حاسد أذعنت القلوب لفضله ونبله، وسعة علمه واطلاعه ولا تزال هذه الأمة تباهى بأفراد وأفذاذ فى كل قرن من القرون المزدهرة بجمال العلم .. بيد أن الله سبحانه يخص قرنا بعد قرون بمن يكون نظير نفسه ونسيج وحده لا يشق له غبار ولا يساجله أحد. وأرى أن الكوثرى ممن من الله به بعد دهور متطاولة فى بلاد الأتراك، نشأ في بيت العلم، في مركز العلم، ورزق قريحة وقادة، وطبيعة نزوعة إلى التوسع، ونشيطة في المكابدة لا يحول دونها ملل ولا سآمة، وتلقى العلوم من جهابذة عصره، وغرر وقته، وكانت بلاد الآستانة ينابيع فياضة بنفائس المخطوطات، وعيونا ثرة متدفقة بنوادر الكتب، ففتح عينيه، وشاهد عن يمينه وشماله وخلفه وأمامه مكاتب طافحة بالجواهر الثمينة، فترعرع فيها شابا ومكتهلا يتضلع من منابعها الصافية بكل رواء، ثم غربل مكاتب دمشق والقاهرة شيخا مجربا، وفوق كل ذلك إنه طلب العلم للعلم أولا ثم طلبه للحق ثانيا، وأرى أن العلم كماله وجماله لا يحصلان إلا بهذا المنحى البديع.
لست أريد الخوض في غمار خصائصه ومميزات علمه، فإن أمامنا مقالاته وأبحاثه وهى شهود مقانع على ما أشرت إليه من مزاياه، فترى فيها ثروة علمية فياضة، يتدفق تيارها في كل ناحية من مناحي التحقيق والبحث روايتها
الجزء 1 · صفحة 8
ودرايتها .. فقهها وحديثها كلامها ومعقولها .. أدبها وتاريخها بكل دقة وبكل نصفة وبكل ديانة وبكل أمانة ثم كل ذلك بكل صراحة لا يشوبه نفاق ولا مداهنة ولا مواربة، قياما لخدمة الحق بما يقتضيه الحق ونصيحة للدين بما يستدعيه الدين.
قرأت الكوثرى من قريب وقرأت للكوثرى كثيرا من قريب ومن بعيد وأرى أن الحق - والحق يقال - أن القوم لم يقدروا الكوثري بما يستحقه من تقدير وإجلال ذلك المحقق، وذلك البحاثة الناقد، وذلك الخلق الجميل والنبل الجزيل بمعنى الكلمة.
بين يديك أيها القارئ الكريم مقالات الكوثرى» أجل فيها قداح نظرك الغائر تر كل مقالة وكل موضوع يترقرق فيه علم غزير فياض ولا أرى بأسا أن أذكر أمهات خصائص مقالاته وكتاباته فيما يلى إجمالا ليكون القارئ بصيرا خبيراً، يتذوقه ذواقا قبل تعاطيه وتأخذه الأريحية قبل أن يرشح الإناء بما فيه:
? - كل ما كان يكتب أو أراد أن يكتب يكون الحامل عليه الذب عن حوزة الدين الإسلامى والانتصار للحق دون أن يكون مرماه إبداء تحقيق فقط، أو مغزاه رجاء ثناء الناس عليه. فترى تأليفاته وتعليقاته ومقدماته ومقالاته كلها لا يشذ عن ذلك ذرة.
2 - كل موضوع كتب فيه لا تجد نقلا من غرر النقول في بابه من قرب أو بعد إلا تشاهده هناك بين يديك من مظانه وغير مظانه ومن بطون المجلدات ومن بطون الخزانات الدولية أو الشخصية، فتجد غرر النقول مما لا يتلقى إلا بشق الأنفس ماثلة أمامك بكل حسن وجمال.
الجزء 1 · صفحة 9
كفى وشفى ما في الصدور ولم يدع لذى إربة في القول جدا ولا هزلا كل موضوع ترى فى تحليله أراء ناضجة وأفكارا صائبة، وعللا للبحث شافية وافية هى نتيجة للبحث الطويل والتفكير العميق، والعلم الوافر والسعى المتواصل مما لا يقوم بمثله إلا جهابذة العلم وصيارفة النقد.
