الجزء 1 · صفحة 5
خطورة القول بالجهة
فضلا عن القول بالتجسيم الصريح
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رأينا الأزهر الحديث يتساهل فى العقيدة المتوارثة في التنزيه إلى حد أن يبيح نشر كتاب «النقض» للدارمى المجسم كما علم مما نقلناه عن جريدة البلاغ، وفى ذلك استساغة اعتقاد الجمهور لما فيه من إثبات المكان له تعالى عن ذلك الصفحات 4 و 23 و 24 و 25 و 80 و 82 و 83 و 96 وفيه أيضا إثبات الحد والغاية والمس والقيام والقعود والجلوس والحركة له سبحانه في الصفحات 20 و 23 و 24 و 25 و 26 و 29 و 30 و 45 و 50 و 54 و 55 و 73 و 74 و ?? و ??? وفيه أيضا ادعاء قدم مفعولاته تعالى وقدم استوائه على العرش، وقدم حركته ومشيه وهرولته كما فى ص ??? تعالى الله كله، وفيه أيضا إثبات القرب له تعالى والبعد عنه بالمسافة في الصفحات ?? و ?? و ?? وفيه أيضا ادعاء كون من على رأس الجبل والمنارة أقرب إلى الله تعالى ممن على الأرض كما في ص ???، وفيه أيضا تجويز استقراره تعالى على ظهر بعوضة كما في ص ?? وفيه أيضا إثبات ثقل له تعالى على العرش وحملته كما فى ص?? وفيه أيضا تمثيل ثقله تعالى على العرش بثقل أعكام الحجارة والحديد كما في ص???.
إلى غير ذلك من الأساطير الوثنية التي لسنا في صدد استقصائها. وهذا هو الكتاب الذي تبيح الجماعة نشره ولا ترى شيئا في تداوله، مع أن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة، كما نقل عنهم العراقي على ما فى شرح المشكاة لعلى «القارى فضلا عن باقي المخازي في كتاب الدارمي.
الجزء 1 · صفحة 7
وقال البياضي في إشارات المرام: قال أبو حنيفة من قال: لا أعرف في أم في الأرض فهو كافر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدرى العرش أفى السماء أم فى الأرض، ثم ذكر وجه إكفاره وقال: لكونه قائلا باختصاص البارى تعالى بجهة، وحيز وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، وهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، والقائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة اهـ.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوى فى كتابه اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن»: «تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحويه الجهات الست كسائر المبدعات» .. وفيه أيضا: ونؤمن بخروج الدجال الأعور اللعين من السماء وعلى هذه العقيدة أتباعهم الذين ونزول عيسى ابن مريم. لام لا يقلون عن نصف الأمة المحمدية على توالى القرون.
وقد تلقى الطحاوى علوم هؤلاء فى الاعتقاد والعمل عن سليمان بن شعيب الكيسانى وبكار بن قتيبة وابن أبي عمران وأبي حازم فالأول عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف وأبي حنيفة، والثاني عن هلال بن يحيى عن زفر وأبي يوسف عن أبي حنيفة. والثالث عن ابن سماعة وبشر بن الوليد، فالأول عن محمد وأبي يوسف والثانى عن أبي يوسف والرابع عن عيسى بن أبان عن محمد، وعقيدة الطحاوى هذه مستفيضة عن أئمتنا متواترة إلى اليوم. ورد الإمام مالك بن أنس - في - على القائلين بالجهة مبسوط في العواصم عن القواصم لابن العربي و السيف الصقيل» للتقى السبكي. ويقول القرطبي المفسر في التذكار ??? عن المجسمة:
الجزء 1 · صفحة 8
والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور» اهـ. فيكون لفظ الجهة في تفسيره سبق قلم كما أوضحته في تكملة الرد على ابن القيم.
ورأى الإمام الشافعي – رضي الله عنه - فى المجسمة هو كما يظهر في شرح المهذب للنووى، قال التقى الحصنى فى كفاية الأخيار - وكان من كتب الدراسة فى الفقه الشافعى فى الأزهر - جزم النووى في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة. قلت وهو الصواب الذي لا محيد عنه إذ فيه صريح القرآن قاتل الله المجسمة والمعطلة ما أجرأهم على مخالفة ليس كمثله شيء وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصير وفي هذه الآية رد على الفرقتين والله أعلم. اهـ. وفى نقل ما ذكره إمام الحرمين فى الشامل والإرشاد في الرد على المجسمة طول .. وأما رد الإمام أحمد - صل الله - على المجسمة فمنقول في مرهم العلل المعضلة لليافعي بتوسع و دفع شبه التشبيه لابن الجوزى وهو كاف في ذلك.
