الجزء 1 · صفحة 5
صلاح المجتمع الإسلامي بصلاح الأسرة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
من استعرض أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يجد كثيرا مما يحز في النفس: تحلل خلقى فى المجتمع، بعد أن كان مزدانا بالأخلاق الفاضلة، ورضا الذل بعد عز، شامخ وضعف شامل بجميع نواحي الحياة بعد قوة رفعت شأن المسلمين إلى ما فوق السماكين وقلة مبالاة بما حل بهم من تخاذل ينذر بالسقوط من مستوى أمة لها عزها وكيانها، إذا لم يتدارك الأمر عقلاء الأمة وأهل الحل والعقد منهم بمنتهى الاهتمام.
وليس من شك أن صلاح المجتمع الإسلامى بصلاح أسره، وصلاح الأسرة بصلاح أفرادها فمتى بدأ التغاضي في فساد يطرأ على بعض أفرادها، فهناك تبدأ الأسرة تنهار وتنحل بعدوى مرض هذا العضو في الأسرة.
الأسرة عن فبانهيار الأسرة تنهار البلدة التى تكونت من أمثال تلك الأسرة، وهكذا تتصاعد العدوى إلى وحدات المجتمع الإسلامى كلها، فتصبح الممالك الإسلامية فى بقاع الأرض على اختلاف شعوبها أشبه شيء بوحدات عسكرية متخاذلة لا تجمعها قيادة.
ومثل تلك الوحدات المفككة العرى لا يكون مبعث انتصار في أي ساحة من ساحات الكفاح، بل يكون عباً ثقيلا على أكتاف الأمة الإسلامية يسرع بها إلى سقوط لا نهوض بعده إلا إذا تداركنا الله بفضله.
الجزء 1 · صفحة 7
ونحن في مثل هذا الوضع المخيف في حافة الهوة المنذرة بالانهيار في كل لحظة، والإسلام دين علم وعمل.
وأنى يكون هذا وذاك إذا لم يكن هناك من يسهر سهرا دقيقا على سير العلم والعمل في الأمة، ويتخذ تدابير تحول دون استفحال الشر في المجتمع بكل تبصر في كل ناحية؟.
فإذن نحن فى حاجة ماسة إلى تشكيلات جماعات إسلامية متصاعدة تقوم بهذا الواجب في الأسر والمجتمعات والبلدان والممالك، بعد دراسات شاملة وبعد تقرير مالابد من تقريره فى مؤتمرات تعقد لهذه الغاية الشريفة، السعى البالغ في تعارف شعوب المسلمين لتتمكن الجماعة من تقويم أود المعوج منهم بالتشاور والتآزر وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح بكل عناية بدون أن يقول أحد أنا مالي بل يعتقد أن من الواجب عليه أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه وإلا لا يكون إذ ذاك مؤمنا، كما ورد في الحديث الشريف. وهذا التضامن الاجتماعي هو مرمى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشرع الإسلامي، والمسلم يهتم بشؤون أخيه المسلم قدر ما بشؤون نفسه.
ويحدثنا التاريخ أن السلطان أحمد الأول العثماني - مشيد ذلك الجامع في الآستانة بعث كبير حجابه إلى شيخ الإسلام في الدولة إذ ذاك محمد بن سعد الدين يسأله بكتاب عن سبب الخلل الطارئ على كيان الأمة وشؤون الرعية مع النصر الموعود للمسلمين. فأخذ الشيخ الخط من يد كبير الحجاب وكتب تحته بعد مد باء «الجواب على الوجه المعتاد في الإفتاءات مالي ولهذا الأمر كتبه محمد بن سعد الدين. وأعاد الورقة إلى السدة السلطانية، فاغتاظ السلطان جد الغيظ حيث ظن
الجزء 1 · صفحة 8
أن شيخ الإسلام لم يلتفت إلى سؤاله، فاستحضره وأخذ يعاتبه ويقول كيف تقول «أنا مالي؟» في أمر يهمنى جدا وتهمل الجواب. فقال شيخ الإسلام كلا بل أجبت عن السؤال أدق جواب! فمتى كانت عناية رجال الدولة وأفراد الأمة بما يخصهم أنفسهم فقط دون التفات إلى ما يعم ضرره الجميع أو يشمل نفعه، قائلين مالي ولهذا الأمر؟ فقط طمت البلية وعمت المصيبة لانصرافهم إلى منافعهم الشخصية دون النفع العام. ولما شرح شيخ الإسلام كلامه هذا الشرح أعجب به السلطان جدا وخجل من عتابه فسعى فى إرضائه سعيا بالغا.
وكلمة أنا مالي على وجازتها هى علة العلل في طروء الخلل على شؤون الأمة فى كل زمن فلابد من وجود تشكيلات من رجال مخلصين على درجات متصاعدة تسهر على شؤون المسلمين الاجتماعية وتقرر ما هو في صالحهم في درء الأخطار، فإذ ذاك تدخل شؤونهم في طريق الإصلاح. لكن لا يتم هذا برجال رسميين ولا بشيوخ هرمين ولا بكهول شملهم الخور بل بشباب أقوياء فى العزم والحزم يسعون فى رضا الله سبحانه مخلصين لله جل شأنه بعزائم على قدر قوة إيمانهم، ومن الله سبحانه التوفيق والتسديد.