الإسراء والمعراج
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الإسراء والمعراج
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الإسراء والمعراج آيتان من من آيات الله الكبرى اختص بهما المولى جل جلاله فخر رسله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فالأول مسراه عليه السلام ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهذا ثابت بنص القرآن فيكفر منكره، وأما الثاني فعروجه - إلى ما فوق السماوات العلى، وهذا ثابت بأحاديث صحيحة فيعد منكره مبتدعا لا كافرا.
إلا أن الروايات فى المعراج اختلفت، فمن العلماء من سلك طريق الترجيح، ومنهم من سلك طريق الجمع بينها بحملها على تعدد عروجه - حتى قال صاحب النونية الخضرية:
معراجه واقع يقظان في بدن بآية ومشاهير ووحدان وقوعه كان تكرارا وقد دفعوا به تعارض مادل الحديثان
وأسطورة أن السماوات لا تقبل الخرق والالتئام ذهبت أدراج الرياح وإنكار المعجزات والخوارق لا يجتمع والإيمان بالنبوة كما في دلالة الحائرين لموسى بن ميمون فيلسوف اليهود. وقال ابن سيد الناس ذكر السهيلي - رحمه الله - خلاف السلف فى الإسراء هل كان يقظة أو مناما، وحكى القولين يحتج به لكل قول منهما. ثم قال: وذهب طائفة ثالثة منهم شيخنا أبو بكر بن العربي إلى تصديق المقالتين وتصحيح المذهبين وأن الإسراء كان مرتين إحداهما في نومه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصالحة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم،
تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا لأن هوله عظيم فجاء في اليقظة على توطئة وما وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه، ورجح هذا القول أيضا للجمع بين الأحاديث الواردة فى ذلك فإن في ألفاظها اختلافا، وتعدد الواقعة أقرب لوقوع جميعها. وحكى قولا رابعا: فقال: كان الإسراء بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة ثم أسرى بروحه - إلى ما فوق سبع سماواته ولذلك شنع الكفار قوله أتيت بيت المقدس فى ليلتي هذه ولم يشنعوا قوله فيما سوى ذلك اهـ كما تجد تفصيل ذلك فى الروض الأنف للسهيلي.
وقول البخارى باب" كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء يدل على أن الإسراء والمعراج فى ليلة واحدة عنده لأنها إنما فرضت ليلة المعراج اتفاقا. وقد اختلف في ليلة المعراج متى كانت؟ والذي رجحه النووي في الروضة أنها الليلة السابعة والعشرون من رجب وإليه ذهب ابن الأثير والرافعى، ومن قال إنها قبل سنة ونصف من الهجرة يكون يرى هذا الرأى مثل ابن قتيبة وابن عبد البر لأن الهجرة كانت في ربيع الأول فالسنة قبلها من صفر إلى صفر تراجعا والستة الأشهر قبلها من المحرم إلى شعبان بالتراجع فتكون الأيام الثلاثة. آخر رجب غير مذكورة تركا للكـ الطرفين، وعلى ذلك عمل الأمة.
والاحتفاء بذكرى الإسراء والمعراج يذكرنا كيف جلى الله سبحانه عن. بيت المقدس حتى تمكن رسول الله – عليه السلام - من وصفه وصفا دقيقا فتعج قريش من ذلك النبأ المطابق للواقع فانكشف كفرهم العنادي كما ازد المسلمون بذلك إيمانا. وكذا بإنبائه عن العير التي سألته قريش عنها. واعتبر الصحابة – رضي الله عنهم - بما حدثهم عن الآيات الكبرى التي شاهدها في ملكوت السماوات وتلقوا منه افتراض الصلوات الخمس في تلك الليلة المباركة فواظبت
الأمة عليها حتى صفت نفوسهم واتسعت معرفتهم، وأصبحت الصلوات الخمس معراجا معنويا لهم، حيث يناجون عند وقوفهم للصلاة، فترسخ فى نفوسهم مخافة الله التي هي ينبوغ كل خير البشرى.
ولقاؤه – عليه السلام- رسل الله وأنبياءه عليهم السلام في السماوات لقاء روحانيا تعارف معنوى بينهم وتعريف لهم بما له من المنزلة السامية، وفي ذلك وفي إمامته – عليه السلام - الجماعة من الأنبياء تكريم عظيم له من سبحانه، واجتيازه - - قبل عروجه إلى السماوات ببيت المقدس الذي كان بين قريش من شاهده من قبل تمكين لهم من توجيه أسئلة إليه – عليه السلام - عما يعرفونه دونه في حسبانهم فينكشف حال المعاند المصر على الكفر بعد تلقيه الجواب الصادق منه - - فى حين ازدياد إيمان المؤمنين بتلك الأنباء الغيبية الصادقة، وهذا هو الذى وقع بخلاف ما لو كان العروج إلى السماء من الحرم المكي مباشرة كما ذكر ابن أبي جمرة. وفى ذلك أيضا جمع للقبلتين له في المشاهدة.
والجمهور على أن الإسراء والمعراج فى ليلة واحدة وأنهما بالروح والجسد معا يقظة ولا محيد عن ذلك بعد صحة الخبر وتمام الاعتقاد بقدرة القادر الحكيم الشاملة لكل ممكن.
ورد ذلك كله إلى عالم المثال الذى يتخيله صاحب «حجة الله البالغة»
على عادته في المشاكل خروج عن الجادة بدون أى حجة ناهضة. وأما يروى عن عائشة - من قولها «ما فقد جسد رسول الله عليه السلام لكنه أسرى بروحه فغير ثابت عنها أصلاً لأنه من رواية ابن إسحاق بلفظ حدثنى بعض آل أبي بكر فمن هو هذا البعض؟ وأين ابن إسحاق المتوفى في منتصف القرن الثاني من إدراك
زمن عائشة؟
وأما ما يروى عن معاوية من أن الإسراء رؤيا صادقة فغير ثابت عنه أيضا للانقطاع بين شيخ ابن إسحاق يعقوب بن عتبة وبين معاوية؛ لأنه توفى سنة 128هـ وأين هذا التاريخ من وفاة معاوية؟ فلا يصح التعويل على مثل تلك الأخبار المنقطعة في ادعاء أن الإسراء روحاني فقط أو في حالة النوم فقط.
فقد وأما قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} فسره ابن عباس برؤية العين كما أخرجه البخارى بسنده إليه في تفسيره تلك ولا سيما الآية على أن تلك الرؤيا لو كانت منامية لما اشتد إنكار قريش لها، وقد تأتى الرؤيا بمعن الرؤية فى اللغة قال المتنبي: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض: يعنى رؤية البصر، فلابد من ترجيح بعض الروايات على بعض وحمل الباقي على وهم لبعض الرواة في ألفاظها. والثقة قد في الأخبار الطويلة فينبذ موضع وهمه، فقط كما وقع في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عند البخارى ففيها نحو اثنى عشر وهما، بيانها في شروح البخارى، منها قوله فى أولها وهو نائم وفى آخرها ثم استيقظ ومنها عد ذلك قبل أن يوحى إليه مع ذكر افتراض الصلوات الخمس في الخبر، وهذا تخليط.
وقد اشتد نكير المحققين على رواية شريك من أمثال مسلم والخطابي فلا داعي إلى القول بتعدد المعراج برواية مثله بل القول بالتعدد لاختلاف الروايات يدعو إلى القول بعدد كبير جداً، وفي جميع الروايات افتراض الصلوات الخمس فى تلك الليلة على اختلاف الأزمان التي ذكرها الرواة، والافتراض لا يتصور أن يتكرر فيكون التعويل على ما عليه الجماعة فقط، والله أعلم.
وهذا العروج ليس للتقرب منه تعالى؛ لأن القرب منه لا يكون بالمسافة قال الله تعالى واسجد واقترب وقال – عليه السلام - أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد واحتجاج إمام الحرمين على تنزه الله سبحانه عن الجهة بقوله – عليه السلام -: «لا تفضلونى على يونس بن متى وحمله على معنى أنه – عليه السلام - عند وصوله إلى سدرة المنتهى ما كان أقرب إلى الله من يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت، مما ذكره القرطبي في تذكرته رواية عن أبي بكر بن العربي. وروى ناصر الدين بن المنير عالم الثغر الإسكندرى العلامة المشهور مثل ذلك عن الإمام مالك عالم دار الهجرة في كتابه «المقتفى في شرف المصطفى وإن اشمأز ابن القيم المجسم من جواب إمام الحرمين وطال لسانه عليه كما بسطت ذلك فيما علقته على السيف الصقيل للتقى السبكي ص 36-37.
وتنزيه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات هو عقيدة أهل الحق رغم اغتياظ المجسمة الصرحاء والممجمجين من ذلك. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
كلمة عن الإسراء والمعراج
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
اختص كلمة عن الإسراء والمعراج الله جلت قدرته حبيبه صلوات الله وسلامه عليه بخصائص، ومن تلك الخصائص: إسراؤه تعالى بحبيبه ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى، وهذا ثابت بنص القرآن القطعي الثبوت القطعى الدلالة فيكفر منكره، وأما عروجه – عليه السلام - من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى وإلى ما شاء الله فثابت بصحاح الأحاديث النيرة الدلالة، فيعد منكره مبتدعا لا كافرا.
وأما ادعاء أن أثر قدمه الشريفة على صخرة بيت المقدس حيث عرج منها فكذب مختلق لا أصل له عند نقاد الحديث، ومن السخافة البالغة زعم بعض الحشوية صعود الله جل جلاله من فوق الصخرة إلى السماء كما رواه النويري في نهاية الأرب عن أبي بكر الواسطى وهذا إنما يتقوله من ليس عنده من الإسلام نصيب. وقد وقع في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر الحديث المعراج الطويل عند البخارى أوهام كثيرة بينها أهل العلم بالحديث، ووقوع راو في أوهام فى رواية لا ينافي صحة باقى الروايات السالمة من العلل، وبعد صحة الرواية وإمكان الأمر لا يسع المؤمن إنكاره.
بزعم والإمكان العقلي في المعراج لا مجال لإنكاره ووقوعه مقتضى الأخبار الصحيحة المستفيضة، وقد مضى الزمن الذى كان أناس ينكرون فيه المعراج أن السماوات من الصلابة بحيث لا تقبل الخرق والالتئام، تحكما من غير دليل وكان الرد القاصم لظهور هؤلاء المتقولين إذ ذاك هو تبيين تماثل الأجسام بحيث يجوز
فى جميعها ما يجوز في بعضها من الخرق والالتئام اللذين نشاهد وقوعهما في بعض الأجرام كما هو طريقة المتكلمين الأعلام وأما العصر الذى لا يتصور مفكروه صلابة فى السماوات، بل يعدون الأجرام العلوية تسبح في مدارات سير السابح فى الماء والطائر في الهواء دون أن يحول حائل عن المسير فى عالم الأثير فهم أجدر أن لا يتوهموا الامتناع في الاعتلاء إلى السماء لمشاهدتهم عجائب التحليق فى الأجواء كلما مدوا بصرهم إلى الفضاء.
من بين وخلاف السلف فى الإسراء هل كان مرة يقظة أو مناما؟ أو مرتين مناما أولا ثم يقظة، رفقا الله بحبيبه لعظم هول الإسراء المباشر قبل التمهيد له بالرؤيا المسهلة لمشاهدة عجائب فى حالة اليقظة، جمعا الأدلة مما هو مشروح فى الروض الأنف. لكن ليس لدعوى المنام شبه دليل فلا يقام الرواية النوم، وزن حيث لم يذكر في ذلك إلا خبر منقطع أو خبر وهم فيه الراوى أوهاما. صريحة فلا يقوى هذا وذاك أمام الأخبار الصحيحة المستفيضة من ثقات ضباط متقنين
والتعارض إنما يتصور بين دليلين في مستوى واحد لا بين الصحيح والواهي، فلا داعى إلى ادعاء تكرر المعراج يقظة، أو مناما ويقظة، عن رأي مجرد، ولا تمسك في إدعاء أن المعراج كان مناما بقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا الَّتِي أَريناكَ إِلا فتنة للنَّاس لأن هذه الرؤيا بمعنى رؤية العين عند ابن البخارى والحلم لا يكون مبعث فتنة للناس كما هو عباس في صحيح ظاهر ومجيء الرؤيا بمعنى الرؤية له شواهد فى العربية ورؤياك أحلى في العيون من الغمض.
وكبر للرؤيا وهش فؤادهفلا معدل عما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن المعراج والإسراء كانا حالة اليقظة وفى ليلة واحدة، أخذا بالدليل المستفيض السالم
من العلل ونبذا للأخبار التي فيها علل قادحة.
ذلك اختلف أهل العلم فى تعيين ليلة المعراج على أنحاء، والذي ومع رجحه النووى أنها الليلة السابعة والعشرون من شهر رجب، وإليه ذهب ابن الأثير والرافعى ويرى هذا الرأى من قال: إنها قبل سنة ونصف من الهجرة كابن قتيبة وابن عبد البر لأن الهجرة كانت في ربيع الأول فالسنة قبلها من صفر إلى صفر تراجعا، والسنة الأشهر قبلها من المحرم إلى شعبان بالتراجع أيضا فتكون الأيام الثلاثة من آخر رجب غير مذكورة تركا للكسر في الطرفين وعلى ذلك عمل الأمة.
والاحتفاء بذكرى الإسراء والمعراج يذكرنا كيف كشف الله لرسوله عن بيت المقدس حتى تمكن من وصفه وصفا دقيقا فتعجبت قريش من ذلك الوصف المطابق للواقع فانكشف كفرهم، العنادى كما ازداد المسلمون إيمانا بذلك، وكذا إخباره – عليه السلام - عن العير التي سأله قريش عنها، واعتبر الصحابة بما حدثهم عن الآيات الكبرى التي شاهدها في ملكوت السماوات، وتلقوا منه فرض الصلوات الخمس فى تلك الليلة المباركة فواظبت الأمة عليها حتى صفت نفوسهم واتسع عرفانهم وأصبحت الصلوات الخمس معراجا معنويا لهم حيث يناجون ربهم عند وقوفهم للصلاة فترسخ في نفوسهم مخافة الله التي هي ينبوع كل خير للبشر.
وقد توسعت في بيان ما فى الإسراء والمعراج من وجوه الحكم في مقال لي منشور فيما سبق فأكتفى هنا بهذا القدر ومن الله التوفيق والتسديد.
فاتحة الهجرة النبوية
عهد جديد فياض
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الله اصطفى خاتم رسله صلوات الله عليه من أكرم أرومة على أكمل خلال فبعثه بمكة بعد أن بلغ أربعين سنة من عمره إلى الناس كافة يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، وابتدأ ينذر عشيرته الأقربين فآمن به الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه وآزروه وأيدوه في دعوته وآذاه مقلدة الجدود على العمى وقاطعوه وقاطعوا المسلمين، فصبر النبي صلوت الله عليه وسلامه عليه وعلى آله والمسلمون جميعا إزاء عدوان المشركين صبراً لا مزيد عليه وملء قلوبهم الإيمان بأن الله سبحانه ينصر رسوله ويعلى كلمته
ولم يكن رسول الله صلوات الله عليه ولا أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين يقابلون عدوان هؤلاء بعدوان ولا أذاهم بأذى، بل كانوا يشرحون لهم تعاليم الإسلام شرحا تنشرح له صدور من ألقى السمع وهو شهيد ويبينون لهم حقائق الدين الحنيف بيانا تخضع له قلوب الجبابرة إذا فكروا فيما سمعوا، ورغم هذا كان المشركون فى تعنت شديد وقسوة بالغة نحو المسلمين، والمسلمون يزدادون إيمانا إلى إيمانهم كلما أوذوا في سبيل الله.
