الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة حقيقة الإنسان والروح الجوال في العوالم
للإمام العلامة جلال الدين محمد بن سعد الدين أسعد الصديقي الدواني
المتوفى سنة 908 هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
تعريف الكتاب وترجمة المؤلف
حقيقة الإنسان:
رسالة بديعة للعلامة جلال الدين محمد بن سعد الدين أسعد الصديقي الدواني بتشديد الواو نسبة إلى دوان على وزن شداد، موضع في كازرون بأرض فارس قرب شيراز وهو ممن جمع العلوم الشرعية والعلوم الفلسفية وكان يرحل إليه من أقاصي البلدان لتلقي العلم منه، وحواشيه المتعددة على (شرح القوشجي) على تجريد الكلام للنصير الطوسي معروفة.
وكان بينه وبين منافسه الصدر الشيرازي الحسيني – وهو متقدم على الصدر الشيرازي صاحب الأسفار - مساجلات في حواشي الكتاب المذكور، وقد عني أهل الفضل بالمحاكمة بينهما كما هو مشهور.
وللدواني مؤلفات بديعة منها (شرح العقائد العضدية) وكان هذا آخر مرحلة لدراسة الكلام بعد الإلمام بالعلوم الفلسفية في المعاهد القديمة، وله أيضا (شواكل الحور في شرح هياكل النور للشهاب السهروردي المقتول في الحكم الإشراقية) و (الزوراء) و (الحوراء) في التصوف الفلسفي والمعاد.
ومما يقوله في الحوراء عند كلامه في قوله تعالى: [و إن جهنم لمحيطة بالكافرين] (التوبة (49) أثناء تحدثه عن أسرار المعاد: إن الأخلاق الرذيلة
الجزء 1 · صفحة 7
والعقائد الباطلة التي هي محيطة بهم في هذه النشأة هي بعينها جهنم التي ستظهر في الصور الموعودة عليهم في النشأة الأخرى. بل يرى بعض المكاشفون صورة تلك المواطن هنا دون صور هذا الموطن على عكس حال المحجوبين كما وقع لرجل من الأولياء في بعض النواحي - كما سمعه شيخه محيي الدين الكوشكناري عن ثقة - أنه دخل عليه ذات يوم واحد من أهل الدنيا، وكان الولي مستغرقا في حاله فلما نظر إليه قال لخادمه أخرج هذا الحمار، ولم يكن يرى منه إلا صورة الحمار ثم بعد أن زال عن هذه الحال أخبره الخادم بما جرى فقال: ما قلت إلا ما رأيت ولم أكن واقفا على ما تقول. اهـ.
وآراؤه في كتبه النظرية ترتجح بين الكلام والتصوف والفلسفة، وله شهرة عالمية في العلوم العقلية وقد ترجم له عبد الحي اللكنوي ترجمة جيدة، وكانت وفاته سنة 908 هـ قرب دوان عن نحو ثمانين سنة كما ذكره منصور بن الصدر الشيرازي وهو الصواب والعيدروسي جعل وفاته سنة 928هـ في النور المسافر فغلظ غلظا فظيعا، وتابعه ابن العماد في (الشذرات) وترجمته مستوفاة في (حبيب السير) وترجم له السخاوي في (الضوء). - تغمده الله برضوانه وأسكنه بحبوحة جنانه.
وحقيقة الإنسان كما هو موضوع هذه الرسالة لها ناحيتان ناحية الهيكل الجسماني وهو بطبعه يتهافت على الملذات السفلية، وناحية الروح وهو لطيفة ربانية حديثة الطيران إلى المعالي ويعجز أكثر العقول عن درك كنه حقيقة الروح ذلك الأمر الرباني العجيب.
وللروح والنفس والقلب والعقل إطلاقات في اصطلاحات أهل العلم
الجزء 1 · صفحة 8
قد تتلاقي وقد تتفارق وليس هذا موضع إيضاح ذلك، وقد، عني الغزالي في (عجائب القلب) بشرح تلك الاصطلاحات
وأفراد الإنسان على منازل متفاوتة في صلتهم بالناحيتين، فمن غلب عليه الانهماك في الملاذ الجسمية فهو ملحق بالأنعام، قال الله تعالى: [أولئك كالأنعام بل هم أضل] (الأعراف (179) ومن خلص من سلطان الملاذ الجسدية وغلب عليه جانب تلك اللطيفة الربانية فهو ملحق بالملائكة على مدارج متصاعدة، ومن تجاذبه الجانبان من غير أن يتغلب فيه أحد الجانبين على الآخر فهو المجاهد لنفسه وقد خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وقد اختلف أهل العلم في الروح الذي اعتبرناه لطيفة ربانية تم بها سلطانه على الكون هل هو جسم لطيف يحل في الجسم الكثيف الإنساني - وهو مذهب الجمهور - أم جوهر مجرد لا مكاني لا يوصف بالحلول والدخول ولا بالخروج والانفصال وغير ذلك من أوصاف الأجسام بل يوصف بالتعلق به تعلق تدبير ويقطع تعلقه به ذلك التعلق.
