حجاب المرأة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
حجاب المرأة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
خوطب نساء النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الله بقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأُولَى} وأمرن بالاحتجاب عن الرجال مع أنهن أمهات المؤمنين بنص الكتاب الكريم فغير من يكن أولى منهن بالاحتجاب، لكونهن أجنبيات بالنظر إلى غير محارمهن من الرجال، وقد قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهِنَّ من جلابيبهن}، فساوى بين نساء النبي ونساء المؤمنين في وجوب الحجاب البالغ.
وقد فسره عبيدة السلمانى وارث علوم على بن أبي طالب وابن مسعود، والذي كان يخضع لعلمه وفهمه مثل القاضي شريح الذي استمر على قضاء الكوفة ستين سنة، من عهد عمر – رضي الله عنه - قد فسر إدناء بعض جلابيبهن فيما أخرجه ابن جرير فى تفسيره حيث قال حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله تعالى: يدنين جلابيبهن فلبسها عندنا ابن عون قال: ولبسها عندنا محمد، عليهن من قال: محمد ولبسها عندى عبيدة قال ابن عون فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. ورجال هذا السند جبال في الثقة والضبط، فابن جرير هو الحافظ الطائر الصيت المفسر المشهور،
وشيخه يعقوب بن إبراهيم وشيخه ابن علية إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم وشيخه ابن عون عبد الله البصري و شيخه محمد بن سيرين؛ كلهم حفاظ ثقات اتفق الأئمة السنة على إخراج أحاديثهم، وعبيدة هو السلماني الذى شرحنا حاله وأخرج له الجماعة أيضا.
وقد فسر ابن مسعود قوله تعالى: إلا ما ظهر منها له بالثياب، فيكون تفسيره بالكحل والخاتم - أى موضعهما من الوجه والكف - غير مرضى عنده وهو كتيف ملئ علما، فيكون هذا التفسير من ابن مسعود موافقا لذاك و لتفسيره الزينة بالثياب فى قوله تعالى: {خُذوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلَّ مسجد}، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس – رضي الله عنه - أيضا تفسير الإدناء في الآية السابقة بإبداء عين واحدة كما فسره عبيدة.
وصح عن عائشة - فيها مثل ذلك مذهبا لها.
فوضع حجاب غير صفيق على الوجه بحيث لا يمنع المرأة من رؤية الطريق التي تمشى هى فيها يعد مثل ذلك في المعنى، لأن المقصود الأصلى من الحجاب أن لا تظهر محاسن المرأة للرجال والحجاب المذكور مانع من الظهور ما دام الرجال يراعون غض البصر الذي أمروا به كالنساء.
ذلك وبقول عبيدة السابق أخذ جمهور السلف وعليه عول الإمام أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن وهو عظيم المنزلة بين فقهاء الحنفية. وأما إباحة كشف الوجه والكفين للمرأة فى الصلاة وفى إحرام الحج فلا تدل على جواز ذلك عند خروجها من بيتها فى حاجة؛ لأن حالة إحرام حال تلبسها بعبادة الله سبحانه كما أن سائر الحجاج كذلك فيكونون على غاية من غض البصر وحفظ
النظر، وصلاة المرأة تكون في بيتها أو مخدعها، فلا يتصور أن تكون فى حالة الصلاة مظنة اطلاع الرجال على محاسنها، فلا تقاس بهما حالة خروج المرأة من بيتها - في حاجة -! بيئة فاسدة، وغاية ما في الأمر استثناء حالة الإحرام وحالة الصلاة من حكم الآية.
والآية صريحة في وجوب إدناء طرف الجلباب إلى العين من تحت فوق كما تناقل هؤلاء الأئمة الثقات ذلك بعضهم عن بعض على ما أسلفناه.
وأما حديث عائشة في سنن أبي داود من استثناء الوجه والكفين فلو صح عن الأخذ به عند جمهور لكان ترك عائشة العمل به علة قادحة تصرف. السلف فكيف وفيه رواية خالد بن دريك عن عائشة، ولم يدركها باتفاق
وسعيد بن بشر في السند ضعيف وفيه أيضا عنعنة بعض المدلسين.
وأما ما يروى عن أئمة الأمصار من جواز كشف المرأة وجهها وكفيها فمقيد بعدم الخوف من الفتنة وأين ذلك المجتمع المهذب الذي يأمن الإنسان فيه الفتنة عند خروج المرأة سافرة؟.
قال شمس الأئمة السرخسى فى المبسوط 10: 152 الحرمة النظر لخوف الفتنة وخوف الفتنة فى النظر إلى وجهها وعامة محاسنها في وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء. ثم ذكر ما يروى عن أبي حنيفة وأصحابه من إباحة النظر إلى الوجه والكفين ثم قال: وهذا كله إن لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء من ذلك، وكذلك إن كان أكبر رأيه أنه إن نظر اشتهى لأن أكبر الرأى فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين. وعدم خوف الفتنة إنما يعلم فى ناظر خاص، وأما بالنظر إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة سافرة أمامهم
فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعا، فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل.
