إحياء علوم السنة بالأزهر
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
إحياء علوم السنة بالأزهر
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا تقرير قدمه الأستاذ محمد زاهد الكوثرى إلى الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر تلبية لرغبته.
علمنا بكل اغتباط أن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر - أيده الله بروح منه يوجه في هذه البرهة عناية خاصة إلى إنهاض تعليم الحديث وعلومه فى الأزهر الشريف؛ لتلافي ما أن يترتب على دوام قلة العناية بذلك من سوء القالة فى القائمين بالأمر، بسبب تجويزهم ترك المتخرجين فيه يتيهون فى وادى الحيرة عند اختلاف الروايات لا يعرفون كيف يرجحون رواية على رواية بطريق علمى، ولا يدرون ما هو الصحيح منها، وما هو مقطوع النخاع تالف ولا يهتدون إلى وجه رد العدوان بحجة عند اعتداء عدو أثيم برواية كاذبة على حريم قدس الإسلام وتاريخ صدره الأول، ولا يفرقون بين ما يصلح أن يكون بيانا لمجمل الكتاب أو مفسرا لمواضع الاشتباه فيه، ومالا يصلح لهذا أو لذاك.
وتلك أمور لا يستساغ أن تسود معهدا إسلاميا قديما كالأزهر لم تزل ولا تزال وفود الشعوب الإسلامية تؤمه منذ مئات من السنين.
ليرتووا من معينه الصافي، ويهدوا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تلقوه هنا من العلوم العالية الإسلامية، وهكذا كان الأزهر الشريف منار الهداية لجميع الأقطار الإسلامية، حتى أصبح معقد آمال العالم الإسلامي كله في شؤون علم الدين، بحيث يعد أنه لا يفرط فى أمر هذا المعهد التاريخي العظيم إلا من لا يبالي أن يفرط
فى معقل الإسلام الوحيد قام الدين أم قعد. ولهذه المكانة العظيمة للأزهر فى نفوس المسلمين عامة نرى ذلك التصميم من الأستاذ الأكبر فى غاية من الأهمية، فندعو الله جل شأنه أن على يده الكريمة هذا الإصلاح المنشود، المرضى عند الله ورسوله وخاصة المسلمين وعامتهم في جميع بقاع الأرض، وأن يكافئه على هذا القصد النبيل وهذا العمل الجليل بكل خير فى الدنيا والآخرة، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا.
فبمناسبة هذا الاتجاه المسعود لبيت الإشارة، وقدمت التمنيات في ذلك الموضوع وما إليه، فإن صادفت قبولا فالشكر الله على التوفيق، وإن لم تلق ارتياحا إليها فقد كفى إرضائي لضميرى وإن كان فيها بعض حقائق مرة معادة، فأقول مستعينا بالله جل جلاله.
إن القصد الأصلى من الدراسات الأزهرية فيما نرى ومعنا مفكروا المسلمين فيما أظن تخريج دعاة هداية بصدق متضلعين في العلوم الإسلامية بحق منشئين على المثل العليا في الأخلاق الفاضلة، والتهذيب النفسي والأدب الاجتماعي وعلى التفانى فى خدمة المجتمع بإخلاص مدربين على طرق الهداية وإصلاح النفوس والأسر والمجتمعات، فيكون بين الأزهر وبين الجماعات العصرية بون شاسع باعتبار الوسيلة والغاية في آن واحد حيث كان للتهذيب والعمل الصالح والتوسع في العلوم الإسلامية المقام الأول في الأزهر. وقد أثبت الأزهر لنفسه في منصة التاريخ حق البقاء في الوجود معهدا أثريا محفوظ الكيان مدى الأزمان فى علومه الأصلية، وطرازه في التخريج، بما أفاض منذ مئات من السنين على العالم الإسلامي، من العلوم العالية الإسلامية الهادية إلى سواء السبيل، بطريقه الخاص في التعليم والتخريج ولا تزال مفاخره الخالدة المشكورة
مائلة أمام كل بصير.
وأما إحداث جامعة أزهرية تسير فى العلوم الكونية، مع جامعات العصر جنبا لجنب فعمل مبرور مالم يؤد إلى تناسى الغاية الأصلية بإهمال بعض العلوم التي لا غنى عنها للمجتمع الإسلامي في دور من الأدوار وبإغفال العناية بالتهذيب مظهرا ومخبرا.
