الجزء 1 · صفحة 5
طرف من أنباء العلم والعلماء في الدولة العثمانية
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كانت أسانيد علماء دار الخلافة فى علوم التفسير والحديث والفقه والأصلين والعلوم العربية متشابكة مع أسانيد علماء الحجاز ومصر والشام وحلب والعراق والبلاد المغربية لكثرة التواصل بين علمائها برحلاتهم إما طلبا للعلم أو نشراً له. وأنت ترى أمثال السيد الشريف الجرجاني، والشمس محمد بن حمزة الفنارى صاحب فصول البدائع، وبدر الدين السماوي صاحب جامع الفصولين يرحلون إلى مصر؛ لتلقى العلم من صاحب العناية أكمل الدين البابرتى شيخ جامع شيخون بالصليبة، كما ترى رحلة الضياء القرمي والعلاء السيرامى ومحيى الدين الكافياجى البرغمى وأمثالهم إلى مصر، لنشر العلم. وكذلك تجد أمثال الشمس بن الجزرى والشمس أحمد الكوراني، وأبى عبد الله محمد ماغوش التونسى المحدث الفيلسوف، وإبراهيم الحلبي - صاحب الملتقى والبدر الغزى ويحيى بن محمد الشاوى - مؤلف المحاكمات بين الزمخشرى وابن عطية وأبي حيان فى مواطن اختلافهم في التفسير - والشهاب الخفاجي وصاحب جمع الفوائد وصلة الخلف محمد بن محمد بن سليمان الروداني وابن همان صاحب تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي، وإبراهيم الحلبى المذارى صاحب اللمعة ومصطفى السفر جلاني، ومحمد هبة الله البعلى، والشيخ حسن العطار، ومحمد بن على التميمي التونسى وأبى القاسم بن محمد الطرابلسي، ومحمد محمود بن التلاميذ الشنقيطى، ومحمد الخضر بن ما يأبى الشنقيطي، ومكي بن عزوز
الجزء 1 · صفحة 7
وإسماعيل الصفائحي وصالح التونسى وغيرهم من أفاضل العلماء يرحلون في مختلف القرون إلى عاصمة الخلافة فيلاقون أهل العلم هناك ويلقون منهم كل ترحيب وتكريم على منازلهم فى العلم وينشرون العلم في تلك الربوع مدة بقائهم بها.
وتري شارح صحيح مسلم سليمان الفاضل بن أحمد المحدث أسانيده أسانيد صلة الخلف وثبت سلطان المزاحى وثبت على الشبراملسى كما يجمع شارح البخاري أبو محمد عبد الله بن محمد الأماسي المعروف بيوسف افندى زاده المحدث المشهور والمقرئ الكبير إلى أسانيده بطريق أبيه أسانيد على المنصوري وأسانيد الشيخ سليمان الفاضل وثبت الكوراني بواسطة المحقق قرا خليل بن الحسن، وكذلك يجمع حامد البندر مى أسانيد البلاد في كتابه جامع الفهارس وعبد القادر بن خليل كدك زاده في المطرب المعرب الجامع لأهل المشرق والمغرب، وهكذا تجدهم يرحلون إلى البلاد العربية فيجمعون شتات الأسانيد فى العلوم الشرعية والعربية.
وأما العلوم العقلية على تنوع فنونها فأسانيد علماء تلك الربوع فيها تنتهى إلى شيوخ العلم فى بلاد العجم من أصحاب سعد الدين التفتازاني، والسيد الشريف الجرجاني، وجلال الدين محمد أسعد الدواني وغيرهم.
وكان لعلماء الأتراك عناية خاصة بالعلوم العقلية في جميع التاريخ، واهتمام مصر بها أيضاً كان جيداً إلى عهد العالم المصرى الكبير الحسن الجبرتى الرياضى الطائر الصيت، حتى إن القاضي عبد الله عثمان بن القرمي الملقب بتاتارجق زاده المعروف بإتقان العلوم الرياضية كزميله الكلنبوى لما ولى قضاء مصر زار الأستاذ
الجزء 1 · صفحة 8
الجبرتي وذكر له رغبته في تلقى بعض الكتب في العلوم الرياضية منه فاعتذر الأستاذ الجبرتي قائلا له: إنى كبرت وأراك من تلك العلوم بحيث تستغنى عنى، فأسف القاضي وقال: إنما كنت قبلت قضاء مصر على أمل الاستفادة من واسع علومكم، وهذا القاضي كان من رجال الإصلاح فى الدولة وله لوائح إصلاحية معروفة ولولا انصرافه إلى شؤون الدولة وتوليه أعمالا حكومية مرهقة لأنتج من المؤلفات النافعة مالا يقل عما أنتجه زميله المحقق الكلنبوى، وهما كانا كفرسي رهان بين تلاميذ المحقق مفتى زاده الكبير المذكور في ترجمة الكلنبوى.
