الجزء 1 · صفحة 5
خطورة التسرع في الإفتاء
ذكر للإمام سفيان بن سعيد الثورى كثرة المحدثين في عصره، فقال: إذا كثر الملاحون غرقت السفينة. وقل أنت كذلك عن كثرة المفتين في هذا الأيام. والصحابة - رضي الله عنهم- الذين شاهدوا التنزيل وتلقوا علم الدين من النبي - - مباشرة، كانوا يتهيبون الإفتاء، ويحيل بعضهم على بعض الإجابة عن مسألة يسأل هو عنها خوفا من الزلل. وفي صحيح مسلم من حديث أبى المنهال أنه سأل زيد بن أرقم عن الصرف فقال: سل البراء بن عازب. فسأل البراء. فقال: سل زيدا الحديث».
وأخرج أبو محمد الرامهرمزي صاحب المحدث الفاصل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: لقد أدركت فى هذا المسجد مائة وعشرين من الأنصار مامنهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا وأخرج أيضا عن الشعبى أنه سئل: كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير سقطت: كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول. وقال أحد كبار الأئمة: لولا الفرق من الله من ضياع العلم لما أفتيت أحدا يكون له الهناء وعلى الوزر.
ولولا خوف السلف من إثم كتم العلم لما كانوا يتصدون للإفتاء بالمرة. وفي هذا الصدد روايات كثيرة عن رجال الصدر الأول تدل على مبلغ احترازهم من تبعة الإفتاء، ولكن نرى الناس اليوم على خلاف ذلك يتزاحمون على الفتيا
الجزء 1 · صفحة 6
ويتسابقون فى حمل التبعة فما من مجلة أو صحيفة في البلد إلا وفيها فتاوى عن مسائل، وكذلك ليس لطائفة اللامذهبية مجلس وعظ وتذكير إلا وفيه افتئات على الفتوى فى التوحيد والفقه، حتى إن الكاتب البسيط لا يرى بأسا في أن يفتى الناس في أعوص المسائل وأكثرها تشعبا، وكفى أن تكون عنده فتاوى فرج الله الكردستاني أو الشيخ الحراني، فينقل منها صفحتين من بحث تعليق الطلاق مثلا، ويذيع ما فيهما في الصحف والمجلات بدون أن يشعر بحاجة إلى التأكد من مبلغ أمانة الطابع ومن عدم تصرفه فى نصوص الكتاب زيادة ونقصا أو تصحيحا على زعمه، أو تصحيفا أو متابعة للهوى ولا إلى التحقق من درجة مطابقة ما في الكتاب للواقع وصدق مؤلفه وبعده عن الزيغ والزلل فيما شد به عن الجماعة.
وتلك أمور قد يغلط في تحقيقها كبار أهل العلم فضلا عن صغار أرباب القلم، على أن اختلاف الفتيا من تلك المصادر المختلفة في مسألة واحدة باسم الشرع، تصحيحا وإبطالا وتحليلا وتحريما يؤدى إلى تفرقة كلمة الشعب المتحد الآمن المطمئن، بل إلى تهاونهم بأمر الشرع إلى أن تزول من قلوب الأمة مهابة الإفتاء وجلال الشرع وحرمة العلماء، حتى إذا شاهد المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها استمرار هذه الفوضى ربما يزول من صدورهم ما كانوا يحملونه بين جوانحهم نحو علماء مصر من الإجلال والإكبار والثقة والاعتماد ويعز علينا أن نسمع هنا وهناك من أناس في حق أهل العلم: هؤلاء لا نسمع لهم ركزا إلا عند قبض المرتب، أو مسايرة كل من هب ودب لا في توحيد كلمة المسلمين والحيلولة دون تفرقهم شيعا وطوائف يتناحرون ويتنابذون بدل أن يكونوا إخوانا متعاضدين متناصرين متحابين.
والله يعلم ماذا فقدت مصر من سمعتها العلمية في الخارج منذ مات شيخ
الجزء 1 · صفحة 7
فقهاء عصره الشيخ محمد بخيت - رحمه الله - وكان مرجع القضاة والعلماء فى أقطار الأرض فى حل مشكلاتهم، فأى قاض أو فقيه إذا راجعه في مشكلة كان يجد الجواب بما يحل مشكلته على مذهبه حاضرا واصلا إليه فيمضى القاضي القضاء، ويعمل المستفتى بالفتيا، لأنه رحمه الله - كان إذا نقض أوجع، وإذا أبرم، أقنع لسعة دائرة بحثه فى فقه المذاهب، وطول ممارسته للمدارسة والقضاء والإفتاء، ومقدار ذلك العالم العالمي كان عندهم عظيما.