لكن نرى بكل أسف الأزهر القديم الذى هو معقد آمال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فى حالة إهمال، عجيب كما نرى الأقسام النظامية تسودها الفوضى من الناحيتين التعليمية والتهذيبية منذ تأسيسها، على فرض التغاضى عن الإهمال الغريب الملموس فى تطبيق مناهجها المرسومة، فضلا عن الحرص على الغاية المطلوبة من وجود الأزهر تعليما وتهذيبا.
فمن المناظر التي تؤذى عيون المسلمين فى العالم أجمع، أن يروا بعض كبار العلماء وصغارهم لا يأنفون أن يحلقوا لحاهم، ويظهروا بمظهر الشباب الأغرار البعداء عن التفكير فى وجوب المحافظة على سمات الوقار بصفة أنهم رجال الدين وهداة الأمة ودعاة السنة، ما مع هو مشهود في جميع الملل والنحل عامة من استنكار مثل ذلك فى رجال أديانهم ومع ما ورد في السنة الصحيحة من عشرات الزواجر عن ذلك خاصة وليس تقسيم السنة - في زمن متأخر - إلى سنن هدى وسنن زوائد بمعفيهم عن اللوم بعد ثبوت تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة الزاجرة عن مثل ذلك مهما أفتاهم المفتون بل نرى فى كثير من المذاهب الفقيه رد شهادة الحليق في المحاكم الشرعية، فضلا عن أن يكون قاضيا فيها ولولا الرأى القائل باختلاف أحكام التزكية على اختلاف الأزمان لوقع فى الأمر حرج عظيم.
وعلى كل حال هذا المظهر في علماء الدين يؤذى أنظار المسلمين حقا من غير أن يخفف من وقع ذلك في النفوس استمرار العمل على تلك العادة المنكرة في بيئتنا هذه.
ثم إنا نرى استمرار الدراسة فى الأقسام النظامية عندما يؤذن المؤذن للصلاة، ويجيب المسلمون داعى الله ويقومون إلى الصلاة في جنبهم على مرأى منهم ومسمع من غير أن يحرك هؤلاء السادة القادة ساكنا في الإجابة لهذه الدعوة الإلهية وهذا أيضا منظر يؤذى ويقذى أبصار المؤمنين، بل يحمل العامة على التهاون بأمر الصلاة أو الاستهانة بالعلماء رحم الله العلامة شمس الدين محمد بن حمزة الفنارى صاحب «فصول البدائع في أصول الشرائع» المتخرج من جامعة شيخون فى الفقه الإسلامي عند العلامة أكمل الدين البابرتي حيث رد شهادة السلطان أبى يزيد الأول العثماني في قضية كان ينظرها قائلا له: إنك لا تواظب على صلاة الجماعة فلذا أرد شهادتك كما هو حكم الشرع الإسلامي. وإهمال أمر تنشئة الطلبة على مراعاة الآداب الشرعية فضلا عن الفروض والواجبات والسنن مما لا يستساغ أصلا وهنا نستنزل الرحمات على جدث الأستاذ عاطف بركات مدير مدرسة القضاء الشرعي، بما أثر عنه من كلمة في التهذيب معروفة عند معارفه.
ثم إن المربى الفاضل لا يفتأ يسهر على أحوال الطلبة في أكلهم وشربهم ونظافتهم وأزيائهم ومخاطباتهم ومعاملاتهم ولهجاتهم، وكيفية سيرهم في الطرقات، وأحوالهم ليلا ونهارا سهرا خاصا، ليتمكن من تخريج هداة مهذبين حقا بحيث لا يقال فيهم: فاقد الشيء لا يعطيه، وهذه الناحية لا تتحمل التوسع فيها من غير أن نألم أو نؤلم أكثر مما سبق، والعيان يغنى عن البيان.
ثم إن زج الطلبة والعلماء فى هذا المعهد فى حزبيات ومظاهرات قاطعة عن العلم مما لا ترضاه جماعة تحترم نفسها، وتريد المحافظة على سمعتها وتحرص على غايتها، فالرجل الإدارى الذى لا يكون حازما وحاسما في تلك النواحى يجنى على نفسه وعلى إدارته وعلى طلبة المعهد الذي يتولى أمره، وليس لمثل هذا العضو الفاسد دواء غير البتر.
