الجزء 1 · صفحة 5
ترجمة كاتب جلبى مؤلف كشف الظنون
على أسامي الكتب والفنون
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
من أهم العلوم علم أحوال المؤلفات فإنه أول مرحلة من مراحل البحث لمن لم يتعود الاقتناع فى العلم بما حضر وأراد التعمق في العلم الذي يعانيه بكل ما أمكن، ومن لا يعلم ما ألف من الكتب فى موضوع بحثه يطول عليه أمد فحصه بدون أن يحصل منه على طائل.
ومن أشهر ما ألف فى علم أحوال الكتب كتاب «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للعلامة مصطفى بن عبد الله الاصطنبولي المعروف بكاتب جلبي من رجال الدولة العثمانية فى القرن الحادي عشر، وإن لم يترجم له فى خلاصة الأثر، وقد رأيت سرد ترجمته لرغبة كثير من الباحثين في معرفة أحوال هذا المؤلف الفذ، حيث كان كشف الظنون أول كتاب يتناولونه للبحث عما يريدونه من الكتب، وقد آتاه الله شهرة بالغة بين أهل العلم في الشرق والغرب. وإلى القارئ الكريم خلاصة ترجمته: إن مؤلف الكتاب المذكور هو العلامة الشيخ مصطفى بن عبد الاصطنبولي، وهو معروف بين العلماء بلقب كاتب جلبي وبين زملائه الكتاب بلقب «حاجي خليفة لقبوه بذلك بعد أن حج وترقى بين الكتاب - في القسم الذى كان موظفا فيه إلى رتبة النيابة عن رئيس القسم على لله الحنفى مصطلح العثمانيين، وذلك أن صغار الكتاب يسمون في مصطلحهم الملازمين وفوقهم الخلفاء، وفوقهم الرئيس الأعلى للكتاب ومؤلف الكشف معروف بين
الجزء 1 · صفحة 7
المستشرقين باسم حاجى قالفه على طبق ما يلهج به العوام في عاصمة الخلافة.
وقد ولد صاحب الترجمة باصطنبول سنة ألف وسبع عشرة من التاريخ الهجرى على ما يرويه هو نفسه عن والدته فى كتابه «سلم الوصول إلى طبقات الفحول المحفوظ في خزانة على باشا الشهيد بالآستانة، وهو بخطه. وتعلم مبادئ العلوم من علماء العاصمة على طريقة الناشئين في ذلك العهد، وبرع في مدة يسيرة فى الكتابة والحساب والسياقة وهى كتابة رمزية تستعمل في الأمور المالية فقط، وكان كثير من الكتاب يستشكلونها في ذلك العهد وقل جدا من يعرفها اليوم بالتحاقه بقلم محاسبات الجيش الأناضولى سنة 1032 حتى أصبح من ملازمى القلم المذكور، ينتقل في البلاد على طبق ما ينتدب له من الأعمال الكتابية والحسابية للجيش المتنقل؛ لأن والده من الصنف كان العسكرى، فاتخذ نجله هذا المسلك العسكرى مسلكا له يعيش به.
وبعد أن عاد من محاصرة أرزن الروم أرض روم إلى الآستانة سنة ???? قصد جامع السلطان محمد خان الفاتح باصطنبول يوما فرأى الشيخ محمد بن مصطفى الباليكسرى المعروف بقاضي زاده يلقى الدرس فيه، وكان عالما طلق اللسان عظيم التأثير فى نفوس سامعيه، فاجتذبه سحر بيانه إلى طلب العلم، فقرأ عليه علم التفسير وشرح الشريف الجرجاني على المواقف، وإحياء علوم الدين للغزالي، والدرر شرح الغرر لملا خسرو في الفقه، والطريقة المحمدية للتقى محمد البركوى، وكان قاضي زاده هذا تلميذ فضل الله ابن مؤلف الطريقة المحمدية السابق ذكرها، وهو أخذ العلم عن والده المذكور.
وبعد خمس سنوات انتقل صاحب الترجمة إلى حلب بحكم وظيفته في
الجزء 1 · صفحة 8
الجيش، وأقام الجيش هناك طول الشتاء، فألهم فى أثناء ذلك تحرير أسماء الكتب التي يجدها عند الوارقين الكتبيين وفى خزانات الكتب حتى اشتغل بذلك مدة إقامته بحلب وحج من حلب فى موسم سنة 1043، وبعد أن حج وزار عاد ولحق سنة 1044 بالجيش في ديار بكر. ورافق الجيش في عدة حروب ولا سيما حرب روان ثم عاد إلى الآستانة سنة 1045 عام وفاة شيخه قاضي زاده المذكور فشرع صاحب الترجمة في إتمام المهمة التي كان ابتدأها في جلب وهى مهمة تدوين أسماء المؤلفات وأقبل إقبالا تاما على المطالعة والتنقيب عن الكتب، ولا سيما كتب التاريخ والطبقات والوفيات، في خزانات الكتب بالآستانة وأولع باقتناء المؤلفات واشترائها، وساعده على ذلك أموال ورثها من بعض قرابته سنة 1047 حتى صرف لشراء الكتب نحو ثلاثمائة ألف عثماني، ولم يشارك الجيش فى الحروب بعد حرب «روان مفضلا الإقامة بالآستانة على الرحيل مع الجيش.