وإنى أعرف من أفاضل القضاة من كان يراجعه فيما يستشكله من المسائل مع كونه ممن له غوص فى الفقه ليتأكد مما فهمه من كتب الفقه، فيجد الجواب عن مسألته يصل إليه فى مدة يسيرة وبعد وفاته رحمه الله، راجع ذلك القاضي، مصر على ما تعود في عهد الشيخ بخيت رحمه الله، فانتظر شهراً وشهرين وثلاثة أشهر إلى ستة أشهر بدون أن يصل إليه جواب عن مسألته، وكان يرجئ القضية إلى ورود الجواب إليه فى قطر سوى قطر مصر، أهكذا يحافظ على زعامة العالم الإسلامي؟!!.
بل رأينا إفتاء صادرا من مصدر حقه أن يكون ملما بوجوه الاختلاف في المسألة وبأدلة الجمهور فيها وبوجه سقوط تشغيب من شذ فيها، ينسب في ذلك الإفتاء؛ القول بخلاف ما عليه الجمهور إلى كثير من الصحابة والتابعين وفقهاء السلف اغترارًا بالفتاوى المذكورة، وتساهلا في النقل، أن ذلك القول لا يثبت عن صحابي واحد ولا تابعى واحد ولا فقيه واحد من فقهاء السلف، فضلا عن أن يثبت عن جمع منهم، بل المسألة إجماعية سلفا وخلفا، وجميع ما في الأمر أن ابن حزم حول فى القرن الخامس قضاء على کرم الله وجهه بسبب الإكراه والاضطهاد إلى صورة الحنث بدون إكراه بقلة ورع، كما عمل مثل ذلك فيما يرويه عن
الجزء 1 · صفحة 8
طاووس خيانة في النقل، وكما حرف الكلم عن مواضعه في قضاء شريح، مع أن نص الرواية فلم يره حدثا يدل على أنه كان يحكم بالوقوع لوعد ما فعله المعلق حدثا.
ففتيا ابن عمر، وقضاء على وهو يقول اضطهدتموه وقول ابن مسعود وعمل أبي ذر وعمل الزبير – رضي الله عنهم - من غير أن يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، والإجماع المنقول عن فقهاء التابعين وتابعيهم بالنظر إلى فتاويهم المدونة في مصنف عبد الرزاق، ومصنف وكيع، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور وسنن البيهقى وتمهيد ابن عبد البر واستذكاره وغيرها، كل ذلك يقضى على تقولات الشذاذ من الظاهرية وأذنابهم في المسألة، ولا ينبغي لعالم أن يتكلم فى مثل هذه المسألة بدون اطلاع على أمثال تلك الكتب، ومصنف ابن أبى شيبة في ثمانية مجلدات بمكتبة مراد ملا، بالآستانة وبها أيضا مصنف عبد الرزاق. وأما التمهيد فثمانية مجلدات منه في مكتبة كوبريلى بالآستانة أيضا، وبها تتم نسخة دار الكتب المصرية.
وقد فضح أبو الحسن التقى السبكي في الدرة المضية خيانة صاحب الفتاوى المذكورة فى نقوله من تلك الكتب، وفى مطالعة الدرة المضية فوائد ومتعة.
ومصدر أقواله الصحابة والتابعين إنما هو أمثال تلك الكتب، فمن عزا شيئًا إلى الصحابة والتابعين بدون أن يطلع على تلك الكتب يضع نفسه في موقف الخجل عند أهل العلم والسقوط من نظرهم، وما يجر ذلك من الويلات ظاهر مكشوف. فإذا تحداه أحد من أهل العلم وقال إنما السؤال عن الحكم الشرعي في
الجزء 1 · صفحة 9
المسألة على ما يراه الأئمة المجتهدون المعترف بإمامتهم عند الأمة لا القانون رقم كذا ولا النظام تاريخ كذا وإن كان من الضرورى ذكر الصحابة والتابعين في المسألة فأثبت عن صحابي واحد أو تابعى واحد رواية صحيحة صريحة توافق الرأى الشاذ من أحد كتب السنة، وقد أعفاك الله عن إثبات الأصحاب أو التابعين أو الفقهاء من بعدهم حتى تعذر الرواية عن جمع من بعض عذر عند الناس - لا عند الله - فى تأييد ما يخالف الإجماع المنقول في کتاب ابن المنذر، وغيره فياترى ماذا يكون جوابه سوى أن يعترف بالحق ويرجع عن فتياه أو يغالط فيزداد سقوطا أو ماذا كان يصنع؟!.
