الجزء 1 · صفحة 5
كلمة عن حياة السيد محمد أمين الخانجي
شيخ الكتبيين
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
جلال الموت قد يذهل المصاب عن تصور مبلغ المصيبة، حتى إذا هدأت هزته العنيفة شعر بمبلغ الخسار من فقد الفقيد سواء في ذلك فقيد الدار وفقيد الأسرة أو القطر أو الأمة. وهكذا نشعر بألم فقيد العلم السيد محمد أمين الخانجي -رحمه الله - كلما طال بنا الزمن حيث ترك فراغا لا يملأ بعده في زمن قريب على ما يظهر وقد انتقل إلى جوار ربه يوم السبت 14 جمادى الأولى سنة 1358 هـ بعد عمر طويل عامر بكل خير وقد واريناه في مدفن أسرته وراء السيدة نفيسة مبكيا عليه من صديقه وسائر الأصدقاء والمعارف وابنه أحد الأدباء بمرثية مؤثرة جداً. أغدق الله عليه غيث رحماته وأسكنه فسيح جناته. وحينما فقدناه لم يفقد أهله رئيس الأسرة فقط ولا الصديق صديقه فحسب بل فقد أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها الاختصاصي الوحيد في معرفة الكتب النادرة القديمة والمخطوطات الأثرية الثمينة، ولم تكن هذه المعرفة منه عفواً بلا تعب بل كانت نتيجة ممارسة طويلة منه امتدت نحو نصف قرن، والظروف تواتيه شرقا وغربا بما آتاه الله تعالى من يقظة بالغة وذكاء مفرط وذاكرة قوية أهلته للاختصاص فى ذلك اختصاصا لا يشاركه أحد فيه - فيما نعلم - وليس لذلك مدرسة خاصة تخرج الاختصاصيين غير طول الممارسة ومواتاة الظروف وقابلية النفس ومن الغريب أنك كلما سألته عن کتاب نادر ظفر- به قبل سنين متطاولة - كنت تجده يجيبك
الجزء 1 · صفحة 7
واصفا للكتاب أدق وصف ومبينا من باعه منه إن لم يعد ذلك من أسرار المهنة، وكان شديد الحرص على إبقاء ما يظفر به من النوادر فى إحدى خزانات الأقطار الإسلامية ما وجد إلى ذلك سبيلا.
وكان موضع ثقة في استيراد الكتب عند كبار العلماء أصحاب المكتبات العامة أو الخاصة بمصر والآستانة: من أمثال صاحب السيف والقلم العلامة الوطني الكبير لطيف باشا سليم والعلامة المحقق فقيد العلم أحمد باشا تيمور، وشيخ العروبة البحاثة الكبير أحمد زكى باشا، وشيخ الفقهاء الشيخ محمد بخيت والأستاذ الكبير نور الدين بك مصطفى، والوجيه المثرى أحمد بك طلعت والوزير العالم مختار باشا، والبحاثة إسماعيل باشا مؤلف ذيل كشف الظنون، وشيخنا العلامة محمد خالص الشرواني، والأستاذ الكبير إسماعيل حقى بك الأزميري رحمهم الله، وغير هؤلاء من أصحاب المكتبات الفاخرة قد استوردوا إلى مكتباتهم كنوزاً ثمينة وآثاراً نادرة بواسطته سوى ما استوردته مكتبة الجامعة ودار الكتب المصرية أيام كانت الهمم منصرفة إلى شراء الكتب الشرقية بالدرجة الأولى.
وكان متجره بالقاهرة مجمع الفضلاء، وندوة العلماء، كما كان فرعه بالآستانة ملتقى الباحثين ومجتمع المنقبين يزوره الأمير والوزير والعالم الكبير والصغير يتجاذبون فيه أطراف الحديث في أنفع الكتب في العلوم، ويتعارف فيه أهل الفضل بعضهم مع بعض.
والكتب التى قام بطبعها من خيرة الكتب ويحس أهل العلم المنصفون أن لمطبوعاته عظيم الأثر فى توجيه بحوث العلماء فى عصره؛ لأن الكتب لا تقل أهمية
الجزء 1 · صفحة 8
فيى استنهاض الهمم عن الأساتذة الأفذاذ حيث لا يصل إلى كبار الأساتذة إلى آحاد وأما الكتب فتصل إلى الأيدى كلها فتثمر ثمرتها عند أصحاب القابليات الفطرية.
وجملة ما طبعه من الكتب القيمة ما بين كبير فى مجلدات أو صغير في مجلد أو جزء تناهز أربعمائة كتاب ورسالة وما وقع بيده من المخطوطا النادرة لو دون لاستدرك على ما فى كشف الظنون مثله بل ما يزيد عليه بكثير، وكان رحمه الله - أمينا جدا ووجيها محترما جدا عند معارفه من أهل الشرق والغرب. ولم يخلف ثروة كبيرة بسبب كوارث انتابت ماليته لكن خلف ذكرى جميلة خالدة ما خلدت كتبه في البيئات العلمية.
وكانت معرفتي به منذ أربعين سنة وطول هذه المدة كان بيننا إخاء متين أزوره ويزورني، يعيرني أندر ما عنده لأطلع على ما فيه إشباعا لنهمتي، بل كثيرا ما كان يأخذ من المكتبات الخاصة مقابل رهن كبير بعض كتب مما كان يسمع تشوقى إليه فأقضى وطرى منه شاكرا، فضله، وكان لا يخلو من الاستئناس برأيي في بعض نوادر المخطوطات.
وكان يراجعنى فيما يشتبه فى أمره من الأعلام ونصوص بعض ما يطبعه من الكتب بين حين وآخر بدون أن تشوب هذه الصلة العلمية المديدة شائبة مادة، وكانت إعارته للكتب مقصورة على ما اشتراه منها لنفسه بنفسه، وأما في الصفقات التي يكون هو وسيطا فيها فلم يكن يعير شيئًا منها قائلا: يدى فيها يد أمانة لا أستطيع إعارتها إلا أن بينها كيت وكيت من النوادر، وهذا أدل دليل على مبلغ أمانته إزاء من لا يضن عليه بشيء عزيز لديه، وكان يحافظ على الوضوء
الجزء 1 · صفحة 9
ليتمكن من أداء الصلوات فى أول وقتها كيف وبيته بحلب بيت عريق في المجد والسؤدد من السادة الحسينيين، وقد كان جد هذه الأسرة الكريمة توطن حلب الشهباء فى القرن السابع الهجري، وحججهم معروفة ولهم بها أوقاف أهلية يتقاضى أفراد الأسرة غلتها، ولهم بها خان فندق كبير أثرى ينزله المسافرون تحت تصرف الأسرة فنسبوا فى القرن الأخير إلى الخان المذكور بزيادة «جى المفيدة للنسبة فى لغة الترك فعرفوا بلقب «الخانجي» وكان ميلاده بحلب في حدود سنة ???0 وحصل بها مبادئ العلوم وجود الخط ينسخ الكتب، فحبب إليه النسخ الاشتغال بالتجارة في الكتب حتى نقل متجره إلى القاهرة فى حدود سنة 1316هـ.
وخلف أنجالا نجباء من أهل العلم والأدب، وكريمات دينات، وترك أصهارا فضلاء ألهمهم الله الصبر وأطال أعمارهم ووفقهم لكل خير، وأعلى منزلة الفقيد في الجنة.