رأى النجم الطوفي في المصلحة
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
رأى النجم الطوفي في المصلحة
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
سبق بيان ما إذا كان من يقول ببناء الأحكام على المصلحة يريد بالمصلحة: المصلحة الشرعية وأما إن كان يريد بالمصلحة، المصلحة الدنيوية على اختلاف الأنظار فى كونها عامة أو خاصة أو متمحضة للصلاح أو خليطا يغلبه الصلاح أو الفساد؛ فلا اعتبار لها أصلا في نظر المسلم عند مخالفتها للنص الشرعي، إذ العقل كثيرا ما يظن المفسدة مصلحة بخلاف الشرع وأما المصلحة المرسلة وسائر المصالح المذكورة فى كتب الأصول والقواعد ففيما لا نص فيه باتفاق بين علماء المسلمين، فلا يتصور الأخذ بها عند مخالفتها لحجج الشرع، ولابن القيم أغلاط كثيرة فى باب المصلحة في الطرق الحكمية و إعلام الموقعين لا يتسع المقام لتمحيص الحق من الباطل بين أقواله في هذا الموضوع.
وأول من فتح باب هذا الشر: شر إلغاء النص باعتباره مخالفا للمصلحة هو النجم سليمان بن عبد القوى الطوفى الحنبلي، فإنه قال في شرح حديث الا ضرر ولا ضرار إن رعاية المصلحة مقدمة على النص والإجماع عند التعارض.
وهذه كلمة لم ينطق بها أحد من المسلمين قبله ولم يتابعه بعده إلا من هو أسقط منه والقول بأن إجراء ذلك فى المعاملات دون العبادات باعتبار أن العبادات حق، للشارع والمعاملات إنما وضعت أحكامها لمصالح العباد وكانت هي المعتبرة فرق بدون فارق لأن الله سبحانه له أن يأمر بما شاء فيما شاء من غير
فارق بين أن يكون أمره فى العبادات أو المعاملات، وهو الذي أباح أنواعا من البيوع بشروط وقيود وحرم أنواعا منها، ودونك أحكام الربا والسلم والإجارة والمزارعة والشركة والعقوبات حدد لها حدودا ورسم لها شروطا وقيودا، وهكذا سائر أبواب الفقه فإذا راج هذا الرأى المنكر من هذا المضل تسرى خديعته في الأبواب كلها، ويكون شرع الله أثرا بعد عين، ولكن أبي الله إلا أن يتم نوره ومن الذى ينطلق لسانه بأن المصلحة قد تعارض حجج الله والسنة والإجماع؟!
والقول بذلك قول بأن الله لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذا القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير جل جلاله حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله - سبحانك هذا الحاد أقرع - ومن أعار سمعا لمثل هذا التقول لا يكون له نصيب من العلم ولا من العزة القومية.
وفى الذين يميلون إلى مثل ذلك الرأى الإلحادى يجدر أن ينشد قول القائل: عُمى القلوبِ عَمَوا عن كلِّ فائدة لأنهم كفروا بالله تقليدا وليست تلك الكلمة غلطة فقط من عالم حسن النية تحتمل التأويل، بل فتنة فتح بابها قاصد شر ومثير فتن.
وعن هذا الطوفى الحنبلى يقول ابن رجب الحنبلي في طبقات الحنابلة: لم يكن له يد فى الحديث وفى كلامه فيه تخبيط كثير، وكان شيعيا منحرفا عن السنة ... ولقد كذب هذا الرجل وفجر فيما رمى به عمر من منعه الناس عن تدوين الحديث وذكر بعض شيوخنا عمن حدثه أنه كان يظهر التوبة ويتبرأ من الرفض وهو محبوس وهذا من نفاقه، فإنه لما جاور في آخر عمره السكاكيني شيخ الرافضة
ونظم ما يتضمن السب لأبي بكر بالمدينة صحب ذكر ذلك عنه المطرى حافظ المدينة ومؤرخها اهـ.
وقال ابن مكتوم اشتهر عنه الرفض والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة - فالها - ومن شعره:
كم بين من شُكٍّ في خلافته ... وبين من قبل إنه الله
أبا بكر وعليا، أفهذا مما يصدر عمن في قلبه إيمان؟! وكان يعي يقول عن نفسه:
حنبلي رافضي ظاهري ... أشعرى إنها إحدى الكبر
فلتراجع ترجمته في طبقات ابن رجب و الدرر الكامنة لابن حجر و شذارت الذهب لابن العماد الحنبلى أفمثل هذا الزائع يتخذ قدوة في مثل هذا التأصيل الذى يرمى إلى استئصال الشرع كله؟!.
