خطورة المساس بالأوقاف الاسلامية
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
خطورة المساس بالأوقاف الاسلامية
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
مما ندب إليه الشرع الإسلامى من وجوه البر: الوقف، سواء كان للقريب أو للغريب أو لسائر مصالح الأمة، وعليه درجت الأمة من فجر الإسلام إلى اليوم، وكاسب المال هو صاحب الشأن في التصرف في ماله بيعا وإجارة ورهنا وقرضا وإعارة وتصدقا وهبة ووصية ووقفا وغير ذلك من وجوه التصرف المعتبرة ما دام عاقلا لم يفقد شيئا من أهلية التصرف، وإليه دون من سواه تحديد الشروط فى الوقف وتعيين مصارفه، فيكون تدخل من سواه في شيء من ذلك افتئانا على حق صاحب المال، وتدخل فضولى لا يبرره الشرع، وليس بين أئمة الإسلام من يصلح أن يتخذ تكاءة في حل الوقف أو منع الناس منه.
وأبو حنيفة مع الجمهور في القول بندب الشرع إلى الوقوف مطلقا، ولا سيما إذا جرى مجرى الوصية أو حكم به القاضي فإذ ذاك يكون الوقف لازما عنده أيضا وأى وقف لم يقرن بحكم القاضي في الماضي قطعا للخلاف؟. على أن قول أبي حنيفة في لزوم الوقف عند حكم القاضي به وعدم لزومه عند عدم حكمه به رأى قام الدليل على خلافه فهجر في المذهب، ولذا ترى ابن أبى العوام الحافظ يقول في كتابه «أخبار أبي حنيفة وأصحابه»: «قال لنا أبو جعفر الطحاوى حكى عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد من الكوفة كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف في بعض الأحوال حتى حدثه إسماعيل بن علية عن ابن عون عن
نافع عن ابن عمر في صدقة عمر لسهامه من خيبر فقال: هذا مما لا خلافه، ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة لقال به ولما خالفه اهـ.
هكذا يقول أبو يوسف ومن يكون أعلم بحال أبي حنيفة من أبي يوسف؟ وهو من أبر أصحابه به حيا وميتا فلا يسوغ الأخذ بما قام الدليل على خلافه فضلا عن اتخاذه شرعا عاما يلزم به الناس.
وقد قال أبو عمر الكندى فى ص ??? من قضاة مصر في ترجمته إسماعيل بن اليسع الكندى الحنفى الذى ولى قضاء مصر سنة 164هـ في عهد المهدى العباسي: - حدثنا محمد بن يوسف قال: أخبرنى ابن قديد عن يحيى بن عثمان قال: جاء الليث بن سعد إلى إسماعيل بن اليسع فجلس بين يديه فرفعه إسماعيل فقال الليث: إنما جئت مخاصما لك. قال: في ماذا؟ قال: في إيطالك أحباس المسلمين وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى طلحة والزبير فمن بقى بعد هؤلاء؟!. وقام وكتب إلى المهدى فورد الكتاب بعزله، فأتاه الليث فجلس إلى جنبه، وقال للقارئ اقرأ كتاب أمير المؤمنين، فقال له إسماعيل: يا أبا الحارث! وما كنت تصنع بهذا؟ أما والله لو لم يأمر السلطان ثم أمرتنى بالخروج لخرجت فقال له الليث: إنك فيما علمت- لعفيف عن أموال الناس.
- حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا أبو سلمة قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الحكم قال أخبرنا أبى قال كتب فيه الليث إلى أمير المؤمنين إنك وليتنا رجلا يكيد سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا مع أنا ما علمناه في الدينار والدرهم إلا خيراً. فكتب بعزله اهـ.
والليث بن سعد يفضله الإمام الشافعي على عالم دار الهجرة مالك، ويعده ابن خلكان والقاضي زكريا الأنصاري من أصحاب أبي حنيفة ومن مثل الليث في سعة العلم بالحديث وبالفقه؟.