وبعد هذا التمهيد اليسير أعود فأقول:
أولا: إن الأصلح ليكون محلا لدراسة العلوم الأصلية في الفقه والحديث ونحوهما هو الجامع الأزهر؛ لأنه إنما يمكن هناك ربط دروس الحديث ونحوه بما بعد الصلوات من فجر وظهر وعصر ونحو ذلك، من غير حاجة إلى جرس أو بوق أو صفارة أو طبل، وفى ذلك أيضا مراعاة جلال الدرس، ومحافظة الجميع على الجماعات وتمكين المدرس من إلقاء درسه تاما کاملا، من غير أن تعد أنفاسه بالدقائق والآنات كما هو حق الدروس العالية الإسلامية الحرة، وأما الدروس الباقية فتوزع على أوقات لا نكثر فيها جلبة ولا ضوضاء تحول دون الفهم والتفهيم توزيعا حكيما، بعد تقرير ما يجب تدريسه من شتى العلوم بالنظر إلى الغاية التى يهدف إليها الأزهر.
وثانيا: تعد قاعة فى الأزهر الشريف للبحوث تجمع أشتات الكتب المتعلقة بالحديث وعلومه بالشراء والاستنساخ والتصوير، من مكتبات الغرب والشرق لتكون تحت أيدى الباحثين من الأساتذة والطلبة، ويكلف شيخ الحديث أو لجنة خاصة الطلبة إجراء بحوث خاصة فى موضوعات شائكة من هذا العلم، يحملهم على التردد إلى تلك القاعة لاستثمار بحوثهم وتحقيق موضوعاتهم في مدة يسيرة
تحدد لهم لإتمام البحث؛ إنعاشا لروح المنافسة العلمية بينهم في إحراز قصب السبق فى البحوث السريعة، وبهذا يحصل تقدم كبير فى العلم، ويكثر الإنتاج العلمى بمشيئة الله سبحانه وتوفيقه.
وكم أفاضت دار المصنفين فى ندوة العلماء بالهند من خيرات وبركات في الإنتاج العلمى حتى أصبح للندويين ذكر جميل فى البيئات العلمية في العالم.
وعند تقرير افتتاح تلك القاعة الخاصة فى الأزهر يعمل كشف شامل عن الكتب المتخيرة في الحديث وعلوم الحديث الواجب إحضارها إلى تلك القاعة، من أمثال «التمهييد شرح الموطا» لابن عبد البر، و «القبس شرح الموطأ» لأبي بكر بن العربي، و «رجال البخارى» للباجي و «شرح جامع الترمذى» لابن سيد الناس، وتكملته للزين العراقى، و «شرح ابن رسلان لسنن أبي داود» و «ثقات العجلى» و «ترتيب الثقات» لقاسم بن قطلوبغا و «الإكمال لمغلطاي» و «العلل للدارقطني و «الإرشاد» لأبي يعلى القزويني و «الإشراف» لابن المنذر و «المصنف» لابن أبي شيبة و «المصنف» لعبد الرزاق و «السنن» لسعيد بن منصور و «المورد الهنى فى شرح السير» لعبد الغني تأليف القطب عبد الكريم الحلبى و «جامع التحصيل فى أحكام المراسيل» للصلاح العلائي و «تخريج أحاديث الاختيار» لقاسم بن قطلوبغا و «تقدمة معرفة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم و «التقييد لرواة السنن والمسانيد» لابن نقطة، و «تقييد المهمل» لأبي على الغساني و «المحدث الفاصل بين الراوى والواعي» للرامهرمزي و «الإلماع فى قواعد الرواية والسماع» للقاضي عياض و «شرح علل الترمذى» لابن رجب و «التحقيق في أحاديث التعليق» لابن الجوزى و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادى و «المشتبه» للذهبى، و «التبصير المنتبه في تحرير المشتبه» لابن حجر إلى
غير ذلك من الكتب القيمة.
وثالثا: يقرر تدريس الأصول الستة للبخارى ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي وابن ماجه بطريق السرد على طبق الرواية والاكتفاء بشرح بعض مفردات يسيرة فيها دون التوسع فى الشرح ليمكن تلقيها في مدة يسيرة، وكذا موطأ مالك من روايتى محمد بن الحسن ويحيى الليثى، وترتيب مختصر مسند أبي حنيفة لمحمد عابد السندى ومعانى الآثار للطحاوى، وترتيب مسند الشافعي للسندى المذكور وسنن الشافعى للطحاوى.
