الجزء 1 · صفحة 5
مصاحف الأمصار
وعظيم عناية هذه الأمة بالقرآن الكريم في جميع الأدوار
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يسبق لأمة من الأمم فى تاريخ البشر أن تعتنى بكتاب من الكتب قدر اعتناء هذه الأمة بالقرآن الكريم حفظاً ودراسةً وتدويناً لكل ماله به صلة من قرب أو بعد مدى القرون من فجر الإسلام إلى اليوم وإلى ما شاء الله، وقد صدق الله وعده فى حفظه حيث قال: {وإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
فأين سبق في تاريخ البشر أن تحفظ أمة كتاباً تستمر على حفظه على تعاقب القرون يستظهره الصغير والكبير، والناشئ والكهل في المدن والقرى والأصقاع كلها بحيث لو سها تال فى كلمة منه أو حرف في أبعد المواطن عن العواصم يجد هناك من يرده إلى الصواب ويرشده إليه سوي هذا القرآن الحكيم.
وقد حفظته الأمة أن نزل واستمرت على استظهاره وحفظه يوم مدى الدهر فى الأقطار الإسلامية، كلها وهذا أمر لا يشك فيه إلا من يشك في شمس أو يتظاهر بالشك، لحاجة في النفس في الحقائق الملموسة.
وكان النبي – صلى الله عليه وسلم - فى غاية من الاهتمام بتحفيظ كل ما نزل من القرآن اثر نزوله يحض الصحابة على تعلم القرآن وتعليمه وحفظه واستظهاره قائلاً لهم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وما ورد في هذا الصدد الصحيحة يُعَدُّ بالعشرات.
الجزء 1 · صفحة 7
من الأحاديث ونزول القرآن نجوماً سهل على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أمر حفظه وتعرف أحكامه، وإليه يشير قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتَ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً}.
وكان للنبى صلوات الله وسلامه عليه من الكُتَّاب ما يزيد عددهم على أربعين كاتباً يُبادر كتاب الوحى منهم إلى كتابة كل ما ينزل من الذكر الحكيم إثر نزوله بمحضر الصحابة، والصحابة أنفسهم كانوا يسارعون إلى كتابته أو استكتابه كل على حسب استطاعته ومقدار مقدرته وكانوا يتلونه على الرسول غدواً وعشياً لاستظهاره كما نزل.
ولهذه العناية البالغة في كتابته وحفظه وتلاوته ترى الكفّار يتقولون ما حكى الله سبحانه عنهم حيث يقول: {وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكَ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَومِ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءوا ظلما وزورا وقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكتبها فهي تُمْلَى عَلَيْهِ بكرة وأصيلاً}.
وكان الذين لا أهل لهم من الصحابة الفقراء يأوون إلى صفة مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم - تحت رعايته لم يتلون كتاب الله ويتدارسونه حيث كان النبي – صلى الله عليه وسلم - يحضهم على حفظه ومدارسته حتى كان لهم دوى بالقرآن في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.
وكانت الصُّفّة مدرسة لتحفيظ القرآن وتدريس أحكامه لا ملجأ للعجزة فقط. وكم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرسل منهم إلى القبائل لتعليمهم القرآن وتفقيههم فى الدين وكان في المدينة زادها الله تشريفا، دار للقراء ينزلها
الجزء 1 · صفحة 8
الوافدون من أهل القراءة منذ عهد مصعب بن عمير – رضي الله عنه - الذي كان بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة ليعلم أهل المدينة القرآن.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر من قراء الصحابة أن يقوموا بتعليم القرآن للجمهور، كما أمر الجمهور بتعلم القرآن منهم حتى امتلأت المدينة المنورة بالقراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث منهم جماعات إلى الجهات التي أسلم أهلها لتعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين وعدد هؤلاء فى غاية من الكثرة.