واختار من بين العلماء العلامة مصطفى الأعرج القاضي ليكون استاذا له فلازمه عدة سنين بعد وفاة شيخه السابق ذكره وكان أستاذه هذا أبرع مشايخه في المعقول والمنقول، وكان له نظر عال فى صاحب الترجمة وقد تلقى عن أستاذه هذا تفسير البيضاوى، وشرح مختصر المنتهى للقاضي عضد الدين في الأصول، وشرح أشكال التأسيس، وشرح الجغميني، وعروض الأندلسي، والتوضيح في الأصول، وشرح الطوالع، وشرح هداية الحكمة وآداب البحث وشرح الفنارى على الأثيرية وشرح التهذيب، وشرح الشمسية، وغير ذلك، وكانت وفاة شيخه هذا في ربيع الآخر سنة 1063 عن ثمانين سنة.
ومن جملة شيوخه أيضا الشيخ عبد الله الكردى المدرس بأيا صوفيا المتوفى سنة 1064 وكان ضليعا فى المعقول والمنقول أيضا، وكانت ملازمته لدرسة سنة
الجزء 1 · صفحة 9
1049، وتلقى سنة 1050 العلوم العربية من الشيخ محمد الألباني المتوفى سنة 1054، وكان صاحب تحقيق وتدقيق في العربية لا يتداخل فيما لا يحسنه من العلوم العقلية ومن جملة شيوخه أيضا الشيخ ولى الدين تلميذ الشيخ أحمد بن حيدر السهراني صاحب محمد أمين بن صدر الدين الشروانى العالم المشهور - تلقى منه المنطق والمعاني والبيان بمناسبة وروده الآستانة سنة 1050، ومن شيوخه أيضا الشيخ ولى الدين المنتشاوى الواعظ المتوفى سنة 1065، لازمه سنتين من سنة 1052، في النخبة وألفية
المصطلح والحديث فأجازه بمروياته عن شيخه المحدث إبراهيم اللقاني المصرى المشهور، وأصبح له سند متصل بكتب الحديث ومرويات المحدثين المشاهر. ثم اشتغل صاحب الترجمة بتدريس العلوم وإلقاء الدروس على الطلاب نحو عشر سنين على طريقة مشايخ ذلك العهد.
ثم توفي فجاءة في 15 من ذى الحجة سنة 1067 عن خمسين سنة، كما في معيار الدول ومسيار «الملل ودفن فى ساحة الكتاب المنسوب إليه على شمال النازل من جهة «وفا» إلى غور زيرك» بالآستانة رحمة الله تعالى ورضوانه عليه.
وقد ذكرت هنا شيوخه وما تلقاه عنهم من الكتب ليعلم ما اشتغل فيه من العلوم حتى صار أهلا للتكلم عنها في كشف الظنون»، ومؤلفاته الكثيرة تدل على مبلغ براعته في العلوم والفنون.
ومن مؤلفاته القيمة كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون وهو من أوسع ما بأيدى الباحثين اليوم من الكتب المؤلفة فى استقصاء ذكر المؤلفات في الإسلام وأنفعها في بيان أحوال الكتب، وإن كان لا يخلو من أغلاط في الوفيات
الجزء 1 · صفحة 10
وأسماء المؤلفين كما هو شأن من قام بنفسه بمثل هذه المهمة العظيمة المشكورة، وقد غمطه حقه المستشرق هر بلو الفرنسي، وعده جامع الغث والسمين، مع أن هذا المستشرق إنما يرتكن فى كتابه مكتبة الشرق» على كشف الظنون بل استمد جل ما فى كتابه من هذا الكتاب، ويوجد بين المستشرقين من ينصف ويناصر صاحب الكشف ضد ذاك المستشرق.