وعظيم صبرهم أمام ما لقوا في سبيل الحق من صنوف العنت فخر خالد لهم مدى الدهر وأسوة حسنة وأمثولة عليا للذين يجاهدون لإعلاء كلمة الدين ويسعون فى أن يعيدوا إلى الدين مجده وجدته بعزائم لا تعرف الخنوع والاستسلام
ولا التواكل والتكاسل.
وقد استمرت حالة المسلمين على ما وصفناه من الصبر على صنوف الضيم والاضطهاد من ابتداء البعثة النبوية إلى عام الهجرة حتى لم يبق للمشركين مجال إزاء البراهين المشروحة لهم غير العنت الدائم والتمرد المتزايد والعداون المستمر.
وهذه المدة الطويلة البالغة ثلاث عشرة سنة كانت مهلة كافية، بل فوق الكفاية لتمكينهم من التفكير مليا فيما يدعو إليه خاتم المرسلين مما فيه سعادتهم العاجلة والآجلة، لكنهم ما ازدادوا إلا عتوا وفساداً، فأذن الله سبحانه لنبيه فى الهجرة إلى المدينة المنورة زادها الله تشريفا فتمت الهجرة النبوية على الوجه المشروح في كتب السير كالمورد الهنى للقطب الحلبي، وسيرة ابن سيد الناس، وإمتاع المقريزى وغيرها.
وكانت هذه الهجرة مبدأ عهد جديد ملؤه العزة للمسلمين، وهو عهد بدء دفع العدوان على الحق بالقوة حيث آخى النبي - - بين المهاجرين والأنصار، وكان هذا التآخي بين الأصحاب أول نواة تثبت منها القوة المنشودة ضد المعتدين وما أبرزه المهاجرون والأنصار إذ ذاك من التضحية والتفاني في سبيل إعلاء كلمة الله مما لم يسجل مثله التاريخ لأمة من الأمم.
وقد مضى النبي وأصحابه فى الدعوة إلى الله بعد الهجرة على مبدأ الدفاع عن الحق بالقوة بعد إعذار المدعوين وإقامة الحجة عليهم فبهذه الطريقة الرشيدة انتشر النور الوهاج المنبثق من جانب الحجاز في الآفاق كلها حتى استنارت هذه الكرة الأرضية المظلمة بهذا النور العظيم، إلى أن تبدلت الأرض غير الأرض وتم وعم في البسيطة ما يعرفه الجميع من الرقى العظيم في العلوم والأعمال والأخلاق
بعد اعتناق الأمم لهذا الدين الحنيف، وهذا مما لم ير مثله في جيل من الأجيال ولا دين من الأديان، ولم نزل نفاخر بذلك التراث الفاخر أمام جميع أمم العالم. وقد أجاد عمر الفاروق – عليه السلام - الرأى جد الإجادة في اتخاذ عام الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامى للمعانى السامية المندمجة في ذكرى الهجرة النبوية. وأما ما يعزى إلى النبي – عليه السلام - أنه الذي أمر بالتاريخ من الهجرة كما في شرح البخارى للقسطلاني نقلا عن إكليل الحاكم فلا يناهض الإسناد فيه إلى عمر، لأن ما الإكليل هو من بلاغات الزهري، ومرسلات الزهرى فضلا عن بلاغاته شبه ريح تذهب أدراج الرياح عند كثير من أهل النقد منهم يحيى بن سعيد والإمام الشافعي وربما يرى بعض المتنطعين الذين يتسرعون فى رمى الناس بالبدعة بداءة التاريخ من الهجرة والاحتفاء بذكرى الهجرة من البدع من غير نظر إلى تلك العواطف الكريمة التي تثيرها ذكرى الهجرة وتنميها فى قلوب الأمة، وبدون التفات إلى الإجماع الجارى فى التوريخ بالهجرة، وليس بمجد الكلام مع أمثال هؤلاء الذين تصغر باصرتهم الكبير وتكبر الصغير.
وأجلى ما يتراءى للناظر من المعانى السامية فى الهجرة هو تعزيز الحق بالقوة؛ لأن الحق كثيراً ما يكون عرضة للضياع إزاء اعتداء المعتدين إذا لم تكن هناك قوة تحميه وتذب عنه.
ولهذا المعنى شرعت الخلافة فى الشرع الإسلامى حتى تنفذ أحكام الشرع فى الأبواب كلها بمنعة تقوم بكبح جماح الطغاة الغواة، بل رأى الصحابة رضوان الله عليهم -أجمعين الفراغ من بيعة الخلافة مقدما على تجهيز النبى صلوات الله عليه ودفنه عند الحوقه بالرفيق الأعلى ليتولى خليفته الإشراف على شؤون الأمة عقب وفاته – عليه اسلام - حذرا من حدوث أمر يحوج إلى القوة أثناء الفترة بل
عدوا الساعين في تفريق شؤون الدين من شؤون الدنيا بمنع الزكاة فى سبيل المرتدين بسعيهم في تجريد الخلافة من القوة.
بل الخلافة هى أول تشريع عرفه البشر المدنى بالطبع في تاريخه، بل هو أول شرع مشروع للبشر قبل خلقة البشر حيث قال الله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة ولولا أن الملائكة علموا أن الخليفة يكون بيده تنفيذ الأحكام الشرعية بقوة على المفسدين الخارجين على ما حده الشرع لما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ولو كان هناك أمر أهم للأمة من إقامة من ينفذ الأحكام الشرعية فيهم بقوة لسبق القول به.
وصفوة القول أن الهجرة فيها معان سامية تربى ذكراها في نفوس المسلمين عواطف كريمة وتدربهم على صنوف التضحية عن طيبة خاطر في سبيل تأييد الدين بالقوة وإعلاء كلمة الحق وها هو قد حل العام الجديد ترفرف عليه الآمال فاحتفلت الأمة بذكرى العام الهجرى الجديد في كل مكان، فنحيى إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها تحية مسلم يحب لأخيه يحبه لنفسه، وندعو الله ما عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين ويجمع كلمتهم في تأييد الدين ويبارك لهم فى شؤونهم كلها وأن يلطف بنا به المقادير وأن يرينا جميعا الحق حقا مع اتباعه ويرينا الباطل باطلا مع اجتنابه وأن يوفقنا وإياهم جميعا لما فيه رضاه وسعادة المسلمين أجمعين.
&&&
الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرى الهجرى النبوية على صاحبها أزكى الصلوات وأنماها تعرفنا كيف نترفع عن الخنوع والاستكانة لأهل الباطل وتعلمنا كيف نحوز القوة بعد الضعف لندفع العدوان في كل ساحة، وتنمى في نفوسنا الشعور الحي الحافز لها إلى استسهال القيام بصنوف التضحية فى سبيل الدعوة إلى الحق والذب عن الحق وإعلاء كلمة الله فى كل زمان ومكان بترسيخ أقدام الإسلام في البقاع والأصقاع، وتقوية عروق غراسه فى قلوب رجال المستقبل وأمهات الجيل القابل، وإذكاء نار الحماس ضد كل معتد أثيم، وتجعلنا نحس بلذة قدسية فى مقاساة صنوف الأتعاب فى هذا السبيل من مفارقة الأهل والأولاد والمال والسكن عند اللزوم، وتحمل الأذى من كل لون إلى بذل المهج عند الحاجة.
ولنا في ذلك كله أسوة حسنة في رسول الله - وأصحابه الأبرار - فسيرتهم منار هدى فى كل ربع لا يضل ولا يذل من سار سيرهم وهدى، هديهم وحينما نرى فى ثنايا أنباء الهجرة النبوية قدوة حسنة يؤتسى بها في كل ناحية من نواحى النهوض يجب علينا ألا: ننسي حظنا بها حتى نجد ما نشعر به من ذكرى الهجرة النبوية من معانى الجهاد في سبيل الخير ومهاجرة المعاصى ومواقعيها ساحة تطبيق عملى فى أنفسنا لئلا نكون ممن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم.
ولا بأس أن أذكر القارئ الكريم هنا بعض نماذج من صنوف الجهاد في الحالة الراهنة، فالمؤمن المخلص يرى بنوره الذى يسعى بين يديه أن دعاة السوء وأعوان الشيطان قد اندسوا بين كل طائفة وانتشروا في كل مكان متلفعين بغير
أزيائهم تغريراً منهم لأصحاب القلوب الصافية يسعون على مراحل في زعزعة اعتقاد الإسلام واستزلال أقدام المسلمين وأقل ما يجب على المؤمن المخلص إزاء هؤلاء أن يسهر على كل ما يبدو ويبدر منهم في سبيل ما من وجوه الإغواء فيناقشهم حتى يفضحهم في غايتهم ومقاصدهم مهما تظاهروا بالإيمان بكتاب الله المنزل، وليست الغفلة شأن المؤمن الصادق في إيمانه.
فإذا رأيت أحدهم يهون أمر إثبات قديم مع الله سبحانه، أو نسبة أوصاف المحدثات إليه جل شأنه فاعلم أنه لم يكون بعد اعتقادًا في الله رب العالمين. وإذا وجدت من ينفى المعجزات الكونية عن سيد المرسلين مع التظاهر بالإيمان بالقرآن الكريم فقل له اخسأ ولا تتكلم أتجعل بعقلك الضئيل وفهمك العليل حدا محدوداً لقدرة الله سبحانه وفي القرآن الكريم كثير من المعجزات أظهرها الله سبحانه على أيدى سائر أنبيائه، وأى عقل ذلك العقل الذي لا يستسيغ ظهور مثل تلك المعجزات على يد سيد المرسلين؟ وقد تواترت الأنباء عن معجزاته - فى كتب السنة ومن لم يؤمن بالسنة كيف يعد مؤمنا بالكتاب وقد كان قومه - ام - من أشد الأقوام عنتا ضد الأنبياء عليهم السلام، ولولا التأييد الإلهى بما أظهره على يديه من المعجزات لما آمن به قومه ولا انتشر الإسلام ذلك الانتشار الباهر، إلا أنك تريد التشكيك في النبوة ناطقا بألسنة أعداء الإسلام ضد الإسلام ومفكراً بعقولهم لا بعقلك، وكفاك هذا خزيا ومهانة.
وإذا شهدت من يعادى التصون والعفاف داعيا إلى التبرج والسفور والتلاعب بأنكحة المسلمين على مراحل ينحى بالائمة على جعل الرجل قواما على المرأة فى الإسلام قائلا: إن الرجل لم يحسن التصرف في طلاق المرأة حيث نراه يطلق من غير ما سبب فى بيعه وشرائه ولعبه وجده وقيامه وقعوده، فدل ذلك
على أنه ليس بأهل لأن يجعل الطلاق بيده، وأما المرأة فلم يجرب بعد أنها تحسن التصرف فى الطلاق إن جعلناه بيدها أم لا تحسن؟» ولعل العمدة عنده تجريبه وحده بدون حاجة إلى الالتفات لما ورد بشأنها في الكتاب والسنة، وهى تحسن أو لا تحسن فإذا نجعله بيد القاضي وهو براء من التهمة.
قلت مجاوبا: تفضيلك المرأة على الرجل هكذا إقرار منك فلا يسرى حكمه فى سواك، لأن الإقرار حجة قاصرة لا تقبل في غير المقر، فأنت وشأنك في هذا الإقرار على أن القاضى إذا كان رجلا كيف يمتاز عن سائر الرجال فى هذا الحكم المبتكر ويا للعجب متى رأى الناس في التشريع الوضعى بناء التشريع العام على النادر الشارد؟ فضلا عن الشرع الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهل يعقل اتخاذ عدة من أشباه الرجال من السوقة والأجلاف الرعاع مدارا للتشريع العام في الرجال والحكم عليهم؟! ومن يرى تلك المتبرجات الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللائي ملأن الأسواق والمنتزهات والمسارح والصالات والترامات والسيارات جديرات بجعلهن قوامات على الرجال وبجعل حل عقدة النكاح بأيديهن ولا يكون هذا الامحض محادة لله جل جلاله في قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ الله بعضهم على بعض وبمَا أَنفَقُوا قال ابن عباس
قوامون: أمراء عليها فعليها أن تطيعه، وعليهم تأديبهن اهـ.
وأما جعل أمر الطلاق بيد القسيس أو القاضى فتشريع کنسي غربي غريب عن شرع الإسلام مشاق لنصوصه. قال الله تعالى {وَإِن عزموا و وإذا طلقتم النساء و ثُمَّ طَلَّقتموهُنَّ مِن قَبْلِ أَن
قبل أن تمسوهن و وإن طلقتم النساء و فَطَلَقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ 6 الآيات. وفيها جعل الطلاق بيد الرجال دون النساء والقضاة، بل لم يرد فى الكتاب ولا في السنة إسناد الطلاق إلى النساء ولا إلى القضاة أصلا- وقد قال النبي - - في النساء ناقصات عقل ودين وقال أيضا: ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء وقد جعل الله سبحانه في كتابه حظ الرجل مثل حظ الأنثيين في الميراث كما جعل شهادة المرأتين كشهادة رجل واحد فلا يكون ذلك الرأى الفج المتفرنج إلا مخالفة الله ولرسوله.
ثم إذا رأيت من أعوان الشيطان من يسعى فى تهوين أمر الطلاق الثلاث فاعلم أنه يحاول التلاعب بأنكحة المسلمين حيث قطع الأمل عن استزلال قدم من الرشدة. فإذا رأيته يقول: وقد ورد فى الصحيحين «إن الطلاق الثلاث في لفظ واحد كان سببا في وقوع طلقة واحدة فقط على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي خلافة الصديق - صاله - وفي صدر من خلافة عمر صارحته بأنه كذب على عهد النبي صلوات الله عليه وكذب على عهدى الصديق والفاروق - -، وافترى على صحيح البخارى بل على صحيح مسلم أيضا، لأن حديث ابن عباس الذى يشير إليه لم يخرجه البخارى أصلا ولا أخرجه مسلم بتلك الصيغة المغيرة المبدلة. بل تلك الصيغة لم ترد فى كتاب من كتب السنة بل هي صنع يد هذا الفيلسوف الجديد فناوله الصحيحين قائلا له أرنى فيهما الصيغة التي تحكى عنها وإلا فأنت مفتر كذاب فتسبر بذلك غوره في الكذب والتحريف.
