الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة ترتيب مسند الامام المعظم المجتهد المقدم
أبي عبد الله محمد ب ادريس الشافعي رضي الله عنه
المتوفى سنة 204م
رتبه المحدث البارع محمد عابد السندى على الأبواب الفقهية أنفع ترتيب
مع تهذيبه أبدع تهذيب بعد ان كان غير مبوب ولا مهذب
(?) ويسألني فيه عما إذا كنت اطلعت على النصف الأول في إحدى الخزانات. (ز).
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مسند الإمام أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه وكلمة عن جمعه وترتيبه
الحمد لله رب العالمين وصلى الله [وسلم] على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن مسند الإمام المعظَّم، والمجتهد المقدم، أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، من أرفع المسانيد شأناً، وأعظمها نفعاً، لمن يريد أن يطلع على وجوه التدليل، على مذهب هذا الإمام الجليل؛ لأنه حَوَى معظم ما استند إليه هذا الإمام من أحاديث الأحكام في الحلال والحرام.
وقد قال الحافظ أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني الدمشقي الشافعي رحمه الله في «التذكرة في رجال المسانيد العشرة ـ وهي في مكتبة الكبريلي بالأستانة ـ: «ذكرتُ فيها رجال الأئمة الأربعةِ المقتدى بهم؛ لأن عمدتهم في الاستدلال لهم لمذاهبهم في الغالب على مارَوَوْه في مسانيدهم بأسانيدهم» ثم ذكر «الموطأ» لمالك ثم قال: «وكذلك «مسند الشافعي؛ فإنه موضوع لأدلته على ما صح عنده من مروياته» ثم ذكر «مسند أبي حنيفة، و «مسند أحمد» رضي الله عنهم.
وكلام الحسيني هذا يدلُّ على أنه كان يعرفُ أن لهم أدلة أخرى سوى ما في
الجزء 1 · صفحة 7
تلك المسانيد، على ما يظهر من قوله: «في الغالب، وإن تجاهل ابنُ حجرٍ هذا القيد، فأخذ يردُّ في «تعجيل المنفعة» على الحافظ الحسيني بما لا يَرِدُ عليه، مع ظهور أن الحسين ليس ممن يجهل جامع مسندِ الشافعي، ولا مدوّنَ مسند أبي حنيفة، ولا أن للأئمة أحاديث سوى ما في تلك الكتب، وتلك أمور قلَّ بين طلبة العلم من يجهلها، فضلاً عن مثل الحسيني حفظاً واطلاعاً، لكن ابن حجر يلذه تعقُبُ مَنْ قبله على أي وجه كان!!.
ومسند الشافعي هذا يحتوي على أحاديثَ سَمِعَها أبو العباس محمدُ بنُ يعقوب الأصم المتوفى سنة 346هـ من الربيع بن سليمان المرادي المؤذن المتوفى سنة 270هـ، في ضمن كتاب «الأم» وغيرها التي سمعها مباشرة من الإمام الشافعي الله عنه ـ غير أحاديث معروفةٍ سمعها بواسطة البويطي ومدوّن تلك الأحاديثِ بأسانيدها في ذلك السفر المعروف بـ «مسند الشافعي» هو: أبو عمرو محمد بن جعفر بن مَطَرِ النيسابوري المتوفى سنة 360هـ صاحب الأصم، وكان جمعه لتلك الأحاديث في ذلك السِّفْر لشيخه بطلبه، وقيل: إن جمعه كان لنفسه لا لشيخه، ويقال: إن الجامع هو الأصم نفسه، والله أعلم.
وعلى كل تقدير: أحاديثُ ذلك المسندِ من مسموعات ابن مطر من الأصم، ضمن سماعه لكتب «الأم» منه كما سَمِعها هو من الربيع، وهو سَمِعها من الشافعي رضي الله عن الجميع، ويكني بعضُ أهل العلم ابن مطر: أبا جعفر. والله أعلم. فمسند الشافعي ـ سواء أكان جمعه تحت إشرافِ الأصم، أم من غير إشرافه عليه ـ غير مرتب على الشيوخ ولا على الأبواب، ولذا قال ابن حجر في «تعجيل المنفعة»: «ولم يرتِّبِ الذي جمع حديث الشافعي أحاديثه لا على المسانيد، ولا على الأبواب، وهو قصور شديد؛ فإنه اكتفى بالتقاطها من كتب «الأم» وغيرها كيف
الجزء 1 · صفحة 8
ما اتفق، ولذلك وقع فيها تكرار في كثير من المواضع».