وليس الفرق بين الوقف للذرية والوقف لغيرها مما يعرفه الشرع، وإنما ذلك اصطلاح مستحدث، والوقف خيرى كله سواء كان للقريب أو للغريب في نظر الشرع الأغر، بل أغلب ما ورد من الأحاديث في الصحيحين والسنن الأربعة وسائر كتب الحديث فى الوقف؛ فيما يسمونه اليوم الوقف للذرية أو الوقف الأهلى، فلا يكون لمن يدين بسنة رسول الله مجال أن ينكر ندب شرع الله إلى هذا الوقف أو يفكر فى حله ومنع الناس منه.
وسبق أن ألقى العلامة الأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت رحمه الله محاضرتين فى 8 شعبان سنة 1345 هـ وفى ?? رجب سنة 1346هـ في الرد على محام آثار تلك المسألة إذ ذاك فقضى على تلك الفكرة الخاطئة قضاء علميا لا نهوض لها عند أهل العلم بعد تلك الحجج الدامغة التي سردها الشيخ المحاضر - في - وكافأه مكافأة الذابين عن حريم: قدس الشريعة الغراء، وهما في متناول الأيدى حيث طبعتا إذ ذاك فى المطبعة السلفية، لكن تنوسى ما فيهما وجدت الرغبة فى الحل والمنع بين سكوت حراس الشرع في زمن لا يوجد فيه مثل الشيخ محمد بخيت رحمه الله فى الغيرة على الفقه الإسلامي والذب عنه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والواقع أن الاجتراء على الوقف مرض متفش تجب معالجته ببصيرة منقذة لا بالمنع من الوقف كما يرى الشيخ فالح الظاهري في «أنجح المساعي»
سدا للذريعة. وكم اقترح الغربيون على دول الإسلام حل الأوقاف وجعلها ملكا للأمة كما يظهر من تاريخ إصلاحات الدولة العثمانية للسفير الفرنسي انكه لهارد رغبة منهم في القضاء على ميزانية الإسلام، وفتحا لباب التملك في بلاد الإسلام.
والوقف هو ميزانية الإسلام حالا أو مالا في غالب البلدان والمساس به يضر المجتمع الإسلامى ضرراً وبيلا في زمن تعد فيه السهرات الخليعة موارد بر وخير وكاهل من يتحمل من المشايخ ثقل المساس به في موقف لا يغبط عليه.
ومن أغرب ما نسمع في صدد تأييد الخروج على المتوارث في هذا الصدد قول القائل: إن هذا قول الإمام الفلاني ولما ضويق في تصحيح النقل قال: له عدة أقوال هذا أحدها .. فياسبحان الله متى يكون من يروى عنه عدة أقوال صاحب قول؟ بل من يكون له قولان يكون مترددا لا رأى له فضلا عن أن يكون له ثمانية أقوال على قدم المساواة أو عشرة أقوال، واتباع المتردد لا يكون إلا ترددًا، فمن تعددت الروايات عنه من الأئمة فإما ألا تصح إلا رواية واحدة منها فتكون هى قوله حقا وسائرها لا يعد قولا له أصلا، وإما أن تصح عدة روايات عنه فيكون آخر أقواله هو قوله، وما سبقه يكون مرجوعا عنه في حكم المنسوخ، فإذا لم يعلم المتقدم من المتأخر بين الأقوال تتهاتر تلك الأقوال كلها فمن يروى عنه عدة روايات لابد وأن ينظر في رواتها قبل كل شيء فإن كان حرب بن إسماعيل السيرجاني الكرماني المجسم المعروف المثبت الله الحركة ونحوها من الحوادث هو الراوى مثلا تسقط روايته في أول خطوة فكفى الله المؤمنين القتال، فلا تكون روايته في عداد أقوال المروى عنه، وهكذا.