وقد ذكرت أسماؤهم في كتب السير المبسوطة، وفى الكتب المؤلفة فى الصحابة، والذين استشهدوا منهم غدراً فى بئر معونة فقط نحو سبعين قارئًا حتى استاء النبي صلوات الله عليه وسلم من هذا الغدر غاية الاستياء، فاستمر يقنت فى الفجر شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية بسبب غدرهم بهؤلاء القراء.
وبعد هذه الحادثة ازداد اهتمام الصحابة بحفظ القرآن.
وكان من عادة الصحابة أن يعلموا القرآن آيات آيات يقومون بتحفيظ هذا سورا وذاك سورا آخر؛ ليقوم كل منهم بنصيبه من الحفظ تكثيرا لعدد حفاظ القرآن بكل وسيلة، فكان منهم من يحفظ القرآن كله ومنهم من يحفظ سورا فقط يشاركه في حفظها آخرون، وهكذا باقي القرآن موزعا على جماعات.
ومن لا يستظهر القرآن من الجمهور يكثر فيهم جداً مَن لا يقل عن أن يكون بحيث ينتبه إلى السهو إذا ما سها التالى، وذلك من كثرة تلاوتهم للقرآن وتوالى استماعهم إليه. وكان بينهم من يؤم القوم فى الصلوات الجهرية لاسيما الفجر بقراءة السبع الطول، بل كان بين الصحابة مَن يختم القرآن في ركعة واحدة كما فعل عثمان وتميم الدارى، وفعل مثل ذلك أبو حنيفة في عهد التابعين، وليس
الجزء 1 · صفحة 9
بقليل بين السلف الصالح من كان يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وأبطأ أهل العلم في كل طبقة مَن يختمه في كل شهر مرة، والأغلبية العظمى فى كل طبقة على ختمه في كل أسبوع مرة.
وسهل حفظ القرآن على الصحابة ما آتاهم الله من قوة الذاكرة وسرعة الحفظ وما حفظه العرب من القصائد والخطب والشواهد والأمثال مما يدهش الأمم ويقضى لهم بالتفوق البالغ في الحفظ الا عند أها القلوب البيضة والأضغان المميتة، فيظهر من ذلك كيف يكون حالهم في حفظ القرآن الذي أخذ بمجامع قلوبهم وبهر بصائرهم ببلاغته البالغة ومعانيه العالية مما ينادى بأنه تنزيل من حكيم حميد.
وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يعارض القرآن على جبريل مرة في كل سنة فى شهر رمضان وفى عام انتقاله إلى الرفيق الأعلى كانت المعارضة بينهما مرتين في شهر رمضان منه والمعارضة تكون بقراءة هذا مرة واستماع ذاك ثم قراءة ذاك واستماع هذا تحقيقا لمعنى المشاركة فتكون القراءة بينهما في كل سنة مرتين وفى سنة وفاته أربع مرات، فتفرس النبي صلى الله عليه وسلم من تكرير المعارضة فى السنة الأخيرة قرب زمن لحوقه بالرفيق الأعلى، فجمع الصحابة – رضي الله عنهم - فعرض القرآن عليهم آخر عرضة.
والقراءات الواردة فى العرضة الأخيرة هى أبعاض القرآن المتواترة في كل الطبقات، فيكفر جاحد حرف منها، إلا أن من القراءات المتواترة ما هو معلوم تواتره بالضرورة عند الجماهير، ومنها ما يعلم تواتره حذاق القراء المتفرغون العلوم القراءة دون عامتهم فإنكار شيء من القسم الأول كفر باتفاق.
الجزء 1 · صفحة 10
وأما الثاني فإنما يعد كفراً بعد إقامة الحجة على المنكر وتعنته بعد ذلك، فتهوين أمر القراءات السبع أو العشر المتواترة خطر جداً، وإن اجترأ على ذلك الشوكاني وصديق خان القنوجي مع أن شيخ الصناعة الشمس الجزرى يسرد أسماء رواة العشر طبقة بعد طبقة فى كتابه «منجد المقرئين» بحيث يجلو لكل ناظر أمر تواتر القراءات العشر فى كل الطبقات جلاء لا مزيد عليه فضلاً عن السبعـ وهذا مع عدم استقصائه رواة العشر في كل طبقة.
