حج بيت الله الحرام
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
حج بيت الله الحرام
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الله جل شأنه دبر عباده برحمته الشاملة، و دربهم على الأركان التي بنى عليها الإسلام من أيسر فأيسر ليسهل على نفوسهم الانقياد لأوامر الله سبحانه، فيفوزوا بالنعيم المقيم، وينجوا من العذاب الأليم.
فأول تلك الأركان نطق المكلف بكلمتى الشهادة مواطئا قلبه لسانه، قاطعا العهد على نفسه بأنه يضحى كل مرتخص وغال في سبيل الإيمان بالله والإيمان بخاتم رسل الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه المرسلين ومن ذاق حلاوة هذا الإيمان بما قام لديه من الأدلة الدالة على توحيد الله، وعلى صدق رسالة رسول الله يلذه الانقياد لكل أمر من أوامر الله المنبعثة من رحمته الشاملة، وأوامر رسوله المبعوث رحمة للعالمين، وهذا النطق أول ما يفترض على المكلف على أن يكون واعيا لمضمونه الشريف مستيقنا به مدى حياته، يستوى فيه الصغير والكبير والغنى والفقير والقوى والضعيف والصحيح والمريض فى جميع الأوقات إلا من كان في لسانه خرس، ومن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وإجراء تلك الكلمة على اللسان مع مواطأة القلب أمر سهل يسير، لكنه ينبوع كل خير كبير، فكان هذا أول ما طالب الله به عباده.
ثم طالب بإقامة الصلوات التي تغرس مخافة الله في النفوس وهي ثاني الأركان، لكنها لا تستوعب الأوقات، بل لها أوقات معينة في كل يوم وليلة، وهى أصعب من الركن الأول لكن ليس فيها بذل المال، ولا تجويع النفس، ولا تحمل
مشقة السفر في سبيلها فهي أخف مما بعدها.
وثالث الأركان صيام، رمضان وهو أشق من الصلاة لكنه في وقت خاص في السنة، لا يطالب به المريض ومن كان على سفر، بل عليهما عدة من أيام أخر ويطالب به الغنى والفقير على حد سواء.
ورابع الأركان أداء الزكاة، وإنما يكلف به الغنى دون الفقير، ووجوبه عند اكتمال الحول وهو أضيق فى الوجوب، وأشق على بعض النفوس، لكن بعد أن تمرن المكلف على الصيام وشعر بأحوال الجائعين عن عدم بمكابدته
الجوع بنفسه لا عن عدم يسهل على نفسه بذل المال. وهو الحكيم الخبير. وخامس الخمسة الحج، وهو أشقها وأضيقها من جهة الوجوب، لأنه لا يجب في العمر إلا مرة، ووجوبه على المستطيع فقط، ففيه زيادة شرط فوق الغنى، فمن يجب عليه الحج أقل ممن تجب عليه الزكاة، وهو أقل ممن يجب عليه الصوم .. وهكذا، فتعين الترتيب المذكور. قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى الناس حج البين من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِي عَنِ ا العالمين}، وقد فسر رس الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة. وقوله تعالى: {ومن كفر فَإِنَّ اللَّهَ غَني عن العالمين}، أكبر تفظيع للإعراض عن الحج بعد المقدرة عليه والأمر بالحج مطلق؛ ففى أى عام حج المكلف فحجه يقع أداء، لكن التأخير بعد تحقق الاستطاعة هو الأقوى فى النظر، والأبعد عن الخطر، لأنه عبادة خاصة في بقعة خاصة في زمن خاص .. فربما تزول الاستطاعة فيبقى الحج فى ذمته أو لا يتمكن من تلافى فواته قبل موته عند ظهور مرض قد يؤدى إلى الموت؛ بخلاف الزكاة، لأن مصارفها موجودة في كل زمان وفي كل مكان. ويا سعد من تمكن من الحج
بماله الحلال إلى بيت الله الحرام حيث يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه - في غير حقوق العباد. بل الله سبحانه قادر على أن يرضى أصحاب الحقوق عنه إذا شاء بل للحاج ولادة ثانية بتمكنه من القيام بشعائر الحج وبشهوده تلك المشاهد المقدسة فكأنه خلق من جديد بما نال من نفحات أسرار الحج بوقوفه فى تلك المواقف العظيمة الأنوار، فى نفوس الأخيار، لاسيما عند استذكار ما سبق فيها لحضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ولصحابته القادة السادة رضوان الله عليهم أجمعين من الأعمال الفاخرة والمساعي المبرورة فى سبيل غرس التوحيد في النفوس، وإعلاء كلمة الله ونشرها فى جميع الآفاق، فيكون كأنه شاركهم في مواقفهم تلك، وشاطرهم فى أعمالهم وهذا يعمل في النفس من أثر حميد مالا يسهل التعبير عنه.
فلو كانت البعثة الأزهرية أو البعثة الجامعية اعتنوا عناية خاصة باستذكار أنباء تلك المواقف من كتب أئمة هذا الشأن وتبرعوا بالإنباء عنها لوفود البلاد إلى حرم الله وحرم رسول الله لحازوا بذلك مثوبة عظيمة عند الله وحسن ثناء عند الناس.
صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ أضعافا معروفة لما في اجتماع المسلمين من بركات شاملة تعم شؤونهم التى يحتاج إصلاحها إلى تشاور، ولذا أتى وأمرهم شورى بينهم له بعد إقامة الصلاة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ استجابوا لربهم وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} في سورة الشورى والاجتماع في الجمعات فوق اجتماعهم للصلوات الخمس، وفوق ذلك الاجتماع في صلاة العيد، وفوق ذلك كله اجتماع الشعوب الإسلامية في صعيد واحد في الحج، وبه يتعارفون ويعرفون مواضع النقص في شؤونهم، ويتآزرون فى إصلاح شؤونهم
العامة مؤتسيا بعضهم ببعض في الصلاح والكمال وسد الثغرات، ومن لم يستثمر هذا الاجتماع العظيم لصالح المسلمين أجمعين فهو في سبات عميق من أمر دينه. والله سبحانه هو الهادى لكل خير.
ومن المناظر المؤلمة فى وديان الحرمين تلك القبائل الفقيرة الذين أضناهم العدم ومئات الملايين من المسلمين فى أقطار العالم مسئولون عن ذلك، ولو صدقت العزيمة لكان في إمكانهم أن يجعلوا هذه الأراضي المقدسة موضع رخاء وهناء بحيث لا يبقى بين جنباتها فقراء مثل هؤلاء التعساء، وقد بدأت بشائر ذلك تبدو للأنظار، باهتمام حكومة مصر الرشيدة بذلك، ببعث مهندسين بارعين يعدون مشروعا إصلاحيا وعمرانيا فى هذا السبيل، فندعو الله سبحانه أن يكلل ذلك بالنجاح بالتآزر بين الحكومتين الرشيدتين المصرية والحجازية، وبعد أن أصبح باكستان الهندى دولة مستقلة والجمهورية الأندونيسية فى طريق الاستقلال التام آمالا كبيرة على مستقبل الإسلام وعلى عمران الحجاز خاصة وترفيه سكنته مع السهر على أحوالهم الدينية والخلقية والصحية وما ذلك على الله بعزيز.
والحاصل أنه يجب أن لا ننسى أن بقاء تلك القبائل في حالة البؤس الله البالغ في جوار حرم وحرم رس رسول الله عار مسجل على جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فيجب أن نغسل هذا العار بالقيام بالواجب كما يجب، وهناك مشاريع لأهل الفضل ينقذهم تطبيقها العملى مما هم فيه بدون استنفاد خزائن فى ذلك السبيل. وهذا ليس بموضع لشرحها.
والحاصل أن الوقوف فى مواقف الحرمين الشريفين، والشهود في مشاهدهما، وأداء مناسك الحج، والقيام بزيارة الروضة النبوية؛ تثير معانى عالية
في النفوس فوق ما يتصوره كل، متصور فيجب الاهتمام بشرح أنباء تلك المشاهد للحجاج لتحصل الفائدة المنشودة.
وأود أن أذكر هنا حكاية لها صلة بتلك المشاهد وهي أن بلدة شمني في بلغاريا كانت مركزا هاما إسلاميا في عهد الحكم الإسلامي، وكان مفتيها الكبير المعمر عالما جليلا له خدمات علمية ودينية عظيمة للغاية كما هو معروف لأهل تلك البلاد، وقد استشاره يوما وجيه مسلم في تزويج بنته لكتابي أسلم حديثا بعد أن أثنى عليه خيرا، فأمره المفتى بالتروى وعدم التسرع في الأمر مهما أظهر ذلك الشخص الصلاح، لأن الإيمان في النفس صعب المدرك، وقد يكون مخبر الشخص غير مظهره فى باب الاهتداء، وربما يكون تظاهره بالإسلام لأغراض خاصة فتضايق الوجيه من إصرار المفتى على هذا الرأى حتى اضطر المفتى أن يكاشفه قائلا له: إنى كنت طفلا بلغاريا فتبناني مسلم ورباني وأحسن تربيتى وبعثنى إلى الآستانة، وحصلت العلم على كبار أساتذتها فتخرجت في العلوم وعينت مفتيا للبلد واستمررت في الإفتاء إلى اليوم وكلي في سبيل خدمة الدين، ومع هذا كله كانت تعتريني هواجس وتوسوس في صدري ربما كان دينى السابق هو الحق وأنا غلطت في اختيار هذا الدين تبعا لولى نعمتى وأستعيذ فى الحال من هذه الهاجسة الشنيعة، ثم تعاودني هذه الهاجسة مرة أخرى فأردها بشدة واستعاذة وهكذا، لكن لم تنقطع عنى تلك الهاجسة إلى أن حججت وأديت المناسك، وشهدت المشاهد ووقفت المواقف وزرت حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فزالت عنى معاودة تلك الهواجس نهائيا بحمد الله تعالى، أفتحسب أن من آمن بالأمس يقدر أن يجاهد جهادى ويستعيذ استعاذتى إلى أن من الله على بصفاء لا يشوبه كدر، وفى هذه عبر لكل من اعتبر.
وذلك المفتي كان آية في العلم والورع والتقى ولا حاجة إلى بسط ترجمته هنا، ونجله أيضا عالم كبير معمر كان تولى الإفتاء هناك فيما بعد، وكان في الحياة إلى مدة قريبة والله سبحانه يتولى الصالحين.