وبعد عهد الجبرتي انتقل التبريز فى العلوم الرياضية وما إليها شيئا فشيئا إلى غير المشايخ هنا، وأما هناك فقد استمر فيهم إلى الانقلاب المعروف، بل مدير الرصد هناك إلى اليوم هو الأستاذ الكبير الشيخ محمد فطين الرياضي المشهور.
ولأمثال على القوشجى وابن الكمال والخيالي وخواجه زاده وابن الخطيب وعبد الرحمن بن المؤيد والخليل الأسود ومفتى زاده الكبير والكلنبوى وأبو الشوارب الأولهوى، وناقل المصطلحات الفنية فى كلية الطب إلى العربية بكل إجادة الشيخ تحسين والشيخ عبد الكريم الأماسي - أياد بيض في العلوم العقلية، ومن عرف ذلك لا يشك فى مبلغ الرغبة فيها في تلك الأصقاع مدى القرون وأهل الشأن كلما شعروا بضعف من هذه الناحية، كانوا يبادرون با جتلاب أرباب الاختصاص من أقطار العالم وكم كان ما غوش التونسي الحافظ الفيلسوف السابق ذكره يلقى من الترحيب ليدرس في تلك الربوع فيستفيد النشء من علمه الواسع.
وكان المحقق محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفى سنة 1036 من
الجزء 1 · صفحة 9
النوابغ في العلوم العقلية في بلاد العجم، وحينما استفحل الشر في أذربيجان كان الوزير نصوح باشا انتدب لتهدئة الفتن في تلك الديار، وفي أثناء زحقه وجد العالم المذكور قد التجأ إلى البلاد العثمانية فرحب به غاية الترحيب وعند انتهاء تسكين الفتنة استصحبه إلى دار الخلافة، ولما رآه علماء العاصمة أعجبوا بدقة أنظاره واختصاصه البالغ فى العلوم العقلية، فطلبوا إليه أن يلقى دروسا في تلك العلوم فانخرط في سلك المدرسين هناك، وبدأ يدرس فاجتمع عليه من الأفاضل ما يزيد عددهم على ثلاثمائة رجل فأنعش في نفوسهم روح التعمق فى تلك العلوم وملأ البلاد علما.
ومما وقع له هناك أنه لما سمع عصريه قاضي زاده الرياضي وهو غير شارح الجغميني بصيت الشروانى هذا حضر إلى الآستانة بغية اختبار علم هذا النزيل الكريم وقصد إلى منزله توا، فأخبروا الشرواني بمقدم قاضي زاده لاختبار علمه فلم يكترث حتى دخل إليه، فنهض الأستاذ قليلا ثم جلس فقال له قاضي زاده عندى ثلاثون سؤالا فى أنواع العلوم، أريد جوابها منك، وكان الشروانى مضطجعا على الوسادة فقال: والله لا رفعت جنبي عن له الوسادة حتى أجيبك عنها هات ما عندك فشرع قاضي زاده يورد السؤال، فقبل أن يتمه يجيبه عنه بلا تمكث ولا تمهل ويقبل السائل الجواب ويكتبه عنه إلى أن أتى على الجميع، فأسقط قاضي زاده في يده وتبين له أنه بحر لا ساحل له فطار صيته كل مطار.
وكان تخرج الشروانى هذا فى العلوم على المحقق أحمد المجلى بضم ففتح والحسين الخلخالي تلميذى حبيب الله مرزاجان الشيرازي تلميذ جمال الدين محمود الشيرازى تلميذ الجلال الدواني، وهؤلاء كلهم بحور في العلوم العقلية. وللشروانى هذا الفوائد الخاقانية تشتمل على ثلاثة وخمسين تدل على مبلغ براعته
الجزء 1 · صفحة 10
فى العلوم. وله شرح جهة الوحدة» للفنارى صعب المسلك كان في عداد كتب الدراسة قبل النظام وله أيضا المبدأ والمعاد» ممتع في بابه وله شرح قواعد العقائد للغزالي مهم جدا. وكل مؤلفاته تدل على استبحاره في العلوم.
وحفيده محمد صادق بن فيض الله تولى مشيخة الإسلام ثم توفى سنة1121هـ.
ومن أنبه تلاميذ الشرواني محمد بن على الآمدي المعروف بملا جلبي وكان العلامة شيخ الإسلام حسين حسنى المتوفى سنة 1330 وكان نسيج وحده فى العلوم العقلية وكان السلطان مراد الرابع المعروف بشدة البطش مر بديار بكر فى أثناء عوده من بغداد فلقى هناك هذا العالم وكان يبلغه صيته فى العلوم فاستصحبه إلى دار السلطنة وقال له: «اختبر علماء العاصمة؛ لنكون على بينة من منازل العلماء فى العلم والفضل وليظهر فرق سكنة الجبب الواسعة الأردان ولابسى العمائم الكبيرة ولم يكن في ما بين مستطاع أحدمنهم معارضة هذا الملك، لشدة فتكه بالمعارضين، فألف الأستاذ رسالة سماها «الأسئلة» وذكر فيها سبعة مباحث من سبعة علوم، فبادر علماء الحاضرة بتأليف رسائل في الإجابة عن تلك المسائل، ثم عرضت على الأستاذ فاطلع عليها فوجد اثنتين منها فقط في أعلى درجات القبول، هما رسالتا عبد الرحيم بن محمد الأذنى أطنه ومحمد البهائى وتولى مشيخة الإسلام هذا وذاك فيما بعد ووجد باقى الرسائل دونهما فى منازل متنازلة من الذروة إلى الحضيض، والغريب أن عبد الرحيم كان فى مبدأ نشأته رحل إلى الخلخالي والمجلى وحصل العلم عندهما: عند تلميذهما محمد أمين الشرواني، كما أن البهائى كان درس العلم فى نشأته عند عبد الرحيم فتكون علومهم من نبع واحد.
