أسطورة الأوعال
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
أسطورة الأوعال
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
منذ نشر كتاب النقض للدارمى المجسم لم يزل الناس يتساءلون عن أقصوصة الأوعال؟ فنجاوبهم بما تيسر مما نعلم عنها، وحيث طال التساؤل رأيت نشر كلمة موجزة عنها ليكتفى بها المتسائلون فأقول مستعينا بالله جل جلاله:
إن حديث الأوعال أخرجه أحمد في مسنده بطريق عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن شعيب بن خالد عن سماك بن حرب عن عبد الله عميرة عن العباس وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بطريق سماك.
ابن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بزيادة الأحنف بين عميرة والعباس. وقد تواردت نصوص ابن معين وأحمد والبخاري ومسلم وإبراهيم الحربي والنسائي وابن عدى وابن العربي وابن الجوزى وأبي حيان على أنه غير صحيح.
قال ابن معين: لا تزول الجهالة عن الرجل برواية مثل سماك عنه
كما في شرح علل الترمذي لابن رجب. وأنت ستعرف أن عبد الله عميرة فى السند لم يرو عنه سوى سماك مطلقاً. وقال أحمد عن يحيى ابن العلاء في سنده كذاب يضع الحديث كما فى الميزان وغيره، على أن بين ابن عميرة والعباس مفازة وانقطاعا كبيرا بحيث لا يزول بزيادة الأحنف بينهما. قال البخارى فى تاريخه الكبير: «لا يعلم سماع لابن عميرة من الأحنف فيكون الانقطاع باقيا على حاله
بعد محاولة ترقيعه بزيادة الأحنف بينهما، وشيخ حفاظ الأمة من أصحاب الاستقراء التام في هذا الباب فنفيه البات هكذا لا يناهضه وهم واهم ليس في العير ولا في النفير. وقال مسلم فى المنفردات والوحدان ص 14 انفرد سماك حرب بالرواية عن عبد الله بن عميرة فيكون ابن عميرة مجهول العين عنده؛ لأن جهالة العين لا تزول إلا برواية ثقتين وسماك: إنما روى عنه مسلم مالم ينفرد به وقال إبراهيم الحربي أجل أصحاب أحمد عن ابن عميرة: «لا أعرفه وقال النسائي وغيره عن سماك .. يلقن فيتلقن فلا يحتج بما انفرد وكان سماك مختلفا فيه قبل اختلاطه فكيف يكون حاله بعد ذلك؟
وقال ابن عدى فى الكامل في ترجمة يحيى بن العلاء عن حديث الأوعال إنه غير محفوظ وقال ابن العربى فى شرح الترمذي عن أسطورة الأوعال أمور تلقفت من أهل الكتاب ليس لها أصل في الصحة، وقال ابن الجوزى فى دفع الشبه: إن الخبر باطل لانفراد يحيى بن العلاء في سند أحمد وقال الذهبى فى الميزان عن عبد الله بن عميرة: «فيه جهالة» وقال أبو حيان في تفسير قوله تعالى ويحمل عرش رَبِّكَ فَوقَهُمْ يومئذ ثَمَانِيَةً وذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا، فعد سرد الأقاصيص الواردة في ذلك من قبيل التسابق في الكذب.
وقد أيد ابن جرير تفسير الثمانية بثمانية صفوف من الملائكة بأسانيد سردها وأغفل ذكر خرافة الأوعال فى تفسير الآية، وقد كذب عليه من عزاها إليه والعرش في الآية هو العرش الذي يستظل به يوم القيامة من يستحق الإظلال، وإضافته إلى الله سبحانه إضافة تشريف كما لا يخفى.
و منازل هؤلاء العلماء فى الحفظ ونقد الحديث معروفة عند أهل العلم. ومن راجع أساطير اليونانيين الأقدمين فى الهتهم وركوبهم عروشا، ومراكب تحملها وتجرها الأوعال؛ علم مصدر تلك الخرافة ولو لم يكن له نصيب من الصناعة الحديثية، أو من علم أصول الدين.