4- أسلوبه في الكتابات مع تجليه بأجلى مظهر الأدب والنزاهة يغاير أسلوب عامة المتأنقين، وربما يحبس بعض المستأنسين بلين القول ورفق اللهجة خشونة في الرد، وقسوة فى الدفاع وإنما هى نتيجة حرارة دينية، وحماسة طبيعية .. الحق عنده أحب إليه من كل شيء باطل، والصدق أقرب إليه من كل زور، فطبعا تتغير لهجة الرد على الكلام المردود بما يقتضيه قربه وبعده من الحق فهو سمح هين لين مع كل من ضاع صوابه خطأ، وأما من أراد التلبيس فى الحق أو التدليس فى الدين فهو معذور في ذلك لا يستطيع اللين معه. فانظر يا رعاك الله: رجل يذكر أبا حنيفة الإمام في المسجد الحرام بأبى جيفة فكيف هو يقدر أن يلين القول. انظر كتابه «النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة» وانظر «تأنيب الخطيب فيما ساقه فى ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» تجد فى أسلوبهما فرقا بيِّناً.
تجده في الأول موادعا سمحا لينا فى حين تراه فى الثاني هزبرا مزيرا، وقصارى القول أن أسلوبه يتفاوت في الشدة واللين بمبلغ الخطورة في الكلام المردود وليت شعرى إذا لم يكن هذا من قبيل الحب في الله والغضب في الله فماذا يكون؟ ترى الناس يستشيطون غيظا إذا كانوا هم للملام والطعن وتراهم أرحب صدورا إذا فوقت السهام إلى دين رسوله! فذاك التحامل وهذا التحالم والتحمل كل في غير موضعه أمر شنيع!.ويعجبني قول الكوثرى فى ص 253: أما
الجزء 1 · صفحة 10
الكوثرى فهو ولله الحمد ناصع الجبين جبان، عديد لا يجترئ على تخطى حدود ما أنزل الله في ذاته وصفاته وأحكام شريعته .. لكنه بطل كرار حنيفى حنفى بهد الأصنام كبيرها وصغيرها، ويسحق رؤوس عبادها بمقامع الحجج من الكتاب والسنة والمعقول ما دام له عرق ينبض. إلخ.
ه- كل كتاب أو مقالة لأحد ممن يجله ويحترمه إذا ظهر له فيه بعد من الصواب من أية ناحية لا يحول دون الرد عليه صلته بالمؤلف الكريم بالإجلال والتعظيم، فإن الحق أحب إليه من كل شيء انظر كتابه «الاستبصار في الجبر والاختيار حيث رد به مزالق الشيخ مصطفي صبري» متكلم عصره، وكذلك رده في عرض كلامه فى بعض كتاباته على فضيلة المغفور له الشيخ محمد بخيت المطيعي.
6- لا تجد فى كل ما يكتب كلمات جوفاء، ولا تمهيدا فارغا، ولا بسطا مستغنى عنه في الموضوع، وإنما يكتب حينما يكتب صفوة ولبابا، وروحا وجوهرا، لا يمكن لأحد أن يلخص كلامه.
* وما محاسن شيء کله حسن *
فليس هو يأتي بحشو فى البين، ولا هو يخرج من الموضوع، وهذا أسلوب متين كالبنيان المرصوص يخضع له كل ذوق سليم.
هو محتاط متثبت في النقل، متيقظ لكل مدلول الكلام مطابقة والتزاما بكل صنوف الدلالات انظر أبلغ كتابة له في الرد على نونية ابن القيم وأقسى لهجة فى كتبه هل تجد فيه مغمزا؟ وكان سيفا صقيلا، وصارما مسلولا، ومهندا مشهورا لم يستطيعوا فيه رواية ولا دراية في عشرين سنة غاية عدائهم إياه في هذا الموضوع.
الجزء 1 · صفحة 11
مع لا يأتى فى الاستدلال بأمور ذوقية أو وجدانية لا تقوم بمثلها حجة على الخصم، وإنما يأتى ببينات واضحة تقوم بمثلها حجة على رؤوس الأشهاد.
