الجزء 1 · صفحة 5
كلمة عن خالد بن الوليد وقتل مالك بن نويرة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
نرى في المدة الأخيرة اتجاه عدة من نوابغ الكتاب إلى الكتابة عن السيرة النبوية وسير الراشدين من وسير الخلفاء فنسر من هذا الاتجاه علما منا بأن المثل الأعلى فى النهوض بالأمة هو سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أصحابه – رضي الله عنهم - فاطلاع الجماهير على الحقائق الناصعة. من أنباء الصدر الأول صافية من كل شائبة تحفزهم إلى الاعتصام بسيرهم في الحرص على تعاليم الإسلام والاستماتة فى الدفاع عن حريم الإسلام.
وليس بخاف على القارئ الكريم مبلغ سعى أعداء الإسلام في كل دور، ووجوه تجدد مكرهم فى كل طبقة. فمن ألوان مكرهم في عهد تدوين الروايات اندساس أناس منهم بين نقلة الأخبار متلفعين بغير أزيائهم لترويج أكاذيب بينهم مما يشوه سمعة الإسلام وسمعة القائمين بالدعوة إلى الإسلام فراجت تلك الأكاذيب المدبرة على نقله لم يؤتوا بصيرة نافذة فخلدوها في لكتب، حتى ظلت يتذرع بها الكائدون فى كل قرن للكيد بالإسلام لكن الله سبحانه أقام ببالغ فضله جهابذة تضع الموازين القسط لتعرف الأنباء الصافية العيار من نبهرج الأخبار، فأصبحت تعاليم الإسلام وأنباء الإسلام في حرز أمين من دس الساسين عند من يعرف أن يزنها بتلك الموازين.
الجزء 1 · صفحة 7
وكانت طريقة كتاب الغرب فى النيل من الإسلام طريقة الإقذاع المجرد والبهت الصرف إلى أن جد لهم منذ قرنين منهج في تشويه الحقائق، يتصيدون أكاذيب من كتب الشرق متظاهرين بمظهر البحث العلمى البرىء فأخذ من له صلة بهم من أبناء الشرق الأغرار ينخدع بكتاباتهم وينشر خزعبلاتهم بين بنى قومه فاستشرى الشر، ووجب تدارك الأمر.
فأصبح من الحتم اللازم على كتاب السير» اليوم، أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم إزاء الكتب المؤلفة فى السير فى الشرق والغرب قديما وحديثا، وأن يضاعفوا السعى فى تمحيص الحقائق بالموازين المعتبرة عند أهل النقد، بدون أين يجعلوا لأقلامهم الحرية المطلقة التي تعودوها فى سبك القصص والروايات العصرية والموضوعات الأدبية فى الصحف السيارة، محتاطين غاية الاحتياط في إبداع آرائهم ونقولهم فى الكتاب، متريثين إلى ظهور نتيجة عرضها لمحك النقد الصحيح، فإذا تبصروا هكذا فى تعرف دخائل الكتب الشرقية خاصة يسهل عليهم القضاء على صنوف الكيد في كتب الغربيين.
فمن رجال كتب السير فى الشرق محمد بن إسحاق، وقد كذبه كثير من أهل النقد، ومن قواه اشترط فى رواياته شروطا لا تتوفر في مواضع الريبة من رواياته، وفى فهرست ابن النديم في ترجمته ما يحسن الاطلاع عليه، راويته زياد البكائى مختلف فيه ضعفه النسائى، وتركه ابن المديني وقال أبو حاتم لا يحتج به، وراويته الآخر سلمة بن الفضل الرازي مختلف فيه، يقول أبو حاتم عنه أيضا لا يحتج به وراويه سلمة هذا هو محمد بن حميد الرازي مختلف فيه وقد كذبه كثيرون أشنع تكذيب، وبطريقه يسوق ابن جرير الطبرى روايات ابن إسحاق.
الجزء 1 · صفحة 8
ومنهم هشام بن محمد الكلبي وأبوه وهما معروفان بالكذب.
ومنهم محمد بن عمر الواقدى وقد كذبه أناس والذين وثقوه لا ينكرون أن في رواياته كثيرا من الأخبار الكاذبة حيث كان يروى عن كل من هب ودب، والخير لا يسلم مالم يسلم سنده.
