الجزء 1 · صفحة 5
ابن عبد الوهاب والشيخ محمد عبده
في نظر صاحب «الثقافة»
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب مجلة «الثقافة» كان حذرا كل الحذر من أن يطرق في مجلته بحوثا دينية ذات صبغة طائفية، معتبراً إياها مما لا حاجة إليه في التثقيف العصرى، لكن غير خطته الآن وأخذ يخوض فيها خوضا لا يبرره التمحيص العلمى والبحث البرىء حتى أنحى باللائمة فى العدد 257 على دلائل الخيرات للجزولى و بردة المديح للبوصيرى - حيث احتوتا على التوسل بفخر الرسل – عليهم السلام -.
وهذا ذنب لا يغتفر عنده مهما شغف بهما أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها تقديرا منهم لما حازتاه من القدح المعلى في غرس حبه. في النفوس وتوثيق الصلة به – عليه السلام -.
وقد حمل أهل العلم بعض عباراتهما الموهمة عند بعض العامة على محامل حسنة تتفق والعلم الصحيح، ولم يحل دون اشتهارهما تقول أى قائل كما يظهر من الأثبات ومن النسخ المحفوظة في الخزانات.
فكأن الأستاذ صاحب المجلة تناسي قوله تعالى: {إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا} الآمر بالصلاة عليه
الجزء 1 · صفحة 7
بدون تقييد بوقت دون وقت ولا بصيغة دون صيغة .. وقد توارث المسلمون الصلاة عليه فى صلواتهم، بل يصلون عليه كلما ذكروه مذا دانوا بالإسلام، وألف مؤلفون فى فضل الصلاة عليه كتبا خالدة، ولا يزالون هكذا إلى قيام الساعة رغم كل منحرف عن حضرة المصطفى – عليه السلام -.
وكأن الأستاذ تناسى أيضا حديث الشفاعة الكبرى المتواتر عند أهل العلم بالحديث، ومن أحاط خبرا بأحاديث الشفاعة استيقن أنه – عليه السلام - ملاذ الخلق حقا في ذلك اليوم الرهيب، وأن من أخذ بيده نجا من أن تزل قدمه، وأنه هو الشافع المشفع لأهل المحشر بإذن الله تعالى يوم يستولى عليهم اليأس من شفاعة الشافعين والله سبحانه هو الذي يقيمه في هذا المقام المحمود إعلاء لشأنه .. فأني يتصور فى ذلك معنى الإشراك؟!! وبعض الناس يحسب أن إنكار الشفاعة هين وهو عند الله عظيم.
وليس علم الحديث بالحالة التي يتخيلها وولد زيهير إن تابعه الأستاذ في فجره وضحاه، ولبسط ذلك مقام غير هذا المقام.
وما يأخذ الأستاذ على البوصيرى، عده المصطفى يعلم علم اللوح والقلم وليس الغيب كله ولا العلم كله ما فى اللوح فقط حتى يلزم من نفي العلم بالغيب نفى علم ما فى اللوح، لأن النفى في قوله تعالى: فلا يظهر على غيبه أحدا مع فرض التغاضى عن الاستثناء مسلط على مصدر مضاف -أعنى غيبه - وهو من ألفاظ العموم فيفيد سلب العموم لا عموم السلب، فيكون المعنى نفى علم جميع الغيب لا نفى علم شيء من الغيب، كما حققه السعد في شرح المقاصد، على أن العلم بإعلام الله لا يكون من الغيب في شيء.
الجزء 1 · صفحة 8
ثم قال الأستاذ في العدد ?5? إن الشيخ عبده كان يتابع خطة ابن عبد الوهاب في أسس الإصلاح، وكذا الشيخ التجاني والشيخ السنوسي. والواقع أن الأخيرين من الصوفية القائلين بوحدة الوجود على مذاق الشيخ الأكبر، كما يظهر من كتبه المتداولة بين أصحابهما، فلا يتصور يتابعاه في نحلته المنابذة للتصوف والمتصوفة.
وأما الشيخ محمد عبده فقد نشأ على القول بوحدة الوجود على ما يعلم من كتاب الواردات له ومن حاشيته على شرح الدواني على العضدية، بل استمراره على هذا الرأى ظاهر من قوله ?/ ??? في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب} رغم تكلف صاحب المنار التملص منه بعد مدة مديدة ثم إنه تلقى كثيرا من كتب الفلسفة عن الدين المازندراني، ورحل إلى الغرب وكرع من ينابيعه العكرة فيكون إشراقيا فيلسوفا على الطريقتين. وابن عبد الوهاب وقدوتاه ابن تيمية وابن القيم يرون القول بوحدة الوجود مروقا ونفيا للصانع وانحيازاً إلى الطبيعيين نفاة إله العالمين، فلا يتصور من الشيخ محمد عبده أن يتابع من نظره إلى وحدة الوجود هذا النظر.