وهذا فمن المضحك جدا دعوى الشوكاني والقنوجى استنتاج مزاعمهما السابقة من كلام ينسب إلى ابن الجزرى. ودونك نصه الصريح في كتاب «المنجد» له على التواتر، وأما كلام ابن جرير فى بعض قراءات ابن عامر ونحوه فهفوة باردة من قبيل القسم الثاني، وكذلك ما وقع للزمخشري في «كشافه» نسأل الله السلامة ولم يكن ابن جرير من الحذاق في علم القراءة ولا من المتفرغين لدراسته وتدريسه، وهذا هو مصدر أخطائه كما نبَّه على ذلك الحذاق من أهل هذا العلم.
وترتيب السور والآيات فى المصحف المتواتر ليس على ترتيب النزول، بل هذا الترتيب المتواتر هو الترتيب المتلقى من النبى صلوات الله عليه وسلم في العرض الأخير. بل كان الرسول – صلى الله عليه وسلم - يرشد الأمة كلما نزلت آية إلى موضعها بين الآيات فى السور، كما كان يرشدهم إلى ترتيب السور على ما في الحديث الصحيح عن تجزئة القرآن.
والحاصل أن الحجة قائمة على أن الترتيب بين السور توقيفي في التحقيق، كما أن الترتيب بين الآيات في السور توقيفي.
الجزء 1 · صفحة 11
وأنى يتصور العرض المترتب فى السمع بدون ترتيب في السور وآياتها، وكان القرآن كله مكتوبا في رقاع وأكتاف وعسب ونحوها في عهد النبي وكانت تلك القطع المكتوبة بمحضره صلى الله عليه وسلم علم يحرسها الصحابة في بيوتهم مع استظهارهم لما فيها بل للقرآن كله بل كان القرآن يحفظه كل من لا يحصيهم العدّ في عهده - صلى الله عليه وسلم - بالطريقة التي شرحناها، والعدد المروى عن بعض الصحابة إنما هو بالنظر إلى علم الراوى وبالنظر إلى قبيلة خاصة، ولا يشك في ذلك من استعرض الروايات فى هذا الصدد. وقد توسعنا في بيان ذلك فيما أمليناه فى علوم القرآن قبل سنين متطاولة.
ولم يكن جمع السور وآياتها كلها في مصحف واحد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقصر المدة بين زمن نزول آخر ما نزل من القرآن وزمن انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ولم يكن الجمع في مصحف متصورا في عهد استمرار النزول. وجمعت كل سورة فى صحف خاصة وقراطيس مرتبة الآيات بخط زيد بن ثابت – رضي الله عنه - في عهد أبى بكر الصديق – رضي الله عنه - تحت إشراف جمهرة القراء من الصحابة وجروا على طريقة الكتابة من عين ما كتب بين يدى الرسول – صلى الله عليه وسلم - بعد ثبوت ذلك بشهادة شاهدين عدلين بأن هذا هو المكتوب بعينه بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في المحافظة على رسم القرآن المتبع عند كتابته أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - محضر الصحابة، ولم يكن المراد بالإشهاد الإشهاد على نفس النظم الكريم أصلا، فإن الصحابة الذين كانوا يحفظونه كانوا في غاية من الكثرة، وحديث خزيمة ينادى بأن الإشهاد إنما كان على القطع المكتوبة.