المعتقد كصخرة صماء، منتصر للماتريدية غاية هو متصلب في الانتصار، حارس متيقظ يذب عن حريم الحنيفية كل حملة شنعاء، ولا تجد لصارمه نبوة، ولا الجواده كبوة فى هذا الصدد، وهذا غاية ما يؤخذ عليه، ولكني أقول متمثلا:
وعيرني الواشون أنى أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أو أقول:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وبالجملة فهذه أمهات خصائصه ومميزات مقالاته وكتاباته وتأليفاته ويطول بنا القول لو أخذنا في سرد شواهد وبينات من غضون رسائله ومؤلفاته.
وقد حان لى أن أشير إلى قطيرات ورشفات من بحر مقالاته بما يكون دليلا للسالك، وابتهاجا للقارئ الكريم، كل ذلك بإيجاز واختصار: هذه المقالات وصل إلى منها إلى ص 255 ولها بقية فيما أرى، لكن لا أدرى كم بقى منها مبدؤها بمقالة فى المصاحف ومنتهاها بمقالة في الصراع بين الوثنية والإسلام، وهذه خمس وخمسون مقالة بين طويلة وقصيرة كلها شاهد صدق على طول باع صاحبها في جميع علوم الإسلام، ومشاركته في الفنون سائر علماء الإسلام وبراعة يترقرق خلالها مهارته البديعة، وحسن تصرفه فى التعبيرات والتنبيه على مقاصد الشرع بكلام إمام محقق خبير بما في الزوايا، بصير بما فى الخبايا، حكيم متغلغل فى غايات الدين ومبادئه وأصول الدين الأساسية عدة مقالات منها كلامية وطائفة منها حديثية وبعضها في التفسير والقراءات، وبعضها فى الفقه وأصوله، كلها يرمى إلى غاية سامية فى دين الإسلام ويصادف الناظر في كل منها شيئا طريفا بديعا.
الجزء 1 · صفحة 12
فدونك قولا ملخصا فى حقائقها والإشارة إلى أمثلتها:
فقوله فى ص ?? في مقاله مصاحف الأمصار وتردد الصديق بادئ بدء أى فى كتابة القرآن الكريم إنما كان بملاحظة أن ذلك ربما يكون سببا للتواكل في حفظه، والتكاسل في استظهاره لا باعتبار التحرج في الكتابة، قال الله تعالى: رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فأني يتصور التحرج
من كتابة آيات السور في الصحف مع وجود هذه الآية الكريمة ... إلخ. کلام متين. وكلامه في مصاحف البلاد وتوارثها في القرون كلام في غاية التحقيق. وتحقيقه فى وجود المعوذتين والفاتحة فى مصحف ابن مسعود وقراءته تحقيق بارع يسكن إليه القلب. وكلامه فى ص?? في التنبيه على دخائل مستشرقى الغرب مع قيامهم بنشر المؤلفات كلام حاذق خبير يعلم ما وراء الأكمة، والمقالة هذه كلها فى غاية التحقيق، وفى غاية الحسن والجمال. والمقالة الثانية في الأحرف السبعة كلها يدل على تغلغل في علوم القراءات والتفسير، وفيها تنبيهات ونفائس لا يستغنى عنها محقق باحث وقوله الفيصل فى هذا المعترك الضنك مما يقضى لصاحبه بالبراعة، وسكونه إلى قول الإمام الطحاوى فى ذلك ثمرة بحثه الواسع وفكره الناضج.
والمقالة الثالثة فى تحقيق الصوت على قصرها متينة جيدة منقحة وأكثر النقول فيها بعيدة عن متناول أهل العلم والرابعة في كعب الأحبار والإسرائيليات ورأيه فيها فى ص?? بقوله: وهذا منهج سديد إلى قوله: وهذا اعتذار وجيه في غاية الحسن، والوجاهة وفي الخامسة قوله في ص 40: ثم إن قول النقاد في الحديث إنه لا يصح إلخ تنبيه مهم. والسادسة في الأحاديث الضعيفة
الجزء 1 · صفحة 13
المقالة كلها كالمقدمة المهمة للمشتغلين بالحديث.