والذي ساقه مسلم على ما فيه من علل استبانها الجهابذة محمول على معنى يتفق والفتيا المتواترة عن ابن عباس وهو أن الناس كانوا يراعون السنة في الطلاق بتطليق المرأة طلقة واحدة بدل تطليقها اليوم ثلاث تطليقات غير موزعة على
الأطهار كما هو الموافق للغة القرآن قال الله تعالى: {أَجَعَلَ الآلِهَةً إِلَهَا واحدا أى أجعل بدل الآلهة إلها واحدا لا أن الثلاث كانت توقع وتعد واحدة.
وفي كتاب «الإشفاق على أحكام الطلاق بسط ذلك بحيث يقطع لسان كل خطيب. راجع 44 -50 ومن يرتئى مثل تلك الآراء المتفرنجة مع وضوح الحجة ضدها لك أن تسأله قائلا من أى ملة أنت يا فيلسوف الطلاق.
&&&
الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرى هجرة المصطفى – عليه السلام- وهجرة أصحابه الغر الميامين رضي الله عنهم أجمعين مما يبعث في نفوس المسلمين روحا وثابة تحملهم على صنوف من التضحية في سبيل إعلاء كلمة الإسلام والاحتفاظ بتعاليم الإسلام وصون دار الإسلام من كل معتد أثيم باتخاذهم الرسول - وأصحابه - - قدوة في ذلك كله، ويثير حماسا فى قلوبهم يشعرهم العزة والكرامة والغيرة على حريم قدس الشريعة المطهرة بل يدعهم شعلة نار تلتهم من تحدثه نفسه انتهاك حرمة هذا الحريم المصون.
ولذا نزداد اغتباطا كلما رأينا ازدياد الأمة احتفاء بالهجرة على توالى السنين، ونعد ذلك بشير خير لمستقبل المسلمين والمجلات نراها كلها تقريبا مقالات ممتعة عن الهجرة النبوية، وهذا في نظرنا بمنزلة قطع العهود من أصحابها بأنهم لا يحيدون قيد شعرة عن تعاليم الإسلام وخير المسلمين واقفين أقلامهم لمناصرة الجماعة وجمع كلمتهم.
فإذا رأينا من يحتفى بالهجرة التي أعز الله بها الإسلام، يشط في عمله أو قوله عن المهيع الإسلامى الرشيد والمنهج الدينى السديد، قولا أو عملا متابعا لمن لا يضمر للجماعة خيرًا فى الداخل أو الخارج نمتعض كل الامتعاض، ونأسف كل الأسف من عدم مواطأة القلوب للألسن والرجولة تقضى بالوفاء بالعهد، وصدق التمسك بالمبادئ القويمة المؤدية إلى السعادتين والكلام المجرد ليس بمجد مالم يعززه الفعل والعمل فى السر والعلانية، فإذا ابتعد عن الجادة من يلهج بالإسلام والدعوة إلى الإسلام وسلك سبل الشذاذ المنحرفين عن الجادة في
الاعتقاد أو العمل أو الخلق يكون ساخراً هازنا، فيمده الله المنتقم فى طغيانه وهو فى عمه وحيرة فيكون من الأخسرين أعمالا في الدنيا والآخرة.
وليس الشعب الكريم ممن لا يميز من هو جاد ممن هو هاري هازل، بل ينزل كلا منهما فى منزلته التي اختارها لنفسه فيجعله ينال ثمرة عمله من التجلة أو الامتهان في يوم من الأيام.
ومن فارق الجماعة فى شيء من المنهج المتوارث بين الأمة خلفا عن سلف يكون سلك طريقا يؤديه إلى الضلال والخزى المبين مهما تظاهر أنه هو المتمسك بالكتاب والسنة بخلاف السواد الأعظم من المسلمين، ومن المحال في جرى العادة أن تكون الجماعة هي المنابذة للكتاب والسنة وأن يكون من فارقهم هو المتمسك بهما، وإليه يشير قوله - -: من قال هلك الناس فهو أهلكهم وليس بنافع من فارق سبيل الجماعة احتفاؤه بالمواسم ورميه الناس بالزيخ دون شخصه الرشيد.
مع وجوه فها هو الشوكاني يقول فى تفسيره إن أتباع الأئمة المتبوعين في صف الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله حذو القذة بالقذة. أنه مضت الأمة من صدر الإسلام إلى اليوم على أن يسأل من لا يعلم أخذ الأحكام من الكتاب والسنة من يعلم ذلك، وكان من يتصدى للإفتاء من الصحابة عدداً يسيرا جدا والباقون إنما كانوا يستفتونهم في النوازل فيعد اتباع من لا يعلم أخذ الحكم من الكتاب والسنة لمن يعلم ذلك اتخاذا له ربا من دون الله. سبحانك هذا بهتان عظيم، بل هذا أخذ الجاهل بقول العالم لقوله سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ}
فتكون كلمة الشوكاني هذه بالغة الشناعة حيث يعد الأمة المحمدية اتخذت أربابا من دون الله من أقدم العصور إلى اليوم، كأن الأئمة نابذوا صرائح الكتاب والسنة وتابعوا أهواءهم كما فعل الأحبار والرهبان وهو وحده الذى أخذ بالكتاب والسنة، وإكفار الأمة جمعاء هكذا لا يصدر ممن يحق أن يعد فى علماء هذه الأمة، و نيل الأوطار له ما هو إلا مرحلة من مراحل ابتعاده عن الجادة، بل فيه أيضا تشغيبات لا تنطلى إلا على من هو غير بصير بوجوه التصرف في أدلة الأحكام من الذين تزيبوا قبل أن يتحصر موا. بل في كتابه هذا 3-234 رمى زوار القبور والمتوسلين بالأخيار بالكفر الفظيع والشرك الشنيع مسايرة لزعيم البادية، وهذا غلو وإسراف في الحكم بالكفر على الأمة المحمدية.
وقد صدق محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - شيخ الشوكاني- حيث قال في إرشاد ذوى الألباب عند تحدثه عن الذين يسميهم الشوكاني قبوريين مشرکين: هؤلاء مثبتون التوحيد الله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسوله -- لما دعاهم إلى كلمة التوحيد وأجعل الآلهة إلها واحدا بل هم مثبتون لتوحيد الله بالألوهية قائلون إنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنق أحد منهم على أن يقول إن الولى إله مع الله لما قالها.
الأمير الصنعاني هذا من اللامذهبية كالشوكاني وله شطحات أيضا، لكن هداه الله إلى الحق في هذه المسألة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في المقال السابق فيكون الاجتراء على إكفار الأمة واستباحة أموالها ودمائها لتلبسهم ببعض بدع فى زيارة القبور أو التوسل تهوراً قبيحاً ومفارقة للجماعة وجهلا فظيعا بالكفر الاعتقادي الناقل عن الملة والكفر العملى غير الناقل من نحو الأخذ ببعض خلال الجاهلية المخالفة للسنة على أكبر تنزل.
ولو كان بناء القباب على القبور بدعة منكرة ما أقرت الأمة ذلك من صدر الإسلام إلى اليوم ومن أنكر إنما أنكر ذلك فى المقابر المسبلة، فدونك تلك الروضة المطهرة المدفون بها حضرة المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق – رض الله عنهم - قد بنى عليها بناء من أقدم العصور بدون نكير من أهل العلم، رغم كل من يريد انتهاك حرمة ذلك المقام العطر في زمن متأخر.
وهذا المتهور يرى أيضا أنه لا قضاء على من ترك الصلاة عمدا، وأنه لا زكاة فى عروض التجارة على خلاف إجماع أئمة الهدى فبذلك يزول عماد الدين، ويزال حق الفقراء فى أموال الأغنياء، ولا اعتداد بخلاف الظاهرية في التحقيق.
ويرى أيضا جواز نكاح ما فوق الأربع من النساء لكل أحد من الرجال على خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة فى كتابه وبل الغمام ونص كلامه نقله صديق خان فى ظفر اللاضى بما يجب على القاضي وقد رد عليه عبد الحى اللكنوى -رحمه الله - ردا مشبعا فى ص 479 من كتابه «تذكرة الراشد وتبصرة الناقد» فيحق أن يكون مثل هذا الزائغ قدوة الشهوانيين الذين لا يرون التحديد بالأربع فى النساء أفلا يكون من سخرية مجددى اليوم الساعين في منع التزوج بأكثر من واحدة على خلاف الكتاب والسنة والإجماع اليقيني للأمة مدى القرون أن ينوهوا بهذا الزائغ القائل بجواز النكاح إلى عدد غير محدود من النساء؟ وإن كان يناقض نفسه فى «السيل» و «النيل والتناقض شأن المبطلين، وكم له من شواذ من. هذا القبيل.
وقد رفع نسبه فى البدر الطالع إلى آدم – عليه السلام- ردا على من يقول إنه
منحدر النسب من اليهود وللعلامة ابن حريوة الشهيد رد عليه شديد في كتابه «الغطمطم الزخار» يكشف عن منبته ووجوه مسعاه.
فالتوصية بكتبه وكتب أمثاله من الشذاذ لا تصدر ممن يعلم دخائلهم إلا إذا كان يريد إغواء الأمة عن مناهج الأئمة زاعما إن كلام المتكلمين في العقائد وكلام الفقهاء فى التحليل والتحريم ليس حجة علينا، إنما إمامنا الكتاب والسنة مع أن كلام المتكلمين من أهل السنة وكلام الفقهاء منهم من كتاب الله وسنة رسوله، وهم على وفاق في صرائح الكتاب والسنة الصحيحة، وإنما اختلفوا عند احتمال الدليل لوجهين، وهم في سعة ذلك؛ لاستجماعهم لشروط الاستنباط باعتراف الأمة لهم بذلك، وهذا مستنبطان من شغل الرجال لا لعب الأطفال، حتى يتصوروا أن يصفو لهم الجو فيتمكنوا من تقليب شرع الله رأسا على عقب.
وتوهين أمر الفقه والفقهاء والحديث والمحدثين، والكلام والمتكلمين سعى فى إحداث الفوضى فى العمل والاعتقاد والخلق، وفتح الباب التقول باسم الشرع للطغمة المفسدين وتفريق لكلمة المسلمين في زمن يستكثر فيه الأخذ بالمذاهب الأربعة فإذا درست أحوال من يدعو إلى ذلك لابد أن يظهر لك أنه عدو في ثياب صديق. ولنا عود بإذن الله سبحانه إلى هذا الموضوع ومن الله التوفيق.
&&&
ذكرى الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
روى الحاكم في «الإكليل» بطريق ابن جريج أبي سلمة عن ابن شهاب الزهرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمر بالتأريخ فكتب في الأول. لكن هذا الخبر معضل سقط من سنده اثنان أو أكثر، ومرسلات ربيع الزهرى شبه الريح عند كثير من أهل النقد مثل يحيى بن سعيد القطان والإمام الشافعي - - فضلا عن معضلاته والذى صح عند الجمهور أنه كان في --. وقد روى الحاكم عن سعيد بن المسيب أنه قال عمر عمر الناس يعنى من المهاجرين وغيرهم فسألهم عن أول يوم يكتب التاريخ فقال على كرم الله وجهه من يوم هاجر رسول الله عليه السلام يعنى إلى المدينة وترك أرض الشرك. ففعله عمر وابن المسيب أعلم التابعين بقضايا عمر حتى إن ابن عمر - كان يسأله عن قضايا أبيه.
وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق محمد بن سيرين قال: قدم كذا رجل من اليمن فقال: رأيت باليمن شيئا يسمونه التأريخ يكتبونه عام وبشهر كذا فقال عمر: هذا حسن فأرخوا، فلما أجمعوا على ذلك قال قوم أرخوا للمولد، وقال قائل للمبعث، وقال قائل من حين خرج مهاجراً، وقال قائل من حين توفى. فقال عمر أرخوا من خروجه من مكة إلى المدينة. وفى لفظ الحاكم ان قال: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها.
ثم قال بأى شهر نبدأ؟ فقال قوم برجب، وقال قائل برمضان. فقال عثمان: أرخوا من المحرم فإنه شهر حرام وهو أول السنة ومنصرف الناس من الحج، قال وكان ذلك سنة. سبع عشرة في ربيع الأول.
فعلم من هذه الآثار أن الذى أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلى – رضي الله
عنهم -. وفى رواية عند أحمد أن أول من أرخ يعلى بن أمية فيما كتبه إلى عمر من اليمن فاستحسنه عمر فشرع فى التاريخ. لكن في سنده انقطاع، ولا مانع من أن يكون ذلك جملة البواعث على الشورى فى التاريخ، كما أن ما كتبه موسي الأشعرى – رضي الله عنه - إلى عمر من البصرة من أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ كما ذكره الحاكم من جملتها. فعلم أن ذلك لم يقع من عمر كيفما اتفق بل بعد المشاورة مع الصحابة في أمره.
وقد استوفى الحافظ السخاوى فى الإعلان» بالتوبيخ لمن ذم التوريخ ذكر الآثار الواردة فى ذلك، ومن جملة ما قال فيه السخاوى: «وقد كانت القضايا التي يمكن أن يؤرخ بها أربع مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر فى الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فى المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذى الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأه» هذا ما يقوله الحافظ السخاوى رحمه الله تأريخ الهجرة. والواقع أن يوم الهجرة هو اليوم الفاصل بين الحق والباطل وقد صبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه نحو ثلاث عشرة سنة، يلقى من قومه كل أذى وعنت وهو يعاملهم بكل لطف وبكل حكمة، لينتشلهم من الجاهلية الجهلاء إلى التوحيد وليرفعهم من الوثنية إلى مستوى السعداء في النشأتين وهم لا يزدادون إلا عتوا وإيذاء على أمل أن يصرفوه عن الدعوة إلى الإسلام.
وبعد أن دعاهم الرسول – عليه السلام - بالحكمة والموعظة الحسنة إلى
التوحيد ونبذ الشرك طول هذه المدة وأبان الحجة وقطع كل عذر بدون أن يزدادوا إلا طغيانا وكفراً أذن الله سبحانه له فى الهجرة وإعداد العدة للدفاع عن الحق بالقوة فهاجر إلى المدينة ومعه الصديق الأكبر – رضي الله عنه - ولم يجد الخوف سبيلا إلى قلبه الكريم في وقت من الأوقات وهو الذى يقول لصاحبه في الغار: لا تحزن إن الله معنا وهو الذى كان أبطال الصحابة – رضي الله عنهم - يحتمون بحماه حينما حمى الوطيس في بدر وغيره فكيف يخاف مثله على نفسه وقد قال الله سبحانه له: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس} أم كيف يخاف علي القرآن الكريم وقد طمأنه الله عليه حيث قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون}؟
وفي هجرته – عليه السلام - ومثابرة الصحابة – رضي الله عنهم - لملاحقته ومناصرته بكل مالهم من حول وطول إلى أن شادوا صرح. هذا الدين ورفعوا أعلامه في جميع البقاع والأصقاع أكبر عظة نتعظ بها وأعظم عبرة نعتبر بها وبها يعلم كيف يكون النهوض بالحق وكيف يكون الصلاح والإصلاح.