وليس لمن يريد حمل الناس على رأى شاذ إلا أن يقوم بحجته من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، وأنى له أن يقيم الحجة على خلاف المتوارث منع من بين جماعة المسلمين؟ وأما تقليد العامى لبعض الأئمة في خاصة نفسه فلا. ذلك بعد أن ثبت القول عن إمام معترف بإمامته عند جماعة المسلمين، وليست مسألة حمل الناس على خلاف المتوارث بين المسلمين من هذا القبيل، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
كليمة أخرى في الوقف
کلامي إلى القراء، وليس بقليل بينهم من يميز بين المجترئ وغيره بتوفيق الله سبحانه وإرضاء الناس كلهم غاية لا يتوخاها عاقل، والكلام في شان الشيء من من يلم بأطراف الحديث فيه، وقد علم الوعاة أن الإصابة في كل شيء ليست من شأن المجتهد، بل المجتهد قد لا يبلغه النص فيرى رأيا يخالفه مخالفة صارخة، لكنه يعذر ويؤجر فى حين أنه لا يسوغ لأحد بعده أن يقلده فيه بعد وضوح الحجة واستبانة ضد رأيه وحديث عمر – رضي الله عنه – في تحبيس الأصل، لا يباع ولا يورث؛ قد صح عند الجميع وجرت الأمة على الأخذ به على تعاقب القرون، بحيث لا يسع أحدا خلافه ومع ذلك لم يبلغ هذا الحديث أبا حنيفة فأخطأ فى الرأى كما نص على ذلك أبو يوسف، ولا بأس في أن يخطئ أبو حنيفة أو شريح فى بعض المسائل، وقد أخطأ من هو فوقهما بمنازل فى جملة مسائل كما هو مشروح في موضعه.
وقد أوضحت رأى أبى حنيفة في المسألة فيما سبق وليس من رأيه الفرق بين الوقف للذرية والوقف لغيرها، بل لا يرى أحد من الفقهاء مثل هذا الفرق فيكون عزو القول ببطلان الوقف الأهلى إلى أبى حنيفة أو شريح أو ابن عباس - - عزوا لما لم ينطقوا به إليهم بل تقسيم الأوقاف إلى أهلى وغيره باعتبار حالة المشرفين عليها إنما حدث فى عهد دولة المماليك كما يظهر خطط المقريزى 4 - 83 ثم تطور هذا الاصطلاح الحكومي إلى ما نرى اليوم، وليس هذا تقسيما فقهيا يبنى عليه الاختلاف في الأحكام عند من يعرف أدلة الأحكام.
وأما ما يعزى إلى السراج البلقينى فغلط لا حجاب دونه، لأنه إنما رد على برقوق باعتبار أن للعلماء والطلبة فى الخمس أكثر، وأنهم من مصارف بيت المال دون خديجة وعويشة وفطيمة بصيغ التصغير استعطافا» كما يظهر ا من حسن المحاضرة للسيوطى لأن برقوقا إنما ذكر - سنة 780هـ أيام كان أتابك العساكر لا ملكا -: إن أراضى بيت المال أخذت منه بالحيلة وجعلت أوقافا ومن الظاهر أن هذا وقف المرء لما لا يملكه، لكن بالنظر إلى أن تلك الأراضى لبيت المال والمدارس والعلماء والطلبة من مصارف بيت المال لا معدل عن الصرف عليهم من غاية تلك الأراضي في نظر البلقيني، وهذا حق لا مراء فيه، وأين هذا أن يتملك شخص ملكا بطريقة ثم يقف لذوى قرباه وغيرهم.
وأما الشيخ الجزائرى مفتى الإسكندرية ففتياه مقيدة بما في نص الاستفتاء المسجل في محله، فتكون فى حق المحتالين المتهربين عن أداء ديونهم، فأين هذا مما هنا، على أن هذا المفتى نازل الطبقة في العلم حتى إنه الله - يغلط في فهم نصوص المذهب، وقد شرح الشيخ بخيت –رحمه الله ـ وجوه أخطائه في محاضراته المطبوعة، بل كان ممن أفتى بغير علم فضل وأضل، ولذا لم تأخذ بفتياه الحكومة المصرية إلى اليوم على ما يظهر من سجلات الأوقاف بعده.