بل ابن حزم الظاهرى من أقسى أهل العلم على المجسمة في كتابه «الفصل».
وقوله تعالى: {قُل لِمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل للَّه} يفيد أن المكان وكل ما فيه ملك لله، وقوله تعالى إن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتي الرحمن عبدا ينص على أن سكنة السماوات والأرض كلهم عبيد الله، وقوله تعالى وله ما سكن في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يدل على أن الزمان کے وكل ما فيه ملك الله تعالى فظهر أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك الله تعالى. وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان كما قال أبو مسلم الأصبهاني والفخر الرازى وغيرهما، وإلا لزم أن يكون مالكا و مملوكا وعبدا ومعبودا تعالى الله عن ذلك،
الجزء 1 · صفحة 9
وقوله سبحانه في سورة الحديد هوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوات والأرض في ستَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرشِ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير وجمعه بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافي المعية، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون.
وهنا ننقل كلمة ابن العربي في «العارضة» لما فيها من الفوائد الجمة في الرد على بادرة بدرت من ابن عبد البر فى التمهيد» و «الاستذكار» ويحاول أهل الزيغ التمسك بها.
قال ابن العربي في العارضة ? - ???»: قد تعدى إليه أى حديث النزول قوم ليسوا من أهل العلم بالتفسير فتعدوا عليه بالقول بالنكير وقالوا فى هذا الحديث دليل على أن الله فى السماء على العرش من فوق سبع سماوات قلنا هذا جهل عظيم، وإنما قال ينزل إلى السماء، ولم يقل في هذا الحديث، من أين ينزل ولا كيف ينزل؟ قالوا وحجتهم ظاهر قول الله تعالى: الرحمن على العرش استوى قلنا وما العرش في العربية؟ وما الاستواء؟ قالوا كما قال الله تعالى: ولتستووا على ظهوره قلنا إن الله تعالى أن يمثل استواؤه على عرشه باستوائنا على ظهور الركائب قالوا وكما قال: واستوت على الجودي قلنا تعالى الله أن يكون كالسفينة جرت حتى لمست فوقفت، قالوا وكما قال: {فَإِذَا استويت أنت ومن معك على الفلك}، قلنا معاذ الله أن يكون استواؤه كاستواء نوح وقومه؛ لأن هذا كله استواء مخلوق بارتفاع وتمكن فى مكان واتصال ملامسة وقد اتفقت الأمة من قبل سماع الحديث ومن بعده على أنه ليس استواؤه على شيء من ذلك، فلا يضرب له المثل بشيء من
الجزء 1 · صفحة 10
خلقه. قالوا قال الله عز وجل: ثم استوى إلى السماء 5 قلنا تناقضت تارة تقول إنه على العرش فوق السماء، ثم تقول إنه في السماء لقوله أمنتم من فى السماء وقلت إن معناه على السماء .. قالوا اجتمعت الموحدة على أنهم يرفعون أيديهم فى الدعاء إلى السماء ولولا ما قال موسى إلهى فى السماء» الفرعون ما قال: يا هامان ابن لي صرحا قلنا كذبتم على موسى ما قالها قط ومن يوصلكم إليه إنما أنتم أتباع فرعون الذي اعتقد أن البارى فى جهة فأراد أن يرقى إليه بسلم فيهنئكم أنكم من أتباعه وأنه إمامكم. قالوا وهذا أمية بن أبي الصلت يقول:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومَنْ هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنُو الوجوه وتسجدُ
وهو قد قرأ التوارة والإنجيل والزبور قلنا هذا الذي يشبه جهلكم أن تحتجوا بقول، فرعون وقول ملحد جاهلي و تحيلون به على التوارة والإنجيل أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولاشيء معه، ثم خلق والذي يجب المخلوقات من العرش إلى الفرش، فلم يتعين بها ولا حدث له جهة منها، ولا كان له مكان فيها؛ فإنه لا يحول ولا يزول قدوس لا يتغير ولا يستحيل. وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز: منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية.
ومنها ما لا يجوز على الله بحال وهو ما إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة، فإن ذلك لا يجوز على البارى تعالى ولا نضرب له الأمثال في المخلوقات وإما أن لا يفسر كما قال مالك وغيره إن الاستواء معلوم يعنى مورده فى اللغة والكيفية التي أرادها الله، مما يجوز عليه من معانى الاستواء مجهولة فمن يقدر أن يعينها؟ والسؤال عنه بدعة لأن الاشتغال به قد يثير طلب
الجزء 1 · صفحة 11
المتشابه ابتغاء الفتنة فتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك أن الاستواء، معلوم وأن ما يجوز على الله غير مستعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه .. وقد حصل لك التوحيد والإيمان بنفى التشبيه والمحال على الله سبحانه وتعالى فلا يلزمك سواه.