والهجرة النبوية تجمع جميع معانى التضحية في سبيل الحق فذكراها تنمي في النفوس الشعور الحى الحافز لها إلى استسهال القيام بصنوف التضحية في سبيل الإسلام والاستمساك بتعاليم الإسلام والاعتزاز بعز الإسلام، وتذكى نار الحماس فى الصدور ضد كل من يحاول التلاعب بتعاليم الإسلام وتقاليد الإسلام وتغرس فى القلوب الإباء والشمم وعلو الهمم والترفع عن الخنوع لسماسرة المروق ودعاة الفسوق وأعوان الشيطان وكل منافق عليم اللسان ولتعرفنهم في لحن القول 4.
ولذلك ترى المسلمين يهتمون بذكرى الهجرة النبوية حكومة وشعبا،
يزدادون اهتماما بها على مر السنين وما ذلك كله إلا لأجل استنهاض الهمم وتذكير الأمة بواجبهم نحو أنفسهم ونحو بيوتهم ونحو إخوانهم لينهضوا جميعا لتقويم الأود، وإصلاح الفساد ورأب الصدع بما يرضى الله ورسوله وجماعة المسلمين.
وفى ذلك استعادة مجد الإسلام والمسلمين، وقمع عبدة الطواغيت من المنافقين وصون الإسلام من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ... فندعو الله سبحانه أن يجعل هذا العام الجديد عام خير للإسلام وعام تعزيز التعاليم الإسلام وعام هناءة وسعادة لجميع المسلمين اللهم غبطا لا هبطا.
&&&
الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
حفيت أقلام الأدباء، وبحت أصوات الخطباء في شرح ما انطوت عليه ذكرى الهجرة النبوية، من المعاني السامية، وما يترتب عليها من إشحاذ الهمم وإرهاف العزمات في سبيل استعادة مجد الأجداد واستنهاض عزائم الأحفاد، لأن في ذكراها استعراضاً لما سبق الهجرة من المصابرة إزاء عنت المتعنتين في سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبإقامة الحجة على وجوب الإقلاع عما كانت الأمة عليه من الجاهلية الجهلاء، واستذكارا لتلك المعجزات الصادرة من حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في أثناء الهجرة عند مغادرته لمنزله المبارك بمكة وإقامته في غار ثور، وتعقب سراقة له – عليه السلام-، ومروره بخيمة أم معبد وحلوله بالمدينة المنور، مما زادتهم سكينة وطمأنينة، وتذكارًا لما حدث بعد ذلك من تكوين قوة تحمى الدعوة من العدوان بمناصرة الأنصار للمهاجرين رضى الله عن الجميع وإيثارهم على أنفسهم في كل شيء، إلى أن استقر حكم الإسلام يحميه أباة كرام بمهجهم، وبكل عزيز لديهم حتى تم نشر الدعوة الإسلامية في بقاع الأرض، فانقشعت ظلمات الوثنية عن النفوس واستنارت القلوب بنور التوحيد
والائتساء بهم في المصابرة أيام الضيم والنهوض في إبان النهوض، والتضحية بكل مرتخص وغال فى سبيل المعالى أكبر راسم للخطة الرشيدة في تسلق قمة المجد والعزة والتخلص من مهانة الاستكانة والخنوع، ولذا نرى المسلمين بكل فخر - يزدادون اهتماما بإحياء ذكرى الهجرة النبوية في كل قطر وفي
كل بلد استثماراً لها في سبيل الصلاح والإصلاح. والاحتفاء بذلك فيه تجديد للعهد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم بالتمسك البالغ بشرع الله الأغر، وبتحكيمه في كل صغير وكبير، ولا دين لمن لا عهد له.
وقد ازدادت ذكرى الهجرة النبوية فى هذه السنة المباركة أهمية من جهة مصادفتها لأخذ جامعة الدول العربية المباركة فى النشاط الفعلى المثمر لأول مرة.
فنراهم يبذلون أقصى وسعهم فى سبيل استنقاذ فلسطين الشقيقة من براثن الصهيونية المفترسة.
ويفكرون في افتتاح معهد شرعى لدراسة الفقه الإسلامي دراسة شاملة تنقذ المجتمعات الإسلامية من القوانين الوضعية المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله، وهذا صدق التمسك بشرع الله رغم محاولة بعض المتطرفين توجيههم توجيها غير سديد والتفادى من ذلك سهل ميسور إذا خلصت النية من الله
ويوفدون جماعة من أهل الفضل والنبل للبحث عما يجب إحياؤه من تراث السلف في مكتبات العالم، وهذه ناحية مشكورة جدا، كانت مهملة إلى اليوم، وقد استبشر العالم الإسلامى من ذلك بكل خير.
وفى احتفائهم هكذا بذكرى الهجرة النبوية فى كل مكان ما يحفزهم إلى النهوض الرشيد في كل ناحية فيستعيدون بذلك مجد الأجداد، فيصبحون حماة كلمة الإسلام، وذادة ذمار العرب فيعز بعزهم الإسلام، وبعز الإسلام يعز المسلمون جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها، فيعود الشاطحون إلى حظيرة الإسلام، فيعزون جميعا عزا شاملا ويسعدون سعادة الأباة الأعزاء، وما ذلك على الله بعزيز.
ذكرى الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
نرى بكل اغتباط الدول العربية خاصة، وسائر الدول الإسلامية عامة، تزداد على مر السنين اعتناء بذكرى الهجرة النبوية في المجامع والأندية والجرائد والمجلات فتدبج مقالات بأقلام حملة رايات الأدب، وتلقى محاضرات من قبل أفذاذ الخطباء عن الهجرة النبوية، وهي الدور الفاصل بين المصابرة إزاء كل ضيم فى سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة،
وتلقى صنوف الأذى من أهل العنت بصدر رحب في مكة نحو ثلاث عشرة سنة، وبين المثابرة على تكوين قوة تحمى الحق والدعوة إلى الحق لدفع العدوان بعد استبانة المحجة وتمام إقامة الحجة.
وموضوع الهجرة يشمل المعجزات التى ظهرت من حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فى أثناء خروجه من منزله المبارك في مكة، ومبيته في غار ثور وتعقب سراقة بن مالك له - السلام - في طريق المدينة المنور، و اجتيازه - لم - بأم معبد، وحلوله بالمهجر المبارك، كما يشمل صنوف الضيم التي كان المسلمون يلقونها من المشركين بمكة ومبلغ تضحية الأنصار في سبيل إيواء المهاجرين بالمدينة المنورة، إلى أن قام عز الإسلام على قدم وساق، واستنار بنوره الآفاق .. جميع
وفى استذكار تلك الأنباء القدسية تنمية روح التضحية وقوة الإيمان في النفوس، وغرس حب التفانى فى سبيل إعلاء كلمة الله في القلوب فتجديد ذكرى الهجرة النبوية كل سنة، هكذا تجديد للعهد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم أمام
الله سبحانه بالتفاني فى التمسك بأهداب الدين وتعاليم الإسلام، والسعي الحثيث فيما يحقق وضع أحكامه كلها في موقع التنفيذ فى جميع أبواب التشريع وفى كل صغير وكبير من شؤونهم، إعلاء لكلمة الله جل جلاله
فإذا مضوا على هذه الخطة النبيلة والمنهج السديد فلابد أن يؤيدهم. بروح منه ويبعثهم من جديد فيعيشون تحت هذه القبة الزرقاء عيشة السعداء الأعزاء بناة مجد وحماة مكارم وذادة ذمار مترسمين أنبل المثل في الفضائل النفسية والمكارم الخلقية والأعمال الصالحة والرقى المتواصل، وفي جميع مرافق الحياة، لا تستهويهم زخارف الحياة المادية عن العناية بالفضائل النفسية، ولا يقعدهم صلاحهم وتقواهم عن السهر على شؤون المجتمع في هذه الحياة كما يجب، فيجمعون بذلك خيرى الدنيا والآخرة وسعادتي النشأتين.
وقد امتازت ذكرى الهجرة النبوية فى هذه السنة المباركة بمصادفتها بعد تكوين الجامعة العربية الميمونة، لأخذها فى النشاط الفعلى المثمر في شتى النواحي، فبينما ترى أركان الجامعة العربية يسعون في إنقاذ فلسطين الشقيقة من مخالب الصهيونية الغاشمة بكل ما أوتوا من حول وطول، تراهم يوفدون جماعة من أهل الفضل والنبل للبحث فى مكتبات الشام وغيرها؛ لتخيرما يجب نشره من تراث السلف، الخالد وهذه ناحية كانت مهملة قبل اليوم فننتظر من ذلك كل خير فنقتطف هكذا ثماراً يانعة من مساعي الجامعة العربية المباركة فيشمل هذا الخير العالم العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة. ولهذا نعد ذكرى الهجرة النبوية فى هذه السنة بالغة الأثر في النفوس الأبية المعتزة بعز الإسلام المستشعرة لذة المجد ومرارة الاستكانة فتنهضها إلى العلى واستعادة مجد الأجداد واستنهاض همم الأحفاد، ففى ذلك عز العرب حقا، وبعز العرب يعز الإسلام، وبعز الإسلام يعز
المسلمون عامة في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد قضى الله سبحانه جلت حكمته - بانتهاء أمد الدولة العلية العثمانية قبل ثلث قرن بعد أن عاشت زهاء سبعة قرون، وشمل حكمها القارات الثلاث في رقعة واسعة الأرجاء، فانتقلت إلى ذمة التاريخ بمفاخرها وعبرها، وعجرها وبجرها ولم تخلفها دولة فى غايتها وقوتها وسعة رقعتها، بعد تقطيع أوصال تلك الدولة الإسلامية المترامية الجوانب، وكان الذين يغارون على الإسلام فى غاية الاستياء من هذا الوضع المخيف للإسلام وكانوا ينتظرون بفارغ الصبر نشوء دولة إسلامية قوية فتية صادقة لمبادئ الإسلام تحل محلها لتحمى كلمة الإسلام، لكن طال أمد انتظارهم إلى أن مكن الله سبحانه ملوك الدول العربية وزعماءها من جمع كلمتهم، وتأسيس جامعة عربية من الدول العربية.
فاستبشر المسلمون بكل خير من هذا النبأ العظيم، علما منهم بأن عز الإسلام بعز العرب كما أن عز الشعوب الإسلامية يعز الإسلام، وقد حقق الله سبحانه بعض النواحى من هذا الأمل القدسي فندعو الله عز وجل أن يحقق باقي الآمال مما يعيد إلى الإسلام مجده.
&&&
ذكر الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
انطوت صحف عام بعجرها وبجرها وأقبل عام جديد بمشاكله القائمة وكوارثة القائمة، واشتداد الأزمات بشير انفراجها إذا التجأنا إلى الله بإخلاص والاحتفال بذكرى الهجرة النبوية قائم فى كل مكان ومعنى ذلك تجديد العهد مع الله في صدق التمسك بشرع الله فى كل صغير وكبير، والزمن الذي نعيش فيه زمن جد ويقظة ويهلك فيه الهازلون والذين يغطون في سبات عميق، وأمامنا أحداث تذوب من هولها القلوب المتحجرة، وتنخلع من الآمها الأفئدة المتجبرة فدونك مشكلة وادى النيل لم تحل عقدها. مع ما بذل في سبيلها من مساع جبارة، وذلك المرض الوافد يصرف فيه كل ما يمكن صرفه للحيلولة دون انتشاره واستفحال شره بتوفيق الله جل شأنه ومسألة فلسطين والقدس الشريف ثالث الحرمين الشريفين المبذول في سبيل إنقاذها من براثن الصهيونية كل مرتخص وغال، وتلك الدماء الغزيرة المسفوكة ظلما وعدوانا في الهند وتلك الكارثة الدامية فى أندونسيا ومسائل ليبيا وبرقة وما والاهما وأريتريا.
وكل ذلك مما يبصر العمى ويسمع الصم أنه لا ينتظر لنا خير إلا من شأنه وهو الذي أمرنا بإعداد القوة بكل ما نستطيع فليخجل هؤلاء الذين كانوا يظنون أنهم يكسبون شيئا من عطف الأعداء إذا سايروهم في السهرات الخليعة، وسائر الموبقات الفظيعة، ولا ينتظر النصر من الله من يكون في حرب مع الله بالخروج عن تعاليم الإسلام والسكوت على استهانة من يستهين بكتاب الله وسنة رسول الله والشرع الأغر الإلهي المتوارث من صدر الإسلام إلى اليوم واستباحة إقامة
القوانين الوضعية مقام الأحكام الشرعية بين سمع الناس وبصرهم من غير خجل ولا وجل.
وإنما النصر من الله للذين إذا تمكنوا فى الحكم يسعون في حمل الأمة على القيام بالعبادات البدنية والمالية والعمل بكل معروف والابتعاد عن كل منكر. قال الله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إِنَّ الله لقوي عزيز الَّذِينَ إِن مَكَنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ َوآتوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}، فلنلجأ إلى الله مفرج الكروب بإخلاص وصدق ولنعاهده أن نسعى فى إعلاء كلمات الله في كل ربع وناد، واتخاذ شرعه مدار الحكم في كل شيء كما شان آمن بكتاب الله رسوله، فإذ ذاك يكون لنا الحق فى أن ننتظر من الله جل جلاله أن يفرج عنا تلك الكروب، وأن يحل تلك العقد بما يعيد إلى الإسلام مجده وطمأنينته؛ وعزته وهناءته.
ذكرى الهجرة النبوية والأزهر الشريف
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
نرى بكل اغتباط ازدياد الاهتمام على توالى السنين بالاحتفاء بالمواسم الدينية، ولا سيما ذكرى الهجرة النبوية في المحافل الرسمية والمجامع القومية، بل في كل واد وناد ولا يخفى ما فى ذلك من إنعاش روح الحماس الأحكام الإسلام في النفوس، وإنماء قوة الغيرة الإسلامية في القلوب، بل نرى ذلك الاحتفاء تجديدا للعهد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم في الاستمساك علما الكلى بأحكام الشرع الأغر في كل صغير وكبير، كافل لسعادتهم وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا أحكامه تحوير ولا تطوير على أهواء أصحاب النزعات الجامحة.
بأن شرع الله خلفه، ولا يعترى لكن ما هو هذا الشرع؟ وما هى تلك الأحكام؟ وليس من السهل على كل أحد معرفة ذلك على وجه الصحة بمجرد أن حذق لغة أمة، ولا بمطالعة كتاب أو كتابين في علم أو علمين من العلوم الإسلامية، بل لابد من تفرغ صفوة مختارة من المحصلين للتبريز في تلك العلوم
وكان الأزهر القديم معقلا للسنة قائماً بهذه المهمة الشاقة خير قيام منذ ثمانية قرون، بعد أن كان دار دعوة إلى المذهب الإسماعيلي المشروح في كشف أسرار الباطنية - مدة قرنين وكتب التاريخ كفيلة بشرح ذلك كله. ثم اعترى الهرم هذا المعهد المعمر ألف سنة، فأخذت شرايين حياته تتصلب، بحيث لا تقبل إغاثتها بدم جديد وبدأت أركانه تتداعى، ومساعى القائمين بإنعاشه تمنى بالفشل، إلى أن أصحاب الشأن على إنهاضه على صمم المناهج العصرية، مهما
كلفهم ذلك، فبنيت مبان، ودونت مناهج، ووضعت أنظمة جديدة جربت سنوات بين ضوضاء زج الأزهر في الحزبيات القاطعة عن العلم، لكن كان الفشل مريعا حيث لم يمكن إنهاضه في العلوم الأصلية التي أصابها ركود من زمن بعيد ولا تحقق أمل اتخاذ العلوم الكونية الحديثة عدة كافية لإنعاش العلم والروح العلمى فى صالح الإسلام على طراز حديث، بل لم يزيدوا فى العلوم الأصلية إلا انحرافاً في الاتجاه، وخمودا علي خمود ولا فى العلوم الكونية غير أن زادوا على مدارس الحكومة بعض مدارس حديثة على مناهج مدارس المعارف وتحت إشراف أساتذة المعارف، وإن كنا لا ننكر بعض النجاح فى ساحة الكتابة والخطابة.