وأما المستفتى فلا يخلو من أن يكون من أتباع أحد الأئمة المتبوعين عند أهل السنة، أو من فريق اللامذهبية.
فإن كان من أتباع الأئمة المتبوعين؛ فإن كان مالكيا أو شافعيا مثلا فإنما يفتى بالقول الصحيح المفتى به فى مذهبه قولا واحدا، بدون ذكر اختلاف، لأن من المعلوم أن بيان الخلاف في جواب المستفتى لا يفيده سوى الحيرة، مع أن الإفتاء لأجل التخليص من الحيرة لا لأجل الإيقاع في زيادة الحيرة، كما نص على ذلك علماء المذاهب فى كتب رسم المفتى وأدب القضاء، فلا يجوز للمفتى أن يقول له فيه قولان عن الشافعي وفيه قول قديم وقول حديث، أو فيه ست روايات عن مالك بطريق ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون والليثي وعبد الملك بن حبيب والعتبى مثلا، أو فيه خمسة أقوال في مذهب أبي حنيفة: ظاهر الرواية وغير ظاهر الرواية، وقول أبي يوسف، وقول محمد، وقول، زفر، أو فيه عشر روايات عن أحمد في الرعاية الكبرى، فإن أصحاب هؤلاء الأئمة قد محصوا الصحيح في مذاهبهم مدى القرون، وعينوا قولا واحد للإفتاء فى كل مذهب فليس للمفتى المقلد إلا أن
الجزء 1 · صفحة 10
يراجع الكتب المعتمدة عندهم فيفتى بالقول الصحيح في المسألة.
وأما القول بأن في على الطلاق إن فعلت كذا مع العرف الجارى في عده صريحاً قولين فى مذهب الحنفية مثلا اغتراراً بمثل قول أبي السعود العمادي ومن تابعه من المتأخرين الذين لا تلحق أقوالهم بالمذهب باعتبار طبقتهم، فليس من. شأن الفقيه الباحث، وإن غلط الشيخ بخيت رحمه الله في تأييد هذا القول الذى ليس من المذهب في شيء حتى ألف رسالة فيه، لكن قوله هذا كقوله في التصوير الشمسى مغمور فى زاخر صوابه سامحه الله. وأى عربى لا يفهم من لفظ على الطلاق المعروف في إيقاعه طلاق امرأة المتكلم، ولا يعتبر اللام تغنى غناء الإضافة النحوية؟.
وهذا على بعده عن الذوق العربي بعيد عن النقل بعيد عن المذهب. وأين هذا في كتب ظاهر الرواية أو النوادر، أو النوازل التي أفتى فيها مشايخ المذهب؟ وما عرف إيقاع الطلاق به هو في حكم الصريح.
ولسنا في حاجة الآن إلى بيان أنواع الضعف الموجودة في معروضات أبي السعود أو فتاويه المستضعفة مدى القرون عند فقهاء دار الإفتاء التي كان هو تولى رياستها في حين من الدهر على أن عذر أبي السعود هو عدم جريان العرف على إيقاع الطلاق بذلك اللفظ في تلك البلاد، بخلاف البلاد العربية.
وأما إن كان المستفتى من طائفة اللامذهبية فلهم طوائف شتى في البلد: منهم من ينشر الإباحة باسم التصوف ومنهم من يذيع التجسيم باسم السلف، ومنهم من يحاول بعث المذهب الإسماعيلى من مقبره باسم الحديث، ومنهم من يتوقح إلى حد أن يحاول مزاحمة النبي -- في وحيه باسم السنة .. وكل هؤلاء
الجزء 1 · صفحة 11
اتفقوا على ألا يتفقوا في شيء إلا في الخروج على الأئمة ونبذ التمذهب فلا أظن أن مذاهبهم في المذاهب المعترف بها حتى يعتبر لهم مصدر إفتاء خاص، بل إذا لم يستأصل أهل الشأن شأفتهم قبل أن يكون قطرهم سيلا، وتركوهم وشأنهم إلى أن يستفحل أمرهم، ويستشرى شرهم فلا شك أن القطر الآمن - لا قدر الله - يكون عرضة لما لا تحمد عقباه، إلا إذا قامت كبار العلماء بواجبهم من الآن ومنعوا المتطفلين على الإفتاء من الإفتاء، وأرجعوا بحكمتهم دعاة تلك النحل الحديثة الممجوجة إلى صوابهم وقطعوا قول القائلين: أما لهذه الفوضى فى الإفتاء ولهذا التغاضي عن إحداث نحل جديدة فى الإسلام من آخر؟.
«ملحوظة»: ليس كلامي فيمن يخدم الأمة عن كفاءة وجدارة من العلماء المخلصين.