وأما ما يروى فى الضعفاء للعقيلى بطريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى من أن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا حبس بعد سورة النساء فقد قال ابن حزم فيه: هذا حديث موضوع، وابن لهيعة لا خير فيه وأخوه مثله، وبيان وضعه أن سورة النساء - يعنى آية المواريث - نزلت بعد أحد وحبس الصحابة بعلم رسول الله - بعد خيبر وبعد نزول المواريث في سورة النساء وهذا أمر متواتر جيلا بعد جيل، ولو صح هذا الخبر لكان منسوخا
باتصال الحبس بعلمه عليه الصلاة والسلام إلى أن مات اهـ.
وأما قول بعضهم إن شريحا كان لا يرى الحبس، ولو كان صحيحا لم يجز أن يستقضى لا من يعرف مثل هذا؛ فقد قال ابن حزم عنه: لو استحيا قائل هذا لكان خيرا له وهلا قالوا ذلك فى كل ما خالفوا فيه شريحا، وأى نكرة فى جهل شريح سنة وألف سنة؟ ثم ذكر بعض ما غاب عن مثل أبي بكر وعمر وابن مسعود - - ثم قال: ولو لم يستقض من لا تخفى إلا عليه سنة ولا يغيب عن ذكره ساعة من دهره حكم من أحكام القرآن ما استقضي أحد ولا أفتى أحد بعد رسول الله - لكن من جهل عذر ومن علم غبط» اهـ.
وأما قول شريح: «جاء محمد بإطلاق الحبس" فمنقطع والمنقطع لا يحتج به، وعلى فرض ثبوته يحمل على إبطال التسييب للأصنام كما. أهل الجاهلية. وأما الوقف الجارى فى الإسلام فلم يكن أهل الجاهلية يعرفونه حتى يصح حمله عليه.
وأما قول شريح الا حبس عن فرائض الله فلا يصح إلا إذا حمل على الحبس فى مرض الموت بما يزيد على الثلث وإلا بطل كل صدقة وهبة ووصية في حالة الصحة وسلامة العقل ولا قائل بذلك.
وأما ما يعزى إلى على وابن مسعود وابن عباس - ام - فقد قال ابن حزم: لم يصح عن أحد منهم لأن ما يروى عن ابن مسعود في سنده مجهول، ووالد القاسم لم يحفظ عن ابن مسعود كلمة لكونه صغيراً ابن ست عند وفاته، فضلا عن ابنه الذى تعزى إليه الرواية عن ابن مسعود. والمنقطع لا خير فيه. وقد سبق الكلام على ما روى عن ابن عباس، بل قال ابن حزم فى المحلى لا نعرف رواية عن ابن عباس في هذا أصلا ولا عن على، بل نقطع أنها كذب على على لأن إيقافه ينبع
وغيرها أشهر من الشمس، والكذب كثير اهـ.
وابن اليسع نكرة فى الفقه لا يتخذ مثله قدوة في الأحكام، رضى الله عن الجميع وألهمنا رشدنا وسامحنا فيما شط به القلم.
هامش: وألفت النظر إلى تمام كلامى عن التحدث عما إلى كاسب المال المحذوف في مقال المعقب وهو: وسائر وجوه التصرف المعتبرة يعني في الشرع فلا وجه للإشارة إلى حديث لا وصية لوارث هنا. ولى مقال مفرد في هذا الحديث وقد وفّى الأستاذ سنى اللقاني بحث الوقف حقه من التمحيص من نواحيه العصرية فى جريدة الأهرام فيما سبق جزاه الله. العلم خيرا، ومن ظن الكهنوت فى الإسلام ورأى احتكار طائفة للمسائل الدينية فقد غلط لأن مبدأ الإسلام هو {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين}.