التجديد
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
التجديد
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ورد فى جريدة الأهرام مقال بهذا العنوان يتحدث فيه كاتبه عن التجديد، حيث استولى سلطان التجديد على مشاعره كل الاستيلاء حتى وجد هذا الشهر أجدر الشهور بحديث التجديد وقد استهل مقاله بقوله: «أجدر الناس بالحياة هم المجددون المجددون في علمهم وعملهم. يقول رسول الله: «إذا أتى على يوم لم أزدد فيه علماً جديداً فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ...
هكذا يجزم الكاتب بنسبة هذا الحديث بهذا اللفظ إلى النبي. لكن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يرد فى رواية من روايات المحدثين، على أن الحديث باللفظ الآتى تفرد بروايته الحكم بن عبد الله الأيلى عند ابن عبد البر والطبراني وغيرهما، وعنه يقول الذهبي في الميزان كان ابن المبارك شديد الحمل عليه. وقال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال السعدى وأبو حاتم كذاب. وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث. اهـ.
وزاد ابن حجر وقال في «اللسان»: قال البخارى تركوه وقال مسلم فى الكنى منكر الحديث اهـ وقال أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد» حديث: إذا أتى على يوم لا أزداد فيه علما فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحكم بن عبد الله، قال أبو حاتم كذاب. اهـ. وقال الشوكاني فى الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة بعد أن ساق الحديث بلفظ: الهيثمي في إسناده وضاع اهـ. فلفظهما ولفظ العجلوني وابن عبد البر والفتنى على اتفاق،
وقد خالفهم كاتب المقال في عدة ألفاظ وزاد عليهم لفظ جديد من كيسه، فيكون وضعا على وضع ليستدل بما زاد عليهم على التجديد الذى يدعو إليه، واستدلال المرء على مدعاه بلفظ يزيده فى الرواية يكون فى منتهى الطرافة، فيكون الوضع في الخبر مركزا. فلو كان قصد صاحب المقال الاستدلال على لزوم الازدياد من العلم لكفى ذكر قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} من غير حاجة إلى إيراد حديث انفرد بروايته كذاب مزيدا فيه لفظ – لم يرد في روايات المحدثين لمجرد التدليل على لزوم التجديد.
ثم سرد الكاتب ما شاء قال: أما التجديد في أحكام الدين فإن كان إصلاحا كان بدعة حسنة وإلا كانت بدعة سيئة سواء كان ذلك في العبادات أم في غيرها وهذا رأى جمهور العلماء لقوله عليه الصلاة والسلام من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وذلك بدون فارق بين العبادات وبين غيرها من أبواب الدين
ولفظ هذا الحديث عند أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه يخالف لفظ الحديث عند كاتب المقال بعض مخالفة، لكن لست في صدد تحقيق ذلك هنا.
وهكذا ترى الكاتب يوسع الخطى في التحسين والتقبيح، ويضع أحكام العبادات تحت تصرف كل من هب ودب باسم الإصلاح، مع أنه لا يستساغ التصرف فى أحكام الدين بالتغيير والتبديل بعد إكماله بنص الكتاب المبين، وقد عزا الكاتب هذا الوضع إلى رأى جمهور العلماء لكنه لن يجد بين علماء الدين
الإسلامي المعتد بهم أحدًا يوافقه على هذا الرأى الشاطح الفاتح لباب التغيير والتحوير على مصراعيه. فلو كان صاحب المقال استذكر مورد الشطر الأول من الحديث عند مسلم من استحثاثه - لام للناس على وجوه المسارعة إلى إسعاف المعوزين؛ لعلم أن حسن الشيء المبتكر فرع دخوله تحت تشريع عام يستحسنه ولتهيب أن يقدم على ما أقدم عليه هنا من جعل العبادات تحت سلطان أصحاب الأهواء يتصرف كل منهم فيها كما يشاء باسم التحسين تخطيا لحدود الأدلة الشرعية فالشيء المبتكر النافع إذا لم يصادم سنة يكون بدعة حسنة، كإنشاء المدارس والمستشفيات والملاجئ والربط والمكتبات وتدوين الكتب فى شتى العلوم النافعة للمجتمع عند جمهور أهل العلم؛ لأنها داخلة تحت أحاديث الحث على إيصال الخير لصنوف الناس مع عدم مصادمة شيء منها لسنة متوارثة ..
