ذكرى الهجرة النبوية والأزهر الشريف
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
ذكرى الهجرة النبوية والأزهر الشريف
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
نرى بكل اغتباط ازدياد الاهتمام على توالى السنين بالاحتفاء بالمواسم الدينية، ولا سيما ذكرى الهجرة النبوية في المحافل الرسمية والمجامع القومية، بل في كل واد وناد ولا يخفى ما فى ذلك من إنعاش روح الحماس الأحكام الإسلام في النفوس، وإنماء قوة الغيرة الإسلامية في القلوب، بل نرى ذلك الاحتفاء تجديدا للعهد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم في الاستمساك علما الكلى بأحكام الشرع الأغر في كل صغير وكبير، كافل لسعادتهم وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا أحكامه تحوير ولا تطوير على أهواء أصحاب النزعات الجامحة.
لكن ما هو هذا الشرع؟ وما هى تلك الأحكام؟ وليس من السهل على كل أحد معرفة ذلك على وجه الصحة بمجرد أن حذق لغة أمة، ولا بمطالعة كتاب أو كتابين في علم أو علمين من العلوم الإسلامية، بل لابد من تفرغ صفوة مختارة من المحصلين للتبريز في تلك العلوم
وكان الأزهر القديم معقلا للسنة قائماً بهذه المهمة الشاقة خير قيام منذ ثمانية قرون، بعد أن كان دار دعوة إلى المذهب الإسماعيلي المشروح في كشف أسرار الباطنية - مدة قرنين وكتب التاريخ كفيلة بشرح ذلك كله. ثم اعترى الهرم هذا المعهد المعمر ألف سنة، فأخذت شرايين حياته تتصلب، بحيث لا تقبل إغاثتها بدم جديد وبدأت أركانه تتداعى، ومساعى القائمين بإنعاشه تمنى
بالفشل، إلى أن أصحاب الشأن على إنهاضه على صمم المناهج العصرية، مهما كلفهم ذلك، فبنيت مبان، ودونت مناهج، ووضعت أنظمة جديدة جربت سنوات بين ضوضاء زج الأزهر في الحزبيات القاطعة عن العلم، لكن كان الفشل مريعا حيث لم يمكن إنهاضه في العلوم الأصلية التي أصابها ركود من زمن بعيد ولا تحقق أمل اتخاذ العلوم الكونية الحديثة عدة كافية لإنعاش العلم والروح العلمى فى صالح الإسلام على طراز حديث، بل لم يزيدوا فى العلوم الأصلية إلا انحرافاً في الاتجاه، وخمودا علي خمود ولا فى العلوم الكونية غير أن زادوا على مدارس الحكومة بعض مدارس حديثة على مناهج مدارس المعارف وتحت إشراف أساتذة المعارف، وإن كنا لا ننكر بعض النجاح فى ساحة الكتابة والخطابة.
والجديد الذى نراه فى الأزهر الحديث هو بعث طوائف إلى الغرب؛ ليتفقهوا في دين الإسلام في معاهد المستشرقين هناك، ولينذروا قومهم من المسلمين إذا رجعوا بآراء هؤلاء الذين ليس عملهم سوى شن غارات الصليبيين على الإسلام من جديد تحت ستار البحث العلمى البرىء وزد على ذلك انتداب هؤلاء المتخرجين عليهم لترجمة أضر كتبهم وإذاعتها في الأوساط الإسلامية بدون رد شاف يكون ترياقا لسمومها الفتاكة، ولا نقض كافل لدفع أضرارها، فيكونون كأنهم بعثوا ليكونوا حرباً على بنى قومهم وأهل دينهم!! وهذا قلب للأوضاع فظيع.
وكان الأزهر في قديمه قائما بتخريج علماء أجلاء في العلوم الإسلامية بالمعنى الصحيح، حتى إذا اجترأ بعض من يتعدى طوره من الأدعياء في العلم على النيل من بعض التعاليم الإسلامية انبرى رجال أكفاء، من العلماء لرد عاديته
وإيقاف المعتدى عند حده بحجج ناهضة
وأما الآن فترى بين سمع العلماء وبصرهم من ينال أصول الإسلام الستة وغيرها، بين حين وآخر بدون أن يقوم أحد منهم برد هذا العداون الصارخ بطريق علمى إلا نادرا فإن كان هذا من قلة إلمامهم بطرق دفع العدوان وإهمالهم لعلوم السنة المؤهلة للرد فهذه مصيبة وإن كان من عدم اهتمامهم بالذب عن السنة التي ينبني عليها بيان الذكر الحكيم، واستنباط الأحكام الشرعية، فهذه أفظع المصيبتين. على أن ما يدرس من الحديث في الأقسام النظامية الحديثة لا يزيد على أحاديث يسيرة في العدد، وهكذا عملهم في تراجم رجال الرواية وعلوم دراية الحديث، فبمثل هذا القدر الضئيل من العلم، لا يمكن دفع عادية المعتدى الأثيم.