ولذا تَرَى في «المسند» سَرْدَ أحاديثه تحت عناوين: إما غير دالة على أبواب الفقه اكتفاء بمجرد ذكر مصادرها من الكتب نحو من كتاب اختلاف مالك والشافعي ومن كتاب «الرسالة» و «من» كتاب إبطال الاستحسان»، و «من کتاب اختلاف أحكام القرآن و من كتاب سِير الواقدي، من كتاب جماع العلم»، «من كتاب اختلاف علي وعبد الله». وتلك عناوين لا تدل على نوع معاني الأحاديث المدوّنة تحتها. وإما دالَّة على أبواب من الفقه لكن لا دقة في توزيع الأحاديث عليها، ولا في جمعها في أبوابها.
وكان هذا المسند الجليلُ ينقصه هكذا حسنُ التبويب، فيحول ذلك دون استثمار فوائده بأيسر نظرةٍ، وقد شَرَحَه ابن الأثير في عدة مجلدات، وكذا الرافعي، ثم قام الأمير المحدث سنجر الجاولي المتوفى سنة 745هـ بجمع ما في الشرحين في صعيد واحد، ومَضَوْا جميعاً على إهمال ترتيب أحاديثِ الكتاب بحيثُ يعم النفع به. والواقع أن أهل العلم قصروا في خدمة هذا المسند الجليل، المحتوي لجل أحاديث الإمام الشافعي، إلى أن قيض الله لخدمته المحدِّثَ المُسْنِدَ القائم بخدمة السنة، وإقراء الكتب الستة في المدينة المنورة في القرن السابق، الشيخ محمد عابد السندي المتوفى سنة 1257هـ، فإنه عُني بترتيب مسند الإمام الشافعي وتهذيبه أنفع ترتيب وأمتع تهذيب، كما فعل مثل ذلك في مسند أبي حنيفة» فكان أَجْرُ مَلْء هذا الفراغ مذخوراً له، ليضاعف الله سبحانه حسناته، ويرفع درجاته.
وللسندي هذا: «طوالع الأنوار في شرح الدر المختار» في سنةَ عَشَرَ مجلداً ضخماً بين كتب الرافعي في مكتبة الأزهر - وله «تبويب» مسند أبي حنيفة على
الجزء 1 · صفحة 9
أبواب الفقه وشرحه في أربع مجلدات باسم المواهب اللطيفة في شرح مسند أبي حنيفة» بمحمودية المدينة المنورة وبالهند - والمتنُ المبوَّبُ طُبع مرات، وله «حصر الشارد من أسانيد محمد عابد من أنفع وأوسع الأثبات المؤلفة في القرن الهجري السابق نسخته سقيمة محفوظة بدار الكتب المصرية -.
وكم ختم الكتب الستةَ سَرْداً وروايةً وشرحاً، ودرايةً في المدينة المنورة، وبَسْطُ القول في ترجمته في فهرس الفهارس والأثبات لمولانا المحدث البارع السيد محمد عبد الحي الكتاني حفظه الله.
ولمحمد عابد السندي أيضاً ترتيب مسند الإمام الشافعي رضي الله عنه على أبواب الفقه، مع شرحه إلى نصفه وله غير ذلك، يقول في «حصر الشارد» عند ذكر مسند الشافعي»: «التقطه بعضُ النيسابوريين - وهو أبو جعفر محمد بن جعفر بن مطر - من الأبواب، ويُقال: بل جرَّد أحاديثَ كُتب الأم أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر لأبي العباس الأصم، وقيل: بل جرَّدها الأصم لنفسه، ولم يرتب الذي جَمَعَ أحاديثه على المسانيد ولا على الأبواب، بل اكتفى بالتقاطها كيف ما اتفق، فلذلك وقع فيها تكرار في كثير من المواضع، وقد وفقني الله فرتبته على الأبواب الفقهية، وحَذَفتُ منه ما كان مكرراً لفظاً ومعنى ووقع إتمامه سنة 1230هـ، ثم شرحتُ نصفاً منه، وأسأل الله الإتمام». اهـ.
والشارح عاش بعد ذلك سبعاً وعشرين سنةً، ولا أدري ماذا حال دون إتمامه للشرح؟ أم تم ولم يبلغنا خبره؟ وقد قال السندي في مقدمة ترتيب «مسند الشافعي» بعد ذكره ترتيبه المسند أبي حنيفة وكونَ مسندِ الشافعي» غير مرتب على الأبواب الفقهية: ولذلك كان يُشْكِلُ البحثُ فيه على الطالب، خصوصاً عند
الجزء 1 · صفحة 10
إيراده الحديث في غير مظانه، أو تكراره للحديث في مواضع متفرقةٍ من كتابه، فاستخرتُ الله تعالى في جمعه وترتيبه، وتهذيبه، وتبويبه، فانشرح صدري لذلك، وشرعت مستعيناً بالله تعالى في ذلك، إنه مُفِيضُ كل خير وجودٍ». اهـ.
