كلمة حول الأحاديث الضعيفة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
كلمة حول الأحاديث الضعيفة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
لا عجب في أن يقع اليوم عالم فيما وقع فى مثله الغزالي قبل قرون من الاحتجاج على حكم من أحكام النكاح بروايتي: «إياكم وخضراء الدمن» و «تخيروا النطفكم» ولا فى أن يذكره أحد إخوانه بأنهما غير ثابتين عند أهل نقد الحديث بسوق نصوصهم فيرجع إلى الحق، وهو فضيلة.
وإنما العجب أن يقف ضد الحقائق الناصعة مَن يقرأ في ثنايا كلامه مبلغ المامه بمدخل الحديث ومخرجه، فيصرِّح بما يُجافي الحقّ من شتى النواحى، وهذا ما دعاني إلى كتابة هذه الكلمة الوجيزة إعادة للحق إلى نصابه. فأقول:
أولاً: إن الأستاذ المنتقد حذف ما يكشف عن وضع الخبرين من يُسمى الأصل المنقول عنه كما سبق إيضاحه أداء لأمانة العلم، وإطلاق أداء الأمانة على مثل ذلك التصرف إطلاق مبتكر!! وتسمية للشيء باسم نقيضه.
وثانيا: يُجاهر بأنه كان يودّ لو وقف مقامه غيره ممن هو أولى به منه، وهذا يفيد أنه كان لا يرى فى نفسه الكفاية فى خوض هذا البحث المتشعب الكاشف عن الخائض فيه بنسبة توسيعه لدائرة الكلام فيه .. فإذن ما هو الحامل له على الوقوف فى هذا الموقف الحرج بعد هذا الاعتراف؟!
وثالثًا يقول: «لاشك أن الحديثين على كثرة ما قيل فيهما غير موضوعين،
وبعبارة أدق لم تجمع الأئمة على وضعهما، فمَن الذي قال: إنهما غير موضوعين، وقد ذكرنا منشأ غلط علىّ القارى فيما سبق. وقد قال أبو حاتم فى «تخيروا لنطفكم» مع تعدد طرقه: إنه لا أصل له، وإنه باطل؛ لعدم خلو طرقه من كاذب أو متهم بالكذب، أو فاحش الخطأ أو متلقن، فكيف يكون الحكم فى «إياكم وخضراء الدمن»؟ وقد انفرد بروايته من كذَّبه جمهرة أئمة النقد بخطٍّ عريض.
ولما استشعر الأستاذ الناقد بطلان نفى الوضع منهما لنصوص سبق ذكرها تراجع سريعاً ونفى الإجماع على وضعها، فكأنه يرى أنه لا اعتداد على الحكم بالوضع فى حديث ما لم يكن ذلك بالإجماع، وهذا ما لم يقله أحد، وإنما انتزعه انتزاعا من قول السخاوي في شرح قول العراقي والنسائى: يخرج مَن لم يجمعوا في صدد تعيين المراد بضمير الجمع.
ولفظ الأئمة: ليس فى كلام محمد بن سعد الباوردى المنقول عنه مذهب النسائي هذا؛ لأن لفظه: مذهب النسائى أن يخرج عن كلّ مَن لم يجمع على تركه كما في مقدمة ابن الصلاح، ولم يذكر الباوردى مَن هم هؤلاء المجمعون؟ ولا ذكر فى كلامه لفظاً عاماً حتى يترك على عمومه، وتركه على إطلاقه يكون توسعا لكنه يخالف نص النسائى نفسه المنقول فى «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر كما فى «زهر الربى فى شرح المجتبى» للسيوطى و «الرفع والتكميل فى الجرح والتعديل» لعبد الحى اللكنوى وغيرهما، الدال على أنه أراد إجماعا خاصاً بين متشدد ومتوسط فى النقد في طبقات خاصّة كاتفاق من شعبة والثورى أو ابن القطان وابن مهدى أو ابن معين وأحمد أو أبي حاتم والبخارى.