واستشهاد جماعة كبيرة من قراء الصحابة في اليمامة الباعث على اقتراح عمر
الجزء 1 · صفحة 12
– رضي الله عنه - جمع القرآن فى الصحف، وتردد الصديق – رضي الله عنه - بادئ بدء إنما كان بملاحظة أن ذلك ربما يكون سببا للتواكل في حفظه والتكاسل في استظهاره لا باعتبار التحرج في الكتابة، قال الله تعالى: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صحفا مطهرة}، فأنى يتصور التحرج من كتابة آيات السور في الصحف مع وجود هذه الآية الكريمة.
ولم يكن الصحابة – رضي الله عنهم - يستصحبون شيئًا مكتوبا من القرآن في حروبهم وأسفارهم مخافة أن يناله العدو بسوء، وانقيادا لنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو وشهداء اليمامة من قراء الصحابة ما كانوا استصحبوا شيئًا من القطع المكتوبة بمحضره – رضي الله عنهم - المحفوظة في بيوتهم لنهيه - عن ذلك، لكن إذا تكرر مثل هذه الحادثة قبل جمع الآيات في الصحف بالنقل من تلك القطع؛ فإنه يحصل اضطرار إلى الجمع بإملاء حفاظ القرآن من الصحابة عن ظهر القلب فينسى الرسم الذي جرى عليه الصحابة بمحضر الرسول صلى الله عليه وسلم فاقترح عمر ما اقترح، ووافقه الصديق وسائر الصحابة – رضي الله عنهم - على ذلك حتى تم جمع آيات كل سورة في صحف خاصة بيد زيد بن ثابت – رضي الله عنه - تحت إشراف جمهرة الصحابة، فكتبت مئات من المصاحف من تلك الصحف
ولما اتسع نطاق الفتوح الإسلامية جدا، وبدأت الأغلاط في التلاوة تذيع في البلاد الشاسعة أجمعت الصحابة في عهد عثمان – رضي الله عنه - على نسخ صحف أبي بكر وإرسالها إلى أمصار المسلمين تحت إشراف قراء معروفين ليقابل أهل كل قطر مصاحفهم بالمصاحف المكتوبة تحت إشراف الصحابة المرسلة إليهم، وليتخذوها أئمة يقتدون بها فى التلاوة والكتابة بنبذ ما ذلك من المصاحف
الجزء 1 · صفحة 13
التي كتبها أفراد وغلطوا فيها، ولم يأب ذلك أحد الصحابة، حتى إن أبى بن كعب – رضي الله عنه - كان من المساعدين لزيد في أم سوي من النسخ.
وأما ما يصر عليه الذهبي من تقديم وفاته فوهم محض، بل ابن مسعود بعد أن أبدى بعض استياء من عدم توليته أمر الكتابة وافق الجماعة على هذا العمل الحكيم، حيث قال للذين فزعوا إليه في أمر المصاحف: «إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف».
وكان زيد بن ثابت – رضي الله عنه - هو الذي قام بكتابة القرآن ومعه رهط في عهد عثمان، كما كان هو القائم بها فى عهد أبى بكر فليس لابن مسعود أن يستاء من تولية عثمان زيدا أمر نسخ القرآن وكتابته؛ لأنه هو الذى كان وليها في عهد أبي بكر، وقد وقع عليه الاختيار في العهدين بالنظر إلى أن زيد بن ثابت كان أكثر كتاب الوحى ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فى كتابة الوحى على شبابه وقوته وجودة خطه، فيكون أجدر بذلك.
ولأبي بكر وعثمان أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم في اختياره لكتابة المصحف الكريم، على أن طول ممارسته لمهمة كتابة القرآن يجعله جاريا على نمط واحد فى الرسم واتحاد الرسم في جميع أدوار كتابة القرآن أمر مطلوب جدا، وتحميل مثل هذا العمل الشاق للشيوخ من الصحابة يكون فيه إرهاق وليس أحد من الصحابة ينكر فضل ابن مسعود وسبقه واتساعه في معرفة القرآن وعلومه لكنهم لا يرون وجها لاستيائه الأمر وهو القائم بمهمة عظيمة فى الكوفة، يفقه أهلها في دين الله ويعلمهم القرآن وابتعاده عن الكوفة سنين لم يكن من مصلحة العلم الذي كان زرع بذوره هناك، بل كان من الواجب أن يستمر على تعهد
الجزء 1 · صفحة 14
غراسه لتؤتي أكلها بإذن ربه.
