کليمة حول المحاريب
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
کليمة حول المحاريب
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
من العجب أن نرى بين آونة وأخرى أناسا يسعون جهدهم في إثارة ضجات حول مسائل تافهة، متغاضين عن موبقات ملأت البقاع، وآذت الشرع الإسلامي في جوهره وصميمه، ولو كان رائد هؤلاء الإخلاص لرأوا الصغير صغيرا والكبير كبيرا، ووسعهم وسع جماعة المسلمين على توالى القرون وقد بلغ ببعضهم التخطى إلى حد محاولة التحدى في أمر يظن أنه قتله بحثا فينبرى مستنكراً لما توارثته جماعة المسلمين في مساجدهم من أقدم العهود، وما ذلك إلا من سكوت كبار العلماء عن القطرة إلى أن تصبح سيلا، ولو حاسب هذا المتحدى نفسه ووازن بين ما حفظه وما غاب عنه لعلم أنه اغتر بسكوت أهل الشأن. أمثاله فظن أن الجو صفا له فأخذ يشرع ما يشاء
ويستنكر ما يشاء، وفي مثله قال الشاعر:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب ... الطعن وحده والنزالا
ولو علم المسكين مقدار نفسه لسكت فاستراح وأراح، لكن النملة لما سئلت كم مقدار وزنك؟ أجابت قائلة: أزن بميزانى مائة قنطار، فإذن لا مانع من أن نرى ألف مجتهد ومجتهد في كل بيت نمل.
وقد اتفق أهل العلم على أن المسائل الفرعية الاجتهادية لا تتخذ مثار
إنكار، فكيف يقوم في صف الدعاة إلى الله من يجهل ذلك أو يتجاهله ولا ينزل المسائل منازلها؟.
وأشد ما قيل في قيام الإمام فى الطاق كلمة أهل العراق. وفي الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني: محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة: لا بأس أن يكون مقام الإمام فى المسجد وسجوده في الطاق، ويكره أن يقوم فى الطاق. ويروى مثل ذلك عن ابن مسعود - ف - وإبراهيم النخعى والحسن البصرى والثورى وغيرهم من علماء العراق. وهذه الكراهة كراهة تنزيه عندهم على ما ذكره الخير الرملى فى حاشية البحر الرائق، وهى أقرب إلى الجواز من الحظر، ولم يثبت عن ابن مسعود التعليل بالتشبيه بالنصارى لأن خبر البزار عنه في سنده ميمون الأعور أبو حمزة قد ضعفه غير واحد، وإن ثبت عنه القول بكراهة القيام فى الطاق أى المحراب. فسبر أهل العلم وجه الكراهة فى ذلك فلاحظوا احتمال أن تكون العلة
امتياز الإمام عن الجماعة بمقام واحتمال أن تكون اشتباه حال الإمام على من في اليمين والشمال فالاحتمال الأول رده ابن الهمام قائلا: «إن امتياز الإمام مقرر مطلوب فى الشرع فى حق المكان حتى كان التقدم واجبًا عليه، وغاية ما هنا كونه في خصوص مكان ولا أثر لذلك فإنه بنى فى المساجد المحاريب من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولو لم تبن كانت السنة أن يتقدم في محاذاة ذلك المكان؛ لأنه يحاذى وسط الصف وهو المطلوب؛ إذ قيامه في غير محاذاته مکروه، وغايته اتفاق الملتين فى بعض الأحكام ولا بدع فيه، على أن أهل الكتاب إنما يخصون الإمام بالمكان المرتفع على ما قيل فلا تشبه وزد على ذلك احتجاج من يحتج بشرائع من قبلنا بالشرط المعروف قال الله تعالى: فنادته الملائكة وهو قائم
يصلي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبشَرُكَ بيحيى مُصَدِّقًا بكَلِمَةٍ مِّنَ الله وَسَيّدًا وَحَصوراً وَنَبِيَّا مِّنَ الصَّالِحِينَ.
وأما الاحتمال الثاني وهو كون علة الكراهة خفاء حال الإمام على بعض الجماعة، فقد قواه ابن الهمام ذاكراً أن محاريب أهل العراق مجوفة مطوقة حتى إذا وقف الإمام داخل المحراب تشتبه حاله على من عن يمينه ويساره فلو كان بجنبى الطاق عمودان وراءهما فرجتان يطلع منهما أهل الجهتين على حال الإمام لا يكره فعلى هذا يكون الأمر خاصا بأهل العراق.
ومن أهل العلم من عد وجه الكراهة قيام الإمام في محل مرتفع في المحراب. وقد قال ابن الهمام أيضا عند التعرض لذلك: واختلف في مقدار الارتفاع الذي تتعلق به الكراهة فقيل قدر القامة وقيل ما يقع به الامتياز، وقيل ذراع كالسترة وهو المختار اهـ والتقدير بالقامة رواية الطحاوي عن أبي يوسف.
وعالم دار الهجرة مالك بن أنس – رضي الله عنهم - مع أهل العراق في كراهة انفراد الإمام فى مكان مرتفع فى رواية ابن القاسم. وفي المدونة: «كره مالك أن يصلى الإمام على شيء هو أرفع مما يصلى عليه من خلفه مثل الدكان في المحراب ونحره من الأشياء، إلا أن يكون على دكان يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فإن صلاتهم تامة اهـ. وبذلك تعلم حكم المحاريب المتوارثة بمصر منذ عهد ابن القاسم صاحب الإمام مالك – رضي الله عنه -، لكن عالم قريش الإمام محمد بن إدريس المطلبي – رضي الله عنه - اختار في الأم للإمام أن يصلى على الشيء المرتفع ليراه من وراءه فيقتدوا بركوعه وسجوده، وذلك بعد أن ساق حديث ابن مسعود – رضي الله عنه - في النهي عن ذلك.
