الجزء 1 · صفحة 5
أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها
وتناوب الأقطار فى الاضطلاع بأعباء علوم السنة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
لا بد لمن ينتمى إلى الفقه من أن يكون ذا عناية بالأحاديث والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الأحكام الأصلية والفرعية، ليكون على بينة من أمره فيصون نفسه من محاولة إجراء القياس على ضد المنصوص ويحترز من مخالفة الإجماع فى المسائل المجمع عليها؛ لأنه لا يمكن تفريق ما يصح فيه القياس مما لا يصح هو فيه، وتمييز ما يستساغ فيه الخلاف مما لا يسوغ فيه غير الاتباع المجرد، إلا لمن أحاط خبراً بموارد النصوص ووجوه التفقه فيها، واستقرأ الآثار الواردة من فقهاء السلف في الأحكام فهو الذى يقدر أن يتصون من القياس فى مورد النص، وهو الذي يستطيع أن يحترز من الخلاف فى موطن الإجماع، ولذلك تجد علماء هذه الأمة وأدلاءها قد سعوا سعياً حثيثًا - فى جميع االأدوار - في جمع الأحكام والكلام عليها متناً وسنداً ودلالة على اختلاف أذواقهم ومشاربهم في شروط قبول الأخبار، وعلى تفاوت مداركهم في النصوص والآثار.
وكانت أمصار المسلمين تتناوب فى الاضطلاع بأعباء علوم السنة مدى القرون، إن قصر في ذلك قطر قام قطر آخر بواجبه في هذا الباب، وهكذا .. وكانت من أكبر الأقطار حظا من العلوم ما بين شرعية وعقلية وأدبية ولا سيما علوم السنة والفقه البلاد العراقية أيام مجد الدولة العباسية إلى تاريخ انقراضها وما خلف علماؤها من المآثر الخالدة شاهد صدق على ذلك. ثم خلفتها - في
الجزء 1 · صفحة 7
حيازة القدح المعلى في العلوم - الدولة المصرية على اتساع ممالكها فى عهد الدولتين البحرية والبرجية - وإن كان للمغرب فضل غير منكور في جميع العلمية الأدوار - والآثار الباقية من الدولتين، والجامعات التى كانت الملوك والأمراء شيدوها لم تزل ماثلة أمامنا تنطق عن ماض مجيد، ولم نزل نشاهد فى التاريخ مبلغ ما كانوا يدرون عليها من الخيرات في سبيل العلم، مع مشاطرة كثير من ملوكهم وأمرائهم العلماء في علومهم.
وها هو الظاهر برقوق يتفقه على الإمام أكمل الدين البابرتي؛ ويشارك المحدثين في رواية الصحيحين ويجلب أمثال ابن أبى المجد من كبار المسندين من الأقطار النائية رغبة منه فى إعلاء سند المتعلمين بمصر بسماعهم الحديث من أصحاب الأسانيد العالية .. ويفعل مثل ذلك المؤيد حيث كان نفسه هو يروى الصحيح عن السراج البلقيني، بل ابن حجر سمع الحديث من المؤيد و ترجم له في عداد شيوخه فى «المعجم المفهرس».
وقد جلب المؤيد إلى العلامة شمس الدين الديرى صاحب «المسائل الشريفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة».
وكذلك ترى الظاهر جقمق يسمع الصحيح من ابن الجزري، ويجلب كبار المسندين إلى مصر ليتلقى منهم المتعلمون بمصر مروياتهم في السنة من الصحاح والمسانيد، ويجعل القلعة المصرية مجمع هؤلاء العلماء وموضع تلقى المتعلمين لتلك الكتب من هؤلاء المسندين تنويها بأمرهم وإعلاء لشأن العلم.
وبهذه العناية والرعاية من الملوك والأمراء كانت مصر دار حديث وفقه وأدب في القرون الثلاثة: السابع والثامن والتاسع وها هي كتب التاريخ قد
الجزء 1 · صفحة 8
اكتظت بتراجم رجال كبار انجبتهم مصر بكثرة بالغة في تلك القرون الذهبية؛ ممن لهم مؤلفات كثيرة جدا فى شتى العلوم؛ بحيث يعدون مفاخر الإسلام طراً فضلا عن مصر؛ بل مآثرهم المحفوظة في خزانات العالم مما يقضى لمصر بالفخر الخالد ومؤلفاتهم فى الحديث والفقه والتاريخ خارجة عن حد الإحصاء.