وفى أسطورة قتل المرتدة تجد نموذجا من مهارته برواة الحديث، وبراعته في النقد بذوق فقهى وحديثي ومقالته في حديث معاذ بن جبل في حجية القياس مقالة في غاية الجودة ونموذج صحيح من علومه في الحديث ورجاله والفقه وأصوله فى وقت واحد. ومقالته فى حديث لا وصية لوارث فيها من غرر النقول على أن مضمون الحديث مسألة إجماعية. وفي حديث التشبه ص 64 نقله لكلام ابن تيمية من اقتضاء الصراط المستقيم يدل على رحابة صدره وأن عداءه لابن تيمية إنما هو فى شواذه ومعتقداته الخاصة. ومقالته في أحاديث الأحكام ص 66 تُحدثنا مما آتاه الله من الاطلاع الواسع، والبصيرة النافذة. وكلمته عن موطأ مالك ورواته نتيجة علم منخول مغربل في الرجال والطبقات، وكلمته عن «فتح الملهم فى شرح مسلم» تدل على تقديره رجال العلم ورحابة صدره للثناء على أهل عصره من غير منافسة ولا منافرة. ومقالاته في الدين والفقه، وفى شرع الله فى نظر المسلمين، وفي عدم استثناء الإمام من قوانين الشرع وأنه ليس لغير الله حق في التشريع. ومقالته حول فكرة التقريب بين المذاهب ومقالته فى أن اللا مذهبية قنطرة اللادينية وكلمته في خطورة التسرع فى الإفتاء - كل هذه المقالات لها قيمتها العلمية من تحقيقات رصينة وأفكار متينة وتنبئ من ناحية أخرى عن غيرته على الدين، وحفظه حوذة الإسلام وسياج الشريعة الغراء، والصراحة بالحق والإجلال للأئمة المتبوعين والسلف الصالحين مع ما يلمع من خلالها من تلك الثروة الهائلة العلمية التى تفرد بها الشيخ فى أفاضل عصره بكل وضوح وجلاء، والله يختص برحمته من يشاء.
ومقالته في عدم سقوط الجمعة عمن صلى العيد فيها بحث مستفيض من
الجزء 1 · صفحة 14
كل جهة وهى من خصائص الكوثرى ومقالته في الصلاة في النعال مقالة لم يترك لشفرة محزا وأجاد فيها كل الإجادة والمقالات الثلاث في الوقف قيمة جدا من جهة التمحيص والتنقيح وإبداء حكمة التشريع، وحسن المجادلة لآراء الخصم. وكنت أود أن لو دخل الشيخ المحقق في عدة من مسائل الوقف مما يحتاج إلى تنقيح وتمحيص ولو كان ذلك لملأ الفراغ الملموس، ولكنه رحمه الله على عادته اكتفى بما طالبته الظروف ومقالة تعدد الزوجات على اختصارها متينة والمقالة التالية لها دقيقة يتنبه لمثلها الكوثرى. ومقالته في بيان منشأ إلزام أهل الذمة بشعار خاص مقالة علمية فقهية حديثية تاريخية، ثم فوق كل ذلك أدبية فى غاية الحسن والانسجام تتجلى فيها أفكاره النقية بكل جلاء، ومقالته فى الحجاب تعطيك صورة صحيحة من خبرته الواسعة وعلمه الصحيح، ومعلوماته المنخولة، وقد جاء فيها بحل شاف لما اشتبه على كثير من الناس من أهل العلم فى مسألة كشف المرأة الوجه واليدين وعدم الفرق بين عورة المرأة ومسألة الحجاب، وكلمة العلامة أحمد باشا العثماني فى قباحة السفور وحسن الحجاب لأنهن لا يرغبن غير أن يلدن من غير أزواجهن كلمة حكيمة طريقة توازى مقالة.
ومقالاته في نظر المرء إلى الشرع الله ومقالتاه في تحقيق المصلحة في الحكم فيها أبحاث أصولية وكلامية، بديعة وتنقيح جيد في الفرق بين المصالح المعتبرة والمصالح المرسلة، وبيان معانى الدليل والأمارة والعلة والسبب والشرط، ومقالته فى العقيدة المتوارثة وما بعدها من المقالات صورة صحيحة لعلمه الصحيح، وغيرته على حريم الدين الإسلامي، وتوجيهه في ص ??? الحديث: كانت الثلاث تجعل واحدة إلخ توجيه في غاية القوة واستناده بقول الله عز وجل أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَها واحدا، وبقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: من جعل همومه
الجزء 1 · صفحة 15
هما واحد إلخ استناد فى غاية المتانة والإحكام يكاد يلقم حجرا في أفواه المجادلين.