على أن ابن عبد الوهاب ينابذ الكلام والرأى والتصوف والفلسفة، في حين أن الأستاذ الإمام مؤلفاته فى الكلام وتعويله على أهل الكلام واعتماده على الرأى فى الإفتاء والتفسير طول حياته، وليس عنده من علم متن الحديث ورجال الحديث وعلل الحديث ما يمكنه من الجولان في ميدان البت في التفسير بالرواية والاحتجاج بالحديث في أبواب الفقه، فيكون مشربه غير مشرب زعيم البادية. فادعاء أن الشيخ عبده ممن ينضوي تحت راية ابن عبد الوهاب لا يكون معقولا وإن وقع مثله فى كلام بعض المحاضرين قبل الأستاذ، والتعويل على الدعايات
الجزء 1 · صفحة 9
كثيرا ما يبعد المرء عن اجتلاء الحقائق.
وعذر الأستاذ أنه تعود النقل عن كتب من غير أن يتحقق من قيمة مؤلفيها فى الثقة والتثبت ومن غير أن يذكر مصادره فيلصق به القول مباشرة بدون أن يستطيع التدليل عليه، وتجد مثل ذلك فى كلامه عن مدحت باشا حيث عول على الانقلاب العثماني» و «محاكمة مدحت ونحوهما في مع أن المسألة أوسع وأعمق من أن يكتفى فيها بأمثال تلك الكتب شأنه، ولا يوجد عالم مخلص إلا ويسعى فى إحياء السنة النقية وإماتة البدعة، لكن المنع من البدع المنكرة غير رمى الناس بالشرك بأتفه الأسباب، وذلك يكون بالإخلاص في النصيحة وهذا يكون لبناء صرح الحكومة على الأسلاب.
وابن عبد الوهاب صاحب الدعوة ينسبه أصحابه إلى مذهب الإمام أحمد ومذهبه التقليد فى باب الاعتقاد كما تجد ذلك مسندا إليه في طبقات ابن أبي يعلى ولم نر أحدا له شأن ادعى الاجتهاد له والاجتهاد في الإسلام صعب المنال. فإن كان الأستاذ رأى كتابا يشهد له بالنبوغ في علم الكتاب والسنة والعربية وسائر مدارك الفقه غير سل السيف في فيافي قاحلة جرداء لا يشع عليها نور غير نور شمس السماء فليبرزه لنعلم منزلته في العلم أهو بحيث يصبح إمام الموحدين حينما يعد أتباع أئمة الهدى المتبوعين مشركين بسبب زيارة القبور والتوسل بالأنبياء والصالحين أم بالعكس.
على أن شيعة ابن عبد الوهاب صرحاء فى معتقدهم في التشبيه والتجسيم، فدونك كتاب «النقض» للدارمى وكتاب السنة» المنسوب لعبد الله ابن أحمد وغيرهما مما نشره أشياعه تستبين منها معتقدهم في الله سبحانه، وقد سجلنا في
الجزء 1 · صفحة 10
تكملة الرد على النونية من النقول ما فيه كفاية في هذا الموضوع.
والمجسم عابد وثن عند كثير من أئمة أصول الدين، فلا يلزم المشبه مع المنزه في قرن عند أهل الحق.
أفلا يكون من الغريب المستغرب جدا ولا سيما من مثل الأستاذ أن يعد زعيم المشبهة فى أواخر القرن الثاني عشر الهجرى إمام الموحدين، وأتباع الأئمة المتبوعين مشركين تحل دماؤهم وأموالهم بمجرد أن زاروا القبور أو توسلوا، مع أن في الزيارة والتوسل أدلة الكتاب والسنة ونصوص من يخضع لها كل من يعى ما يقال له وقد سبق أن ذكرنا ما فيه كفاية في مقالين تحت عنوان محق التقول في مسألة التوسل.