وأما الشيء المبتكر المصادم لسنة ثابتة فنحكم عليه في أول خطوة أنه سنة سيئة، وإن تصور بعض العقول في ذلك بعض نفع. و ابتداع شيء في العبادات لا يكون إلا مصادما للمتوارث عن الشارع أن يكون مثل هذا الابتداع بدعة حسنة أصلا، فلا احتمال لشمول هذا الشق من الحديث العبادات كما أوضحناه فحسن البدعة يكون باندراجها تحت تشريع عام يستحسنها، وقبح البدعة بمضادتها لسنة حسنها الشرع، أو باندماجها تحت حكم قبحه الشرع وهذا ما عليه جمهور أهل الفقه في الدين على اختلاف مذاهبهم إلا اللامذهبية الذين لهم في كل عام تقليعة» ولو كان الأستاذ الكاتب استدل بحديث أبي داود في بعث من يجدد أمر دين هذه الأمة في كل مائة سنة؛ على لزوم التجديد لكان فيه بعض وجاهة، لكن تخاطب الصدر الأول بمعنى إعادة الجدة والقوة إلى الشيء الذي التجديد في كاد أن يبليه الزمن فيكون المعنى تقوية التمسك بأحكام الدين بعد حصول نوع من الوهن فى
التمسك بها لا استبدال أحكام بأحكام. ثم ختم الكاتب مقاله بقوله: وقال الله تعالى في كتابه الكريم: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا وهذا أبلغ تشجيع على التجديد في أمور الدين والدنيا معا.
فمرحى لهذا الاستنباط الطريف من الذي قال: «إن وَمَن يَقْتَرف بمعنى لمن يجدد»؟! .. وإنما اقترف بمعنى «فعل أو اكتسب عند جماهير أهل التفسير بالرواية وأهل اللغة، فيكون هذا التأويل منه تأويلا بالرأى المجرد من غير رواية تؤيده ولا لغة تستسيغه فيخشى أن ينطبق عليه حديث الترمذي فيمن فسر القرآن برأيه نسأل الله السلامة، بل تلك الآية بمعنى قوله تعالى: من جاء بالحسنة فَلَه عشر أمثالها عند المفسرين، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فلا تكون لآية ومن يقترف حسنة نَزِدْ لَهُ فيها حسنا آية مناسبة للتجديد المزعوم.
وعندما وصلت في الكتابة إلى هذه النقطة أتاني صديق، فاطلع على كلمتي هذه فقال: هل تعلم صاحب المقال؟ قلت: لا. قال: هو قاض يسعى مع لجنة يرأسها فى توحيد المذاهب.
فقلت: فبشر المذاهب بطول البقاء بعد أن كان يريد تقويض دعائمها بهذه الخبرة فى الكتاب والسنة وطرق الاستنباط.
وصفوة القول: أن صاحب المقال استدل بحديث انفرد بروايته كذاب وأنه زاد فيه لفظا ليتمكن من الاستدلال به على مدعاه، فيكون في الحديث وضع مكرر، وأنه حمل حديث: «من سن سنة حسنة» على معنى استحسان الابتداع فى العبادات باسم الإصلاح، مع أن هذا المعنى مما لا يحتمله الحديث أصلا لمصادمة الابتداع فى العبادات الكيفيات المتوارثة عن الشارع فيها، ومن ضرورة ذلك قبح
هذا الابتداع وأنه يرى إصلاح أحكام الدين ذاته بنص الكتاب فيكون فى غنية عن الإصلاح والله يعلم المفسد المصلح وأنه حمل قوله تعالى: {ومن يقترف حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حَسَنًا}، على معنى «تجدد مع أنه مما لا تستسيغه رواية ولا دراية، وكل ذلك في مقال ذلك كله أقل من عمود، ومع يري أئمة الهدى المتبوعين مخطئين مع أتباعهم البالغين إلى مئات الملايين وهو المنفرد بإصابة كبد الصواب دونهم، والله ولى الهداية.