على أن مذهب النسائي هذا في تخريج الحديث وروايته لا في العمل به، هذا
بحث وذاك بحث آخر، وأين هذا الأخطاء ذاك؟! فهكذا تزدوج هنا، فدعوى الحاجة إلى الإجماع فى الحكم بالوضع على الحديث بدون مستند غير مذهب النسائى المغلوط فى فهمه، تزيل الحواجز بين صحاح الأخبار وموضوعاتها.
فتكون تلك القاعدة المبتكرة جناية على السنة، على غرابة محاولة إنقاذ رواية الواقدى من الحكم عليها بالوضع بقول الباوردى المغلوط فى فهمه، مع وجود نصّ من النسائى نفسه يعين أن مراده الإجماع الخاص بل مع وجود نص منه ومن رجال تلك الطبقات في تكذيب الواقدى نفسه
فدونك قول النسائى فى الضعفاء: الكذابون المعروفون بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة: الواقدى بالمدينة .. وقول البخاري: قال أحمد: الواقدى كذاب .. وقول ابن معين: الواقدي ضعيف ليس بثقة، وقول أبي داود لا أشك أنه كان يفتعل الحديث، وقول أبي حاتم: إنه كان يضع. كما في «تهذيب التهذيب» وغيره.
وجرح هؤلاء مفسَّر لا يحتمل أن يحمل التكذيب في كلامهم على ما يحتمل الوهم كما ترى، فلا يُتصوَّر أن يكون ما انفرد به الكاذب في نظرهم غير موضوع عندهم، فتنهار هكذا تلك القاعدة المبتكرة بين واضعها وبصره، كما يزول إمكان التمسُّك بما يُنسب إلى سمع أحمد وأبى داود من الأخذ بالحديث الضعيف مطلقاً إذا لم يكن في الباب غيره؛ لظهور أنّ انفراد الكاذب في نظرهما بخبر يوجب الحكم عليه بالوضع عندهما، فلا يمكن إنفاذ خبر الواقدى من هذا الحكم بالنظر إلى تكذيبهما البات له.
ولا قائل بقبول خبر الكاذب على أنّ المراد بالضعيف في كلام أحمد هنا
الضعيف غير المتروك لا الشامل للمتروك وغيره، كما حقَّقه ابنُ تيمية في «منهاجه» وابن القيم في «إعلام الموقعين»، فيزدوج خطأ الأستاذ هنا أيضا.
ورابعا يقول: إن نفى الثبوت لا يستلزم الوضع، وهذا كلام في خارج الموضوع ككلامه في تعدد الطرق، وفى عدم بناء الحكم على ما في نفس الأمر، فمن ادعى ذلك الاستلزام؟ ومن الذى يأخذ باللوازم مع وجود صرائح النصوص من أهل الفن؟! وإنما مدار الحكم على الخبر بالوضع أو الضعف الشديد من حيث الصناعة الحديثية هو انفراد الكذاب أو المتهم بالكذب أو الفاحش الخطأ به، لا النظر إلى ما فى نفس الأمر؛ لأنه غيب، فالعمدة في هذا الباب هي علم أحوال الرواة واحتمال أن يصدق الكذاب في هذه الرواية مثلاً؛ احتمال لم ينشأ من دليل فيكون وهماً منبوذاً.
وخامساً: استرساله فى بيان أحكام الضعيف أوقعه في أغلاط لا حجاب دونها، ولو اقتصر على ما له صلة مباشرة بهذا البحث كان في إمكانه أن يتفادى منها، فأوصيه أن لا ينازع الأمر أهله بدون ممارسة سابقة ولا معاناة لاحقة خصوصاً بما يزيل الحواجز بين الحق والباطل من الروايات.
وسادساً: يقول: «لم تجمع الأئمة على كذب الواقدى» فكأن رد رواية الكاذب فى حاجة إلى إجماع الأئمة على تكذيبه في نظره، مع أنه لم يقع إجماع على تكذيب راو مطلقاً كما يعترف بذلك من له إلمام بكتب الرجال.