وذلك بأن يعين لتدريس كل منها شيخ خاص يكون مكلفا بتسميع الكتاب على طبق الرواية مع إلزام طلبة الأقسام النظامية وطلبة الأروقة من الغرباء أن يختاروا كتاباً منها ليحضروه في وقته المحدد عند شيخه الخاص ويلازموا مجلسه إلى إتمام الكتاب، وهكذا يفعلون فى الكتب الأخرى كلما تم تلقى كتاب منها، ويكون طريق تلقى الكتاب من الأستاذ بأن يقرأ الطالب الذي على يمين الشيخ صفحة أو نصف صفحة من الكتاب على تؤدة ورفع صوته ثم يقرأ الذي يليه وهكذا إلى انتهاء المجلس، فإذا أخطأ القارئ في لفظ رده الشيخ إلى الصواب فيصلح الجماعة كتبهم بعناية تامة.
ويكون الشيخ مسؤولا عن ضبط الكتاب سنداً ومتناً، من أصول معتمدة تداولتها أيدى الحفاظ وضبطوها طبق الرواية ولا يقبل منه أى تساهل في ضبط الأسماء والكنى والألقاب، بل يضبطها على الوجه ويحمل الطلبة على البحث عنها في مظانها من الكتب فى تلك القاعة وغيرها تعويداً لهم على أن يبحثوا فى العلم، مع توزيع ما يمكن توزيعه عليهم من ا الكتب الصغيرة في الرجال مثل
خلاصة تذهيب التهذيب» للخزرجي و «تقريب التهذيب» لابن حجر و «المغنى» للفتني ونحوها.
ويلزم الشيخ بأن يكتفى بشرح بعض مفردات في الحديث دون التوسع في الشرح للانتهاء من تلقى الكتاب فى أيسر مدة؛ ليتسع المجال لتلقى الكتب الأخرى على طبق الرواية من شيوخها كما هو المطلوب، لأن الإفاضة في الشرح تقطع الطالب عن إتمام الكتب وليست حاجته إلا إلى ضبط المتن والسند على طبق الرواية، وإلى شرح بعض مفردات يسيرة، وأما التوسع في الشرح فهو في غنية عنه بما فى متناول يده من شروح الكتاب.
وقد كنت حضرت مجلس بعض الشيوخ الكبار من أصدقائي في «صحيح البخارى» فوجدته قليل العناية بضبط الأسماء ومختلف الروايات، معنيا بالإفاضة في الشرح، فقلت له في مجلس خاص: رأيتك تتساهل في ضبط الأسماء وتبيين مواضع الاختلاف مع أن حاجة الطلبة إلى ذلك فقط، وهم ليسوا فى حاجة إلى سرد ما فى بطون الشروح التي تحت أيديهم. فقال: لا داعي إلى العناية بضبط الأسماء والكنى والألقاب، بعد تحقق صحة المتن فقلت: لعلكم تعدون الأسانيد فى أوائل الأحاديث زينة مجردة مع أنها مدار الحكم على الأحاديث بالصحة وبالتفاوت فى درجات الصحة، فبمعرفة الأسانيد ورجالها يتمكن العالم من التخلص عن علم من مواطن الزلل عن تعارض الروايات، فيرجح ما يرجحه عن بصيرة لا عن هوى ولا عن تقليد.
وينبذ ما ينبذه عن حجة ناهضة، فبمدارسة أحوال الرواة ورواياتهم يصبح الباحث كأنه عاش معهم وعاشرهم فيميز بين من تقبل رواياته مطلقا وبين من
ينتقى بعض أحاديثه في الصحاح دون، بعض فلا تقبل رواياته كلها ولا ترد كلها بل يقبل بعضها ويرد بعضها بضوابط معروفة عند أهل هذه الصناعة.
فقال: كان مشايخنا يعنون بشرح متن الحديث دون ضبط الأسانيد.
فقلت: إذا تساهلتم أنتم فى الرجال هكذا فمن بعدكم يكونون أكثر تساهلا، فيضيع هكذا هذا العلم الذى لولاه لما علم وجه الصواب بين الروايات المختلفة في التفسير والأحكام وتاريخ الصدر الأول، فسكت على مضض. سامحنا الله وإياه بمنه وكرمه.