وقد استمر عمل الجماعة فى نسخ المصاحف مدة خمس سنين، من سنة خمس وعشرين إلى سنة ثلاثين فى التحقيق ثم أرسلوا المصاحف المكتوبة إلى الأمصار وقد احتفظ عثمان بمصحف منها لأهل المدينة، وبمصحف لنفسه، غير ما أرسل إلى مكة والشام والكوفة والبصرة، وكانت تلك المصاحف تحت إشراف قراء مشهورين فى الإقراء والمعارضة بها، فشكرت عثمان هذا شكرا عميقا، وفي مقدمتهم على بن أبي طالب كرم وجهه، بل كان يقول: لو وليت لفعلت فى المصاحف الذي فعله عثمان .. كما روى ذلك أبو عبيد في فضائل القرآن عن عبد الرحمن بن الأمة الله صنيع غفلة مهدى عن شعبة عن علقمة بن مرتد عن سويد بن عن على كرم وجهه الله.
فالقراءات الموجودة فى العرضة الأخيرة هى أبعاض القرآن، فما أمكن جمعه منها بالخط جمعوه بالخط في المصاحف المكتوبة، حيث لم يكن في خط الصحابة شكل ولا نقط، بل كانوا يستغنون عن كتابة الألفات المتوسطة في الكلمات ولذلك تمكنوا من الجمع بالخط بين «فتبينوا» و «فتثبتوا» وبين «ينشركم» و «يسيركم» إلى نحو ذلك من القراءات المتواترة، وأما ما لم يمكن جمعه بالخط فوزعوه على المصاحف.
وكيفية الرسم في تلك المصاحف مدونة تفصيلاً في كتب خاصة من أول عهد إلى يومنا هذا، ومن الكتب السهلة التناول فى هذا الصدد كتاب «المقنع» للداني و «المحكم» له أيضا، وقد لخصهما من كتب الأقدمين في «رسم القرآن» ومئات من القراء فى كل طبقة يعرفون كيفية إملاء الكلمات في تلك من أول يوم
الجزء 1 · صفحة 15
إلى يومنا هذا. وها هى كتبهم المدونة في كل طبقة في المصاحف الرسم ماثلة أمامنا بكثرة بالغة.
ومصحف الكوفة من بين تلك المصاحف كما يذكره السجقلى- هو المصحف الذي كان محفوظا بطرطوس - أمام جزيرة أرواد قرب طرابلس الشام فى عهد العلم السخاوى. ثم نقل إلى قلعة حمص، ويصفه النابلسي في رحلته الكبرى سنة 1100 ألف ومائة ولم يزل محفوظا بها إلى الحرب العامة، فنقله أصحاب الشأن من هناك إلى عاصمة الدولة.
وكذلك كان مصحف المدينة المنورة محفوظا بالروضة المعطرة مدى القرون إلى الحرب العامة ثم نقل إلى العاصمة أيضا في أثناء الحرب العامة، ولعله أعيد إليها بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
وأما مصحف الشام فهو الذى كان بطبرية ثم نقل إلى دمشق، وكان محفوظاً في مسجد التوبة فى عهد ابن الجزري، ثم استمر محفوظا في حجرة الخطيب بالجامع الأموى إلى الحرب العامة أيضا ثم نقل فيما نقل إلى العاصمة.