وما من راو إلا وله قادح ومادح، ولكن العبرة بكلام ثقات المتفرغين لنقد الرجال فقط .. فها هو الواقدى له قادحون ومادحون، لكن المعتمد في أحاديثه هو قول جمهرة نقاد الحديث، وإن كان لا يستغنى عنه في الفتوح والمغازى وتراجم
الرجال على أن تكون غربلة مروياته على عواتق مَن بعده من أهل النقد كما ذكرت فى تقدمة «طبقات ابن سعد»، وفيما علقت على شروط الأئمة ولأحاديث الشريعة رجال ولسائر الأخبار والأسمار رجال، فلتراجع ترجمته في تاريخ الخطيب وتهذيب التهذيب وميزان الاعتدال.
وسابعاً: يسترسل في بيان وجوه اختلاف العلماء في الأخذ بالحديث الضعيف، ويتمسَّك بأضعف الآراء فيه، فيهدم مصراً ليبنى كوخاً، مع أن الواجب هو التمسك بالأقوى حجة لا اتباع أى رأى لأى قائل، فأعدل الآراء في الأخذ بالضعيف وأقواها حجة تقييد ذلك بشروط. قال السخاوى في خاتمة «القول البديع»: وقد سمعت شيخنا - يعنى ابن حجر- مراراً يقول وكتبه لى بخطه إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:
الأول: متفق عليه، وهو يكون الضعف غير شديد، فيخرج مَن انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.
والثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً.
والثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله.
قال والأخير أن عن ابن عبد السلام وعن صاحبه ابن دقيق العيد والأول نقل العلائي الاتفاق عليه اهـ.
هو نص عبارة ابن حجر في المسألة فيظهر من ذلك أن هذا ليس برأى مبتكر من ابن حجر، بل الشرط الأول مما اتفق عليه نقاد الحديث في قول مثل
الحافظ أبي سعيد صلاح الدين العلائي الشافعي مع تضلعه وعظم اطلاعه فى هذا الفن، فيسقط ما يحكى في عداد الآراء عن بعضهم من تجويز الأخذ بالضعيف على الإطلاق.
وإنما ذلك سوء فهم، و هذا غلط في التوليد والاستنتاج مع بعده في ذاته عن الحجج، فيكون تعويل الأستاذ على هذا الرأى فى غاية السقوط كإبهامه أن اشتراط هذه الشروط من عند ابن حجر، أن الشرط الأول متفق عليه عند أهل الفن وفيهم النووى وإن وقع إجمال فيما يحكى عنه ... ولو فرض ثبوت عدم اشتراطه لشيء سوى انتفاء كون الخبر موضوعا لسقط هذا الرأى لمخالفته لرأى الجماعة المتفق عليه.
فيكون عدم الاشتراط غير صالح للاعتداد أصلا، وإن اعتد به صاحب المقال.
والشرطان الأخيران من آراء مثل العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد المعروف مقامهما في التحقيق بل النووى فى أول صف المشترطين أن تكون صيغة رواية الضعيف صيغة تضعيف وتمريض مثل: ورد ويحكى ويذكر ويروى، الحاظرين استعمال ما يفيد الجزم من الصيغ مثل: قال وبين وذكر، كما وقع في كلام صاحب مقال حديث رمضان ويمر بذلك الأستاذ المدافع من ينطق بشيء، مع أن المنع من ذلك أمر متفق عليه بين النقاد.
وقول النووى: «وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن لا يدع مجالاً للأستاذ أن يزعمَ أن تخير الأزواج من الفضائل، والمنع من الأخذ بالضعيف على الإطلاق
مذهب البخاري ومسلم وابن العربي ـ كبير المالكية في عصره ـ وأبي شامة المقدسى - كبير الشافعية في زمنه - وابن حزم الظاهري والشوكاني ولهم بيان قوى فى المسألة لا يهمل.
وأمّا ما يُعطى ظاهر كلام النووى فى العمل بالضعيف فى الفضائل في قوله: ما لم يكن موضوعاً فقد أثار جدلاً عنيفا أجاد تحقيقه اللكنوى فى ظفر الأماني على أن الحديثين مما يجوز الأخذ بهما عند هؤلاء الطوائف جميعاً؛ لانتفاء الشروط عند الفريق الأول ولانتفاء الحجة فى الضعيف عند الفريق الثاني، ولانفراد الكذاب أو المتهم فيهما عند النووى.