ومنهم سيف بن عمر التميمى صاحب كتاب الردة والفتوح، ويقول عنه أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي، وقال الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو فى الرواية ساقط. وقال ابن حبان قالوا إنه كان يضع الحديث يروى الموضوعات عن الأثبات، اتهم بالزندقة وضعفه غير واحد. وراويته شعيب بن إبراهيم يقول عنه الذهبي فيه جهالة، ويقول ابن عدى ليس بالمعروف، وله أحاديث وأخبار فيها ما فيه تحامل على السلف اهـ. والراوى عنه السرى بن يحيى غير موثق وهو شيخ ابن جرير في رواياته عن سيف، وأما من فوق سيف من الرجال فمجاهيل في الغالب.
ومنهم موسى بن عقبة وقد أثنوا عليه خيرا إلا أن رواياته عن ابن شهاب وقد ذكر الإسماعيلى أنه لم يسمع منه شيئا وابن شهاب تغلب عليه المراسيل في باب المغازى والسير ومراسيله شبه الريح عند أهل النقد.
ومنهم محمد بن مصادر صحيح عائد الدمشقى، ويقول عنه أبو داود هو كما شاء الله.
وهو راوية الوليد بن مسلم واليعقوبي شيعي متحامل. وأما أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغانى فمن رجال الأسمار لا الأخبار كان يأتى بأعاجيب بحدثنا وأخبرنا وقد اتهم، وقال النوبختى كان أكذب الناس يدخل سوق
الجزء 1 · صفحة 9
الوراقين وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشترى كثيرا من الصحف ويحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها. وقد أغنى الله تعالى أهل العلم عن هذا الظنين الوسخ.
وتلك نماذج من حملة الروايات فى السير والمغازى والتهم الموجهة إلى بعضهم فى باب الرواية تدعو الحريص على العلم الصحيح إلى إمعان النظر فيما يكتب فى السير فإذا أحاط من يكتب فى السير خبرا بأحوال الرواة وباختلاف الروايات في موضوع كتابته لا يتسرع في تدوين كل ما يراه لثلا يكون حربا على أهل دينه بتسرعه.
فإذا رأينا من يكتب في خالد بن الوليد المخزومي –رضي الله عنه - مثلا يسترسل فى وصمه بدون تمحيص الروايات يكون وقع في فخ نصبه الغربيون لأهل الشرق فى النكاية بالشرق بيد أبنائه وهذا بطل عظيم من أبطال الإسلام وقائد بارع لا مثل له وله مواقف عظيمة فى سبيل الإسلام في مؤتة وبلاد اليمن والشام والعراق وبه زالت أهل الردة من الوجود فتصوير مثله بصورة رجل شهواني،سفاح مما ينادى على مصوره بالويل والثبور. نعم هو استعمل السيف في بني جذيمة حينما قالوا صبأنا، صبأنا» وظاهر قولهم يدل على الاعتراف المكرر بأنهم دخلوا فى دين الصابئة فحكم فيهم أخذا بحكم من بدل دينه وتبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم خالد إذ ذاك، لإعلام أن عمله هذا لم يكن بأمر خاص منه - -؛ ولذا لم يعزله ولا اقتص منه بعد أن لاح احتمال كون كلمتهم تلك من قبيل سبق اللسان، واكتفى بأن يدى المقتولين من بيت مال المسلمين إزالة لما عسى أن يعلق بالنفوس من عمل مما صنع السيف خالد. فما دام الظاهر يشهد لخالد لا يعد آثما عند أهل العلم بالشرع.
الجزء 1 · صفحة 10
وفي موقعة مؤتة أنقذ خالد جيش المسلمين مرفوع الرأس موفور الكرامة. فحاز لقب سيف الله من فخر المرسلين فينعى هذا على المقتول بسيفه أنه مقتول بسيف الله فى عداد أعداء الله.
وأما مالك بن نويرة فإنه كان قدم المدينة وأسلم فاستعمله رسول الله - على جباية زكاة، قومه ولذلك ذكره من ذكره فى عداد الصحابة، وبعد وفاته – صلى الله عليه وسلم - خان مالك العهد والتحق بسجاح المتنبئة، وأبي دفع الزكاة مرارا وتكرارا عند النقاش معه فى ذلك واجترأ أن يقول صاحبكم كان يقول كذا» فمثل خالد فى صرامته وحزمه ضد أهل الردة وهو شاهد يرى مالا يراه الغائب إذا قسا على مثل مالك هذا لا يعد أنه اقترف ذنبا.