الجزء 1 · صفحة 11
ثم ألف الأستاذ الآمدى رسالة أخرى أسماها «الأجوبة» في صدد التوسع في جواب أسئلته واشتهرت هذه الرسالة بأنموذج العلوم، كما ألف رسالة أخرى سماها «الرد والقبول» أبان فيها باطل الأجوبة من صوابها في تلك الرسائل، وله أيضا تحريرات وحواش على الكتب مقبولة مرغوبة.
ومن أنبائه بالعاصمة أن أحد تلاميذه المشغوفين بتحقيقاته أتاه يوما ليودعه حيث كان أبوه ولى قضاء ديار بكر وأراد أن يستصحب ابنه هذا فأخذ هذا الابن يبكى ملء عينيه فقال له الأستاذ لماذا هذا البكاء؟ فقال: لحرماني من تحقيقات أستاذ منقطع القرين فقال له الأستاذ هون عليك، هنالك تلميذ لي زققته العلم زقا حتى هو أقوى منى في العلم وأدق في النظر لكبر سني و نشاطه وقوته فتستفيد منه أكثر مما تستفيد منى وهو عبد الرحمن بن إبراهيم السهراني الآمدى مدرس المسعودية في ديار بكر، فخرج متهلل الوجه مستبشراً فوجده كما وصفه شيخه وهذه شهادة عظيمة من أستاذ عظيم لتلميذ بدت عظمته للملأ فيما بعد.
وهكذا بقى ملاجلبي الآمدى ينشر العلم بالآستانة مدة طويلة يلقى كل احترام ثم عين لقضاء القضاة ببغداد ثم بالشام فتوفى بها سنة 1066 ودفن بمقبرة سنان باشا رحمه الله. وكانت وفاة تلميذه عبد الرحمن الآمدي في تلك السنة أيضا على التحقيق. ولعبد الرحمن الآمدى هذا من الرسائل ما يزيد على أربعين رسالة في غوامض العلوم. وتحريراته مرغوب فيها جدا لدى محققى تلك الديار وهو من الموفقين لإيداع معان كثيرة في عبارات وجيزة.
ومن نماذج ذلك أن المتكلمين تراهم يضطربون جدا في لا تناهي المقدورات والمعلومات مع اختصاص القدرة بالممكن وشمول العلم للممكن
الجزء 1 · صفحة 12
وغيره، فيركبون كل مركب فى التخلص من النقض الوارد بذلك على برهان التطبيق، والمحقق إسماعيل القونوي ينقل في رسالة ألفها في الرد على الدوانى فى مسألة العلم عن عبد الرحمن الآمدى هذا قوله وأما تعلق علم الله سبحانه بالأمور الغير المتناهية فلا يجرى فيه التطبيق لأنهم اعتبروا في جريان التطبيق التطبيق بالفعل وادعوا البداهة فى أن التطبيق بالفعل لا يتحقق بدون وجود الآحاد في الخارج، والعلم لا يستلزم الوجود، ويعول القونوى عليه فى هذا المعترك.
ومن أحاط بأطراف الحديث وعلم مرمى نزاع القوم في المسألة وجد هذه الكلمة في غاية المتانة في دفع شكوك هؤلاء بعد الجزم بأن لا تناهى المقدورات لا يقفى بمعنى أنه ما من مقدور متحقق إلا وبعده مقدور مفترض، لا بمعنى أن ما تحقق فى الخارج بالفعل من المقدورات غير متناه. وتفصيل ذلك في رسالة القونوي وهي محفوظة في التيمورية.
وأسانيدنا في العلوم العقلية تنتهى إلى عبد الرحمن الآمدى هذا بسندنا إلى إسماعيل القونوي عن عبد الكريم القونوى الآمدي عن عثمان الدوركي القيصرى عن على النثارى القيصرى عن رجب بن أحمد القيصرى الآمدى عنه. وأما سند الدواني فعن أبيه عن السيد الشريف عن محمد مباركشاه عن القطب الرازى عن القطب الشيرازي وعلى بن عمر الكاتبي وهما عن النصير الطوسى عن القطب المصرى إبراهيم بن على عن الفخر الرازي عن المجد الجيلى عن محمد بن يحيى النيسابورى عن الغزالى عن إمام الحرمين. أعلى الله منازلهم في الجنة ونفعنا بعلومهم.