ولا يخترن القارئ الكريم بتقليب بعض المهملين إياه بالإمام النجم الطوفى فإننا في زمن نرى فيه من لا يصلح أن يكون إماما في مسجد حارته يلقب بالإمام الحجة.
ومن أصل مثل ذلك الأصل لا يكون إلا قاصدا لاستئصال الشرع، وليس فيما عمل فقهاء الصحابة شيء يبنى على قاعدة ترك النص للمصلحة وإنما المصلحة فيما نص عليه الشرع وليس ما عمله عمر – رضي الله عنه - في الطلاق الثلاث أو المتعة وغيرهما سوى جمع الصحابة للمشاورة معهم، وتقرير ما أقرته أدلة الشرع وحاشاهم أن يقرروا شيئا على خلاف ما نص عليه الرسول، كما
شرحت ذلك فى الإشفاق على أحكام الطلاق وغيره.
ويظهر منه أن صنيع ابن تيمية وابن القيم فى ذلك تشغيب محض تنبذه الحجج عند كل من يعى ما يقال له ولم يتعود أن يقول: عنزة ولو طارت وأما المؤلفة قلوبهم فما كان صرف الزكاة إليهم إلا لتأليف قلوبهم عند الحاجة إلى ذلك، وبعد أن ألفت قلوبهم وزالت الحاجة إلى التأليف، لا يبقى أي داع إلى صرفها إليهم بنص الكتاب الكريم لأن تعليق الحكم بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشتقاق فبزوال العلة يزول الحكم ويعود الحكم بعودة العلة، كما تجد شرح ذلك في بدائع الصنائع وغيره.
وتوهم نسخ الحكم بالرأى فى ذلك أو ترك النص لمجرد المصلحة وهم قبيح يأباه من شم رائحة الفقه.
كما وفى «إعلام الموقعين و الطرق الحكمية تصرفات تعزى إلى عمر وغيره من الصحابة – رضي الله عنه - ليس فى الثابت منها سوى الأخذ بأخف الضررين المنصوص في الشرع أو الأخذ بالراجح من الدليلين عند تعارضهما. وحاش لله أن تكون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعون في هدم شرع متابعين لهواهم، بل الساعون فى الهدم هم الذين يحاولون اتخاذ تلك الروايات تكأة لإخضاع شرع الله لهواهم
ومن ذلك ما يختمر فى بعض الرؤوس فى هذه الأيام من نزع حق الطلاق من يد صاحبه الشرعى بحجة كثرة وقوع الطلاق بدون مبالاة بما يترتب على ذلك من فساد النسب وشمول الريب فبدأنا نرى في بعض الجرائد نشر إحصاءات قاصرة عن عدد الطلاق والنكاح فى السنة تهويلاً بأن نسبة عدد الطلاق إلى عدد
النكاح كنسبة الواحد إلى الثلاثة تمهيدا من بعض المتطرفين لإحلال تشريع كنسى مقام التشريع الإسلامي القائم في ذلك.
والوضع الصحيح في الإحصاء هو إحصاء عدد الطلاق الواقع في السنة بين الذين عقد نكاحهم فى تلك السنة، وإلا ففى مملكة سكنتها نحو عشرين مليون نسمة كمصر - لا يقل عدد المتزوجين فيها عن نحو ستة ملايين نسمة فإذا قيس عدد مائة ألف طلاق فى السنة إلى عدد المتزوجين جميعا تكون النسبة نسبة الواحد إلى الستين لا الواحد إلى الثلاثة، وكم لهم من مغالطات من هذا القبيل لمجرد التهويل. ثم دواء ذلك الداء لا يكون بتقرير أنكحة غير شرعية، بل الدواء الحقيقي لذلك الداء هو استئصال السبب الأصلى لهذا المرض الاجتماعي المهلك، وهو التبرج وفساد الأخلاق فيكون تقرير ما لا يقبله الشرع الإسلامي لأجل الحيلولة دون هذا الفساد من قبيل صب الغاز كيروسين على الحريق لإطفائه، ولعل شيخ الجماعة يهش ويبش لما بدأ يختمر في بعض الرؤوس من الأخذ برأيه في نزع حق الطلاق فى يد صاحبه الشرعي، ولله الأمر من قبل ومن بعد.