ومقالاته في الرد على من أنكر نزول عيسى عليه السلام، وفي الرد على نقض الدارمي، وفى خطورة القول بالجهة والرد على الحشوية المجسمة مقالات كلها تنبئ عن حمية دينية على حراسة معتقد أهل الحق من صولات أهل الزيغ، وصيانة لها عن تلاعب أيدى رجال سفهاء الأحلام، يسيئون إلى الإسلام وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا وفيها لفت أنظار أرباب الحل والعقد من أهل إدارة الأزهر الشريف إلى إصلاح شؤون الأزهر من جهة تربية الناشئة الحديثة، وكلها فى غاية الأهمية عند من رزق بصيرة في الدين وحمية على الشرع المبين وغيرة على معتقد السلف الصالحين.
فرحم الله الشيخ وضاعف أجره، فقد كافح ونافح وناضل عن الحق أي نضال ولا شك أن الاعتقاد بمثل هذه المخازى فى دين الإسلام يجعله غرضا لكل طعن وهدفا لكل، ملام ويجعله عرضة للنبذ والاحتقار في نظر الباحثين الأديان، ولا ريب أنه إعانة على هدم أساس الدين ونقض لعرى الدين عن الوثيقة من أناس متسمين بسمة الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومقالاته في الرد على القصيمي، ومقالته في تحذير الأمة من دعاة الوثنية، ومقالته فى أسطورة الأوعال، ثم مقالته البديعة التاريخية في فتن المجسمة، ورده على كتاب السنة لابن أحمد ومقالته في الصراع الأخير بين الإسلام والوثنية كل ذلك مما دبجه يراع عالم متغلغل في حقائق الدين بكل حماسة وصراحة حرصا لصيانة وجه الإسلام عن هذه الفظائع والمنكرات، جزاه الله عنا وعن الإسلام خيرا.
الجزء 1 · صفحة 16
فيا أيها القارئ الكريم هذه إيماضات إلى قيمة هذه المقالات القيمة الثمينة لا حاجة بنا إلى إنهاء البيان بأكثر من هذا فإنها ماثلة أمامك، طف بين أغوارها وأنجادها فالعيان أكبر شاهد.
كنت أتمنى منذ زمن غير قصير في حياة الشيخ الكوثرى جمع مقالاته. ومقدماته في صعيد واحد حرصا على إبراز هذه النفائس القيمة من معادنها البعيدة حتى يستفيد منها كل مشتاق يقدر هذه الجواهر الغالية بين حنايا ضلوعه حتى عرضت اقتراحى هذا على حضرة الشيخ نفسه، ووجهت المجلس العلمى بالهند إلى القيام بطبعها ولكن كانت هذه السعادة محتومة لصديقنا الفاضل الغيور على الدين فضيلة الشيخ رضوان محمد رضوان فقام بطبع تلك المقالات البديعة بترتيب جيد في غاية الحسن، فجزاه الله عن العلم والدين خيرا ..
وأود أن لو طبع مقدمات الكوثرى على كتب شتى على هذا المنوال، فإني أرى فيه خدمة للعلم ونفعا لأهل العلم، فمقدمته على كتاب «الأسماء والصفات للبيهقي ومقدمته على التبصير فى الدين وتمييز الفرقة الناجية من الهالكين لأبى المظفر الإسفراينى ومقدمته على تبيين كذب المفترى لابن عساكر ومقدمته على نصب الراية فى تخريج أحاديث الهداية للزيلعي وما إلى ذلك من مقدماته وتقدماته على عشرات من الكتب فإن فيها من الفوائد والمغانم ما يساوى بعضها رحلة وطالما اشتاقت لمثلها الأفكار وابتهجت بطلعتها الأبصار.
الجزء 1 · صفحة 17
حديثه وحديث عنه يُعجبني هذا إذا غَابَ أَو هَذا إذا حضرا كلاهما حسن عندى أُسر به فكن أحلاهما ما وافق النظرا هذا والله ولي التوفيق والهداية إلى سواء الطريق، وصلى الله على صفوة البرية سيدنا وسيد العالمين خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله وبارك وسلم.
يوم السبت 6 ربيع الأول 1373هـ
كتبه الفقير إليه تعالى
محمد يوسف البنورى عفا الله عنه
بمنزله في قرية من مديرية حيدر آباد
السند – باکستان وصحبه