والجديد الذى نراه فى الأزهر الحديث هو بعث طوائف إلى الغرب؛ ليتفقهوا في دين الإسلام في معاهد المستشرقين هناك، ولينذروا قومهم من المسلمين إذا رجعوا بآراء هؤلاء الذين ليس عملهم سوى شن غارات الصليبيين على الإسلام من جديد تحت ستار البحث العلمى البرىء وزد على ذلك انتداب هؤلاء المتخرجين عليهم لترجمة أضر كتبهم وإذاعتها في الأوساط الإسلامية بدون رد شاف يكون ترياقا لسمومها الفتاكة، ولا نقض كافل لدفع أضرارها، فيكونون كأنهم بعثوا ليكونوا حرباً على بنى قومهم وأهل دينهم!! وهذا قلب للأوضاع فظيع.
وكان الأزهر في قديمه قائما بتخريج علماء أجلاء في العلوم الإسلامية بالمعنى الصحيح، حتى إذا اجترأ بعض من يتعدى طوره من الأدعياء في العلم على النيل من بعض التعاليم الإسلامية انبرى رجال أكفاء، من العلماء لرد عاديته وإيقاف المعتدى عند حده بحجج ناهضة
وأما الآن فترى بين سمع العلماء وبصرهم من ينال أصول الإسلام الستة وغيرها، بين حين وآخر بدون أن يقوم أحد منهم برد هذا العداون الصارخ بطريق علمى إلا نادرا فإن كان هذا من قلة إلمامهم بطرق دفع العدوان وإهمالهم لعلوم السنة المؤهلة للرد فهذه مصيبة وإن كان من عدم اهتمامهم بالذب عن السنة التي ينبني عليها بيان الذكر الحكيم، واستنباط الأحكام الشرعية، فهذه أفظع المصيبتين. على أن ما يدرس من الحديث في الأقسام النظامية الحديثة لا يزيد على أحاديث يسيرة في العدد، وهكذا عملهم في تراجم رجال الرواية وعلوم دراية الحديث، فبمثل هذا القدر الضئيل من العلم، لا يمكن دفع عادية المعتدى الأثيم.
فلا غنى لنا عن الاحتفاظ بأزهرنا القديم بعلومه الأصلية المعروفة، ومن جملتها أصول الإسلام الستة، ومن السهل جداً بدون أن تتحمل الخزينة عبئًا ثقيلا، تخصيص شيوخ من علماء الأزهر لتدريس تلك العلوم في الجامع الأزهر، فلمثل الكشاف شيخ مثلا، ولمثل ارتشاف الضرب لأبي حيان شيخ، ولكل من الأصول الستة شيخ، وهكذا على أن يكون تدريس الحديث مقصوراً على ضبط المتن طبق الرواية وضبط الأسماء والأنساب والكنى والألقاب في ذلك الكتاب بتعويد الطلبة على مراجعة كتب الرجال والبحث الشامل ويكون الشيخ القائم بتدريس أحد كتب السنة مكلفا بصحة ضبط هذا الكتاب طبق الرواية، ويكون تلقى الطلبة الحديث منه بطريق السرد، لتتم قراءة الكتاب في أيسر مدة؛ لأن التوسع فى الشرح قاطع عن إكمال كتب السنة كما هو مطلوب.
ثم أوقات التدريس فى الأزهر تجعل فى ساعات لا تصادم ساعات الدراسة فى الأقسام النظامية، فبذلك يحصل تمكين طلبة الأقسام النظامية من الحضور فى
دروس الجامع الأزهر مع إلزامهم البات بتخير أحد كتب السنة وبإتمامه عند شيخ ذلك الكتاب، فبهذا يتمكنون من التوسع في العلوم الإسلامية التي يقرر تدريسها فى الجامع الأزهر بعد بحث شامل.
فيكون ما يصرف عليهم. من أوقاف الأزهر عن استحقاق شرعي باتفاق الأئمة، لأن الأزهر إنما هو اسم جامع معروف المكان ومحدد الأركان والواقفون لطلبة الأزهر إنما أرادوا بوقفهم طلبة العلوم الإسلامية في الجامع الأزهر، فصرف مبالغ من أوقاف هؤلاء الواقفين على طلبة معهد في شبرا أو في البرمونى مثلا بمجرد عدهما فى زمن متأخر فرعين من الأزهر لا يكون إلا رأيا شاذا لا يبرره الفقه المتوارث عن الأئمة المتبوعين وأحق الناس بالبعد عن الشبهات هم | العلماء وطلبة العلم، فمن تعود منهم أن يتناول ما لا يحل له في دور الطلب لا ينتظر منه خير فى الدعوة إلى الله. ثم إن القول بأن الأزهر قسم عام، من قبيل عد الأصل فرعا كما أن الحكم بحرمان طلبة العلم في الجامع الأزهر من إيراد أوقاف الجامع الأزهر نفسه باعتبار أنه لا يعد
من أقسام الأزهر بسبب إلغاء القسم العام، في وقت يتحدث فيه عن العيد الألفى لهذا المعهد التاريخى يكون من قبيل عد الأصل القائم زائلا، وهذا وذاك من الغرابة بمكان.
لكن الله سبحانه لطف فعاد الأزهر موضع دراسة رسمية يستحق طلبته من أوقافه ما نص عليه الواقفون.
فبالنظر إلى أنه لا يمكن الاقتصار والاقتصاد في العلوم الأصلية بدون ضرر يلحق بالإسلام ننتظر من القائمين بشؤون الأزهر أن يفكروا في استبقاء
الأزهر القديم على قدمه معهداً تاريخياً يتولى فيه تدريس تلك العلوم أساتذة خاصة من شيوخ الأزهر، مصونا عن المساس به والتفريط فيه حرصا على الفائدة العامة الشاملة لطلبة جميع الأقطار الإسلامية وأداء للأمانة على الوجه الصحيح، لأن علوم الأزهر القديم من قبيل الحاجيات، وأما الأقسام النظامية فعلومها من قبيل الكماليات تزيد وتنقص باعتبار الظروف والغايات، في حين أن العلوم الأزهرية القديمة الأصلية غير قابلة للإقلال منها بالنظر إلى الغاية الأصلية.
ومجمل القول أن الاحتفاظ بالأقسام النظامية بدون أن تطغى علومها على العلوم الأصلية، مع كمال السهر على أخلاق الطلبة وعلى قيامهم بواجباتهم الدينية والمدرسية من غيرأى تساهل، ومع العناية بتخيرهم واصطفائهم من بين الراغبين فى الالتحاق بالمعهد فى مبدأ الأمر بكل اهتمام تعد من الوسائل الجوهرية لتحقيق الغايات من الدراسات الأزهرية وإعلاء شأن الأزهر وسمعته في جميع الأقطار، زيادة على ماله من الزعامة الدينية المعترف بها في جميع الأقاليم. كما أن ترك المعارف الدخيلة تطغى على العلوم الأصلية قاض بالحرمان من القبيلين ولنا عود إلى الموضوع إن شاء الله تعالى في فرصة أخرى تبيينا لوجوه الإصلاح المنشود فى الأزهر القديم، في إدارته و دراسته وتثقيف طلبته ليتمكنوا من أداء الأمانة التي حملوها كما يجب، والله
سبحانه ولي التوفيق.
&&&
عن كلمة خالد بن الوليد
وقتل مالك بن نويرة
نرى في المدة الأخيرة اتجاه عدة من نوابغ الكتاب إلى الكتابة عن السيرة النبوية وسير الراشدين من وسير الخلفاء فنسر من هذا الاتجاه علما منا بأن المثل الأعلى فى النهوض بالأمة هو سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أصحابه – رضي الله عنهم - فاطلاع الجماهير على الحقائق الناصعة. من أنباء الصدر الأول صافية من كل شائبة تحفزهم إلى الاعتصام بسيرهم في الحرص على تعاليم الإسلام والاستماتة فى الدفاع عن حريم الإسلام.
وليس بخاف على القارئ الكريم مبلغ سعى أعداء الإسلام في كل دور، ووجوه تجدد مكرهم فى كل طبقة. فمن ألوان مكرهم في عهد تدوين الروايات اندساس أناس منهم بين نقلة الأخبار متلفعين بغير أزيائهم لترويج أكاذيب بينهم مما يشوه سمعة الإسلام وسمعة القائمين بالدعوة إلى الإسلام فراجت تلك الأكاذيب المدبرة على نقله لم يؤتوا بصيرة نافذة فخلدوها في لكتب، حتى ظلت يتذرع بها الكائدون فى كل قرن للكيد بالإسلام لكن الله سبحانه أقام ببالغ فضله جهابذة تضع الموازين القسط لتعرف الأنباء الصافية العيار من نبهرج الأخبار، فأصبحت تعاليم الإسلام وأنباء الإسلام في حرز أمين من دس الساسين عند من يعرف أن يزنها بتلك الموازين.
وكانت طريقة كتاب الغرب فى النيل من الإسلام طريقة الإقذاع المجرد والبهت الصرف إلى أن جد لهم منذ قرنين منهج في تشويه الحقائق، يتصيدون أكاذيب من كتب الشرق متظاهرين بمظهر البحث العلمى البرىء فأخذ من له صلة بهم من أبناء الشرق الأغرار ينخدع بكتاباتهم وينشر خزعبلاتهم بين بنى
قومه فاستشرى الشر، ووجب تدارك الأمر.
فأصبح من الحتم اللازم على كتاب السير» اليوم، أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم إزاء الكتب المؤلفة فى السير فى الشرق والغرب قديما وحديثا، وأن يضاعفوا السعى فى تمحيص الحقائق بالموازين المعتبرة عند أهل النقد، بدون أين يجعلوا لأقلامهم الحرية المطلقة التي تعودوها فى سبك القصص والروايات العصرية والموضوعات الأدبية فى الصحف السيارة، محتاطين غاية الاحتياط في إبداع آرائهم ونقولهم فى الكتاب، متريثين إلى ظهور نتيجة عرضها لمحك النقد الصحيح، فإذا تبصروا هكذا فى تعرف دخائل الكتب الشرقية خاصة يسهل عليهم القضاء على صنوف الكيد في كتب الغربيين.
فمن رجال كتب السير فى الشرق محمد بن إسحاق، وقد كذبه كثير من أهل النقد، ومن قواه اشترط فى رواياته شروطا لا تتوفر في مواضع الريبة من رواياته، وفى فهرست ابن النديم في ترجمته ما يحسن الاطلاع عليه، راويته زياد البكائى مختلف فيه ضعفه النسائى، وتركه ابن المديني وقال أبو حاتم لا يحتج به، وراويته الآخر سلمة بن الفضل الرازي مختلف فيه، يقول أبو حاتم عنه أيضا لا يحتج به وراويه سلمة هذا هو محمد بن حميد الرازي مختلف فيه وقد كذبه كثيرون أشنع تكذيب، وبطريقه يسوق ابن جرير الطبرى روايات ابن إسحاق.
ومنهم هشام بن محمد الكلبي وأبوه وهما معروفان بالكذب.
ومنهم محمد بن عمر الواقدى وقد كذبه أناس والذين وثقوه لا ينكرون أن في رواياته كثيرا من الأخبار الكاذبة حيث كان يروى عن كل من هب ودب، والخير لا يسلم مالم يسلم سنده.
ومنهم سيف بن عمر التميمى صاحب كتاب الردة والفتوح، ويقول عنه أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي، وقال الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو فى الرواية ساقط. وقال ابن حبان قالوا إنه كان يضع الحديث يروى الموضوعات عن الأثبات، اتهم بالزندقة وضعفه غير واحد. وراويته شعيب بن إبراهيم يقول عنه الذهبي فيه جهالة، ويقول ابن عدى ليس بالمعروف، وله أحاديث وأخبار فيها ما فيه تحامل على السلف اهـ. والراوى عنه السرى بن يحيى غير موثق وهو شيخ ابن جرير في رواياته عن سيف، وأما من فوق سيف من الرجال فمجاهيل في الغالب.
ومنهم موسى بن عقبة وقد أثنوا عليه خيرا إلا أن رواياته عن ابن شهاب وقد ذكر الإسماعيلى أنه لم يسمع منه شيئا وابن شهاب تغلب عليه المراسيل في باب المغازى والسير ومراسيله شبه الريح عند أهل النقد.
ومنهم محمد بن مصادر صحيح عائد الدمشقى، ويقول عنه أبو داود هو كما شاء الله.
وهو راوية الوليد بن مسلم واليعقوبي شيعي متحامل. وأما أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغانى فمن رجال الأسمار لا الأخبار كان يأتى بأعاجيب بحدثنا وأخبرنا وقد اتهم، وقال النوبختى كان أكذب الناس يدخل سوق الوراقين وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشترى كثيرا من الصحف ويحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها. وقد أغنى الله تعالى أهل العلم عن هذا الظنين الوسخ.
وتلك نماذج من حملة الروايات فى السير والمغازى والتهم الموجهة إلى
بعضهم فى باب الرواية تدعو الحريص على العلم الصحيح إلى إمعان النظر فيما يكتب فى السير فإذا أحاط من يكتب فى السير خبرا بأحوال الرواة وباختلاف الروايات في موضوع كتابته لا يتسرع في تدوين كل ما يراه لثلا يكون حربا على أهل دينه بتسرعه.
فإذا رأينا من يكتب في خالد بن الوليد المخزومي –رضي الله عنه - مثلا يسترسل فى وصمه بدون تمحيص الروايات يكون وقع في فخ نصبه الغربيون لأهل الشرق فى النكاية بالشرق بيد أبنائه وهذا بطل عظيم من أبطال الإسلام وقائد بارع لا مثل له وله مواقف عظيمة فى سبيل الإسلام في مؤتة وبلاد اليمن والشام والعراق وبه زالت أهل الردة من الوجود فتصوير مثله بصورة رجل شهواني،سفاح مما ينادى على مصوره بالويل والثبور. نعم هو استعمل السيف في بني جذيمة حينما قالوا صبأنا، صبأنا» وظاهر قولهم يدل على الاعتراف المكرر بأنهم دخلوا فى دين الصابئة فحكم فيهم أخذا بحكم من بدل دينه وتبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم خالد إذ ذاك، لإعلام أن عمله هذا لم يكن بأمر خاص منه - -؛ ولذا لم يعزله ولا اقتص منه بعد أن لاح احتمال كون كلمتهم تلك من قبيل سبق اللسان، واكتفى بأن يدى المقتولين من بيت مال المسلمين إزالة لما عسى أن يعلق بالنفوس من عمل مما صنع السيف خالد. فما دام الظاهر يشهد لخالد لا يعد آثما عند أهل العلم بالشرع.