وقد استمرت النهضة العلمية بمصر على ما وصفناه إلى أوائل القرن العاشر. فبانقراض الدولة المصرية البرجية فى أوائل ذلك القرن تضاءل النشاط العلمى بمصر بل تزعزعت أركان العلم بها، وغادر هذا النشاط القطر المصرى إلى أقطار أخرى، كما هو سنة الله في خلقه، فإذا قارنت رجال أواخر القرن العاشر برجال القرون الثلاثة التي سبقته علمت مبلغ ما أصيبت به مصر من الانحطاط العظيم في العلم حين ذاك.
هذا ثم توزعت الأقطار النشاط العلمى وكان حظ إقليم الهند من الميراث - منذ منتصف القرن العاشر - هو النشاط فى علوم الحديث، فأقبل علماء الهند عليها إقبالاً كلياً بعد أن كانوا منصرفين إلى الفقه المجرد والعلوم النظرية .. ولو استعرضنا ما لعلماء الهند من الهمة العظيمة في علوم الحديث من ذاك الحين - مدة ركود سائر الأقاليم - لوقع ذلك موضع الإعجاب الكلى والشكر العميق وكم لعلمائهم من شروح ممتعة وتعليقات نافعة على الأصول الستة، وغيرها وكم لهم من مؤلفات واسعة فى أحاديث الأحكام، وكم لهم من أياد بيضاء في نقد الرجال، وعلل الحديث وشرح الآثار، وتأليف مؤلفات فى شتى الموضوعات. والله سبحانه هو المسؤول أن يديم نشاطهم في خدمة مذاهب أهل الحق ويوفقهم لأمثال أمثال ما وفقوا له إلى الآن، وأن يبعث هذا النشاط في سائر الأقاليم من جديد.
الجزء 1 · صفحة 9
ومن أحسن الكتب للأقدمين في أحاديث الأحكام - سوى الصحاح والسنن والمسانيد - مصنف ابن أبي شيبة وكتب الطحاوى ولاسيما معاني الآثار وكتب ابن المنذر ولاسيما الإشراف وشروح الجصاص المختصر الطحاوى، ومختصر الكرخي والجامع الكبير وكتب ابن عبد البر كالتمهيد والاستذكار وكتب الأحكام لعبد الحق، والوهم والإيهام لأبي الحسن بن القطان، وكتب البيهقى والنووى وكتب ابن دقيق العيد من «الإمام» و «الإلمام» و «شرح العمدة واللباب فى الجمع بين السنة والكتاب لأبي محمد المنبجي والاهتمام بتلخيص الإلمام لقطب الدين الحلبي، وقد أصلح ما غلط فيه ابن دقيق العيد من عزو الحديث في «الإلمام» إلى غير من خرجه، وتحقيق ابن الجوزى»، و «منتقى المجد ابن تيمية»، و «تنقيح ابن عبد الهادى» وكتب التخاريج كلها، ومن أنفعها وأوسعها «نصب الراية» للجمال الزيلعي و «المعتصر» للجمال الملطى، وكتب ابن حجر وخصوصاً «فتح البارى»، و «التلخيص الحبير» وكتب البدر العينى ولا سيما «عمدة القارى» و «شرح معاني الآثار» و «شرح الهداية» وكتب العلامة قاسم وخاصّة تخريج أحاديث «الاختيار»، إلى غير ذلك مما لا يحصى من الكتب المؤلفة إلى أوائل القرن العاشر.
ثم يأتي دور إخواننا الهنود - من أهل السنة - فمآثرهم في السنة في القرون الأخيرة فوق كل تقدير، وشروحهم فى الأصول الستة تزخر بالتوسع في أحاديث الأحكام، فدونك فتح الملهم فى شرح صحيح مسلم» و بذل المجهود في شرح سنن أبى داود و العرف الشذى فى شرح سنن الترمذى .. إلى غير ذلك مما لا يحصى، ففيها البيان الشافي في مسائل الخلاف، ولبعض علمائهم أيضاً مؤلفات خاصة في أحاديث الأحكام على طراز بديع مبتكر، وهو استقصاء أحاديث
الجزء 1 · صفحة 10
الأحكام من مصادرها وحشدها في صعيد واحد فى الأبواب والكلام على كل حديث منها جرحا وتعديلا، وتقوية وتوهينا ..