وقد أتم الترتيب والتهذيب - كما ترى - على أكمل نظام، وأحسن انسجام، فله عند الله على ذلك المثوبة الوافية، والدرجات العالية، إن شاء الله تعالى. وترتيبه للمسند بذكر كتاب الإيمان والإسلام أولاً، ثم كتاب العلم، ثم كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ثم كتاب الطهارة في عشرة أبواب، وهكذا. وإني أروي «ترتيب مسند الشافعي إجازةً عن الشيخ أحمد طاهر العلائي، عن المسندِ محمد علي بن ظاهر الوِثري، عن المحدِّثَ عبد الغني الدهلوي ـ المشروح الأسانيد في اليانع الجني - عن المحدثِ البارع مبوِّبِ «مسند الشافعي» محمد عابد السندي رحمه الله.
وأما مسند الشافعي نفسه: فأرويه إجازةً عن أبي طلحة محمد صدر القاضي، عن محمد بن سليمان الجوخدار، عن سعيد الحلبي، عن إسماعيل المواهبي، عن عبد القادر بن خليل كَدِك زاده عن محمد بن همات الدمشقي، عن عبد الله بن سالم عن الشمس محمد البابلي عن أحمد بن خليل السبكي، عن النجم الغَيْطي، عن زكريا الأنصاري عن عبد الرحيم بن الفرات، عن محمد بن إبراهيم الخزرجي، عن الفخر ابن البخاري أبي الحسن علي بن أحمد السعدي، عن أبي المكارم أحمد بن محمد اللبان الأصْبَهاني، عن عبد الغفار بن محمد الشيروي بكسر الشين وضم الراء - عن القاضي أبي بكر أحمد بن الحسن الحيري - بكسر الحاء ـ عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، عن الربيع المرادي، عن الإمام الشافعي، رضي عنهم أجمعين.
الجزء 1 · صفحة 11
(ح) ويرويه زكريا الأنصاري، عن ابن حجر، عن ابن أبي المجد، عن الحجار، عن أبي السعادات الحمامي، عن أبي زرعة المقدسي، عن مكي بن منصور، عن أبي بكر الحيري.
وقد ساق عبد القادر بن خليل أسانيده فيه في «المطرب المغرب الجامع لأهل المشرق والمغرب بطرق ستة من شيوخه، كما هو عادته في مروياته فيه، إلا أنه وَهِمَ في تحويل السند في أحد الطرق إلى الطحاوي لأن ما بطريق الطحاوي هو سنن الشافعي» الذي جَمَعَه الطحاوي نفسه من مسموعاته من خاله المزني، عن الشافعي رضي الله عنهم، و «مسند الشافعي الذي يرويه الأصم: غير ذلك. وأروي مسند الشافعي أيضاً مكاتبةً عن المرحوم محدث اليمن الأكبر الحسين بن علي العمري المعمر عن الحافظ إسماعيل بن محسن، عن الشوكاني، بسنده في إتحاف الأكابر» إلا أنه ساق سنده بطريق ابن حجر، عن الصلاح بن أبي عمر، كما فعل الكوراني، لكنَّ ابن حجر ليس له إجازة خاصة من الصلاح بن أبي عمر، لأنه توفي بالشام سنة 780هـ وابنُ حجرٍ ابن سبع بمصر، وإنْ شَمِلته إجازة الصلاح لأهل عصره، لكنَّ ابن حجرٍ لا يُعَوِّل على مثل هذه الإجازة العامة، كما ذكرته في صدر «التحرير الوجيز» وإنما ذلك تصرُّف بعض أصحاب الأثبات بعده، والعمدة في رواية ابن حجرٍ لمسند الشافعي روايته عن ابن أبي المجد، كما سبق.
وكنتُ أحضُّ الأستاذ البحاثة السيد محمد عزة العطار الحسيني على طبع هذا الكتاب النافع للغاية، منذ سنين متطاولة، لما أعرفُه منه من الغيرة الصادقة في طبع الكتب النافعة، لكن شاءت الأقدار أن يؤخّر تلبيته لهذه الدعوة إلى اليوم الذي لا تمكنني ظروفي فيه من الخدمة للكتاب بأكثر من هذه الكلمة، والمنتظر من
الجزء 1 · صفحة 12
فضيلة السيد يوسف علي الزَّواوي الحسني من علماء الأزهر، ومن السيد عزة العطار: بذل غاية الجهد في التصحيح والمقابلة، وضبط الكُنى والألقاب، وغريب الألفاظ في الأحاديث بالرجوع إلى مظانها، مع الاعتناء بجودة الورق والطبع، ليضاعف الله الأجر والمثوبة له، وينتفع به الفقهاء من كلِّ مذهب، وما ذلك على الله بعزيز؟
محمد زاهد الكوثري