وفي موقعة مؤتة أنقذ خالد جيش المسلمين مرفوع الرأس موفور الكرامة. فحاز لقب سيف الله من فخر المرسلين فينعى هذا على المقتول بسيفه أنه مقتول بسيف الله فى عداد أعداء الله.
وأما مالك بن نويرة فإنه كان قدم المدينة وأسلم فاستعمله رسول الله - على جباية زكاة، قومه ولذلك ذكره من ذكره فى عداد الصحابة، وبعد وفاته – صلى الله عليه وسلم - خان مالك العهد والتحق بسجاح المتنبئة، وأبي دفع الزكاة مرارا وتكرارا عند النقاش معه فى ذلك واجترأ أن يقول صاحبكم كان يقول كذا» فمثل خالد فى صرامته وحزمه ضد أهل الردة وهو شاهد يرى مالا يراه الغائب إذا قسا على مثل مالك هذا لا يعد أنه اقترف ذنبا.
والقتل والسبي من أحكام الردة. ولذا لم يذكره ابن عبد البر فى «الاستيعاب» وأصاب.
وأما إذا نظرنا إلى المسألة بمنظار الغرب فأى حكومة مدنية تعاقب الموظف الذي خان عهده والتحق بالعدو مثل مالك بأقل من عقوبة الإعدام؟!! وأمامنا فى أمر مالك بن نويرة روايات منها أن أبا بكر - في - كان أمر خالدا بقتل مالك على ما في شرح الحماسة للخطيب التبريزي وغيره ومنها أن مالكا وقومه كانوا قاتلوا سرايا خالد في البطاح فهزمتهم السرايا وأسروا مالكا وأصحابه على ما ذكره البلاذرى في الفتوح. ومنها أن السرية ألقوا القبض على مالك وأصحابه بالبطاح ثم اختلفوا في الشهادة في حقهم فأمر خالد بحبسهم لينظر فى أمرهم باعتبار أن الشهادات إذا تهاترت تساقطت فحدث ما أدى إلى قتلهم خطأ على ما ذكره ابن جرير الطبري. ومنها أن مالكا ناقش خالدا فى أمر الزكاة وقال إن صاحبكم كان يزعم فقال خالد أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه فضربت عنقه على ما فى تاريخ ابن كثير. وقال القاضي عياض في «الشفا» عند الكلام في كلمات الردة واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله صاحبكم»: وهذا الفقيه هو ابن مرتيل
المالكي كان عالما بالفقه بصيرا بالحجة أخذ عن سحنون ومطرف وعلى بن معبد وتوفى سنة 240هـ. وقوله صاحبكم هنا لا يحتمل غير التبرؤ منه بالنظر إلى ملابسات القول المذكور.
وأما قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُم بمجنون فاستبشاع لقول قريش باعتبار أنهم صحبوه وخبروا عقله وأحواله وأين هذا من ذاك؟!!. وكل كلمة لها مع صاحبتها مقام لا يكون لها مع غيرها كما هو معلوم. وتزوج المسبية بعد انقضاء عدتها هو الواقع فى الروايات عند ابن جرير وابن كثير وغيرهما. ولا غبار على ذلك أصلا؛ لأن مالكا إن قتل خطأ فقد انقضت عدة أمرأته ثم تزوجت وإن قتل عمدا على الردة فقد انقضت عدة امرأته أيضا فتزوجت بعد تمام العدة فماذا في هذا؟!!.
وأما ما يحاك حول تزوج خالد بها من الخيالات الشائنة فليس إلا صنع يد الكذابين ولم يذكر شيء منه بسند متصل فضلا عن أن يكون مرويا برجال ثقات، وبعث بعض أسرى الردة إلى المدينة فيما سبق لأجل إعلام أهلها انتصار الإسلام لا الاستمرار على بعث الأسرى إلى المدينة، ولو صحت رواية قتله المسلم بغير حق ونزوه على امرأته بدون نكاح لاستحال أن يبقيه أبو بكر – رضي الله عنه- في قيادة الجيش لبعده – رضي الله عنه – عن الاعتضاد بفاجر سفاك، ولسان سيرته يقول في كل موقف: {وَمَا كُنتَ مُتَّخِذَ الْمُضلَّينَ عضدا}، ولما يعود من ذلك على الإسلام من سوء القالة في أخطر الأيام أيام حرب الردة وقد لقب الوحى خالدا بلقب سيف الله تشريفا له أفلا يكون من المحال أن يصف الوحى بهذا اللقب سافكا فاجرا؟!
وأما أداء أبي بكر لديته من بيت مال المسلمين فاقتداء بالمصطفى –صلى الله عليه وسلم - فيما فعله في وقعة بني جذيمة؛ تهدئة للخواطر، وتسكينا للنفوس في أثناء ثورانها مراعاة للاحتمال الأبعد فى باب السياسة وإنما عابه على النكاح في أثناء الحرب على خلاف تقاليد العرب.
وأما ما يعزى إلى عمر – رضي الله عنه - من الكلمات القاسية في حقه فيكفي في إثبات عدم صحتها قول عمر عندما عزل خالدا: «ما عزلتك عن ريبة وأى ريبة أشنع مما يعزوه إليه الخراصون على لسان عمر، بل لوصح ذلك عنه لرماه بالجنادل وقتله رجما بالحجارة، لأن الإسلام لا يعرف المحاباة وتصور الكاتب خلافا بين أبي بكر وعمر فى السياسة، يقضى عليه عمل عمر معه عندما تولى الخلافة كما سبق. وفى ذلك الخيال الباطل وصم مثل أبي بكر ومثل عمر في آن واحد بما هما بريئان كل البراءة. ولست أدرى كيف استجاز هذا الكاتب المسلم لنفسه أن يقول عند تصويره لرأى أبي بكر: «إن التزمت فى تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ العظماء. كبرت كلمة تخرج من أفواههم ولا يعرف الإسلام دينا للخاصة ودينا للعامة، وإنما هذا رأى أناس لا شأن للإسلام بفلسفتهم.
من أمثال خالد ولاشك أن خالدا من أعاظم المجتهدين في علم تعبئة الجيوش وتدبير الحروب فلو تنزلنا غاية التنزل وقلنا إنه أخطأ في قتله -وهو شاهد- وأصاب من استنكر عمله وهو غائب - وجب الاعتراف بأن الإثم مرفوع عنه كما سبق، وإليه يشير ما يروى عن أبي بكر أنه قال: هبه يا عمر! تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد على أن خالدا أخذ فى عمله بالظاهر الراجح فيكون غير متأول في الحقيقة.
وليس في استطاعة أحد أن يسوق سنداً واحداً صحيحا. بمخالفة الشرع في هذه المسألة. أنمع يصم خالدا خبر الآحاد لا يفيد علما في مثل هذا الموضوع، وهذا المطلب علمى يحتاج إلى دليل يفيد العلم. وابن جرير الطبرى عمدة أمثال ابن الأثير وأبى الفداء وابن كثير وابن الوردي فيما سردوه من عمل خالد إزاء ابن نويرة مع أن ابن جرير على جلالة قدره فى الحديث والتفسير والفقه والتاريخ لم يضمن أصلا صحة ما أورده في تاريخه بل قال فى 1-5: فما كان في كتابي هذا مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولامعنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا وقال هناك أيضا إذا لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج ... » وبهذا يعلم أنه تبرأ من عهدة رواياته في التاريخ وحملها على أكتاف رواتها له وقد أشرنا إلى أحوال الرجال في أسانيد ابن جرير فيما سبق.
وأما أحدوثة التأثيف فغير ثابتة لأنها من مقطوعات ابن شهاب، و مراسيله شبه الريح عند يحيى بن سعيد القطان وغيره، وسماع ابن عقبة منه ينفيه الحافظ الإسماعيلى كما فى أحكام المراسيل و تهذيب التهذيب». ويقول ابن معين في محمد بن فليح الراوى عن ابن عقبة: ليس بثقة، والزبير ابن بكار الراوى عنه كثير المناكير.
وصفوة القول أن تدوين أنباء الصدر الأول كيفما اتفق بدون تمحيصها بالطرق العلمية المعروفة والاكتفاء بسبكها في أساليب روائية عصرية جذابة خلابة بدون أى إشارة إلى مصادر النقول وبدون أى عناية بتوثيق المرويات وتحقيقها، مما تكون فيه خطورة بالغة وتشكيك فى مواضع اليقين وتأثير غير حميد
في النفوس، ولا سيما في نفوس النشء الحديث الذي افتتن بأساليب کتاب، مخصوصين فنود أن نرى هؤلاء يعيدون النظر في مؤلفاتهم بدقة بالغة لإصلاح ماشطت أقلامهم فيه عن الاتجاه الصحيح حتى يتموا البحوث فيخرجوا كتبهم في الطبعات الأخرى كما يرضاه التمحيص العلمي والنقد الصحيح والبحث الوافى. ومن الله سبحانه التوفيق والتسديد.
&&&
رد أسطورة
في سبب وفاة الإمام الشافعي
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
طلب أحد الباحثين أن أكتب كلمة في تحقيق سبب وفاة الإمام الشافعي في فقلت سبق أن نشرت بحوث مستفيضة في تحقيق ذلك في جريدة الأهرام قبل سنين.
وكان الأستاذ الأثرى الكبير السيد حسن عبد الوهاب فند إذ ذاك أقصوصة وفاته بشجة أصابته وأيده فى ذلك الأستاذ الأديب السيد عبد الغنى سلامة مشكورا فضلهما حيث كانا أعادا الحق إلى نصابه، فقال محدثى لكن نشر حديثا أحد القضاة السابقين ممن يذكر بنيل درجتين وبالانتماء إلى مذهبين كتابا في تاريخ الإمام الشافعى يؤكد فيه: أنه كان سبب موته ما جرى في حقه – رضي الله عنه - من أبى الحياء فتيان ... فوجب تأييد الحق في ذلك. فأقول مستعينا بالله:
إن موت الإمام الشافعي - - لم يكن إلا من مرض أصيب به وطال أمده ودعوى إصابته بشجة قاضية ما هي إلا حديث خرافة، وقد أخرج الحافظ ابن حجر فى توالى التأنيس بمعالي ابن إدريس 83 و 84 - بطريق أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي عن الربيع: ... كان الشافعي عليلا شديد العلة وربما خرج الدم وهو راكب حتى تمتلئ سراويله وخفه يعنى من البواسير - وبطريق ابن المنذر عن ابن الحكم: كان الشافعي قد مرض من هذا الباسور مرضاً شديداً حتى ساء خلقه فسمعته يقول إنى لآتى الخطأ وأنا أعرفه» يعنى من ترك الحمية وبطريق جعفر بن محمد بن عبدا الله أبي الوليد ابن الجارود: قال وجه المأمون بحمل الشافعى ليوليه القضاء فوصل الرسول والشافعي عليل شديد العلة وبطريق أبي نعيم الجرجانى
سمعت الربيع يقول: «جاء رسول الخليفة إلى الشافعي بمصر يدعوه ليوليه القضاء، فقال الشافعي: اللهم إن كان خيراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمرى فأمضه وإلا عن فاقبضنى إليك. قال فتوفى بعد هذه الدعوة بثلاثة أيام والرسول على بابه. وتلك الأخبار تدل على أنه كان مريضا وبه كان موته، وأما إصابته بشجة مميتة فلم ترد بسند يلتفت إليه وإنما وردت فى كلام بعض الإخباريين أصحاب الأسمار الذين يجمعون كل غث وسمين بدون خطام ولازمام فمنهم من رمى أشهب الإمام بها وهو برىء الساحة من مثل هذه التهمة الشنيعة: وكل ما فعله أن دعا عليه حيث ضاق صدره من ردوده كما يظهر من توالى التأنيس وغيره، وكان الأجدر بمقامه أن يدعو له لا عليه لأنه لولا ردود العلماء بعضهم على بعض لما نضج الفقه الإسلامي، ومنهم من عزاها إلى فتيان بن أبي السمح، وهذا أيضا باطل.
قال ابن حجر في توالى التأنيس» -86-: «قد اشتهر أن سبب موت الشافعي أن فتيان بن أبى السمح المالكي المصرى وقعت بينه وبين مناظرة فبدرت من فتيان بادرة فرفعت إلى أمير مصر فطلبه وعزره فحقد على ذلك فلقى الشافعى ليلا فضربه بمفتاح حديد فشجه فمرض الشافعي منها إلى أن مات ولم أر ذلك من وجه يعتمد وليس ابن حجر ممن يقصر في البحث عن مثل هذا النبأ فهو لم يقل ما قاله إلا بعد بحث شامل، وهو من أصحاب الاستقراء التام في مثل هذه البحوث لا سيما في نبأ يتصل بإمامه فيكون هذا الخبر مما لا ظل له من الحقيقة.
وقال أبو عبد الله محمد الراعى الأندلسى فى انتصار الفقير السالك للإمام
الكبير مالك وهو من محفوظات دار الكتب المصرية عند كلامه فيما يعزى إلى فتيان: لم يصح ولم ينقل من وجه يعتد به على أن الحكاية معها ما يكذبها لأنه لو كان فتيان قتل الشافعى هكذا لاقتص منه فوراً وليس مثل الشافعي ممن يطل دمه ولا سيما أن والى مصر إذ ذاك السرى بن الحكم كان عزره على سبة بدرت منه فى الشافعى فبالحرى أن لا يهمل أمر القصاص لو كان مات بضربه والقتل بالحديد يوجب القود اتفاقاً.
وفتيان هذا هو أبو الحياء فتيان بن أبى السمح عبد الله بن السمح بن أسامة بن بكير التجيبى من فقهاء المالكية فى عصره، عاش بعد الشافعي سنة كاملة ومات حتف أنفه سنة 205 هـ. ومثله مهما ضاق خلقه لا يرمى بمثل تلك الجناية.
وأما ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء من تعزيز فتيان وتعصب قوم سفهاء له فهو عين ما ذكره القضاعي في الخطط كما تجد نقل ذلك عنه في مخطوط قديم منسوخ سنة 630هـ محفوظ في التيمورية رقم 578 تاريخ لكن القضاعي ليس ممن يتوخى الصحة فى رواياته وياقوت جرد غالب ترجمة الشافعى من تاريخ ابن عساكر بحذف الأسانيد فأصبحت رواياته غير مميزة الغث من السمين فلو استكملت ترجمة الشافعي في نسخة ابن عساكر المصرية من نسخة الآستانة وأفردت بالطبع مع الأسانيد لكانت من أحسن ما إليه في أنباء الشافعي - صاله -. وكان الجدير بمثل أبي حيان الأندلسي أن يترفع عن تخليد هذه الأسطورة الباطلة بشعره حيث قال:
فشج بمفتاح الحديد جبينه ... فراح قتيلا لا بواء ولا نعيا
ولو سئل من أين صحت الحكاية عنده لما استطاع أن ينبس ببنت شفة، وقد رد عليه الراعي الأندلسي في انتصاره رداً قاسيا.