وأما قوله: ينزل ويجيء ويأتى وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها فإنها ترجع إلى أفعاله. وها هنا نكتة وهى أفعالك أيها العبد إنما هى فى ذاتك وأفعال الله سبحانه لا تكون في ذاته، وإنما تكون في مخلوقاته فإذا سمعت الله يقول أفعل كذا فمعناه في المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن فقال: يفعل الله ما يشاء وقالوا نقول ينزل ولا نكيف قلنا معاذ الله أن نقول ذلك، وإنما نقول كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما علمنا من العربية التي نزل بها القرآن قال النبي -م- يقول الله: عبدي! مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمنى، وعطشت فلم تسقنى ولا يجوز عليه شيء من ولكن شرف هؤلاء بأن عبر به عنهم كذلك قوله ينزل ربنا .. » عبر عن عبده وملكه الذى ينزل بأمره باسمه فيما يعطى من رحمته، ويهب من كرمه ويفيض على الخلق من عطائه، وقال الشاعر:
ذلك ولقد نزلت فلا تظنى غيره مني بمنزلة المحب المكرم والنزول قد يكون في المعانى وقد يكون فى الأجسام .. والنزول الذى فذلك ملكه ورسوله وعبده، وإن جسم، أخبر الله عنه إن حملته على أنه حملته على أنه كان لا يفعل شيئا من ذلك ثم فعله عند ثلث الليل فاستجاب وغفر وأعطى؛ سمي ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فتلك عربية محضة.
الجزء 1 · صفحة 12
إلى آخر ما ذكره ابن العربي والله دره حيث أجاد وأفاد في هذا الموضوع، ورد على ما بدر من ابن عبد البر رداً متينا لا تقوم له قائمة بعده. وقد قال الإمام أبو منصور عبد القاهر التميمي في كتاب «الأسماء والصفات له فيما روى التقى السبكى عنه في الفتاوى الحلبيات وهى أجوبته عن أسئلة الشهاب الأذرعى: إن الأشعرى وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفراً أو أدت إلى كفر كمن زعم أن المعبوده صورة أو أن له حدا ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون ولا إشكال لذى لب في تكفير الكرامية مجسمة خراسان فى قولهم إنه تعالى جسم له حد ونهاية من تحته وأنه مماس لعرشه وأنه محل الحوادث ... وكل ذلك مما هو موجود في كتاب الدارمي ولا يجهل أهل العلم منزلة أبي منصور في علم أصول الدين، وقد تخرج على مثل أبي إسحاق الإسفراييني تلميذ أبي الحسن الباهلي صاحب أبي الحسن الأشعرى وأرانى فى غنية عن التوسع فى بيان خطورة ما في كتاب الدارمي من إثبات المكان والجهة والحد والنهاية والغاية والثقل والمشى والجلوس والقيام والقعود، ونحوها له سبحانه بأكثر مما سبق لأنى لا أظن أن يوجد حتى بين إخوان الصفاء من لا يقر في قرارة نفسه أن ذلك كله كفر ناقل من الملة إصدارهم القرار القاضي بإباحة نشره وبأنه شيء في تداوله على ما فيه من الكفريات الفظيعة التي ذكرنا بعض نماذج منها.
بل شيخهم الذى حملهم على ذلك يقول فى تفسير سورة الحديد ص ??: ونحن نؤمن بأنه استوى على العرش كما وصف نفسه، وعرشه لا يعلمه البشر إلا بالاسم وليس حاملا له كما يتوهمه الناس، وتعالى الله عن سمات المخلوقين ...
أن يكون محمولا أو في جهة أوحيز، وتعالى الله ولا يجوز أن يتحكم أولئك الجهلة فى تفسير القرآن والحديث النبوي ويحملوا الألفاظ على ظاهرها فيوقعوا
الجزء 1 · صفحة 13
الناس فى التجسيم ولوازم التجسيم
والكتاب الذي يستصوبه اليوم يدعو إلى ضد ذلك على خط مستقيم، فما رأى فضيلته فى هذا التناقض؟!! ولا نظن وجود إكراه ملجئ يبيح للجماعة النطق بالكفر الصارخ لكن الناس معادن وعلم أكل عيش! ودين أكل عيش! وأدب أكل عيش؛ توقع المرء في مهازل!
وصفوة القول أن التساهل فى أمر كتاب النقض بإباحة نشره من أفظع ما ينسب إلى جماعة لا حكمة لوجودهم غير حراسة الدين.