والناس في تفهم ذلك على أنحاء فالعامي لا يتصور موجودا كهذا في حين أن الخاصة لا ينكرونه وإن دقت مداركه ولهم في تجرد الروح أدلة ليس الجمهور على قبولها، وممن مال إلى تجرد الروح إمام الهدى أبو منصور الماتريدي والحليمي صاحب (شعب الإيمان والراغب الأصفهاني، والغزالي، والرازي والبيضاوي وكثير غيرهم، ومن أحسن من تكلم في ذلك البطليوسي في الحدائق.
و من أدلة القائلين بتجرد الروح الذي هو النفس الناطقة أن معلوماته لا تقف عند حد فلو كان الروح جسما لكانت معلوماته واقفة عند حد لتعذر ارتسام
الجزء 1 · صفحة 9
ما لا نهاية له من الصور في جسم محدود وتفهم تجرد الروح يعين كثيرا فهم تنزه الإله جل شأنه من الزمان والزمانيات والمكان والمكانيات.
وهذا ما لا يرقى إليه فهم العامي أصلا، فالواجب الاكتفاء بالتنزيه العام في إثبات الصفات العليا من غير خوض في ذلك، وهذا كاف للجميع في النجاة لكن شره العقول يحمل الإنسان على الخوض فيما لا قبل له به فيضل بسبب الخوض كثير من البشر في وادي الحيرة.
بل قال الغزالي في (النفخ والتسوية الناس قسمان عوام وخواص أما من غلبت على طبعه العامية فلا يقبل كون الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه فضلا عن أن يقبل ذلك في الروح الإنساني وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال ومن كانت العامية غلبت عليه كأكثر الكرامية والحنبلية – جعل الإله جسما إذ لا يعقل موجودا إلا متجسما مشارا إليه، ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية وما أطاق أن ينفي عوارض الجسمية فأثبت الجهة، وترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة فأثبتوا موجودا لا في جهة لكنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله حتى نفى جمهورهم تجرد الروح - ثم أفاض الغزالي في ترجيح ما ارتاه في هذا الصدد.
قال البدر العيني في شرح البخاري (2) - 601) عند الكلام في الروح: هو جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء والأشياء الرديئة الدنيئة، مدرك للجزئيات والكليات حاصل في البدن متصرف فيه غنى عن الاغتذاء برئ عن التحلل والنماء؛ ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر بل من عالم الملكوت فمن شأنه أن لا يضره خلل البدن
الجزء 1 · صفحة 10
ويلنذ بما يلائمة ويألم بما ينافيه.
و الدليل على ذلك قوله تعالى: [و لا تحسين الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون] (آل عمران: 169) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا وضع الميت على نعشه رفرف روحه ويقول: يا أهل ويا ولدي فإن قلت كيف يفسر الروح وقد قال تعالى: [قل الروح من أمر ربي] (الإسراء (85) قلت: معناه من الإبداعات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل ا هـ.
وفي (فيض الباري) (3 - 245) عند الكلام في حياة الشهداء واعلم أن الحديث أسند الأكل والشرب إلى النسمة دون الجسد فإنه في التراب فدل على أن النسمة غير الجسد، وكذلك غير الروح، لأن الروح لا يسند إليها الأكل والشرب ما لم تتصل بجسد مادي ا هـ.
ومن اطلع على ما ألف في الروح من الكتب ثم طالع رسالة الدوائي هذه يجدها على صغرها بديعة الأسلوب جمة الفوائد، تطرق بحوثا سكت عنها آخرون وتتعرض لبيان الروح الجوال في العوالم بمغادرته الجسم في أثناء النوم، وللروح المحتفظة بصلة الهيكل الجسماني الكثيف بالجسم اللطيف الذي ذكرناه بالروح الجوال وتصرفات الروح الخارفة للعادات، وغير ذلك مما يفتح أفقا واسعا للباحثين، وينير كثيرا من نواحي هذا البحث العويص المتشعب على مذاق خاص مزيج بالتصوف والفلسفة يهتم به كثير من الناظرين، ففي نشرها فوائد للروحيين، والله ولي النفع، ومنه التوفيق والتسديد.
محمد زاهد الكوثري