وأما قول الترمذي عن حديث الأوعال: حسن غريب فمتهاتر متدافع بحسب الظاهر لاقتضاء الحسن تعدد الطرق في اصطلاحه المدون في آخر جامعه. واقتضاء الغرابة الانفراد المنافى لذلك، فيحمل الحسن على تعدد الطرق من موضع في السند والغرابة على موضع آخر من السند، فها هي الطرق قد تعددت بعد سماك، حيث رواه عنه الوليد بن أبي ثور وعمرو بن ثابت أبى المقدام وعمرو بن أبي قيس وشريك وإبراهيم بن طهمان وشعيب بن خالد إلا أن الأول منكر الحديث، والثاني ضعيف والثالث عنده مناكير والرابع مختلف فيه، والخامس ينفرد عن الثقات بأشياء معضلات ضعيف لين الحديث مضطربه عند أناس وإن كان في عداد
من ينتقى منهم الشيخان والسادس انفرد عنه يحيى بن العلاء الكذاب فبرواية هؤلاء عن سماك تعددت طرقه بعد سماك على اختلافهم وقفا ورفعا وزيادة ونقصا سندا ومتنا ولفظا ومعنى وأين هذا من الحسن المصطلح عليه عند الجمهور.
على أن ابن دحية يقول: كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية كما في نصب الراية وقال الذهبي في ترجمة كثير بن عبد الله الذى قال عنه الشافعي وأبو داود ركن من أركان الكذب، بعد أن ذكر تصحيح الترمذى
الحديث من أحاديث كثير فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذى، وحيث انفرد سماك عن ابن عميرة يكون غريبا وبانفراد ابن عميرة عن الأحنف أو العباس يزداد غرابة، والغرابة لا تنافى الصحة إذا لم تكن بانفراد من لا يحتج بانفراده كغرائب الصحيحين البالغة نحو المائتين، بخلاف ما هنا فإن سماكا وشيخه الخيالي ممن لا يحتج بانفرادهم فيجتمع في الخبر هكذا كل بلية من اضطراب فى السند والمتن وانقطاع ووجود مختلط يلقن فيتلقن وانفراد مثله عن مجهول عينا وصفة ومخالفة للكتاب حيث يستلزم إلغاء فائدة يومئذ فى الآية الكريمة وغير ذلك مما تقدم.
ومسعى ابن القيم في تهذيب أبى داود ليس بشيء، لأن كثرة الطرق بعد سماك لا تغنى فتيلا فى تقويته ما دام سماك منفردا به وابن القيم على بدعته قليل البضاعة في علم الرجال.
وسكوت أبى داود عليه لا يدل على أنه صالح للاعتبار عنده حيث كان ظاهر العلل، على أنه لا اعتبار فيما انفرد به راو.
وقد نص الذهبي في سير النبلاء على أن ما قيل إن ما سكت عليه أبو داود فهو صالح عنده فمقيد بما إذا لم يكن الخبر المسكوت عليه
ظاهر العلل كما هنا على ما نقله عبد الحى اللكنوى في الأجوبة الفاضلة.
وأما المحدثون والمفسرون الذين ذكروه وسكتوا عليه فلا يدل صنعيهم هذا على صحته عندهم أصلا لأن السلف كانوا يعتقدون براءة ذمتهم من عهدة الخبر الباطل إذا ذكروه بسنده لما في السند من بيان البطلان كما تجد تفصيل ذلك في شرح السخاوى على الفية المصطلح ص 106 ومن يزعم خلاف ذلك فقد جهل
ما هنالك وقول تقويل كل آفك.
وأما صنيع الحاكم في مستدركه فمعه ما يبطله، لأنه إنما يصحح الموقوف بطريق شريك، ويعد المرفوع بطريق يحيى بن العلاء أقرب إلى الاحتجاج، فاستدراك الموقوف وعده على شرط مسلم تخريف، كيف ومسلم هو الذي سجل على ابن عميرة أنه انفرد عنه سماك فيكون مجهولا عنده فلا يروى عن مثله، فقول الحاكم بصحة الموقوف يقضى بنفسه على استدراكه فأغنى الذهبي عن الرد عليه. وقول الذهبى حديث الوليد أجود بمعنى أنه لا ينسب إلى الكذب مثل يحيى بن العلاء وإن كان هو أيضا ممن يحتج بهم كما سبق، وتخليط الحاكم مشروح في لسان الميزان، وشذوذ ابن حبان بذكر المجاهيل في عداد الثقات يرد عليه ابن حجر أيضا.
وفي هذا القدر من البيان كفاية فى معرفة دخائل تلك الأقصوصة وقد ساقها الدارمي للاستدلال على الاستقرار المكاني، وأما باقي المحدثين فإنما ساقوها لمجرد تسجيل ما ورد فى الباب والبون بينهما شاسع، ولا يتسع المقال لأكثر من هذا .. واستيفاء حق البحث من كل
ناحية في فصل المقال فى أسطورة «الأوعال وفيه كشف النقاب عن وجوه أكلة السحت الساعين فى قلب الحقائق كما تشتهي النفوس الشريرة، وفضح دخيلتهم على الوجه الأتم، والله سبحانه ولى الهداية.