الموطأ ورواته
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الموطأ ورواته
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ألف عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كتاباً فيما اجتمع عليه أهل المدينة، ولما اطلع عليه مالك بن أنس استحسن صنيعه، إلا أنه أخذ عليه إغفاله ذكر الأخبار والآثار فى الأبواب، حتى قرر أن يقوم هو بنفسه بجمع كتاب تحتوى أبوابه صحاح الأخبار وعمل أهل المدينة في أبواب الفقه، فبدأ يمهد السبيل لذلك، وكان المنصور العباسي بلغه شيء مالك فاجتمع به فى حجته الأخيرة - فى التحقيق وأوصاه أن يدون علم أهل المدينة مجتنبا رخص ابن عباس و شدائد ابن عمر وشواذ ابن مسعود، حيث كانت جماعة من أصحاب هؤلاء ينشرون علومهم في المدينة المنورة - منهم الفقهاء العشرة في أيام عمر بن عبد العزيز - ولهم أصحاب وأصحاب وأصحاب أدركهم مالك فتقوت عزيمة مالك حتى تجرد لجمع الصفوة من الأحاديث والآثار المروية عند أهل المدينة والعمل المتوارث بينهم، مقتصراً في الرواية على شيوخ أهل المدينة سوى ستة وهم: أبو الزبير من مكة، وإبراهيم ابن أبي عبلة من الشام وعبد الكريم بن مالك من الجزيرة، وعطاء بن عبد من خراسان وحميد الطويل، وأيوب السختيانى من البصرة، إلى أن أتم عمله في أوائل عهد المهدى العباسي، كما بينت ذلك فيما علقت على «الانتقاء» لابن عبد البر.
فأخذ مالك يلقى «الموطأ» على أصحابه فيتلقونه منه سماعاً، ولم يكن تأليفه الكتاب ليعطيه الناس فينسخوه ويتداولوه بينهم: كعادة أهل الطبقات
المتأخرة في تصانيفهم، بل كان التعويل حينذاك على السماع فقط. وكان تأليفه الكتاب لنفسه خاصة، لئلا يغلط فيما يلقيه على الجماعة كعادة أهل طبقته من العلماء في تأليفهم؛ ولذا كان يزيد فيه وينقص منه حسب. له في كل دور من أدوار التسميع المختلفة، فاختلفت نسخ الموطأ ترتيبا وتبويبا وزيادة ونقصا وإسنادا وإرسالا على اختلاف مجالس المستملين، فأصبح رواتها على اختلاف الختمات هم مدونيها - فى الحقيقة - منهم من سمع الموطأ سبع عشرة مرة أو أكثر أو أقل بأن لازمه مددا طويلة تسع تلك المرات، ومنهم من جالسه نحو ثلاث سنوات حتى تمكن من سماع أحاديثه من ومنهم من سمعه عليه فى ثمانية أشهر، ومنهم من سمعه في أربعين يوما، ومنهم من سمعه في أيام هرمه في مدة قصيرة ومنهم من سمعه في أربعة أيام، إلى آخر ما فصل في موضعه.
ومنازل هؤلاء المستملين تتفاوت فهما وضبطا وضعفا وقوة، فتكون مواطن اتفاقهم في الذروة من الصحة عن مالك، ومواضع اختلافهم وانفرادهم متنازلة المنازل إلى الحضيض مالهم من المقام في كتب الرجال.
وقد ذكر أبو القاسم الغافقى اثنى عشر راويا من رواة الموطأ في مسند الموطأ له فيهم عبد الله بن يوسف التنيسي، ومحمد بن المبارك الصورى، و سليمان بن، برد واستدرك السيوطى عليه روايين نسختاهما من أشهر النسخ، وساق ابن طولون في الفهرست الأوسط أسانيد الموطأ من أربع وعشرين طريقا، وكذلك فعل أبو الصبر أيوب الخلوتى حيث ساق أسانيده في ثبته من طريق ابن طولون ومن غير طريقه.
وإني أروى إجازة بطريق الحجار: روايات محمد بن الحسن، ويحيى بن يحيى
النيسابورى، وقتيبة بن سعيد وعبد الله بن عمر بن غانم، وعبد العزيز ابن يحيى الهاشمي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، وابن القاسم وعبد الله بن نافع الزبيري.
وبطريق أبي هريرة بن الذهبى روايات مطرف بن عبد الله اليساري ومصعب بن عبد الله الزبيرى وعلى بن زياد التونسي، وأشهب.
وبطريق محمد بن عبد الله الله المحب: رواية عبد بن وهب، ورواية إسحاق بن عيسى الطباع.
وبطريق إبراهيم بن محمد الأرموى: رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي.
وبطريق زينب بنت الكمال المقدسية: روايات الشافعي، ومحمد بن معاوية الأطرابلسي، وأسد بن الفرات.