ومن جملة ما ينقل الراعى عن خط أبي البركات العراقي عن الشمس البرماوى عن بعض المالكية: أن دعاء أشهب عليه كان: اللهم إن كانت لك في مذهب مالك حاجة فاقبض هذا إليك فاستجيب فيه فمرض فمات -رحمه لله». لكن هذا لا صدوره عن عالم فضلا عن مثل أشهب في ورعه وإمامته، وأثر الاختلاق ظاهر عليه ومن الذى يستسيغ نسبة الحاجة إلى الله الغنى عن العالمين؟! والذى صح عن أشهب هو ما ذكره القاضي عياض في المدارك وابن حجر فى توالى التأنيس واليافعى فى مرآة الجنان وابن العماد في الدعاء عليه بالموت فقط وليس فيها نسبة الحاجة إلى الله سبحانه أصلا، ومنهم من يقول إنه رفع أمر الشافعى إلى القاضي؛ لكثرة رده على مالك، فجرجروه إلى بيت القاضى فارتجف واشتد مرضه ومنهم من يقول: حضر من المدينة رجل بهلول كان خادم مالك فشجه حيث كان استاء مما بلغه عنه من رده على مالك.
وكل تلك الأقاصيص أساطير ملفقة لا أصل لها وإن شوه بها بعض المؤلفين كتبهم ومما يؤسف له كثرة اختلاق روايات في صدد التحزب لهذه الطائفة أو لتلك الطائفة من الفقهاء وتخليدها فى الكتب بدون أسانيد من أناس متطفلين على الفقه إلى أن يبلغ الأمر ببعضهم إلى عزو صنوف من الاعتداء إلى علماء، أبرياء، وما ذلك منهم إلا من رقة الدين وضعف اليقين.
وصفوة القول أن الإمام الشافعي كان في موضع إجلال عند علماء المذاهب، ولم يمت بشجة لا من أشهب ولا من فتيان ولا من غيرهما بل مات
موتا عاديا بمرضه بعد أن خدم الدين خدمة عظيمة بمؤلفاته الخالدة وبأصحابه الذين تخرجوا عليه فى الفقه ونشروا علمه وعن سائر أئمة الدين أجمعين ورفع مقامهم في أعلى عليين وتغمدهم برضوانه وغفرانه، وفى هذا القدر كفاية في تبيين الحق في هذا الموضوع والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
&&&
مصنفات الإمام أبي جعفر الطحاوى
على ذكر الخروج لرؤية الهلال قديما في الآفاق
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت أطالع البارحة صفحة من التاريخ فمر بي أن قاضى مصر كان يخرج بالناس قديما لرؤية الهلال فى رجب والذي بعده احتياطا لشهر رمضان بجامع محمود بالقرافة وأول من خرج من القضاة بالناس إليه أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد البغدادي المالكي المتولى قضاء مصر من قبل الخليفة بعد الثلاثمائة كما ذكره ابن زولاق والقاضي عياض.
وكان هذا القاضى مع كونه قاضي القضاة يتردد إلى الإمام أبي جعفر الطحاوى ليسمع من تصانيفه، واتفق مجيء شخص لاستفتاء الطحاوى عن مسألة والقاضى عنده فقال له الطحاوى مذهب القاضي أيده الله» كذا وكذا، فقال السائل ما جئت إلى القاضي، إنما جئت إليك، فقال: يا هذا هو كما قلت: فأعاد السائل، فقال له القاضي أفته أيدك الله» برأيك، فقال له الطحاوى حيث أذن القاضى أيده الله أفتيه ثم أفتاه. وقد قال الحافظ السخاوى فى التبر المسبوك بعد هذه الحكاية فكان ذلك من أدب الطحاوى وفضله، كما أن مجىء القاضى إليه أيضاً من أدبه وفضله رحمهما الله. فأثارت هذه الحكاية فى نفسى لوعة وإكباراً لتلك النفوس النقية العالية، وأسفًا على نفوس جاهلة تهوى فى هاوية الهوان كلما ازدادت غطرسة وإعجابا بالنفس فى العلم وقاضي القضاة فى ذلك العهد في مثل مصر لم يكن ليعين إلا من أفذاذ أهل العلم ومع ذلك نراه لا يأبى أن يستفيد العلم ممن يراه أعلم منه وإن لم يكن على مذهبه.
ثم فكرت في جلالة مقدار الطحاوى فى الفقه والحديث ومعرفة الرجال وفي كثرة مؤلفاته الممتعة وإهمال كتبه وتركها فى خزانات الكتب طعمة للعت
والأرض فازددت أسفا وليس بمنكور ما تقوم به مصر من إحياء كتب للأقدمين فى الأدب، ولكن عنايتها بإحياء تراث كبار الأئمة في العلوم ولاسيما الذين هم من أبناء مصر ليست بشيء يذكر بالنظر إلى الواجب. وهذا الركود المشهود فى الهمم يجب ألا يقعد عن التنويه بمثل الطحاوى ومؤلفاته ولعل ذلك يجد أذنا مصغية فى يوم من الأيام فلا بأس أن نترجم له ترجمة مختصرة هنا توطئة لذكر مصنفاته.
فأبو جعفر الطحاوي هذا هو الإمام المجتهد الحافظ المؤرخ النسابة أبو جعفر أحمد بن محمد سلامة الأزدى الطحاوى ولد بطحا الأشمونين بالصعيد الأدنى كما ذكره ياقوت فى المشترك. وميلاده سنة: تسع ومائتين على الصحيح على ما ذكره أبو سعيد بن يونس رواية عن الطحاوى نفسه، ومثل ذلك في أنساب السمعانى وفى كتاب التقييد لمعرفة رواة المسانيد لا بن نقطة تفقه على بكار بن قتيبة وابن أبي عمران وأبي خازم عبد الحميد بعد أن أخذ العلم عن خاله المزنى صاحب الشافعى. وفي شيوخه كثرة وقد جمع عبد العزيز بن أبى طاهر التميمى جزءاً في مشايخ الطحاوي. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلى فى الإرشاد في ترجمة المزني: «كان الطحاوى ابن أخت المزنى، وقال له أحمد بن محمد الشروطي: لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة؟ فقال: لأنى كنت أرى خالى يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه وأما ما ذكره الصيمري نقلا عن أبي بكر الخوارزمى فى سبب انتقاله إلى مذهب أهل العراق فخبر منقطع لا تقوم بمثله حجة، على أن لفظ والله لا جاء منك شيء ليس مما يوجب الكفارة في المذهبين على الصورة المبينة في الخبر المنقطع.
والطحاوى شارك مسلما فى الرواية عن يونس بن عبد الأعلى كما شارك أبا
داود وابن ماجه والنسائى فى الرواية عن هارون بن سعيد الأيلى مثله. قال البدر العيني كان عمر الطحاوى حين مات البخاري صاحب الصحيح سبعا وعشرين سنة، وحين مات مسلم اثنتين وثلاثين سنة، وحين مات أبو داود ستا وأربعين سنة، وحين مات الترمذى خمسين سنة، وحين مات النسائى أربعا وسبعين سنة، وحين مات ابن ماجه أربعا وأربعين سنة، وحين مات الإمام أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة اهـ، ثم قال: ولا يشك منصف أن الطحاوى أثبت فى استنباط الأحكام من القرآن الأحاديث ومن النبوية وأقعد فى الفقه من غير ممن عاصره سنا أو شاركه رواية من أصحاب الصحاح والسنن، وهذا إنما يظهر بالنظر في كلامه وكلامهم اهـ.
قال أبو سعيد بن يونس فى تاريخ العلماء المصريين: كان الطحاوى ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. اهـ. ومثله فى تاريخ ابن عساكر بحروفه، وقال ابن عبد البر: كان الطحاوى كوفى المذهب، وكان عالما بجميع مذاهب الفقهاء اهـ وقال السمعانى كان الطحاوى إماما ثقة فقيها عاقلا اهـ، وقال ابن الجوزى فى المنتظم وكان الطحاوى ثبتا فهما فقيها عاقلا اهـ. وقال سبطه واتفقوا على فضله وصدقه وزهده وورعه. اهـ. وقال البدر العيني: وأما الطحاوى فإنه مجمع عليه فى ثقته وديانته وأمانته وفضيلته التامة ويده الطولى فى الحديث وعلله وناسخه، ومنسوخه ولم يخلفه فيها أحد ولقد أثنى عليه السلف والخلف اهـ.
قال الذهبي: كان ثقة دينا عالما عاقلا اهـ. وذكر في طبقاته ما يدل على مبلغ براعة الطحاوى فى الفقه والحديث وإمامته فيهما. وقال ابن كثير في البداية والنهاية فى ترجمة الطحاوى وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة اهـ.
وما ذكره ابن تيمية في حقه عند توهين حديث أسماء إنما هو مجازفة من مجازفاته، وليس أدل على ذلك من الاطلاع على كتبه، وما كتبه كثير من الحفاظ في حديث أسماء برغم ابن تيمية الذى ألف في أغلاطه في الرجال خاصة أبو بكر الصامت الحنبلى جزءاً، وحق لمثله أن يقبع ولا يتكلم في مثل ذلك. ولا كلام فى صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة فى المطالب العلمية ومعرفة الطحاوى بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتل بعلل لادواء لها، نسأل الله السلامة.
من روى عنه من الحفاظ أبو القاسم بن أبي العوام ومسلمة ابن القاسم القرطبي والطبراني صاحب المعاجم وابن يونس صاحب التاريخ وغنجر البغدادى وأبو بكر بن المقرى وابن الخشاب وابن المظفر وابن عدى صاحب الكامل وغيرهم. وقد ألف بعضهم جزءا في الذين أخذوا العلم عنه. وتوفى بمصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. أغدق الله على جدثه سحائب رضوانه وقبره ظاهر يزار على يمين السالك لشارع الليث قبل الإمام الشافعي قرب آخر موقف الترام فى الشارع الموازي لشارع الترام يمينا.
وأما تصانيفه ففى غاية من الحسن والجمع والتحقيق وكثرة الفوائد، ولم تحظ مصر بطبع شيء منها رغم كون مصنفها من مفاخر وادى النيل، سوى رسالة صغيرة سبقتها بلاد في طبعها. وهذا مما يؤسف له.
ومن مصنفاته الممتعة كتاب معانى الآثار، وهو يحاكم بين أدلة المسائل الخلافية بأن يسوق بسنده الأخبار التى يتمسك بها أهل الخلاف في تلك المسائل، ويخرج من الأبحاث بما يقنع الباحث المصنف المتبرئ من التقليد الأعمى، وليس
لهذا الكتاب نظير فى التفقيه وتعليم طريق التفقه وتربية ملكة الفقه رغم إعراض من أعرض عنه ولذلك كان شيخنا العلامة الأستاذ محمد خالص الشرواني رحمه الله اختاره في عداد كتب الدراسة. محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله مع الآثار للإمام
وكان لأهل العلم عناية خاصة بتدريس كتاب معاني الآثار وروايته وتلخيصه وشرحه. ومن شراحه الحافظ أبو محمد المنبجي مؤلف اللباب في الجمع بين السنة والكتاب والحافظ عبد القادر القرشي صاحب الحاوى في تخريج أحاديث الطحاوى والحافظ البدر العينى وله شرحان كبيران عليه: أحدهما خلو عن الكلام فى رجاله بخلاف الآخر، وكلا الشرحين في غاية من النفع فى الكلام على أحاديث الأحكام قد عنى بتدريسه سنين متطاولة في المؤيدية، وله أيضا كتاب مفرد لرجاله وكتاب القرشي، وكتب العيني من محفوظات دار الكتب المصرية على خرم فيها فياحبذا لو طبعت تلك الكتب القيمة.
وكتاب معانى الآثار طبع مرات فى الهند لكن أين جمال الطبع المصرى من الطبع الهندى؟ وراوية هذا الكتاب أبو بكر بن المقرى. ومنها بيان مشكل الحديث المعروف بمشكل الآثار في نفي التضاد عن الأحاديث واستخراج الأحكام منها، وراويته أبو القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني وهو من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام في اصطنبول تحت أرقام ???-??? فى سبعة مجلدات ضخام وهى نسخة صحيحة مقروءة من رواية الرعيني المذكور قابلها وصححها ابن السابق المترجم
في «الضوء اللامع". والقسم المطبوع منه في أربع مجلدات فى حيدر آباد
الدكن ربما لا يكون نصف الكتاب.
ومن اطلع على اختلاف الحديث للإمام الشافعي ومختلف الحديث لابن قتيبة ثم اطلع على كتاب الطحاوى هذا يزداد إجلالا له وإكباراً ومعرفة لمقداره العظيم وكم كنا نود لو طبع بمصر تمام الكتاب من النسخة المذكورة.
ومنها كتاب أحكام القرآن فى نحو عشرين جزءاً. ويقول القاضي عياض في الإكمال إن له ألف ورقة فى تفسير القرآن وهو أحكام القرآن له.
ومنها اختلاف علماء الأمصار فى نحو مائة وثلاثين جزءاً، اختصره أبو بكر الرازى، واختصاره هو الموجود فى مكتبة جار الله باصطنبول وغيرها. وأما الأصل فلم أظفر به وأما القطعة الموجوة بدار الكتب المصرية فهي من المختصر، وفى المختصر يذكر أقوال الأئمة الأربعة وأصحابهم وأقوال النخعى وعثمان البنى والأوزاعى والثورى والليث بن سعد وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن بن حى، وغيرهم ممن يصعب الاطلاع على آرائهم في المسائل الخلافية، فياليت الأصل بحث عنه وطبع هو أو مختصره.
ومنها الشروط الكبير في التوثيق في نحو أربعين جزءا، قام بطبع جزء يسير منه بعض المستشرقين وقطع منه توجد فى مكتبة مراد منلا وفي مكتبة على باشا الشهيد باصطنبول بدون أن تتم بها نسخة كاملة، وله أيضا الشروط الأوسط ومختصر الشروط فى خمسة أجزاء، والأخير من محفوظات مكتبة الله المذكور، ومختصر الطحاوى فى الفقه من محفوظات مكتبة الأزهر ومكتبتى جار الله وفيض الله المذكورتين ومن أحسن شروحه شرح أبي بكر الرازى، وقطعة منه توجد بدار الكتب المصرية. وله أيضا النوادر الفقهية في عشر أجزاء، وكتب النوادر
والحكايات فى نحو عشرين جزءاً، وجزء في حكم أرض مكة وجزء في قسم الفئ والغنائم، وخمسة أجزاء في الرد على المدلسين لحسين بن على الكرابيسى الذى أعطى حجة لأعداء السنة بكتابه هذا حيث حاول فيه توهين الرواة من غير أهل الحجاز وكلمة أحمد في كتاب الكرابيسي هذا مذكورة فى شرح علل الترمذي لابن رجب.