وكان الشيخ عبد الحكيم الأفغاني الدمشقى العالم المشهور من أهل عصرنا ألهم نسخ القرآن من المصحف الدمشقى على طبق رسمه قبل وفاته بسنوات قلائل وقبل الحرب العامة، كأنه كان أحس أن المصحف الشامي ينقل من هناك، فأتم نسخه على طبق رسمه بيده الكريمة.
ومصحف عبد الحكيم هذا محفوظ عند بعض أصحابه بدمشق إلى اليوم، وفي «الحقيقة والمجاز في رحلة الشام ومصر والحجاز» لعبد الغنى النابلسى وصف ما شاهده في حمص ومصر من المصاحف الأثرية. وذكر فى «منادمة
الجزء 1 · صفحة 16
الأطلال» أنباء المصاحف الشامية في العهد الأخير.
وأما مصحف عثمان الخاص به الذى اطلع عليه أبو عبيد في بعض الخزائن على ما في العقيلة وشروحها، فلا يبعد أن يكون هو المصحف الذي يذكره المقريزى فى الخطط عند الكلام على مصحف أسماء في جامع عمرو الذي كان عبد العزيز بن مروان وعد بجائزة كبيرة عن كل غلطة توجد فيه، فوجد قارئ كوفى كلمة نجعة بدل نعجة غلطا فأخذ الجائزة.
ثم نقل إلى قبة الملك الغورى بالقاهرة مع الآثار النبوية، ثم نقل إلى المشهد الحسينى بها مع الآثار المذكورة، ويصفة العلامة الشيخ بخيت في «الكلمات الحسان».
وكثير من الماكرين يجترئون على تلطيخ بعض المصاحف القديمة بالدم ليظن أنه الذى كان بيد عثمان – رضي الله عنه - حينما قتل، وكم من مصاحف ملطخة بالدم في خزانات الكتب والله ينتقم منهم.
وأما ما أرسله الملك الظاهر بيبرس إلى ملك المغول في الشمال في ولجا وما والاها أثناء سعيه الموفق فى إرشادهم إلى الإسلام، فليس هو بالمصحف العثماني رغم ما شهر في البلاد، وإن كان المصاحف القديمة المنسوخة في عهد الصحابة، لأن رسمه يخالف مصحف عثمان الخاص في بعض الكلمات كما حققه العلامة الشهاب المرجاني في «وفيات الأسلاف وتحيات الأخلاف» بمعارضة رسمه برسم مصحف عثمان الخاص المدون في كتب الرسم كالرائية وغيرها.
ويظهر أن مصحف بيبرس هو المصحف الذي كان محفوظا بجامع عبيد الله الأحرار السمرقندى بسمرقند بعد انقراض دولة المغول الشمالية وحينما استولى
الجزء 1 · صفحة 17
الروس على سمرقند في القرن المنصرم نقلوا المصحف المذكور إلى خزانة قيصر روسيا، ولم يزل محفوظا بها إلى انقراض دولتهم.
ويقال أنه أعيد إلى الجامع المذكور بسمرقند قبل نحو 15 «خمس عشرة سنة بعد انقراض دولتهم، لكن جهلة المسلمين هناك أخذوا أوراقا كثيرة منه من مواضع متفرقة خفية باسم التبرك، فقضوا بذلك على هذا المصحف الأثرى العظيم القدر، والله في خلقه شئون.
وقد تمكن بعض أهل الفضل من أخذ صورة شمسية من البقية الباقية، ولتلك المصاحف قيمتها الأثرية العظيمة وإن لم يكن إليها حاجة في معرفة لأنه مدون في كل طبقة كما ذكرنا.
وسعى قراء الصحابة المبعوثين إلى الأقطار النائية في تعليم القرآن وتحفيظه فوق كل تقدير.
وقد اكتظت كتب التاريخ المؤلفة في أخبار الصحابة وأنباء الأمصار وتراجم قراء البلاد بمساعيهم الحميدة في ذلك، وتجد مصداق ما ذكرناه في تاريخ دمشق لأبي زرعة الدمشقى و فضائل القرآن لابن الضريس وتاريخ دمشق لابن عساكر وطبقات القراء للذهبي وغيرها من الكتب المتداولة.
