الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة كتاب العالم والمتعلم
تأليف الإمام الحكيم العالم الرباني أبي بكر محمد بن عمر الترمذي ثم البلخي المتوفى في حدود سنة ??0 هـ
تغمده الله برضوانه
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
نظرة في الكتاب
من المتعارف بين أهل العلم أن العلوم تتكامل بتلاحق الأفكار، وعلى هذا: يلزم أن يكون ما ألفه المتأخر في العلوم أمتن مما دونه المتقدم، لكنْ نَرَى هذه القاعدة تنْخَرِمُ في أغلب العلوم الإسلامية حيثُ نجد أكمل الكتب المؤلفة في الإسلام أقربها إلى أوائل عهد التدوين في الغالب.
ولعل ذلك ببركة ما ينطوي السلفُ عليه من الإخلاص العظيم مع قربهم من عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقوة ما يُشع على الأقربين بعهده عليه السلام من نور علومه صلى الله عليه وسلَّم.
فدونك علوم الفقه والحديث والتفسير، والأخلاق، والتوحيد، وما إلى من العلوم، تجد مؤلفات الأقدمين فيها أقرب إلى القبول، وأقوى روحاً، وأتم نفعاً، وأسرى في العروق وأكثر إنعاشاً للقلوب، وأشد تأثيراً في النفوس، وأهدى سبيلاً على نِسْبَة قَدِمَ عهدِ مؤلفيها.
وها هو الإمامُ الحكيمُ العالمُ الرَّبَّاني أبو بكر محمد بن عمر البلخي الوراق، المشارك للبخاري والترمذي في الرواية عن موسى بن حِزام الترمذي، قد ألف كتاب «العالم والمتعلم» هذا، وأنت تراه على صِغَر حجمه ـ يملأ القلب نوراً، ويحفز المطالع إلى انتهاج الطريقة المثلى في كل ناحية، ببيانه العذب، وفيضه النابع
الجزء 1 · صفحة 7
من أعماق قلبه الحي، الممتلىء علماً ونوراً، كيف لا وهو من الحكماء العارفين الأصفياء، في القرن الثالث، وقد تربى لديه أمثالُ أبي القاسم إسحاق بن محمد الحكيم السمرقندي.
تجد هذا المؤلّف العارف يلفت الأنظار في أول كتابه إلى منافع هذه الدار، والدار الآخرة، وإلى مضار الدارين، ويقسِمُ الناسَ بالنظر إلى علمهم بالمنافع والمضار، وجَهْلِهم بهذه وبتلك، واختيارهم الضار أو النافع، ثم يحضُّ الجميع على تعرف ما هو نافع وما هو ضار، ليأخذوا بالنافع ويجتنبوا الضار.
ثم ينوع العلم إلى معرفة الله عز وجل بصفاته، وإلى معرفة الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، وإلى معرفة السنن والآداب، وإلى معرفة الآفات الواجب اجتنابها. وقد جمع هذه المعارف الأربعة في هذا الكتاب وفرّقها في مواضعها على الإيجاز، بأسلوب سلس، بحيث تكاد معانيها تتسابق إلى القلوب فَتُنْعِشُها إلى علام الغيوب. وقد استعان على تأليفه هذا بعلم العلماء، وحكمة الحكماء، وأدب الأدباء، وطب الأطباء، ومرور التجارب، حتى كاد أن يكون هذا الكتاب الصغير في حجمه، الكبير في علمه خير مرشدِ للجمهور إلى مدارج اليقين، والإيمان بالله، واليوم الآخر، واتباع خاتم الأنبياء والمرسلين، فيما جاء به عن رب العالمين، في العبادات، والدعوات والمعاملات وسائر وجوه الارتفاق وصنوف مكارم الأخلاق، مع القريب والبعيد والصديق والعدو، والخليط والعشير.
يحدد هذا الكتاب للمطالع ما له وما عليه في حياته الخاصة، وحياته مع الجماعة في المأكل والمشارب والصحة والسُّقم والإقامة، والترحال، وصنوف
الجزء 1 · صفحة 8
المعاملة، كما يبين له آداباً مَنْ تَدَرَّبَ عليها في معاملته كلها يعد في نظر الحكماء وتجربة المجربين مثال الرجُل المهذب.
وكم نجد فيه من حِكَم وتجاريبَ نَنَاها عفواً بين ثنايا كلام مؤلّفه الحكيم، ربما نقطع قروناً لو كنا طَلَبْنا نيلها بالتجريب والاختبار بدون مرشد.
والحاصل أني أجد في هذا الكتاب خير أنيس يتعهد مؤانسه بالتدريب عل المكارم في كل شؤونه جزى الله سبحانه مؤلفه جزاء المحسنين.
وفي إحياء مثل هذا الأثر نفع عظيم، فلناشره الشاب النبيه النشيط محمود أفندي سكر صاحب مطبعة الأنوار بمصر الشكر الوافر على سعيه الحميد في إخراج مثل هذا الكتاب النافع للناس، وانصرافه إلى إحياء مآثر السلف يوم انصرف غالب قدماء الطابعين إلى العَصْريَّات ركضاً وراء المادة، ومجاراة للزمن.
ومَنْ يَرَى أن أسماء الكتب في العلوم الإسلامية كلها تقريباً، من أقدم العهود إلى يومنا هذا لا تملا في فهارس دار الكتب المصرية إلا مجلداً واحداً، في حين أن أسماء كتب الروايات العصرية المطبوعة تملأ مجلداً ضخماً ربما يأخذه الدَّهَشُ، ويَسْتَوليه اليأس من هذا الانصراف عن مآثر الأسلاف.
لكن نَرَى شُعْلةَ أمل في الشباب الناهض في إحياء تُراث الأجداد، ومفاخر الآباء، رغم تقاعس المتقاعسين عن الالتفات إلى مثل هذا العمل النبيل، وستكونُ هذه الشعلة نوراً وهَّاجاً يَهدي هؤلاء الحائدين عن سبيل المجد إلى الطريق الأقوم، وما ذلك على الله بعزيز. والله سبحانه يوفّق حضرة الناشر لنشر كثير من الكتب النافعة في خير وعافية؟
محمد زاهد الكوثري