الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة تبيين كذب المفتري
فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري
تصنيف ناصر السنة حجة الحفاظ مؤرخ الشام
أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله
ابن عساكر الدمشقي
المتوفى سنة (571هـ)
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحالة العامة عند البعثة النبوية
وسط عريق في الجاهلية متوغل في الوثنية ليس لقبائله خطوات سابقة تذكر الرقي البشري، كما لجيرانهم، ولا لهم عاطفة تصرفهم عن مثل وأد البنات والارتزاق من الغارات وما إلى ذلك من الدنايا، يعبدون ما ينحتون ويعتقدون أن الملائكة بنات الله تعالى عما يأفكون، وحول هذا الوسط نطاق من أمم يدينون بأديان شتى محرفة مختلفة، يجري في بلاد كل منهم من الفتن الدهياء وظلم الظلم السوداء ما لم يقيد مثله في التاريخ، وقد خسروا ما تتوارثه الأمم خالفا عن سالف من أسباب السعادة في هذه الحياة، فضلا عما يسبب السعادة الأبدية، فمنهم أمة تدين بالتقليث والحلول ويبيع لهم كهنتهم بقاعا من الجنة فيشترون تخلوا عن عقولهم وهم لأربابهم مسخرون ومنهم أهل دين عبدوا العجل الذهبي بمجرد أن غاب عنهم نبيهم مدة يسيرة ثم حرفوا كتابه واعتقدوا في الله أنه يهبط على الصخرة ويصعد منها، وانه استلقى بعد أن خلق السموات لما لحقه من النصب تعالى الله عما يقولون، ومنهم الصابئة عبدة الأجرام العلوية كأصحاب الهياكل الذين يرون أن الشمس إله كل إله، وكالحرانية الذين يعتقدون أن الخالق واحد كثير، واحد في الأصل كثير بتكثر الأشخاص في
الجزء 1 · صفحة 7
رأي العين وهي المديرات السبع السماوية والأشخاص الخيرة الأرضية فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها، ولا تبطل وحدته وذلك بحلول ذاته أو جزء من ذاته فيها تعالى الله عما يشركون، ولهم عزائم سحرية ومخاطبات للنجوم ومنهم ورث غلاة المتصوفة وسائل مخرقتهم ومنهم الثنوية ومجوس الفرس عبدة النار القائلون بخلق اثنين، النور خالق الخير والظلمة خالق الشر على اختلاف فرقهم من مانوية وديصانية ومزدقية وغيرها، يرون أن النور غير متناه من الجهات الخمس ومتناه من حيث يلاقي الظلمة، وكان ماني رأس المانوية راهيا بحران ومن معتقد المزدقية منهم أن المعبود قاعد على كرسيه في العالم الأعلى على هيئة قعود خسرو (الملك) في العالم الأسفل ووراء تلك الأمم أمم أخرى على أشكال في الغواية كالدهريين والطبيعيين نفاة الصانع وهم آفة الفضيلة والعمران في كل جيل كالسمنية والبراهمة القائلين بنفي ما وراء الحس والمنكرين للنبوة، ولم تزل فلسفتهم أم الهوان والمذلة.
وهكذا كان الحجاز وما حوله من فلسطين والشام وبلاد الروم والعراق وأرض فارس والهند وبلاد إفريقية وما والاها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم فانظر يا رعاك الله كيف قام هذا النبي الكريم بالدعوة إلى الإسلام في هذا الوسط بين تلك الملل المحيطة به ثم كيف أقام الحجة لدعوته بحيث لا يدع بمعاند عذرا وكيف أيقظ العقول بطريقة لا تعلو عن مدارك العامة ولا يستنكرها الخاصة، فدانوا له تباعا وعلمهم طريق التنزيه وما يجوز في الله وما لا يجوز، وفقههم في أبواب العمل ودربهم على الفضيلة والسجايا الكريمة واستنهض الجميع نحو رقي مستمر في العلوم
الجزء 1 · صفحة 8
والأعمال والأخلاق وما إليها استنهاضا تدريجيا بعيدا عن الطفرة والمفاجأة، ثم كيف خرق شرعه هذا النطاق وانتشر إلى جميع الآفاق فدانت الأمم بنور هدايته في مشارق الأرض ومغاربها، ثم كيف أفاضت هذه الدعوة المباركة والنهضة الميمونة على العالمين ما لم يعهد له مثيل من الخيرات في أيسر مدة، فإذا تأملت ذلك تزداد يقينا وترى في ثنايا تشريع هذا النبي العظيم معجزات أية راجع محنة عبدالسلام الجيلي في ذيل الروضتين ومجموعة دوزى في الخزانة الزكية بالقاهرة.
معجزات تتجدد مدى الدهر، وأمهات ما تلقت الأمة من النبي صلى الله عليه وسلم هي العلم بالله وصفاته وما إليها من المعتقدات المقصودة لذاتها، والعلم بالأحكام العملية من عبادات ومعاملات يدور عليها تهذيبهم النفسي وإقامة العدل بين الخليفة والعلم بطرق اكتساب الملكات الفاضلة والتخلي عن الخلال الردنية النفسية، مما يرشد إلى وسائل تزكية النفوس وتصفية القلوب، حتى تصدر من الأعمال المسعدة في النشأتين سجية لا بتكليف فيتم لهم الكمالات العلمية والعملية وكان الصحابة رضي الله عنهم في غنية عن تدوين تلك العلوم لأنهم كانوا يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتبهوا في أمر فيزول الإشكال ويحصل العلم ويأنسون به في الأعمال، ويسعون في التخلق بخلقه العظيم، فلا يتنكبون العدل في شيء منها وبه قامت السموات والأرض وهم أسوة لمن بعدهم.