فلا غنى لنا عن الاحتفاظ بأزهرنا القديم بعلومه الأصلية المعروفة، ومن جملتها أصول الإسلام الستة، ومن السهل جداً بدون أن تتحمل الخزينة عبئًا ثقيلا، تخصيص شيوخ من علماء الأزهر لتدريس تلك العلوم في الجامع الأزهر، فلمثل الكشاف شيخ مثلا، ولمثل ارتشاف الضرب لأبي حيان شيخ، ولكل من الأصول الستة شيخ، وهكذا على أن يكون تدريس الحديث مقصوراً على ضبط المتن طبق الرواية وضبط الأسماء والأنساب والكنى والألقاب في ذلك الكتاب بتعويد الطلبة على مراجعة كتب الرجال والبحث الشامل ويكون الشيخ القائم بتدريس أحد كتب السنة مكلفا بصحة ضبط هذا الكتاب طبق الرواية، ويكون تلقى الطلبة الحديث منه بطريق السرد، لتتم قراءة الكتاب في أيسر مدة؛ لأن التوسع فى الشرح قاطع عن إكمال كتب السنة كما هو مطلوب.
ثم أوقات التدريس فى الأزهر تجعل فى ساعات لا تصادم ساعات الدراسة فى الأقسام النظامية، فبذلك يحصل تمكين طلبة الأقسام النظامية من الحضور فى دروس الجامع الأزهر مع إلزامهم البات بتخير أحد كتب السنة وبإتمامه عند شيخ ذلك الكتاب، فبهذا يتمكنون من التوسع في العلوم الإسلامية التي يقرر تدريسها فى الجامع الأزهر بعد بحث شامل.
فيكون ما يصرف عليهم. من أوقاف الأزهر عن استحقاق شرعي باتفاق الأئمة، لأن الأزهر إنما هو اسم جامع معروف المكان ومحدد الأركان والواقفون لطلبة الأزهر إنما أرادوا بوقفهم طلبة العلوم الإسلامية في الجامع الأزهر، فصرف مبالغ من أوقاف هؤلاء الواقفين على طلبة معهد في شبرا أو في البرمونى مثلا بمجرد عدهما فى زمن متأخر فرعين من الأزهر لا يكون إلا رأيا شاذا لا يبرره الفقه المتوارث عن الأئمة المتبوعين وأحق الناس بالبعد عن الشبهات هم | العلماء وطلبة العلم، فمن تعود منهم أن يتناول ما لا يحل له في دور الطلب لا ينتظر منه خير فى الدعوة إلى الله. ثم إن القول بأن الأزهر قسم عام، من قبيل عد الأصل فرعا كما أن الحكم بحرمان طلبة العلم في الجامع الأزهر من إيراد أوقاف الجامع الأزهر نفسه باعتبار أنه لا يعد من أقسام الأزهر بسبب إلغاء القسم العام، في وقت يتحدث فيه عن العيد الألفى لهذا المعهد التاريخى يكون من قبيل عد الأصل القائم زائلا، وهذا وذاك من الغرابة بمكان.
لكن الله سبحانه لطف فعاد الأزهر موضع دراسة رسمية يستحق طلبته من أوقافه ما نص عليه الواقفون.
فبالنظر إلى أنه لا يمكن الاقتصار والاقتصاد في العلوم الأصلية بدون
ضرر يلحق بالإسلام ننتظر من القائمين بشؤون الأزهر أن يفكروا في استبقاء الأزهر القديم على قدمه معهداً تاريخياً يتولى فيه تدريس تلك العلوم أساتذة خاصة من شيوخ الأزهر، مصونا عن المساس به والتفريط فيه حرصا على الفائدة العامة الشاملة لطلبة جميع الأقطار الإسلامية وأداء للأمانة على الوجه الصحيح، لأن علوم الأزهر القديم من قبيل الحاجيات، وأما الأقسام النظامية فعلومها من قبيل الكماليات تزيد وتنقص باعتبار الظروف والغايات، في حين أن العلوم الأزهرية القديمة الأصلية غير قابلة للإقلال منها بالنظر إلى الغاية الأصلية.
ومجمل القول أن الاحتفاظ بالأقسام النظامية بدون أن تطغى علومها على العلوم الأصلية، مع كمال السهر على أخلاق الطلبة وعلى قيامهم بواجباتهم الدينية والمدرسية من غيرأى تساهل، ومع العناية بتخيرهم واصطفائهم من بين الراغبين فى الالتحاق بالمعهد فى مبدأ الأمر بكل اهتمام تعد من الوسائل الجوهرية لتحقيق الغايات من الدراسات الأزهرية وإعلاء شأن الأزهر وسمعته في جميع الأقطار، زيادة على ماله من الزعامة الدينية المعترف بها في جميع الأقاليم. كما أن ترك المعارف الدخيلة تطغى على العلوم الأصلية قاض بالحرمان من القبيلين ولنا عود إلى الموضوع إن شاء الله تعالى في فرصة أخرى تبيينا لوجوه الإصلاح المنشود فى الأزهر القديم، في إدارته و دراسته وتثقيف طلبته ليتمكنوا من أداء الأمانة التي حملوها كما يجب، والله سبحانه ولي التوفيق.