ولم يكن عدد المصاحف فى البلاد الإسلامية فى عهد الصحابة يقل عن مائة ألف مصحف بالنظر إلى سعة مساحة البلاد المفتوحة وعناية أهليها بتعليم القرآن الكريم، بل كان عمر الفاروق – رضي الله عنه - يفرض مرتبات من بيت مال المسلمين للذين يستظهرون كتاب الله الكريم إلى أن خشى أن يشتغل الناس بحفظ القرآن ويهملوا أمر التفقه فيه.
الجزء 1 · صفحة 18
وكان من الذين جمعوا بين التحفيظ والتفقيه: ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. والذين تخرجوا في القرآن والفقه عند ابن مسعود بالكوفة لهم كثرة بالغة، حتى الذين قاموا ضد بني أمية مع عبد الرحمن بن الأشعث من القراء فقط نحو أربعة آلاف قارئ هم خيار التابعين من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وكان أبو موسى الأشعرى – رضي الله عنه - يقسم تلاميذه حلقة حلقة، ويجعل لكل حلقة نقيبا يشرف عليهم، ثم هو يشرف على الجميع تعليما وتحفيظا كل يوم من طلوع الشمس إلى الظهر فى جامع البصرة، ويفعل مثل ذلك سواء بسواء أبو الدرداء – رضي الله عنه - في جامع دمشق كل يوم إلى أن توفى بالشام، ومناقبهم في التحفيظ والتفقيه لا تسعها هذه العجالة.
هكذا كان شأنهم فى تعليم القرآن والقراءات التي تعد أبعاض القرآن وهى القراءات المتواترة تواتراً لا يتصور المزيد عليه في الطبقات كلها. وأما ما يروى بطريق الآحاد من القراءات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بعض الصحابة أو التابعين فليس من القرآن أصلا، بل يدور أمره بين أن يكون تفسيرا سمع منهم في أثناء تعليمهم القرآن ثم دون في عداد القراءة، وبين أن يكون سهوا جرى على لسان التالي وظنه السامع قراءة .. ولمثل ذلك أشار مالك بن أنس إلى نافع القارئ بألا يؤم القوم حينما استشاره في ذلك قائلا له ما معناه: إنك بارع فى القراءات فإذا سهوت فى القراءة أثناء الصلاة ربما يظن بهذا السهو أنه قراءة مروية فيتلقى منك هذا السهو كقراءة.
وتلك القراءات الشواذ دوَّنها العلماء فى كتب خاصة، منها الجارى مجرى التفسير، ومنها السهو المحض.
الجزء 1 · صفحة 19
وتوجد قراءات تروى بأسانيد ملفقة كاذبة وحقها أن لا تعد من القراءات بالمرة، والفرق بينها شأن العلماء الاختصاصيين بحجج ناهضة معلومة لأهلها قال أبو عبيد في «فضائل القرآن» عند ذكر ما جمع في عهد عثمان تحت إشراف جمهرة الصحابة: وهو الذي يحكم على من أنكر شيئًا بالحكم على المرتد من الاستتابة فإن أبى فالقتل ثم قال عند الكلام على الشواذ والألفاظ الواردة بغير طريق التواتر فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روى عن كبار أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم صار في نفس القراءة فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحة التأويل على أنها من العلم الذي لا يعرف العامة فضله، وإنما يعرف ذلك العلماء» اهـ.
وظاهر جدا كون ما يروى عن أمثال ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس – رضي الله عنه - من الألفاظ المخالفة للمتواتر تفسيراً على الوجه الذي سبق بيانه
وقد تواترت عن ابن مسعود قراءته بطريق أصحابه من أهل الكوفة، وقد تلقاها عاصم عن زر بن حبيش عنه، وهى التي يرويها أبو بكر بن عياش عن عاصم وتواترها البالغ مما لا يتناطح فيه، وليس فيها تلك الألفاظ الشاذة.
