أخبار أبي الحسن الكرخي وتلامذته
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
أخبار أبي الحسن الكرخي وتلامذته
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام أبو عبد الله الحسين بن على الصيمري في ترجمة الإمام أبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخى رحمه الله: كان أبو الحسن مع علمه وكثرة رواياته عظيم العبادة كثير الصوم والصلاة شديد الورع صبوراً على الفقر والحاجة عزوفا عما في أيدى الناس، حدثني أبو القاسم على بن محمد ابن علان الواسطى ما رأت عيناى فى معناه مثله قال لما أصابه الفالج في آخر عمره حضرته في بيته وحضر أصحابه أبو بكر الدامغاني وأبو على الشاشى وأبو عبد الله البصرى وقالوا هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج وهو مقل، ولا نحب أن نبذله للناس فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة ونطلب منه ما ينفق عليه، ففعلوا ذلك، وأحس أبو الحسن بما هم فيه، فسأل عن ذلك، فأخبر به فبكى وقال اللهم لا تجعل رزقى إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن يعمل سيف الدولة شيئًا، ثم ورد كتاب سيف الدولة ومعه عشرة آلاف درهم ووعد أن يمد ذلك بأمثاله فتصدق به.
وحدثني أبو القاسم علي بن محمد بن علان قال كان أبو الحسن شديد المقت لمن ينظر فى القضاء، وكان إذا ولى أحد أصحابه القضاء هجره وأبعده فولى الحكم من أصحابه أبو القاسم على بن محمد التنوخي وكان مقدما فى الفقه والكلام مع معرفته بالعربية وقوته في الشعر، فهجره أبو الحسن وقطع مكاتبته، وكان يدخل بغداد ولا يمكنه الدخول عليه فإذا سئل في بابه يقول: كان يعاشرنى على الفقر والحاجة، وبلغني أنه الآن ينفق على مائدته في كل يوم دنانير، وما علمته
ورث ميراثا ولا أتجر فريح وما أعرف لهذه النفقة وجها. قال لنا الشيخ أبو القاسم علي بن محمد الواسطى: وعهدى به أنه دخل آخر دخلة دخلها بغداد وحضر المجالس وكلم ابن أبي هريرة - وكان ينقل ما يجرى بينهما إلى أبي الحسن - فكأنه لأن قلبه لأبي القاسم التنوخي فخوطب فى أن يأذن له فى الدخول عليه فسكت، قال فرأيت أبا القاسم التنوخى وقد دخل مجلسه وعليه ثيابه ومرقعته وقد انكب فباس رأسه وقعد بين يديه فتبسم في وجهه وما كلمه بحرف وودعه أبو القاسم وخرج. ولو ذكرنا ما عندنا من أخبار أبي الحسن لاحتجنا إلى كتاب مفرد وإنما ذكرنا ما لابد منه وتوفى أبو الحسن ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة، وصلى عليه القاضي أبو تمام الحسن بن محمد الهاشمى الزينبي وكان من أصحابه وقيل إن مولده سنة ستين ومائتين. وكان المتولى لغسله إبراهيم بن شهاب وأبو عبد الله بن رزام - والثانى هو صاحب الرد على الباطنية ودفن بحذاء مسجده فى درب الحسن بن زيد على نهر الواسطيين.
وكان أبو الحسن جعل التدريس لأبي على أحمد بن محمد الشاشي حينما أصابه الفالج والفتوى إلى أبى بكر الدامغانى، وكان يقول ما جاءنا أبي على الشاشي حدثنا أبو محمد العماني قال: حضرت أبا على الشاشي في مجلسه، وقد جاءه أبو جعفر الهندوانى مسلما عليه فما قام إليه، فأخذ يمتحنه بمسائل الأصول وكانت على طرف لسان أبى على، فلما فرغ امتحن أبا جعفر بشيء من مسائل النوادر فلم يكن أبو جعفر يحفظها فكان حفظ الهندواني للنوادر وقال لأبي على جئتك زائراً لا متعلماً سبب فلما قام نهض له أبو على الشاشي، وتوفى أبو على الشاشي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة .. حدثني أبو الفرج العماني، وكان قد أدرك الشيخ أبا الحسن ودرس عليه، قال أوصى أبو على الشاشي أن يرجعوا من مواراته
ويفرقوا دفاتره على أصحابه ويتصدقوا بتركته وكانت تسعمائة ثلاثة أنفس يعيش من فضل ذلك وأن لا يجلسوا له في عزاء ففعلوا ذلك، وحضر أبو عبد الله لداعى وأبو تمام الزينبي - جنازته وتفرقة كتبه وتركته، ثم تفرقوا. وكان أبو بكر الدامغانى أقام على الطحاوى سنين كثيرة ثم أقام على أبي الحسن، وكان إماما فى العلم والدين مشاراً إليه في الورع ذلك والزهادة.
وكان أبو بكر أحمد بن على الرازي الجصاص من أصحاب الكرخي وكان خرج إلى نيسابور مع الحاكم النيسابورى برأى أبي الحسن الكرخي و مشورته ومات الكرخى وهو في نيسابور ثم عاد إلى بغداد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وأبو على الشاشى عليل علة الموت فجلس للتدريس في مسجد أبي الحسن الكرخي وانتهت الرحلة إليه وكان على طريقة من تقدم في الورع والزهادة والصيانة، وخوطب على قضاء القضاة مرتين فامتنع. حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبرى قال حدثني أبو بكر محمد بن صالح الأبهرى قال خاطبني المطيع على قضاء القضاة، وكان السفير في ذلك أبو الحسن بن أبي عمرو الشرابي، فأبيت عليه وأشرت بأبي بكر أحمد بن على الرازى، فأحضر للخطاب على ذلك وسألنى أبو الحسن بن أبي عمرو معونته عليه فخوطب فامتنع وخلوت به ورققت فقال لي تشير على بذلك، فقلت لا أرى لك ذلك ثم قمنا إلى بين يدى أبى الحسين بن أبي عمرو وأعاد خطابه فعدت إلى معونته فقال لى أليس قد شاورتك فأشرت إلى أن لا أفعل فوجم أبو الحسن بن أبي عمرو من ذلك وقال تشير علينا بإنسان ثم تشير عليه أن لا يفعل! قلت نعم إمامى فى ذلك مالك بن أنس أشار على أهل المدينة أن يقدموا نافعا القارئ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار على نافع أن لا يفعل، فقيل له فى ذلك فقال أشرت عليكم بنافع لأنى لا أعرف مثله
وأشرت عليه أن لا يفعل لأنه يحصل له أعداء وحساد فكذلك أنا أشرت عليكم به لأنى لا أعرف مثله وأشرت عليه أن لا يفعل لأنه أسلم لدينه.
هكذا كانت تلك النفوس الطاهرة، على صلابة الأبهري في مذهبه وصرامة الجصاص فى المذهب كما يظهر من أحكام القرآن والفصول في الأصول وشرح الجامع الكبير وشرح مختصر الطحاوى وشرح مختصر الكرخي له. وتوفى أبو بكر الرازي الجصاص ببغداد سابع ذى الحجة سنة الله ??? هـ رحمهم الله ولسنا في صدد بيان سعة دائرة علمه بالحديث والرجال والفقه وأصوله وكتبه أصدق شاهد على ذلك. فطوبى لمن اتخذ هؤلاء قدوة في العلم والدين.