الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة فتاوى السبكي
للامام أبي الحين تقى الدين على بن عبدالكافي السبكي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة الإمام تقي الدين السبكي
هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد النظار، الورع الزاهد، قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الكبير رحمه الله ولد بسبك - بضم فسكون - من قُرى المنوفية بمصر سنة 683.
تفقه على ابن الرّفعة، وأخذ التفسير عن العلم العراقي، والحديث عن الشرف الدمياطي، والقراءاتِ عن التقي الصائغ، والأصلين والمعقول عن العلاء الباجي، والخلاف والمنطق عن السيف البغدادي، والنحو عن أبي حَيَّان.
ورحل في طلب الحديث إلى الشام والإسكندرية والحجاز، وسمع من شيوخها كابن الموازيني وابن مُشْرِف وابن الصَوَّاف والرضي الطبري، وآخرين، يجمعهم «معجمه» الذي خرَّجه له الحافظ أبو الحسين بن أيبك في عشرين جزءاً.
قال الحافظ أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ»: عُني بالحديث أتم عناية، وكتب بخطه المليح الصحيح المتقن شيئاً كثيراً من سائر علوم الإسلام، وهو ممن طبق الممالك ذِكْرُه، ولم يخف على أحدٍ عَرَف أخبار الناس أمره، وسارت بتصانيفه وفتاويه الركبان في أقطار البلدان، وكان ممن جَمَعَ فنون العلم .. مع الزهد والورع والعبادة الكثيرة، والتلاوة والشجاعة والشدة في دينه. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 7
وقال الجلال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: أقبل على التصنيف والفتيا، وصنَّفَ أكثر من مائة وخمسين، مصنفاً، وتصانيفه تدلُّ على تبحره في الحديث وغيره، وسعة باعه في العلوم، وتخرّج به فُضَلاء العصر، وكان محققاً مدققاً، نَظاراً جَدَلياً، بارعاً في العلوم له في الفقه وغيره الاستنباطاتُ الجليلة، والدقائق اللطيفة، والقواعد المحرَّرة التي لم يُسْبَق إليها، وكان منصفاً في البحث، على قدم من الصلاح والعفاف ومصنفاته ما بين مطوّل ومختصر، والمختصر منها لا بد وأن يشتمل على ما لا يُوجد في غيره من تحقيق وتحرير لقاعدة، واستنباط وتدقيق. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: وَلي قضاء دمشق سنة 739 بعد وفاة الجلال القزويني، فباشَرَ القضاء بهمة وصَرَامَة وعفة وديانة، وأضيفت إليه الخطابة بالجامع الأموي فباشرها مدةً، وولي التدريس بدار الحديث الأشرفية بعد وفاة المزي، وما حفظ عنه في التركات ولا في الوظائف ما يُعَاب عليه، وكان متقشّفاً في أموره، متقللاً من الملابس، حتى كانت ثيابه في غير الموكب تقوم بدون ثلاثين درهماً، وكان لا يَسْتكْثر على أحدٍ شيئاً، حتى إنه لما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم ديناً، فالتزم ولداه التاج والبهاء بوفائها، وكان لا يَقَعُ له مسألة مستَغْرَبة أو مشكلة إلا ويعمل فيها تصنيفاً يجمع فيه شَتَاتها طَالَ أو قصر. اهـ.
وقال الزين العراقي: تفقه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله. اهـ.
وقال الإسنوي: كان أنظرَ مَنْ رأيناه من أهل العلم، ومِنْ أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلاماً في الأشياء الدقيقة وأجلدِهم على ذلك، وكان في غاية الإنصاف
الجزء 1 · صفحة 8
والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان آحاد الطلبة. اهـ.
وقال الصلاح الصَّفَدي: الناسُ يقولون ما جاء بعد الغزالي مثله، وعندي أنهم يَظْلِمونه بهذا، وما هو عندي إلا مثل سفيان الثوري. اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في حقه:
لِيَهْنِ الجامع الأموي لما ... علاه الحاكمُ البَحْرُ التقيُّ
شيوخ العصر أحفظهم جميعاً ... وأَخْطَبُهم وأَقضَاهم عليّ
وقد أقر له عدة من الأعلام ببلوغه مرتبة الاجتهاد، ولا يَنْتَقِصُ مثل هذا الإمام الجليل إلا أصحابُ الصَّغائن من المبتدعة وأذنابهم، وكان صارماً مسلولاً على الشُّذاذ بالدفاع عن السنة دفاع الأفذاذ، شَجَيَّ في حُلُوق المبتدعة، وجذعاً في أعين الحشوية، حيثُ قطع عليهم طريق الوصول إلى زَعْزَعة أركان الفروع والأصول. ومن مصنفاته «السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل» ردَّ به على ابن القيم الزُّرَعي «نونيته» التي سماها «الكافية الشافية».
ومنها «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» ردَّ به على ابن تيمية نَفْيه شَرْعيَّة الزيارة بفتوى بخطه وقد حاول الرد على السبكي الشمسُ ابنُ عبد الهادي في «الصارم المنكي وللعلماء في الرد على رده عدَّةُ مؤلفات، مثلُ المبرد المُبكي في ردّ الصارم المنكي لابن علان) و «نُصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي» للسمنودي.
ومنها: «التحقيق في مسألة التعليق» وهو الردُّ الكبير على ابن تيمية، و «رفع الشقاق في مسألة الطلاق» و «الدُّرة المضيَّة في الردّ على ابن تيمية» و «نقد
الجزء 1 · صفحة 9
الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق» و «النظر المحقق في الخلف بالطلاق المعلق» و الاعتبار في بقاء الجنة والنار إلى غير ذلك من المصنفات، مما يَطُولُ استقصاؤه، وشهرتها تُغنينا عن سَرْدِها في هذا المقام.
ومن شعر صاحب الترجمة:
إذا أَتَتْك يد من غير ذي مِقَةٍ ... وجفوة من صديق كنتَ تَأْمُلُه
خُذْها من الله تنبيها وموعظةً ... بأن ما شاء ـ لا ما شئت ـ يفعله
بقي على قضاء الشام إلى أَنْ ضَعُفَ وتعلَّل، فأناب عنه ولده التاج، وانتقل إلى القاهرة، وتوفي هناك بعد عشرين يوماً سنة 756، ودُفن بسعيد السعداء، بباب النصر، وكان رغب في أن يُدْفَن عند الإمام الشافعي، لكن حال دون رغبته الأمير شيخون. أغدق الله على ضريحه سَحَائب رحمته ورضوانه بمنه بمنه وكرمه؟