من الأئمة ذلك وإن لابس زيارة بعض العامة أو توسله شيء من البدع فالواجب على العالم أن يرشده إلى السنة برفق لا أن يرميه بالشرك ويستبيح ماله ودمه، ولسنا نرى تمسح الزائر لكن لا نرميه بالإشراك بمثل هذا السبب، بل يقول أبو الوفاء بن عقيل عالم الحنابلة فى التذكرة له المحفوظة بظاهرية دمشق رقم في الفقه الحنبلى عند ذكر كيفية زيارة قبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في المذهب الحنبلي: « ... وإن أحببت تتمسح بالمنبر وبالحنانة، وهى الجذع الذي كان يخطب عليه الرسول – صلى الله عليه وسلم - وابن عقيل هذا عالم جليل له كتاب «الفنون» يقال إنه فى ثمانمائة مجلد، ويقول الذهبي عنه إنه لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، ورواية أبي بكر المروزي عن أحمد في المناسك في هذا الباب معروفة، وفى كتاب الحكايات المنثورة للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي المحفوظ تحت رقم ?? من المجاميع بظاهرية دمشق أنه الحافظ عبد الغنى المقدسي الحنبلى
الجزء 1 · صفحة 11
يقول إنه خرج فى عضده شيء يشبه الدمل فأعيته مداواته ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم يعد إليه. وهذا الكتاب بخط الحافظ المذكور ومن خطه نقلت هذه الحكاية، وأى حنبلي يستطيع أن يقول عن هؤلاء إنهم قبوريون يتعبدون الضرائح؟!!
والأستاذ الذي يخلع على أشياع ذلك الزعيم خلعة الموحدين مع رأيهم المعروف فى التشبيه ويرمى أتباع أئمة الهدى بالإشراك والوثنية بسبب زيارة القبور والتوسل بالأنبياء والصالحين يقول في كتاب الأخلاق له ص?? في العالم قوة خفية تحركه وتدبر شؤونه هى علة وجوده وبقائه ... هذه الله رب العالمين والقوة الحالة فى العالم لا تكون إلا عرضا قائما القوة هي به، فتكون تسمية العرض إلها من مبتكرات هذا الأستاذ بدل تسمية المادة إلها عند المجسمة تعالى الله عن ذلك فلتطن إذن بخز» اغتباطا بما آل إليه رأيه في «القوة والمادة بعده بمدة يسيرة بفضل فلاسفة اليوم الذين يرون أنفسهم في مقام التحاكم إليهم فى الفرق بين الموحدين والمشركين!!
وكان محمد بن إسماعيل الأمير اليماني صاحب سبل السلام بعث إلى ابن عبد الوهاب فى مبدأ قيامه بالدعوة إلى نحلته بقصيدة طنانة مطلعها:
سلام على نجد ومن حل في نجد
وإن كان تسليمى على البعد لا يجدى
وتمام القصيدة في «البدر الطالع» للشوكاني و «التاج المكلل» لصديق خان فطارت كل مطار ثم لما بلغه ما عليه ممدوحه من سفك الدماء ونهب الأموال والتجارى على قتل النفوس ولو بالاغتيال، وإكفار الأمة المحمدية في جميع
الجزء 1 · صفحة 12
الأقطار رجع عن تأييده وقال:
رجعت عن القول الذي قلت في النجدى
فقد صح لى عنه خلاف الذى عندى
ظننت به خيرا فقلتُ عَسَى عسى
نجد ناصحا يهدى العاد ويستدى
لقد خاب فيه الظن لا خاب نصحنا
وما كل ... ظن ... للحقائق لي ... يهدي
وقد جاءنا من أرضه الشيخ مريد
فحقق من أحواله كل ... ما ... يبدى
وقد جاء من تأليفه برسائل
يكفر أهل الأرض فيها على عمدِ
ولفت في تكفيرهم كل حجة
تراها كبيت العنكبوت لدى النقد
إلى آخر القصيدة، ثم شرحها شرحا يكشف عن أحوال ابن عبد الوهاب من الغلو والإسراف فى القتل والنهب ويرد عليه، وسمى كتابه إرشاد ذوى الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب.
وهذا هو الذي يعده الأستاذ إمام الموحدين بدل أئمة الهدى المتبوعين.
وكنت معجبا بالأستاذ على جلده فى البحث وكثرة إنتاجه، مع ما أرى في
الجزء 1 · صفحة 13
ثنايا كلامه من وجوه الشطط على أمل أنه يصلحها بنفسه في أقرب فرصة، لكن حيث خاب ظنى فيه لم أستطع السكوت عن إبطال الباطل، والله سبحانه ولى الهداية.