وله أيضا جزآن فى الرد على عيسى بن أبان وجزء في الرد على أبي عبيد في النسب وجزآن فى اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين، وجزء في الرزية، وله شرح الجامع الكبير للإمام محمد وشرح الجامع الصغير له أيضا، وكتاب المحاضر والسجلات وكتاب الوصايا والفرائض وكتاب التاريخ الكبير، وكتاب فى النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها وما روى فيها من خبر فى نحو أربعين جزءا، وكتاب مناقب أبي حنيفة وأصحابه في مجلد، والعقيدة المشهورة، وجزء فى التسوية بين حدثنا، وأخبرنا، وقد لخصه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وله كتاب سنن الشافعى جمع فيه ما سمعه من المزنى من أحاديث الشافعي، والشافعية يروون تلك الأحاديث بطريقه، وله غير ذلك.
وتلك شذرة من فضائل هذا الإمام الجليل وكتبه في حاجة إلى دراسة خاصة وبحث خاص، ولو كان مثل هذا العالم فى الغرب لندب أهل الشأن لتلك الدراسة وذلك البحث رجالا خاصة، بل نراهم يعملون هذا في بعض رجال الشرق. لكن أصبحنا بعداء عن تقدير مقادير الرجال أغنياء بما نستقى من أدمغتنا فقط عن البحث والتنقيب، ولو زاحمناهم في البحث والتعب وراء اجتلاء معارفنا وباعدناهم فى الموبقات وصنوف السقوط، لكان لنا شأن غير شأننا والله ولى الهداية والإنهاض.
&&&
ترجمة «كاتب جلبى»
مؤلف كشف الظنون على أسامي الكتب والفنون
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
من أهم العلوم علم أحوال المؤلفات فإنه أول مرحلة من مراحل البحث لمن لم يتعود الاقتناع فى العلم بما حضر وأراد التعمق في العلم الذي يعانيه بكل ما أمكن، ومن لا يعلم ما ألف من الكتب فى موضوع بحثه يطول عليه أمد فحصه بدون أن يحصل منه على طائل.
ومن أشهر ما ألف فى علم أحوال الكتب كتاب «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للعلامة مصطفى بن عبد الله الاصطنبولي المعروف بكاتب جلبي من رجال الدولة العثمانية فى القرن الحادي عشر، وإن لم يترجم له فى خلاصة الأثر، وقد رأيت سرد ترجمته لرغبة كثير من الباحثين في معرفة أحوال هذا المؤلف الفذ، حيث كان كشف الظنون أول كتاب يتناولونه للبحث عما يريدونه من الكتب، وقد آتاه الله شهرة بالغة بين أهل العلم في الشرق والغرب. وإلى القارئ الكريم خلاصة ترجمته: إن مؤلف الكتاب المذكور هو العلامة الشيخ مصطفى بن عبد الاصطنبولي، وهو معروف بين العلماء بلقب كاتب جلبي وبين زملائه الكتاب بلقب «حاجي خليفة لقبوه بذلك بعد أن حج وترقى بين الكتاب - في القسم الذى كان موظفا فيه إلى رتبة النيابة عن رئيس القسم على لله الحنفى مصطلح العثمانيين، وذلك أن صغار الكتاب يسمون في مصطلحهم الملازمين وفوقهم الخلفاء، وفوقهم الرئيس الأعلى للكتاب ومؤلف الكشف معروف بين المستشرقين باسم حاجى قالفه على طبق ما يلهج به العوام في عاصمة الخلافة.
وقد ولد صاحب الترجمة باصطنبول سنة ألف وسبع عشرة من التاريخ الهجرى على ما يرويه هو نفسه عن والدته فى كتابه «سلم الوصول إلى طبقات
الفحول المحفوظ في خزانة على باشا الشهيد بالآستانة، وهو بخطه. وتعلم مبادئ العلوم من علماء العاصمة على طريقة الناشئين في ذلك العهد، وبرع في مدة يسيرة فى الكتابة والحساب والسياقة وهى كتابة رمزية تستعمل في الأمور المالية فقط، وكان كثير من الكتاب يستشكلونها في ذلك العهد وقل جدا من يعرفها اليوم بالتحاقه بقلم محاسبات الجيش الأناضولى سنة 1032 حتى أصبح من ملازمى القلم المذكور، ينتقل في البلاد على طبق ما ينتدب له من الأعمال الكتابية والحسابية للجيش المتنقل؛ لأن والده من الصنف كان العسكرى، فاتخذ نجله هذا المسلك العسكرى مسلكا له يعيش به.
وبعد أن عاد من محاصرة أرزن الروم أرض روم إلى الآستانة سنة ???? قصد جامع السلطان محمد خان الفاتح باصطنبول يوما فرأى الشيخ محمد بن مصطفى الباليكسرى المعروف بقاضي زاده يلقى الدرس فيه، وكان عالما طلق اللسان عظيم التأثير فى نفوس سامعيه، فاجتذبه سحر بيانه إلى طلب العلم، فقرأ عليه علم التفسير وشرح الشريف الجرجاني على المواقف، وإحياء علوم الدين للغزالي، والدرر شرح الغرر لملا خسرو في الفقه، والطريقة المحمدية للتقى محمد البركوى، وكان قاضي زاده هذا تلميذ فضل الله ابن مؤلف الطريقة المحمدية السابق ذكرها، وهو أخذ العلم عن والده المذكور.
وبعد خمس سنوات انتقل صاحب الترجمة إلى حلب بحكم وظيفته في الجيش، وأقام الجيش هناك طول الشتاء، فألهم فى أثناء ذلك تحرير أسماء الكتب التي يجدها عند الوارقين الكتبيين وفى خزانات الكتب حتى اشتغل بذلك مدة إقامته بحلب وحج من حلب فى موسم سنة 1043، وبعد أن حج وزار عاد ولحق سنة 1044 بالجيش في ديار بكر. ورافق الجيش في عدة حروب ولا سيما
حرب روان ثم عاد إلى الآستانة سنة 1045 عام وفاة شيخه قاضي زاده المذكور فشرع صاحب الترجمة في إتمام المهمة التي كان ابتدأها في جلب وهى مهمة تدوين أسماء المؤلفات وأقبل إقبالا تاما على المطالعة والتنقيب عن الكتب، ولا سيما كتب التاريخ والطبقات والوفيات، في خزانات الكتب بالآستانة وأولع باقتناء المؤلفات واشترائها، وساعده على ذلك أموال ورثها من بعض قرابته سنة 1047 حتى صرف لشراء الكتب نحو ثلاثمائة ألف عثماني، ولم يشارك الجيش فى الحروب بعد حرب «روان مفضلا الإقامة بالآستانة على الرحيل مع الجيش.
واختار من بين العلماء العلامة مصطفى الأعرج القاضي ليكون استاذا له فلازمه عدة سنين بعد وفاة شيخه السابق ذكره وكان أستاذه هذا أبرع مشايخه في المعقول والمنقول، وكان له نظر عال فى صاحب الترجمة وقد تلقى عن أستاذه هذا تفسير البيضاوى، وشرح مختصر المنتهى للقاضي عضد الدين في الأصول، وشرح أشكال التأسيس، وشرح الجغميني، وعروض الأندلسي، والتوضيح في الأصول، وشرح الطوالع، وشرح هداية الحكمة وآداب البحث وشرح الفنارى على الأثيرية وشرح التهذيب، وشرح الشمسية، وغير ذلك، وكانت وفاة شيخه هذا في ربيع الآخر سنة 1063 عن ثمانين سنة.
ومن جملة شيوخه أيضا الشيخ عبد الله الكردى المدرس بأيا صوفيا المتوفى سنة 1064 وكان ضليعا فى المعقول والمنقول أيضا، وكانت ملازمته لدرسة سنة 1049، وتلقى سنة 1050 العلوم العربية من الشيخ محمد الألباني المتوفى سنة 1054، وكان صاحب تحقيق وتدقيق في العربية لا يتداخل فيما لا يحسنه من العلوم العقلية ومن جملة شيوخه أيضا الشيخ ولى الدين تلميذ الشيخ أحمد بن حيدر السهراني صاحب محمد أمين بن صدر الدين الشروانى العالم المشهور -
تلقى منه المنطق والمعاني والبيان بمناسبة وروده الآستانة سنة 1050، ومن شيوخه أيضا الشيخ ولى الدين المنتشاوى الواعظ المتوفى سنة 1065، لازمه سنتين من سنة 1052، في النخبة وألفية
المصطلح والحديث فأجازه بمروياته عن شيخه المحدث إبراهيم اللقاني المصرى المشهور، وأصبح له سند متصل بكتب الحديث ومرويات المحدثين المشاهر. ثم اشتغل صاحب الترجمة بتدريس العلوم وإلقاء الدروس على الطلاب نحو عشر سنين على طريقة مشايخ ذلك العهد.
ثم توفي فجاءة في 15 من ذى الحجة سنة 1067 عن خمسين سنة، كما في معيار الدول ومسيار «الملل ودفن فى ساحة الكتاب المنسوب إليه على شمال النازل من جهة «وفا» إلى غور زيرك» بالآستانة رحمة الله تعالى ورضوانه عليه.
وقد ذكرت هنا شيوخه وما تلقاه عنهم من الكتب ليعلم ما اشتغل فيه من العلوم حتى صار أهلا للتكلم عنها في كشف الظنون»، ومؤلفاته الكثيرة تدل على مبلغ براعته في العلوم والفنون.
ومن مؤلفاته القيمة كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون وهو من أوسع ما بأيدى الباحثين اليوم من الكتب المؤلفة فى استقصاء ذكر المؤلفات في الإسلام وأنفعها في بيان أحوال الكتب، وإن كان لا يخلو من أغلاط في الوفيات وأسماء المؤلفين كما هو شأن من قام بنفسه بمثل هذه المهمة العظيمة المشكورة، وقد غمطه حقه المستشرق هر بلو الفرنسي، وعده جامع الغث والسمين، مع أن هذا المستشرق إنما يرتكن فى كتابه مكتبة الشرق» على كشف الظنون بل استمد جل ما فى كتابه من هذا الكتاب، ويوجد بين المستشرقين من ينصف ويناصر
صاحب الكشف ضد ذاك المستشرق.
وكشف الظنون في مجلدين ضخمين يتكلم على نحو ثلاثمائة علم وفن مرتب على الحروف فى أسماء الكتب وهو يحتوى على نحو 14501 من أسماء الكتب والرسائل، وعلى نحو 9512 من أسماء المؤلفين، والشيخ إبراهيم الواعظ فى جامع آرابه «جيلر بالآستانة المتوفى سنة ???? بقرب أثناء عودته من الحج له ذيل على كشف الظنون ممتع طبع ممزوجا مع الأصل بمصر فى سنة 1274، وأعيد طبعه بالآستانة سنة 1310 على طبق الطبعة المصرية، وصاحب الذيل المذكور تلميذ المحدث عبد الله بن محمد الأماسي يوسف أفندى زاده مؤلف نجاح القارى فى شرح صحيح البخارى في ثلاثين مجلداً.
وسبق أن طبع الكشف فى لايبزيغ سنة 1835-1858 ميلادية بمعرفة المستشرق الألمانى فلو كل طابع فهرست ابن النديم مع «آثارنو ذيل الشيخ أحمد طاهر حنيف زاده المتوفى سنة -???? - وكان قد جمع في ذيله ما استدركه على الكشف مما وجده فى ست وعشرين خزانة من خزانات الكتب ومصر والشام وحلب، فأصبح ما طبعه المستشرق فلوكل في في الآستانة سبعة مجلدات.
وممن ذيل على كشف الظنون شيخ الإسلام العلامة المسند عارف حكمة صاحب المكتبة المعروفة بالمدينة المنورة المتوفى سنة 1275 -. وأجمع ما ألف من الذيول عليه فيما نعلم - كتاب إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون في مجلدين ضخمين تأليف العالم البحاثة إسماعيل باشا البغدادى المتقاعد من مديرية الشعبة الثانية من دائرة الضبطية باصطنبول المتوفى سنة ???? - المدفون في مقبرة ما قرى كوى في الآستانة، وقد ألف هذا الذيل بسعى متواصل منه فى نحو ثلاثين
سنة، وزاد على الأصل مع ما فى طبعة أوربة نحو ????? كتاب، وله أيضا كتاب أسماء المؤلفين وآثار المصنفين فى ثلاثة مجلدات حاول فيه أن يجمع المؤلفين من صدر الإسلام بأسمائهم وكناهم مع ذكر أسماء مؤلفاتهم على طراز الطبعة الأوربية، وكان الذيل المذكور محفوظا عند أسرة المؤلف بالآستانة. والحاصل أن كشف الظنون هو المرجع الوحيد إلى اليوم في الكشف عن الكتب القديمة، ومن أتى بعده عالة عليه سواء عرف جميله وفضله أم لم يعرف، وأما كتب الأقدمين فى هذا الصدد فليست بمتناول أيدينا.
ولصاحب الكشف مؤلفات أخرى، منها تقويم التواريخ» ألفه في شهرين سنة 1053 و به حاز رتبة الخليفة الثاني ومنها «تحفة الكبار في أسفار البحار فى الحروب البحرية العثمانية ومنها جهاننما مرى العالم في تقويم البلدان بديع فى بابه ومنها سلم الوصول إلى طبقات الفحول» في مجلد ألفه على ثلاثة أقسام: التراجم الكنى والأنساب فوائد تاريخية، ومنها رجم الرجيم بالسين والجيم فى المسائل الغريبة والفتاوى العجيبة، ولم أطلع عليه، ومنها دستور العمل لإصلاح الخلل في تنظيم شؤون الدولة، ومنها «الإلهام المقدس من الفيض الأقدس في حكم فاقد وقت العشاء من الأقاليم ومنها لوامع النور فى ترجمة أطلس مينور ومنها تحفة الأخيار فى الحكم والأمثال والأشعار فى المحاضرات، ومنها فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار»، ومنها جامع المتون» يحتوى على ثلاثين متنا من المتون المتداولة، ومنها ميزان الحق في اختيار فيما يجب الأحق رسالة نافعة الأخذ به في أمور يحتدم فيها الجدال وفي آخره ترجم لنفسه كما فعل في سلم الوصول، ومنها الفذلكة» في مجلدين يذكر فيها ما بين ???? و 1065 من الأنباء العثمانية، ومنها شرح الرسالة المحمدية لعلى المعروف بقوشجى فى علم الهيئة، ومنها رونق
السلطنة وهو تاريخ خاص بالآستانة، وله غير ذلك من المؤلفات.
وقد ألف صديقنا الأستاذ المؤرخ طاهر بك - رحمه الله - جزءاً في ترجمة صاحب الترجمة وتوسع أيضا في ترجمته في كتابه عن المؤلفين العثمانيين.
ولا يتسع المقام لأكثر مما ذكرناه وفيه كفاية فى معرفة أحواله ومنزلته في العلوم ومقدار خدماته العلمية كافاه الله سبحانه برضوانه وأعلى منزلته في الجنة.
&&&