الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة كتاب الحدائق في المطالب العاليه الفلسفية العويصة
تأليف
أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن كتاب الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة وعن مؤلفه أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي.
يتصور الفلاسفة الإشراقيون والصوفية دائرة، وهمية في ترتيب الموجودات الصادرة من المبدع الحكيم جل جلاله ويعتبرون أنها تبتدئ من نقطة مرجعها إليها ويتلون في ذلك قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} (الأعراف: 29) ويشير إليها أغلب من كتب في (المبدأ والمعاد من أمثال عزيز النسفي الباطني، وابن سينا الحكيم المشهور، والصدر الشيرازي والصدر الشرواني وصاحب (معرفتنامه) والبرهان الكوراني في (المسلم المختار في أول صادر من الواجب المختار) وكذلك الكتب المؤلفة في مراتب الوجود.
وبين هؤلاء من ينحو ناحية التناسخ في البدء والعود ويضل عن الجادة، ويعتاص على كثير من الباحثين وجه الصواب في تلك المطالب فيحمل بعضهم الكلام على غير محمله تذرعا بالإجمال القائم فيه إلى تأويل الباطل.
ومن ادعاءاتهم بلوغ ذات الإنسان بعد الممات إلى حيث يبلغ علمه، ويتصورون في ذلك أيضا دائرة وهمية، كما يتصورون دائرة كذلك في الأعداد، ويقولون إن العقل الجزئي قد يتصور بصورة العقل الكلي، وتلك مباحث توجب التمهيد لها بإيضاح مغزاهم في العقول العشرة وما إليها.
ومن الآراء المعزوة إليهم دعوى أن الباري جل شأنه لا يصح أن يوصف بصفات إلا على طريق السلب وأنه تعالى لا يعلم إلا نفسه – سبحان الله عن إفك
الجزء 1 · صفحة 7
الأفاكين – وقد سئل المؤلف عن تلك المشاكل وعن البرهان على بقاء النفس الناطقة بعد الموت.
وتلك – كما يقول المؤلف - مطالب ضيقة المسالك، وكثيرا ما تؤدي بسالكها إلى المهالك، وقد أجاب المؤلف في هذا الكتاب عن تلك الأسئلة العويصة، إجابة خريت (1) خبير بتلك المضايق بصير بوجوه الكشف عن الحقائق، وسعى في أن لا يحيد في بيانه قيد شعرة عن حدود شرع الله بقدر ما استطاع، ولمباحثه صلة وثيقة بمباحث (اللمعة) (2) وأجاد في بيان آراء الفلاسفة في تلك المطالب.
و قد صدق الفتح بن خاقان في (قلائد العقيان ومحاسن الأعيان) حيث قال في ترجمة المؤلف: وله تحقق في العلوم الحديثة وتصرف في طرقها القويمة، ما خرج بمعرفتها عن مضمار الشرع، ولا نكب (3) عن أصل للسنة ولا فرع وتآليفه صنوف، وهي اليوم في شنوف (4) كما صدق ابن خلکان وابن فرحون وغيرهما من المترجمين له حيث قالوا كان حسن التعليم جيد التفهيم ثقة ضابطا)
#
(1) الخريت (على وزن سكيت):الدليل الحاذق البصير
(2) هو الكتاب النفيس الفريد في بابه للعلامة الفقيه المحدث الإمام الشيخ إبراهيم الحلبي رحمه الله تعالى وقد سبق التقديم له بقلم الكوثري رحمه الله تعالى في ص 99
(3) نكب على الشيء: عدل عنه
(4) الشنوف: جمع الشنف وهو القرط الذي تحلي به المرأة اذنها
الجزء 1 · صفحة 8
فها هو كتابه هذا تجده إليه المنتهى في حسن البيان وجودة التفهيم لتلك المسائل العويصة فيجعلها سهلة التفهم لكل من ألقى إلى كلامه سمعه ووجه إليه بصيرته.
و كتابه (التنبيه على الأسباب الموجبة للخلاف بين الأمة لم يؤلف مثله في موضوعه على صغره، وشرحه على سقط الزند يفضله ابن خلكان على شرح المعري نفسه عليه، وكتابه في المثلثات العربية إليه المنتهى في الإجادة عندهم وله شرح أدب الكاتب المشهور بالاقتضاب، والحلل في شرح أبيات الجمل وإصلاح الخلل الواقع في الجمل وشرح ديوان المتنبي والمسائل المنثورة وشرح الموطأ وغير ذلك.
من شيوخه أبو علي الغساني الحافظ، كان عالما باللغة والأدب متبحرا فيهما، فقيها، وكان له يد في الفلسفة والعلوم القديمة، وله أشعار رنانة ذكرت في قلائد العقيان ووفيات الأعيان نماذج منها كافية.
ولد في بطليوس بفتحتين فسكون سنة 444هـ وتوفي في بلنسية في رجب سنة 521 هـ وكلتاهما من بلاد الأندلس، والسيد بكسر السين سكون الياء من أسماء الذئب في اللغة، سمي به جده- سامحه الله - وأعلى منزلته في الجنة.