وبالأمس رأينا تلك التقارير المتضاربة المدونة عن كتاب «النقض» للدرامي المجسم، وهى تبقى مدى الدهر مؤذنة بمبلغ علم واضعيها بصناعة الحديث وعلم الرجال، ومن تعلل فى عدم استنكار ما فيه من المخالفات الصارخة العقيدة التنزيه باسم حرية الرأى نسى أن الأزهر حارس للعقيدة والشريعة؛ وليس للحارس أن للصوص أن يستولوا على البضائع التي حراستها يسمح على عاتقه باسم أنهم أحرار فيما يعلمون.
ورابعاً: يعين شيخ لعلم أصول الحديث المعروف بمصطلح الحديث فيهذب أولا «شرح ألفية الحديث» للعراقي تأليف السخاوى، ويضم إلى هذا المهذب آراء مختلف الطوائف من الفقهاء في مسائل هذا العلم ليكون أتم وأوفى، وإلى إتمام هذا العمل وإكمال هذا التهذيب يكتفى الأستاذ بإقراء شرح النخبة لابن حجر مع ضم فوائد إليه من كتاب قاسم بن قطلوبغا عليه ومن على القارى ومحمد أكرم السندى.
ومما لا يهمل في هذا العلم «المحدث الفاصل بين الراوى والواعى» أقدم
ما ألف في هذا الفن و «الإلماع» للقاضي عياض و «الاقتراح» للقاضى ابن دقيق العيد و «الكفاية» للخطيب و «المعرفة علوم الحديث» للحاكم مع التنبه إلى ما فى الأخيرين من بحوث غير شر ممحصة.
ومدرس هذا العلم في إمكانه غرس حب علوم الحديث في نفوس الطلبة والتقدم بهم إلى مستوى عال جدا فى هذا العلم، بإيضاح وجوه الخذلان التي تلحق من قلت بضاعته في هذا العلم مهما برع في باقي العلوم، مع ضرب أمثلة مثيرة بكثرة مما يلفت أنظارهم إلى مبلغ حاجة العالم إلى هذا العلم ليعلو شأنه بين أترابه عند محاولة تحقيق مسائل في العلوم لها صلة وثيقة بهذا العلم.
وخامساً: يعين أيضا أستاذ لعلم الأحاديث الموضوعة والواهية، فيتخذ «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة» لأبي الحسن بن عراق الكناني أساساً لدراسة هذا الموضوع؛ لما له من الميزة من جهة أن في أوله مقدمة نفيسة فى الوضع والوضاعين منقولة من موضوعات ابن الجوزى، مع زيادة فوائد من غيره وفى أوله أيضا «الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث» لسبط بن العجمى الحافظ لكثرة الحاجة إلى معرفة الرجال المعروفين بالوضع عند التحدث عن الأحاديث الموضوعة، وقد رتب أبواب كتابه على فصول يذكر فيها ما اتفق مؤلفو كتب الموضوعات على الحكم عليه بالوضع، وما اختلفوا فيه وما ترجح عنده، فإذا استقصى أستاذ هذا النوع البحث في باقي الكتب المؤلفة فى الأحاديث الموضوعة والواهية مع التنبه إلى أحوال مؤلفيها من التسرع أو التروى فى الحكم تمكن من إخراج كتاب للناس أجمع وأوثق وأنفع مما تقدم.
وسادساً: يعين مدرس خاص يقوم بتدريس أحكام المراسيل وآراء أهل
العلم فيها بعد دراسة شاملة وبعد الاستعانة بتقدمة «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم و «كتاب المراسيل» له، و «أحكام المراسيل» للصلاح العلائي، وهو من أنفع الكتب وأوسعها شرحا لآراء أصحاب المذاهب الفقهية فيها، و «شرح علل الترمذي» لابن رجب ونحوها مع لفت النظر إلى الأحاديث المعلقة في صحيح البخارى، والأحاديث المرسلة والموقوفة فيه، ولا سيما في كتاب التفسير منه، وإلى الأحاديث المقطوعة والمرسلة فى صحيح مسلم، وبحوث أهل الشأن في هاتين الناحيتين، ومع الإشارة إلى ما فى الموطأ والسنن الأربعة من هذا القبيل إتماما للفائدة وتوسيعا لأفق البحث.