وها هو العلامة المحدث مولانا ظهير حسن النيموى - رحمه الله- قد ألف كتابه «آثار السنن» فى جزأين لطيفين وجمع فيهما الأحاديث المتعلقة بالطهارة والصلاة على اختلاف مذاهب الفقهاء وتكلم على كل حديث منها جرحا وتعديلا على طريقة المحدثين وأجاد فيما عمل كل الإجادة، وكان أن يجرى على طريقته هذه إلى آخر أبواب الفقه لكن المنية حالت دون أمنيته رحمه الله. وهذا الكتاب مطبوع بالهند طبعا حجريا إلا أن أهل العلم يريد تخاطفوه بعد طبعه فمن الصعب الظفر بنسخة منه إلا إذا أعيد طبعه.
وكذلك عنى بهذا الأمر العلامة الأوحد والحبر المفرد شيخ المشايخ في البلاد الهندية المحدث الكبير والجهبذ الناقد مولانا حكيم الأمة محمد أشرف على التهانوى صاحب المؤلفات الكثيرة البالغ عددها نحو خمسمائة مؤلف ما بين كبير وصغير، فألف - طال بقاؤه - كتاب «إحياء السنن» وكتاب «جامع الآثار» فى هذا الباب ويغنى عن وصفها ذكر اسم مؤلفهما العظيم وكلاهما مطبوع بالهند إلا أن الظفر بهما أصبح بمكان من الصعوبة حيث نفدت نسخهما المطبوعة لكثرة الراغبين فى اقتناء مؤلفات هذا العالم الرباني - وهو الآن قد ناهز التسعين - أطال الله بقاءه - وهو بركة البلاد الهندية وله منزلة سامية عند علماء الهند حتى لقبوه حكيم الأمة.
وهذا العالم الجليل قد أشار على تلميذه وابن أخته المتخرج في علوم الحديث لديه المحدث الناقد والفقيه البارع مولانا ظفر أحمد التهانوى مآثره - أن
الجزء 1 · صفحة 11
يستوفى أدلة أبواب الفقه بجمع أحاديث الأحكام في الأبواب من مصادر صعبة المنال مع الكلام على كل حديث في ذيل كل صفحة بما تقضى به صناعة الحديث من تقوية وتوهين وأخذ ورد على اختلاف المذاهب فاشتغل هذا العالم الغيور بهذه المهمة الشاقة نحو عشرين سنة اشتغالا لا مزيد أتم مهمته بغاية من الإجادة بتوفيق الله سبحانه في عشرين جزءاً لطيفا بقطع آثار السنن وسمى كتابه هذا إعلاء السنن وجعل له في جزء خاص مقدمة بديعة في أصول الحديث نافعة للغاية في بابه.
والحق يقال إنى دهشت من هذا الجمع وهذا الاستقصاء الاستيفاء البالغ فى الكلام على كل حديث بما تقضى به الصناعة متنا وسنداً من غير أن يبدو عليه آثار التكلف فى تأييد مذهبه؛ بل الإنصاف رائده عند الكلام على آراء أهل المذاهب فاغتبطت به غاية الاغتباط.
وهكذا تكون همة الرجال وصبر الأبطال أطال الله بقاءه في خير وعافية، ووفقه لتأليف أمثاله من المؤلفات النافعة - حفظه الله - وقد طبع المؤلف نحو عشرة أجزاء من ذلك الكتاب طبعاً حجريا، وقد نفدت نسخ الأجزاء الأول. وأما طبع الباقى فيجرى ببطء بالغ، فياليت بعض أصحاب المطابع الكبيرة بمصر سعى فى جلب الكتاب المذكور من مؤلفه وطبع تمام الكتاب من أوله إلى آخره بالحروف الجميلة المصرية.
ولو فعل ذلك أحدهم لخدم العلم خدمة مشكورة، وملأ فراغا في هذا الباب.
ومن مشاهير علماء الهند أيضا ممن يعنون بأحاديث الأحكام العلامة
الجزء 1 · صفحة 12
المحدث الشيخ مهدى حسن الشاهجهانفورى المفتى -حفظه الله - فإنه شرح كتاب الآثار للإمام محمد بن الحسن الشيبانى فى مجلدين ضخمين كثر الله سبحانه من أمثال هؤلاء الرجال.
وهذه نبذة يسيرة من مآثر هؤلاء الإخوان، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.