وهم مَن عزا إلى أحمد وأبي داود تجويز العمل بالضعيف مطلقاً، بل صح، عنهما تكذيب الواقدى فلا يتصوَّر أن يقبلا روايته في شيء حتى على تقدير صحة هذا العزو.
وثامنًا يقول: «إن ظاهر كلام هؤلاء الأعلام العمل بالضعيف في الفضائل مطلقاً»، لكن الواقع أن كلام النسائى وأبى داود ورواية البيهقي عن ابن مهدي وقول ابن عبد البر فى رواية الحديث الضعيف وتخريجه لا في العمل به كما يظهر لمن ينظر في ألفاظهم.
وتاسعا: إنه يظن أن القول فى الحديثين بالضعف في كلام العراقي ينافي كونهما موضوعين وهذا غفلة عن أن الموضوع من أنواع الضعيف البالغة اثنين وأربعين نوعاً، وقال العراقي: شر الضعيف الخبر الموضوع، فالموضوع قسم الضعيف لا قسيم له ومدار تعيين درجة الضعيف هو النظر في سنده، فإن كان فيه كاذب أو متهم فهو ضعيف متروك؛ فلا يؤخذ به أصلاً عندهم سواء سموه
ضعيفاً متروكاً أو موضوعاً، والعالم قد لا ينشط لبيان درجة الضعف.
وعاشراً: إن ذلك المثل العربي: «إياكم وخضراء الدمن» غير واضح المدلول، بل ربما يفهم منه ما يتنافى مع آية: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} فها هو ابن نوح – عليه السلام- لم ينفعه منبته الطيب، ولا عكرمة – رضي الله عنه - كون أبى جهل أباه ومنابت كثير من زوجات رجال الصدر الأول من شتى النحل والأديان والعناصر ماثلة أمام كل ملم بالحديث وعلومه والسير والتاريخ.
ثم موقع النطف هنا ليس كموقع النطفة في القرآن الكريم عند بيان أطوار الخلقة البشرية وقدرة القادر الحكيم في النقل من طور إلى طور إلى أن يصبح ذلك الماء بشراً سوياً؛ لأنّ التحدث ماء الشهوة بذلك التصريح في باب بيان تخير الزوجات ليس من دأب النبي – صلى الله عليه وسلم - ولا من أدبه – عليه السلام -، وهو الذى يكنى عن النهى عن وطء الحبالى من السبايا بنهى كل أمرى عن أن يسقى ماءه زرع غيره.
وبيانه – عليه السلام ـ في تخير الزوجات يكون فى الوضوح كذلك الحديث المتفق على صحته الناهى عن سوى ذات الدين ولو كانت من البيوتات فيما أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هريرة مرفوعا: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يدك». هكذا يكون بيان الرسول – صلى الله عليه وسلم - فى تخير الألفاظ ووضوح المعاني.
وأما زج علم النفس والاجتماع أو الوراثة فى المسألة فمنزع أهل الطبيعة الذين يعزون الآثار إلى القوى الطبيعية قاطعين صلتها بالصانع الحكيم، ولا
يتحدثون عن ذات الدين أصلاً، فليسأل السائل أولا أئمة أصول الدين عن مدى ترتب الآثار على غير قدرة القادر الحكيم، وعن مبلغ تأثير القدرة الحادثة والنواميس الكونية قبل أن يسأل علماء النفس والاجتماع الذين ما زالوا بعداء عن إيصال علومهم إلى مستوى يصح معه التعويل على علومهم، وبناء الأحكام الباتة عليها باعتراف أهل الذكر من الملمين بتلك العلوم، فنقول لمن يلغط بمثل ذلك اليس هذا بعشك فادرجي!.
وبهذا القدر اكتفى اليوم، وعندنا مزيد - بإذن الله سبحانه – لمن يستزيد والله ولى الهداية وهو الهادى لمن استهداه.