ومن زعم أنه لم يكن فى مصحفه الفاتحة والمعوذتان أو أنه كان يحك المعوذتين فكاذب قصدا أو واهم من غير قصد والمعوذتان موجودتان في قراءة ابن مسعود المتواترة عنه بطريق أصحابه، وكذلك الفاتحة، وقراءته هي قراءة عاصم
الجزء 1 · صفحة 20
المتواترة التى يسمعها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في كل حين وفى كل الطبقات.
وأنى يناهض خبر الآحاد الرواية المتواترة على أن العامة يحفظون عن ظهر القلب الفاتحة والمعوذتين لصلواتهم وتعاويذهم في عهده فلا مانع من أن يكون استغنى عن كتابتها لكونها غير مظنة للنسيان، ولا مانع أيضا من أن يكون يحك اسم المعوذتين دون المسمى على طريقته المعلومة فى تجريد القرآن من أسماء السور وعدد آياتها وأعشارها وغير ذلك مما لا يدخل فى التنزيل، وقد أجاد ابن حزم الرد على تقولات المتقولين في هذا الصدد في كثير من مؤلفاته.
والعناية البالغة من الأمة باستظهار القرآن وحفظه من يوم النزول إلى اليوم وإلى قيام الساعة لا تحول دون وهم واهم فى لفظه، وغلط غالط في كلمة؛ لأنه ليس في طبيعة البشر أن يكون جميع أفراده سواء في الحفظ والعلم والفهم، لكن الأوهام والأغلاط تذوب أمام ضبط الجماهير وحفظهم في كل طبقة ويستأنس أهل العلم بألفاظ تروى في صدد القراءة بتمييزهم بين ما هو من قبيل التفسير وبين ما هو سهو بحت وبين ما هو خبر صرف ظنه بعض مغفلى الرواة آية بين ما هو ملفق محض، فيجعلون لكل منها حكمه الخاص به.
ونرى في المدة الأخيرة اهتماما خاصا لمستشرقي الغرب بنشر مؤلفات علماء الإسلام الأقدمين مما يتعلق بالقرآن الكريم وعلومه من كتب القراءة، وكتب الرسم وشواذ القراءات وكتب الطبقات، بل يواصلون سعيهم ذلك وفي نشر ما للأقدمين من المؤلفات فى الحديث والفقه واللغة إلى غير ذلك من المشرقيات ومسعى أغلبيتهم ينم عن قصدهم لإحياء عهد الصليبيين بطريقة أخرى فى
الجزء 1 · صفحة 21
الحملات الممتلئة تعصباً وجهلا نحو النور الوضاء الذي أشرق من القرآن الكريم على هذه الكرة المظلمة حتى استنارت البصائر بذلك النور الوهاج. فدخل الناس فى دين الله أفواجا، فتبدلت الأرض غير الأرض. وغاية هذا الفريق مكشوفة جدا مهما تظاهروا بمظهر البحث العلمى البرىء كذبا وزوراً وخداعا.
وبتلك الإلمامة اليسيرة فى تاريخ القرآن الكريم يظهر أن محاولتهم هذه ما هى إلا محاولة خائبة منكوسة، وأنهم لو ابتغوا نفقا في الأرض أو سلما في السماء ليأتوا بماله مساس بكتاب الله المنزل على حبيبه المرسل – صلوات الله عليه وعلى سائر الأنبياء- من قرب أو بعد؛ لما وجدوا إلى ذلك أدنى سبيل.
ولو كان الأزهر الشريف صرف شطراً من عنايته لنشر أمثال تلك الكتب مباشرة أو إعادة نشرها مع تعليق ما يجب التعليق عليه لقطع السبل على الماكرين. وما ذلك على الله بعزيز.