الإسراء والمعراج
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الإسراء والمعراج
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الإسراء والمعراج آيتان من من آيات الله الكبرى اختص بهما المولى جل جلاله فخر رسله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فالأول مسراه عليه السلام ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهذا ثابت بنص القرآن فيكفر منكره، وأما الثاني فعروجه - إلى ما فوق السماوات العلى، وهذا ثابت بأحاديث صحيحة فيعد منكره مبتدعا لا كافرا.
إلا أن الروايات فى المعراج اختلفت، فمن العلماء من سلك طريق الترجيح، ومنهم من سلك طريق الجمع بينها بحملها على تعدد عروجه - حتى قال صاحب النونية الخضرية:
معراجه واقع يقظان في بدن بآية ومشاهير ووحدان وقوعه كان تكرارا وقد دفعوا به تعارض مادل الحديثان
وأسطورة أن السماوات لا تقبل الخرق والالتئام ذهبت أدراج الرياح وإنكار المعجزات والخوارق لا يجتمع والإيمان بالنبوة كما في دلالة الحائرين لموسى بن ميمون فيلسوف اليهود. وقال ابن سيد الناس ذكر السهيلي - رحمه الله - خلاف السلف فى الإسراء هل كان يقظة أو مناما، وحكى القولين يحتج به لكل قول منهما. ثم قال: وذهب طائفة ثالثة منهم شيخنا أبو بكر بن العربي إلى تصديق المقالتين وتصحيح المذهبين وأن الإسراء كان مرتين إحداهما في نومه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصالحة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم،
تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا لأن هوله عظيم فجاء في اليقظة على توطئة وما وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه، ورجح هذا القول أيضا للجمع بين الأحاديث الواردة فى ذلك فإن في ألفاظها اختلافا، وتعدد الواقعة أقرب لوقوع جميعها. وحكى قولا رابعا: فقال: كان الإسراء بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة ثم أسرى بروحه - إلى ما فوق سبع سماواته ولذلك شنع الكفار قوله أتيت بيت المقدس فى ليلتي هذه ولم يشنعوا قوله فيما سوى ذلك اهـ كما تجد تفصيل ذلك فى الروض الأنف للسهيلي.
وقول البخارى باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء يدل على أن الإسراء والمعراج فى ليلة واحدة عنده لأنها إنما فرضت ليلة المعراج اتفاقا. وقد اختلف في ليلة المعراج متى كانت؟ والذي رجحه النووي في الروضة أنها الليلة السابعة والعشرون من رجب وإليه ذهب ابن الأثير والرافعى، ومن قال إنها قبل سنة ونصف من الهجرة يكون يرى هذا الرأى مثل ابن قتيبة وابن عبد البر لأن الهجرة كانت في ربيع الأول فالسنة قبلها من صفر إلى صفر تراجعا والستة الأشهر قبلها من المحرم إلى شعبان بالتراجع فتكون الأيام الثلاثة. آخر رجب غير مذكورة تركا للكـ الطرفين، وعلى ذلك عمل الأمة.
والاحتفاء بذكرى الإسراء والمعراج يذكرنا كيف جلى الله سبحانه عن بيت المقدس حتى تمكن رسول الله – عليه السلام - من وصفه وصفا دقيقا فتعج قريش من ذلك النبأ المطابق للواقع فانكشف كفرهم العنادي كما ازد المسلمون بذلك إيمانا. وكذا بإنبائه عن العير التي سألته قريش عنها. واعتبر الصحابة – رضي الله عنهم - بما حدثهم عن الآيات الكبرى التي شاهدها في ملكوت السماوات وتلقوا منه افتراض الصلوات الخمس في تلك الليلة المباركة فواظبت
الأمة عليها حتى صفت نفوسهم واتسعت معرفتهم، وأصبحت الصلوات الخمس معراجا معنويا لهم، حيث يناجون عند وقوفهم للصلاة، فترسخ فى نفوسهم مخافة الله التي هي ينبوغ كل خير البشرى.