وسابعا: يعين أيضا شيخ خاص لتدريس «التحقيق» لابن الجوزى و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادى على طريقة المقارنة بين أدلة طوائف الفقهاء المدونة فيهما رداً وقبولاً وتعويد الطلبة السعي الحثيث؛ ليصلوا إلى نتيجة إيجابية من المناقشات فى تجريح الرواة أو توثيقها فى الأخبار التي يتمسك بها طوائف الفقهاء وهذا باب واسع يحمل الشيخ والطلبة على البحث الشامل في كتب كثيرة ألفت لتخريج أحاديث كثير من كتب المذاهب، ويفعل مثل ذلك في «تحفة الراوى فى تخريج أحاديث تفسير البيضاوى» لابن همات مع الاستعانة بتخريجى أحاديث الكشاف للزيلعى وابن حجر، وبذلك يحصل التبصر في الأحاديث المدونة في التفاسير.
وثامنا: يعين شيخ أيضا لتدريس السير والمغازى بعد إخراجه كتابا مهذباً في هذا العلم تحت ضوء علم نقد الرجال، حتى يلقى عصارة بحوثه على الطلبة بحيث تبدى وجوه التقصد في حملات المستشرقين تحت ستار البحث العلمى البرىء.
وكتاب الأستاذ شبلى النعمانى الهندى وتلميذه وزميله الأستاذ سليمان الندوى فى تمحيص السيرة النبوية عن الروايات الزائفة باللغة الهندية في عدة مجلدات، قد سد فراغا كبيرا في فضح دخيلة المستشرقين والرد عليهم، وقد ترجم إلى اللغة الإنجليزية ثم إلى اللغة التركية، ولو قام بعض رجال الأدب بترجمته إلى اللغة العربية مع إصلاح بعض مواضع أخطأ فيها لكان هذا عملا نافعا يرد به كيد أمثال البرنس كيتانو الإيطالي وغولد زيهير الهنغارى وكم من نوابغ الكتاب من انخدع بتلبيسانهم اغتزازا بنقلهم عن مصادر شرقية غير منبهين إلى أن نقولهم زائفة الأسانيد، ولا يستبين أمر المصادر الزائفة والمصادر الجديرة بالاعتماد إلا من هو ملم بأحوال الرجال كما أوضحت ذلك بأمثلته في مقال لى تحت عنوان خالد بن الوليد وقتل مالك ابن نويرة.
وتاسعا: تلقى بالأزهر محاضرات في شتى الموضوعات في علوم الحديث مثل وجوه إعلال الحديث وأسباب وروده وناسخه و منسوخه، وشروط الأئمة في قبول الأخبار وأنواع التدليس وأحكامها، وتاريخ تدوين الحديث وأخبار الحفاظ والمخضرمين والمدلسين والمختلطين، وأنفع الكتب وأوثقها فى ضبط الأعلام والألقاب والكنى والأنساب؛ استنهاضا لهمم الطلبة إلى تحقيق تلك الموضوعات، وتدوين مؤلفات فيها.
ويكون من المستحسن جداً بعد استعادة الأزهر القديم نشاطه العلمي تقرير تدريس «الكشاف» للزمخشرى و «جامع البيان في صناعتى النثر والنظم» للضياء بن الأثير و ارتشاف الضرب في قواعد لسان العرب لأبي حيان الأندلسي فى الأزهر احتفاظا بعلومه القديمة على تناسق وتناسب، وكذا الفقه والأصول على المذاهب والتوحيد وأصول التفسير مع العناية بطرق رواية التفسير عن ابن
عباس وغيره من الصحابة – رضي الله عنهم -، وتبيين درجاتها صحة وضعفا على المعايير الصحيحة، ولو على طريق إلقاء محاضرات عنها، لا على تساهل السيوطي في الإتقان.
وعاشرا: تشكل لجنة تسهر على حملات المستشرقين والمبشرين، وتجتمع في قاعة خاصة أخرى بالأزهر؛ لدفع عادية المعتدين بحجج مع منع أبناء الأزهر من نشر ما يترجمونه من كتب هؤلاء قبل استكمال الرد على الآراء الباطلة المدونة فيها، بل تؤلف الردود بلغات المردود عليهم، وتنشر في بلادهم أولا، ثم تنشر فى البلاد الإسلامية بلغات المسلمين، وهذا هو الأسلم عاقبة، والأتم نفعا.
وهذا ما سنح بالخاطر مما يرجى فيه خير وإصلاح وتقويم لما اعوج وانحرف عن اتجاهه الجدير به والله سبحانه ولى الهداية لمن استهداه، وله الحمد في الآخرة والأولى.