والقتل والسبي من أحكام الردة. ولذا لم يذكره ابن عبد البر فى «الاستيعاب» وأصاب.
وأما إذا نظرنا إلى المسألة بمنظار الغرب فأى حكومة مدنية تعاقب الموظف الذي خان عهده والتحق بالعدو مثل مالك بأقل من عقوبة الإعدام؟!! وأمامنا فى أمر مالك بن نويرة روايات منها أن أبا بكر - في - كان أمر خالدا بقتل مالك على ما في شرح الحماسة للخطيب التبريزي وغيره ومنها أن مالكا وقومه كانوا قاتلوا سرايا خالد في البطاح فهزمتهم السرايا وأسروا مالكا وأصحابه على ما ذكره البلاذرى في الفتوح. ومنها أن السرية ألقوا القبض على مالك وأصحابه بالبطاح ثم اختلفوا في الشهادة في حقهم فأمر خالد بحبسهم لينظر فى أمرهم باعتبار أن الشهادات إذا تهاترت تساقطت فحدث ما أدى إلى قتلهم خطأ على ما ذكره ابن جرير الطبري. ومنها أن مالكا ناقش خالدا فى أمر الزكاة وقال إن
الجزء 1 · صفحة 11
صاحبكم كان يزعم فقال خالد أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه فضربت عنقه على ما فى تاريخ ابن كثير. وقال القاضي عياض في «الشفا» عند الكلام في كلمات الردة واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله صاحبكم»: وهذا الفقيه هو ابن مرتيل المالكي كان عالما بالفقه بصيرا بالحجة أخذ عن سحنون ومطرف وعلى بن معبد وتوفى سنة 240هـ. وقوله صاحبكم هنا لا يحتمل غير التبرؤ منه بالنظر إلى ملابسات القول المذكور.
وأما قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُم بمجنون فاستبشاع لقول قريش باعتبار أنهم صحبوه وخبروا عقله وأحواله وأين هذا من ذاك؟!!. وكل كلمة لها مع صاحبتها مقام لا يكون لها مع غيرها كما هو معلوم. وتزوج المسبية بعد انقضاء عدتها هو الواقع فى الروايات عند ابن جرير وابن كثير وغيرهما. ولا غبار على ذلك أصلا؛ لأن مالكا إن قتل خطأ فقد انقضت عدة أمرأته ثم تزوجت وإن قتل عمدا على الردة فقد انقضت عدة امرأته أيضا فتزوجت بعد تمام العدة فماذا في هذا؟!!.
وأما ما يحاك حول تزوج خالد بها من الخيالات الشائنة فليس إلا صنع يد الكذابين ولم يذكر شيء منه بسند متصل فضلا عن أن يكون مرويا برجال ثقات، وبعث بعض أسرى الردة إلى المدينة فيما سبق لأجل إعلام أهلها انتصار الإسلام لا الاستمرار على بعث الأسرى إلى المدينة، ولو صحت رواية قتله المسلم بغير حق ونزوه على امرأته بدون نكاح لاستحال أن يبقيه أبو بكر – رضي الله عنه- في قيادة الجيش لبعده – رضي الله عنه – عن الاعتضاد بفاجر سفاك، ولسان سيرته يقول في كل موقف: {وَمَا كُنتَ مُتَّخِذَ الْمُضلَّينَ عضدا}، ولما يعود من ذلك على
الجزء 1 · صفحة 12
الإسلام من سوء القالة في أخطر الأيام أيام حرب الردة وقد لقب الوحى خالدا بلقب سيف الله تشريفا له أفلا يكون من المحال أن يصف الوحى بهذا اللقب سافكا فاجرا؟!
وأما أداء أبي بكر لديته من بيت مال المسلمين فاقتداء بالمصطفى –صلى الله عليه وسلم - فيما فعله في وقعة بني جذيمة؛ تهدئة للخواطر، وتسكينا للنفوس في أثناء ثورانها مراعاة للاحتمال الأبعد فى باب السياسة وإنما عابه على النكاح في أثناء الحرب على خلاف تقاليد العرب.