ولقاؤه – عليه السلام- رسل الله وأنبياءه عليهم السلام في السماوات لقاء روحانيا تعارف معنوى بينهم وتعريف لهم بما له من المنزلة السامية، وفي ذلك وفي إمامته – عليه السلام - الجماعة من الأنبياء تكريم عظيم له من سبحانه، واجتيازه - - قبل عروجه إلى السماوات ببيت المقدس الذي كان بين قريش من شاهده من قبل تمكين لهم من توجيه أسئلة إليه – عليه السلام - عما يعرفونه دونه في حسبانهم فينكشف حال المعاند المصر على الكفر بعد تلقيه الجواب الصادق منه - - فى حين ازدياد إيمان المؤمنين بتلك الأنباء الغيبية الصادقة، وهذا هو الذى وقع بخلاف ما لو كان العروج إلى السماء من الحرم المكي مباشرة كما ذكر ابن أبي جمرة. وفى ذلك أيضا جمع للقبلتين له في المشاهدة.
والجمهور على أن الإسراء والمعراج فى ليلة واحدة وأنهما بالروح والجسد معا يقظة ولا محيد عن ذلك بعد صحة الخبر وتمام الاعتقاد بقدرة القادر الحكيم الشاملة لكل ممكن.
ورد ذلك كله إلى عالم المثال الذى يتخيله صاحب «حجة الله البالغة»
على عادته في المشاكل خروج عن الجادة بدون أى حجة ناهضة. وأما يروى عن عائشة - من قولها «ما فقد جسد رسول الله عليه السلام لكنه أسرى بروحه فغير ثابت عنها أصلاً لأنه من رواية ابن إسحاق بلفظ حدثنى بعض آل أبي بكر فمن هو هذا البعض؟ وأين ابن إسحاق المتوفى في منتصف القرن الثاني من إدراك
زمن عائشة؟
وأما ما يروى عن معاوية من أن الإسراء رؤيا صادقة فغير ثابت عنه أيضا للانقطاع بين شيخ ابن إسحاق يعقوب بن عتبة وبين معاوية؛ لأنه توفى سنة 128هـ وأين هذا التاريخ من وفاة معاوية؟ فلا يصح التعويل على مثل تلك الأخبار المنقطعة في ادعاء أن الإسراء روحاني فقط أو في حالة النوم فقط.
فقد وأما قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} فسره ابن عباس برؤية العين كما أخرجه البخارى بسنده إليه في تفسيره تلك ولا سيما الآية على أن تلك الرؤيا لو كانت منامية لما اشتد إنكار قريش لها، وقد تأتى الرؤيا بمعن الرؤية فى اللغة قال المتنبي: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض: يعنى رؤية البصر، فلابد من ترجيح بعض الروايات على بعض وحمل الباقي على وهم لبعض الرواة في ألفاظها. والثقة قد في الأخبار الطويلة فينبذ موضع وهمه، فقط كما وقع في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عند البخارى ففيها نحو اثنى عشر وهما، بيانها في شروح البخارى، منها قوله فى أولها وهو نائم وفى آخرها ثم استيقظ ومنها عد ذلك قبل أن يوحى إليه مع ذكر افتراض الصلوات الخمس في الخبر، وهذا تخليط.
وقد اشتد نكير المحققين على رواية شريك من أمثال مسلم والخطابي فلا داعي إلى القول بتعدد المعراج برواية مثله بل القول بالتعدد لاختلاف الروايات يدعو إلى القول بعدد كبير جداً، وفي جميع الروايات افتراض الصلوات الخمس فى تلك الليلة على اختلاف الأزمان التي ذكرها الرواة، والافتراض لا يتصور أن يتكرر فيكون التعويل على ما عليه الجماعة فقط، والله أعلم.
وهذا العروج ليس للتقرب منه تعالى؛ لأن القرب منه لا يكون بالمسافة قال الله تعالى واسجد واقترب وقال – عليه السلام - أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد واحتجاج إمام الحرمين على تنزه الله سبحانه عن الجهة بقوله – عليه السلام -: «لا تفضلونى على يونس بن متى وحمله على معنى أنه – عليه السلام - عند وصوله إلى سدرة المنتهى ما كان أقرب إلى الله من يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت، مما ذكره القرطبي في تذكرته رواية عن أبي بكر بن العربي. وروى ناصر الدين بن المنير عالم الثغر الإسكندرى العلامة المشهور مثل ذلك عن الإمام مالك عالم دار الهجرة في كتابه «المقتفى في شرف المصطفى وإن اشمأز ابن القيم المجسم من جواب إمام الحرمين وطال لسانه عليه كما بسطت ذلك فيما علقته على السيف الصقيل للتقى السبكي ص 36-37.
وتنزيه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات هو عقيدة أهل الحق رغم اغتياظ المجسمة الصرحاء والممجمجين من ذلك. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.