وكشف الظنون في مجلدين ضخمين يتكلم على نحو ثلاثمائة علم وفن مرتب على الحروف فى أسماء الكتب وهو يحتوى على نحو 14501 من أسماء الكتب والرسائل، وعلى نحو 9512 من أسماء المؤلفين، والشيخ إبراهيم الواعظ فى جامع آرابه «جيلر بالآستانة المتوفى سنة ???? بقرب أثناء عودته من الحج له ذيل على كشف الظنون ممتع طبع ممزوجا مع الأصل بمصر فى سنة 1274، وأعيد طبعه بالآستانة سنة 1310 على طبق الطبعة المصرية، وصاحب الذيل المذكور تلميذ المحدث عبد الله بن محمد الأماسي يوسف أفندى زاده مؤلف نجاح القارى فى شرح صحيح البخارى في ثلاثين مجلداً.
وسبق أن طبع الكشف فى لايبزيغ سنة 1835-1858 ميلادية بمعرفة المستشرق الألمانى فلو كل طابع فهرست ابن النديم مع «آثارنو ذيل الشيخ أحمد طاهر حنيف زاده المتوفى سنة -???? - وكان قد جمع في ذيله ما استدركه على الكشف مما وجده فى ست وعشرين خزانة من خزانات الكتب ومصر والشام وحلب، فأصبح ما طبعه المستشرق فلوكل في في الآستانة سبعة مجلدات.
وممن ذيل على كشف الظنون شيخ الإسلام العلامة المسند عارف حكمة صاحب المكتبة المعروفة بالمدينة المنورة المتوفى سنة 1275 -. وأجمع ما ألف من
الجزء 1 · صفحة 11
الذيول عليه فيما نعلم - كتاب إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون في مجلدين ضخمين تأليف العالم البحاثة إسماعيل باشا البغدادى المتقاعد من مديرية الشعبة الثانية من دائرة الضبطية باصطنبول المتوفى سنة ???? - المدفون في مقبرة ما قرى كوى في الآستانة، وقد ألف هذا الذيل بسعى متواصل منه فى نحو ثلاثين سنة، وزاد على الأصل مع ما فى طبعة أوربة نحو ????? كتاب، وله أيضا كتاب أسماء المؤلفين وآثار المصنفين فى ثلاثة مجلدات حاول فيه أن يجمع المؤلفين من صدر الإسلام بأسمائهم وكناهم مع ذكر أسماء مؤلفاتهم على طراز الطبعة الأوربية، وكان الذيل المذكور محفوظا عند أسرة المؤلف بالآستانة. والحاصل أن كشف الظنون هو المرجع الوحيد إلى اليوم في الكشف عن الكتب القديمة، ومن أتى بعده عالة عليه سواء عرف جميله وفضله أم لم يعرف، وأما كتب الأقدمين فى هذا الصدد فليست بمتناول أيدينا.
ولصاحب الكشف مؤلفات أخرى، منها تقويم التواريخ» ألفه في شهرين سنة 1053 و به حاز رتبة الخليفة الثاني ومنها «تحفة الكبار في أسفار البحار فى الحروب البحرية العثمانية ومنها جهاننما مرى العالم في تقويم البلدان بديع فى بابه ومنها سلم الوصول إلى طبقات الفحول» في مجلد ألفه على ثلاثة أقسام: التراجم الكنى والأنساب فوائد تاريخية، ومنها رجم الرجيم بالسين والجيم فى المسائل الغريبة والفتاوى العجيبة، ولم أطلع عليه، ومنها دستور العمل لإصلاح الخلل في تنظيم شؤون الدولة، ومنها «الإلهام المقدس من الفيض الأقدس في حكم فاقد وقت العشاء من الأقاليم ومنها لوامع النور فى ترجمة أطلس مينور ومنها تحفة الأخيار فى الحكم والأمثال والأشعار فى المحاضرات، ومنها فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار»، ومنها جامع المتون» يحتوى على ثلاثين متنا من المتون
الجزء 1 · صفحة 12
المتداولة، ومنها ميزان الحق في اختيار فيما يجب الأحق رسالة نافعة الأخذ به في أمور يحتدم فيها الجدال وفي آخره ترجم لنفسه كما فعل في سلم الوصول، ومنها الفذلكة» في مجلدين يذكر فيها ما بين ???? و 1065 من الأنباء العثمانية، ومنها شرح الرسالة المحمدية لعلى المعروف بقوشجى فى علم الهيئة، ومنها رونق السلطنة وهو تاريخ خاص بالآستانة، وله غير ذلك من المؤلفات.
وقد ألف صديقنا الأستاذ المؤرخ طاهر بك - رحمه الله - جزءاً في ترجمة صاحب الترجمة وتوسع أيضا في ترجمته في كتابه عن المؤلفين العثمانيين.
ولا يتسع المقام لأكثر مما ذكرناه وفيه كفاية فى معرفة أحواله ومنزلته في العلوم ومقدار خدماته العلمية كافاه الله سبحانه برضوانه وأعلى منزلته في الجنة.