وأما ما يعزى إلى عمر – رضي الله عنه - من الكلمات القاسية في حقه فيكفي في إثبات عدم صحتها قول عمر عندما عزل خالدا: «ما عزلتك عن ريبة وأى ريبة أشنع مما يعزوه إليه الخراصون على لسان عمر، بل لوصح ذلك عنه لرماه بالجنادل وقتله رجما بالحجارة، لأن الإسلام لا يعرف المحاباة وتصور الكاتب خلافا بين أبي بكر وعمر فى السياسة، يقضى عليه عمل عمر معه عندما تولى الخلافة كما سبق. وفى ذلك الخيال الباطل وصم مثل أبي بكر ومثل عمر في آن واحد بما هما بريئان كل البراءة. ولست أدرى كيف استجاز هذا الكاتب المسلم لنفسه أن يقول عند تصويره لرأى أبي بكر: «إن التزمت فى تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ العظماء. كبرت كلمة تخرج من أفواههم ولا يعرف الإسلام دينا للخاصة ودينا للعامة، وإنما هذا رأى أناس لا شأن للإسلام بفلسفتهم.
من أمثال خالد ولاشك أن خالدا من أعاظم المجتهدين في علم تعبئة الجيوش وتدبير الحروب فلو تنزلنا غاية التنزل وقلنا إنه أخطأ في قتله -وهو شاهد- وأصاب من استنكر عمله وهو غائب - وجب الاعتراف بأن الإثم
الجزء 1 · صفحة 13
مرفوع عنه كما سبق، وإليه يشير ما يروى عن أبي بكر أنه قال: هبه يا عمر! تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد على أن خالدا أخذ فى عمله بالظاهر الراجح فيكون غير متأول في الحقيقة.
وليس في استطاعة أحد أن يسوق سنداً واحداً صحيحا. بمخالفة الشرع في هذه المسألة. أنمع يصم خالدا خبر الآحاد لا يفيد علما في مثل هذا الموضوع، وهذا المطلب علمى يحتاج إلى دليل يفيد العلم. وابن جرير الطبرى عمدة أمثال ابن الأثير وأبى الفداء وابن كثير وابن الوردي فيما سردوه من عمل خالد إزاء ابن نويرة مع أن ابن جرير على جلالة قدره فى الحديث والتفسير والفقه والتاريخ لم يضمن أصلا صحة ما أورده في تاريخه بل قال فى 1-5: فما كان في كتابي هذا مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولامعنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا وقال هناك أيضا إذا لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج ... » وبهذا يعلم أنه تبرأ من عهدة رواياته في التاريخ وحملها على أكتاف رواتها له وقد أشرنا إلى أحوال الرجال في أسانيد ابن جرير فيما سبق.
وأما أحدوثة التأثيف فغير ثابتة لأنها من مقطوعات ابن شهاب، و مراسيله شبه الريح عند يحيى بن سعيد القطان وغيره، وسماع ابن عقبة منه ينفيه الحافظ الإسماعيلى كما فى أحكام المراسيل و تهذيب التهذيب». ويقول ابن معين في محمد بن فليح الراوى عن ابن عقبة: ليس بثقة، والزبير ابن بكار الراوى عنه كثير المناكير.
الجزء 1 · صفحة 14
وصفوة القول أن تدوين أنباء الصدر الأول كيفما اتفق بدون تمحيصها بالطرق العلمية المعروفة والاكتفاء بسبكها في أساليب روائية عصرية جذابة خلابة بدون أى إشارة إلى مصادر النقول وبدون أى عناية بتوثيق المرويات وتحقيقها، مما تكون فيه خطورة بالغة وتشكيك فى مواضع اليقين وتأثير غير حميد في النفوس، ولا سيما في نفوس النشء الحديث الذي افتتن بأساليب کتاب، مخصوصين فنود أن نرى هؤلاء يعيدون النظر في مؤلفاتهم بدقة بالغة لإصلاح ماشطت أقلامهم فيه عن الاتجاه الصحيح حتى يتموا البحوث فيخرجوا كتبهم في الطبعات الأخرى كما يرضاه التمحيص العلمي والنقد الصحيح والبحث الوافى. ومن الله سبحانه التوفيق والتسديد.