وأما قول ابن الهمام ببناء المحاريب في المساجد من لدن رسول الله خطورة التسرع في الإفتاء، فيؤيده حديث وائل بن حجر – رضي الله عنه - عند البيهقي وفيه ... فدخل المحراب ... وليس عدم ذكر أم عبد الجبار في سنده بضائره لأنها لاتشذ عن جمهرة الروايات اللائي قال عنهن الذهبي وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها على أنها زوجة صحابي. ولعل قول ابن حجر نفى وجود المحاريب في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم - ليس بمعنى نفى وجودها مطلقا، بل يريد نفى كونها على أخص أوصاف محاريب، عصره، وإلا فحديث وائل ابن حجر أحق بالتعويل من حديث عبد المهيمن بن عباس الذي يقول فيه لم يكن لمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - محراب في زمنه ثم أحدثه عمر بن عبد العزيز لأنه يناقض روايته الأخرى التى توافق حديث، وائل وهى روايته عند الطبراني من حديث سهل بن سعد الله - وفيه ... فلما بنى له محراب تقدم إليه ... وماله متابع أحق بالقبول مما ينفرد به مثل عبد المهيمن وقد ضعفه غير واحد.
والواقع أن المحراب كان موجوداً، والذى زاد فيه عمر بن عبد العزيز أيام إمرته بالمدينة المنورة سنة 87 هو التجويف البالغ في المحراب. وعمر بن عبد العزيز أقر له طوائف الفقهاء بالإمامة فى الفقه والحديث والورع والاعتصام بالسنة أفمثله يعد مبتدعا فيما فعل ومن ظن أن تغيير البناء إلى أكمل فأكمل وأحكم فأحكم بدعة ممقوتة فهو الممقوت، ولم يكن مسجد النبي مبنيا بالحجارة إلا فى أساسه ولا مسقفا بغير جريد النخل، فوسعه عمر وسقفه، ثم وسعه عثمان - ف - وبناه بالحجارة على أعمدة حجارة وسقفه بالساج، إلى أن جددت عمارته في عهد إمرة عمر بن عبد العزيز بالمدينة المنورة سنة 87 بفسيفساء ورخام أفيعد هؤلاء مبتدعة ضلا لا؟!!.
وقد أجاد الأستاذ السيد عبد الله بن الصديق الغماري فيما علقه على رسالة السيوطى فى حكم الصلاة فى المحاريب وكشف الستار عن خبايا أسانيدها وأبان عدم صحة التمسك بما فيها من جهة التدليل على ما يدعيه السيوطي، وتسرع العالم كثيراً ما يوقعه فيما لا يرضاه لنفسه، وكم يوقع السيوطي تسرعه في مثل هذه السقطة.
وقد أحسن صنعا فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عمر عبد الوهاب الجندى حيث ألف ما هو فصل الخطاب فى مسألة المحراب وكفى وشفى من كل ناحية ووصف ما فى كنائس النصارى من المذابح التي قد تسمى المحاريب وصفا دقيقا لا يدع شبهة لأحد أن محاريب المسلمين لا تشبهها بوجه من الوجوه فجزاهما الله تعالى عن السنة خيرا حيث لم يدعا قولا لقائل.
والعجب من السيوطى كيف يحاول الاستدلال بحديث البيهقى «اتقوا هذه المذابح بدون أدنى مناسبة له بالموضوع ولا سيما بعد أن ادعى أن المحاريب لم يكن لها وجود فى عهد النبي - على أن سالم بن أبي الجعد في سنده مدلس، وقد عنعن وعنعنة المدلس مردودة عند أهل النقد، ونعيم بن أبي هند ناصبي كان يتناول عليا كرم ا وجهه فلا حب ولا كرامة، وعبد الرحمن بن مَغْرا تركه ابن المديني وعده ابن عدى منا الضعفاء، وسهل ابن زنجلة على حفظه لم يرو عنه من أصحاب الأصول الستة غير ابن ماجه ومثله متكلم فيه عند بعض أهل النقد، ومحمد بن عبد الله الحضرمي كان محمد بن أبي شيبة يضعفه. وتوثيق ابن حبان لبعض هؤلاء على طريقته في توثيق المجاهيل وأما ما يروى عن ابن مسعود ففي سنده ميمون الأعور ضعفه غير، واحد ومحبوب بن الحسن ضعفه النسائي، وإنما روى البخاري عنه حديثًا واحداً بمشارك فى شيخ، شيخه و محمد بن مرداس
جهله أبو حاتم. قال الذهبي: روى عن خارجة خبراً باطلا، ولم يرو عنه من الأئمة الستة غير أبى داود، وهكذا وكراهة من كره من أهل العراق الصلاة في الطاق لما سبق من ابن الهمام فلا ينهض ما يرويه السيوطى عن إبراهيم والحسن وابن مسعود وغيرهم حجة لمسألة الباب.
وهذه كليمة أسوقها على عجل نزولا عند رغبة بعض الإخوان وللكلام متسع إذا لزم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.