وبهذا يظهر مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المسألة.
وقال القرطبي في تفسيره ??: ??? قال ابن خويز منداد – وهو من كبار أئمة المالكية -: إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. وهذا إيضاح منه لمذهب مالك في المسألة.
وأما عند الشافعي ففى كفاية الأخيار ?: ??: فيحرم النظر إلى وجهها وكفيها إن خاف فتنة فإن لم يخف ففيه خلاف، والصحيح التحريم. قاله الإصطخرى وأبو على الطبرى واختاره أبو محمد الجويني وبه قطع أبو إسحاق الشيرازى، والروياني ووجهه الإمام إمام الحرمين باتفاق المسلمين من الخروج حاسرات سافرات وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة فالأليق بمحاسن الشرع سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال، وقول الشافعى فى الأم ?: ?? وعلى المرأة أن تغطى في على منع النساء الصلاة كل ماعدا كفيها ووجهها مقيد بالصلاة كما ترى.
وأما مذهب أحمد في المسألة فكمذهب الشافعى على حد سواء، رضى عن الجميع ومن أباح النظر إلى الوجه إنما أباحه عند قيام ضرورة للكشف عن الوجه كالخطبة والشهادة والمعاملة معها عند عدم وجود من ينوب عنها، لا عند خروجها بدون أى ضرورة لمجرد التبرج والتفرنج.
وقول ابن جرير وابن حزم بإباحة النظر إلى الوجه إنما هو عند عدم خوف
الفتنة من ناظر معين وأما خروجهن سافرات أمام فئام من الناس فيهم كل صنف الفسقة فمما لا يرضاه عالم يخاف مقام ربه.
ومن تمشدق بقضاء المرأة فى بعض القضايا لم يدرك أن نفاذ حكمها فيها عند بعض الفقهاء مقرون بوقوعها فى الإثم كنفاذ الحكم في بعض مسائل الحيل مع كون المحتال، آثما، فلو وليت امرأة القضاء ظلما وعدوانا نفذ قضاؤها في بعض القضايا عند بعض الفقهاء، مع وقوعها فى الإثم بتوليها القضاء، كنفاذ الحكم فى بعض مسائل الحيل مع الإثم ومن توهم انتفاء الإثم عند الفقه. نفاذ الحكم فقد بعد عن وقد وردت عدة أحاديث في استنزال اللعنات على الماثلات المميلات الكاسيات العاريات اللائى على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت، فأمرهن لا يحوج إلى شرح وبيان
ولتلك النصوص الصريحة فى وجوب احتجاب النساء، تجد نساء المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها فى غاية المراعاة للحجاب منذ قديم في البلاد الحجازية واليمنية وبلاد فلسطين والشام وحلب والعراقين وبلاد المغرب الأقصى إلى المغرب الأدنى وصعيد مصر والسودان وبلاد جبرت والزيلع وزنجبار، وبلاد فارس والأفغان والسند والهند بل كانت بلاد الوجه البحرى بمصر وبلاد الرومللى والأناضول وبلاد الألبان قبل مدة في عداد البلدان التي تراعى فيها نساؤها الاحتجاب البالغ، بل كانت بلاد الألبان تثور عندما تريد الحكومة تسجيل أسماء النساء، سبحان من يغير ولا من أبناء البلاد
وليس بقليل بمصر من أدرك ما كانت عليه نساء مصر كلهن من ناحية الحجاب قبل عهد قاسم أمين - داعية السفور في عهد الاحتلال. فقدها والغيرة
على الحريم رمز الإسلام الصحيح، ومن الإسلامية إنما فقدها بعد اندماجه في أمم لا يغارون على نسائهم ولا يرون أى بأس في مخاصرة زوجاتهم لرجال آخرين في مرأى منهم ومشهد. وكان العلامة أحمد وفيق باشا العثمانى سريع الخاطر حاضر الجواب، سبق أن تقلد كثيرا من الوظائف الدبلوماسية فى عواصم أوربة قبل أن يتولى الصدارة العظمى فى أوائل سلطنة السلطان عبد الحميد الثاني، وقد سأله بعض عشرائه من رجال السياسة فى أوربة فى مجلس بإحدى تلك العواصم قائلا: «لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟» مستنكراً لتلك العادة المتوارثة في الشرق، فأجاب في الحال قائلا: «لأنهن لا يرغبن في أن يلدن من غير أزواجهن وكما هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر. أيقظنا الله سبحانه من رقدتنا وأشعرنا الاعتزاز بالعزة الإسلامية والشرف الإسلامي، وأبعدنا عن الاندماج فى أمة غير أمتنا، وهدانا سبيل السداد.