الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة مُنتَهى ال الخطباء منار المسترشدين النبلاء
تأليف
حضرة صاحب الفضيلة العالم الجليل الشيخ
مصطفى يوسف الحمامي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وَسَّعَ مدارك أتقياء العلماء في فهم أسرار الكتاب الكريم والسنة النقية البيضاء، حتى استقاموا على طريقة سُداها ولحمتها الشريعة الغراء، فيا لهم من قادة للمسترشدين إلى سَنَن الأنبياء وسِير الأصفياء، يُضاعفُ الله لهم الأجور من غير أن ينقض أجور المسترشدين، كما يضاعف أوزار الفاتنين، بدون أن ينقص أوزار المفتونين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله الأطهار الطيبين، وأصحابه الهداة المهتدين وأتباعهم الغُر الميامين، صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
وبعد: فإن الخطابة خَطْبٌ جسيم، ومقامها في الشرع عظيم، لم يقم بأعبائها غير النبي صلى الله عليه وسلَّم طولَ مُقامه بين ظهراني الأمة، وعلى طريقته مَشَى الخلفاء الراشدون وهُدَاة الأئمة، وكم من خطيب بارع بين الأقدمين، كان إذا قام يخطب بين جماهير المسلمين، يهدي الله بخطبته مئاتٍ وألوفاً من المسرفين، فينخرطون في سلك عباد الله الصالحين المصلحين كما كان يقع في مواعيد سبط ابن الجوزي وخُطبه في الجامع الأموي، وهكذا كان الأمر حينما كانت العلوم تقصد لذاتها، لا لعاجل منافعها ولذاتها.
كانت الأمة إذ ذاك من السمو بالدرجة التي لا تُسَامَى، لما أن قيادتها كانت بيد ورثة الأنبياء شموس الإسلام، وهداةِ الأمة، وبركتها رضي الله عنهم،
الجزء 1 · صفحة 7
ومعروف أن القيادة إذا صَلَحَتْ سارتْ قافلة الأمة في غاية الأمن لا تخشى غائلة، ولما قل هذا الطَّراز من الهداة في العصور المتأخرة رأينا الأمة على ما هي اليوم من الانحطاط الذي لا يخفى على أحد. وكدنا نيأس من صلاح الأمة من طريق الخطابة والخطباء، الطريق الوحيد لذلك، فإنا لم نكن نَرَى مَن يُمسكُ زمام القيادة في هذا الأمر عن جدارة واستحقاق فيؤتى به في مشارق الأرض ومغاربها.
وإنا نحمد الله عز وجلّ على أن أزال من نفوسنا هذا اليأس بما أَطْلع علينا في سماء الإرشاد بدراً أزال بنوره الوضاء، حوالك الظلمات في هذا العصر، وهو حضرة صاحب الفضيلة العلامة الجليل، والفهامة النبيل، أعلمُ الخطباء في مصره، وأخطب العلماء في عصره، مالكُ أَزِمَّة البَرَاعة، في إلقاء النُّصْح على الجماعة، ذلك الخبر البحر الطامي، الشيخ مصطفى أبو سيف الحمامي خطيبُ الحَرَمِ الزَّيْنَبِيِّ بمصر القاهرة، حفظه الله وأكثر مفاخره ومآثره، وهو صاحب منتهى آمال الخطباء، ومَنار المسترشدين النبلاء ثالثُ دواوينه الكبار، وأهمها في القدر والمقدار، دونه حاوياً من روائع الخطب المنبرية ما يحق له كلُّ إجلال وإكبار.
فافتتح فاتحته بمقدمة جليلة تَجلُّ عن الوصف، أرجو القارىء أن يُعافيني من وصف جلالة قدرها، وأن يتفضّل هو بالاطلاع عليها ليعرف كيف هي؟ ثم مضى على سَرْدِ تلك الخطب الزاهية فضلاً إثر، فَضل مبتدئاً بخطبته المنوهة بنعمة العقل، الذي يرتكز عليه كل سعادة وكلُّ نُبل، ولم يَدَعْ في خطبه موضوعاً من المواضيع التي تهم الجمهور وتعم شؤونهم، إلا وقد وفاه حقه من البيان الذي يملأ أسماعهم وعيونهم، وقد عُني عناية خاصة بمداواة أمراض القلوب، تحملها على الإقبال إلى علام الغيوب، ولو أخذنا نسردُ ما في خُطبه من المزايا، في قمع تلك البدع والرزايا، واستقصاء مُوبقات العصر والعوائد الضارة بمصر، لطال بنا
الجزء 1 · صفحة 8
الكلام، من غير أن نقوم بواجب المقام، وقد خرّج الأحاديثَ إِثْرَ كلِّ خُطبة، وعلق تعليقات بديعةً على مواضعَ يَحتاجُ إليها الناظر، ويعرفُ قدرَها الفاضل المحقق، فهاك الديوان، وهو لما قلنا شاهد عيان.
وكم لمؤلّفه الجليل من مواقف شريفة، في إحياء السنن وإماتة البدع السخيفة، وكم له من مؤلفاتٍ تَخَاطَفَها الناس، علماً منهم ببركات تلك الأنفاس، ولا عَجَبَ في ذلك فإن هذا المؤمنَ المخلص الطاهر السيرة، النقي السريرة، مؤلف تلك المؤلفات الشهيرة - ممن فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، ومكنه من زَرْع بذورها في القلوب الميتة بعذب بيانه وقد طال أمد اضطلاعه بالكتاب والسنة حتى امتاز بأن ورثَ بذلك من أخص أسرار الإعجاز، ما يمتلك به قلوب جمهور المسترشدين على اختلافِ مَدَارِكهم وعقولهم فانجذبت ألبابهم إلى ما يدعو إليه من الحق بحسن قبولهم، فترى الألوف المتحسّدة في الحرم الزينبي أثناء إلقائه الخُطب، مستمعين إليه بأذن واعية جائين على الرُّكَب تسيل عيونهم، وتنهمل شئونهم، وتبدو عليهم آثار التوبة والإنابة وتظهر على دعواتهم أنوار الإجابة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فَحُقِّ لِنبلاء الخطباء، ونُبهاء العلماء، وسائر المسترشدين النجباء، في جميع الأنحاء، أن يستبشروا بظهور هذا الكتاب الحقيق بكل إعجاب، فإن فيه ضالتهم المنشودة، وبغيتهم المقصودة ولهم فيه أسوة حسنة، وقدوة صالحة، وذكرى للذاكرين، وَعِظَةٌ للمتعظين، فجزى الله سبحانه مؤلفه على ذلك أحسن جزاء، وأدام النفع به في جميع الأنحاء، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، وله الحمد في الآخرة والأولى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً؟