وبطريق ابن حجر روايات يحيى بن يحيى الليثي، وأبي مصعب أحمد ابن أبي بكر، الزهرى ويحيى بن عبد الله بن بكير المصرى، وسويد بن سعيد، وسعيد بن كثير بن عفير ومعن بن عيسى القزاز وهؤلاء أربعة وعشرون راويا من أصحاب مالك.
وأحمد يكثر من طريق ابن مهدى وأبو حاتم من طريق معن بن عيسى، والبخارى من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم من طريق يحيى بن يحيى النيسابورى، وأبو داود من طريق القعنبي، والنسائي من طريق قتيبة بن سعيد.
وقد أوصل الحافظ محمد بن عبد الله الدمشقى المعروف بابن ناصر الدين رواة الموطأ إلى ثلاثة وثمانين راويا فى كتابه إتحاف السالك برواية الموطأ عن مالك.
وأشهر رواياته في هذا العصر رواية محمد بن الحسن بين المشارقة.
ورواية يحيى الليثى بين المغاربة. فالأولى تمتاز ببيان ما أخذ به أهل العراق من أحاديث أهل الحجاز المدونة في الموطأ»، ومالم يأخذوا به لأدلة أخرى ساقها محمد فى موطئه وهى نافعة جدا لمن يريد المقارنة بين آراء أهل المدينة وآراء أهل العراق وبين أدلة الفريقين، والثانية تمتاز عن نسخ الموطأ كلها باحتوائها على آراء مالك البالغة نحو ثلاثة آلاف في أبواب الفقه وهاتان الرواياتان نسخهما في غاية الكثرة في خزانات العالم شرقا وغربا وتوجد رواية ابن وهب في مكتبتى فيض الله وولى الدين بالآستانة ورواية سويد بن سعيد، ورواية أبي مصعب الزهري في ظاهرية دمشق، و أطراف الموطأ للداني في مكتبة كبريل مسألة في الآستانة.
وليس فى كتب السنة ما يقارب شأو الموطأ من جهة كثرة الرواة، وفيه يقول الإمام الشافعى ما كتاب بعد كتاب الله تعالى أنفع من كتاب مالك كما ذكره ابن عساكر بإسناده في كشف المغطى في فضل «الموطا وقال ابن عبد البر في التقصى ص 9: «الموطأ لا مثيل له ولا كتاب فوقه بعد كتاب الله عز وجل». وقال أبو بكر بن العربي في العارضة: «الموطأ هو الأصل الأول واللباب، وكتاب
البخارى هو الأصل الثانى فى هذا الباب وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي.
ولهذه المنزلة السامية للموطأ بين أهل العلم لم يزل المقام الأول له في الاعتناء به من كل ناحية.
وحيث اختلفت نسخه و تعددت رواته أصبحنا فى حاجة شديدة إلى معرفة مواضع اتفاق رواته ومواقع اختلافهم على تفاوت مراتبهم في الضعف والقوة،
لننزل الروايات منازلها في حالتي الاتفاق والانفراد وقد قام بتعريف ذلك أبو الحسن على بن عمر الدارقطنى المتوفى سنة 385 هـ بأن ألف جزءاً في ذلك مرتباً أحاديث الموطأ على ترتيب شيوخ. مالك مع بيان عدد ما لكل منهم من الحديث مستقصيا في البحث عن رواياته كلها لإبانة مواضع الاتفاق والاختلاف، بل راجع في ذلك الأسمعة خارج الموطأ فأجاد وأفاد. وللدارقطني أيضًا جزء يذكر فيه «ما خولف فيه مالك» أحاديث الموطأ، كما أن له غرائب مالك أغلبها مناكير انفرد بها عن مالك أناس غير مرضيين وممن ألف فى اختلاف الموطات أبو الوليد بن الباجي. وقد رتب ابن عبد البر فى التمهيد أحاديث الموطأ على ترتيب شيوخ مالك، وتوسع في الشرح. ثم لخص هذا الترتيب فى كتاب التقصى» تلخيصا نافعا مع بيان بعض وجوه الاختلاف في الروايات.
وتلك من كنوز ثمينة يهتم بها كل الاهتمام من يريد تذوق علم الحديث بوجهه راغبا في العلم للعلم. وطالب الحديث إذا عنى بادئ ذي بدء بمدارسة أحوال رجال الموطأ فاحصا عن الأسانيد والمتون فيه تدرج عن ذوق وخبرة في مدارج معرفة الحديث والفقه فى آن واحد، بتوفيق الله سبحانه، فيصبح على نور من ربه فى باقى بحوثه فى الحديث، راقيا على مراقي الاعتلاء في العلم، نافعا بعلمه ومنتفعا به والله سبحانه ولى التسديد.