وقام بعد عهد الصحابة طوائف من علماء الأمة بتحقيق هذه العلوم وتدوينها خلفا عن سلف في كل قرن على حسب ما تقضي الحاجة، فكلما
الجزء 1 · صفحة 9
كان قيام العلماء بواجبهم في ذلك أكثر كان أمر الدين أقوى وسعادة المسلمين أوفر.
لمعة في نشأة الفرق:
وبعد أن انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدرار الباقية ارتد من ارتد في زمن الصديق رضي الله عنه، ونجم دعاة تفريق شؤون الدنيا عن الدين ياغواء من بينهم من المنافقين، فامتنعوا عن أداء الزكاة فعدهم الصحابة مرتدين لمنافاة هذا التفريق لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقاتلوهم حتى هدأت الأحوال.
ولم يكن الخليفة الثاني رضي الله عنه بأقل سهرا على الفاتنين فكان ينفي من يسعى لتشويش العامة بعضل المسائل من غير شبهة تكشف، والفتوح الإسلامية تجري على اتساع عظيم والناس يدخلون في دين الله أفواجا وتدين به الأقوام والملل وتنصاع لهديه البلاد إثر البلاد، ولما حدثت الفتنة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه استخف جانبه أعداء الدين المندسون بين المسلمين فخفوا إلى السعاية بينهم وإثارة خواطرهم بما يمكن أن يروج عليهم السلامة صدورهم وبعدهم عن معرفة طرائق تمويه الفاتنين، غير المتظاهرين بما يمس بالدين، يتنقلون في البلاد لهذه الغاية ويمهدون السبيل إلى القضاء على هذا الدين بيث بذور الدمار، وما عمله أمثال عبدالله بن سبأ في ذلك العهد مشهور وبعد التحكيم في وقعة صفين انقض الخوارج من حول علي كرم الله وجهه وغلوا حتى أخذوا يكفرون مرتكب الكبيرة ولما توفي علي دام أناس على مشايعته ومشايعة آله فسموا
الجزء 1 · صفحة 10
الشيعة، وكانت الزنادقة الروافض تجد بينهم مرتعا خصيا لزرع بذورهم كلما تكرر اضطهاد أهل البيت من بني أمية وغيرهم، وحين تخلى الحسن السبط عن الخلافة لمعاوية اعتزل الفريقين جماعة ولزموا مساجدهم يشتغلون بالعلم والعبادة وكانوا قبل ذلك مع علي حيثما كان وهم أصل المعتزلة.
ويقال إن أول من قام بالاعتزال هو أبو هاشم عبدالله والحسن ابنا محمد بن الحنفية، ثم أخذ الثاني يرد على الخوارج في مسألة الإيمان ويقول الإيمان هو الكلمة والعقد دون الأعمال قسمي هو وجماعته مرجئة لتأخيرهم العمل عن الإيمان وحدث منهم طائفة تقول: لا يضر مع الإيمان معصية وهم مرجئة البدعة وكان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابدة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثم أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من قال أبو الحسن الطرائفي الشافعي (المتوفى سنة (377) في كتابه رد أهل الأهواء والبدع وهم سموا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس وكانوا من أصحاب علي ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة قسموا بذلك معتزلة اهـ.
الأساطير بين من تروج عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم فتلقفوها منهم ورووها لآخرين بسلامة باطن معتقدين ما في أخبارهم في جانب الله، من التجسيم والتشبيه ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو خطأ فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقد الطوائف
الجزء 1 · صفحة 11
ويشيع شيوع الفاحشة.
ولم يكن بنو أمية كالراشدين في السهر على معتقد المسلمين إلا فيما يمس سياستهم فأول من انخدع بهم الشيعة ولكن سرعان ما تراجعوا عن ذلك بمناظرة المعتزلة لهم، ولم يدم فيهم دوامه بين حشوية الرواة وكانت البصرة بندر الآراء والنحل، وقد سمع هناك معبد بن خالد الجهني من يتعلل في المعصية بالقدر فقام بالرد عليه بنفي كون القدر ساليا للاختيار في أفعال العباد، وهو يريد الدفاع عن شرعية التكاليف فضاقت عبارته وقال (لا قدر والأمر أنف).
ولما بلغ ذلك ابن عمر تبرأ منه قسمي جماعة معبد قدرية ودام مذهبه بين دهماء الرواة من أهل البصرة قرونا بل تطور عند طائفة منهم إلى أن حد أن جعلوا للخالق ما ينسبه الشنوية إلى النور وإلى المخلوق ما يعزونه إلى الظلمة.
وكان غيلان بن مسلم الدمشقي ينشر بدمشق رأي معبد فطلبه عمر بن عبدالعزيز ونهاه عن ذلك وكشف شبهته فانتهى وقال يا أمير المؤمنين لقد جنتك ضالا فهديتني وأعمى فأبصرتني وجاهلا فعلمتني والله لا أتكلم في شيء من هذا الأمر أبدا ولما بدأ يذيع رأي معبد أخذ في الرد عليه جهم بن صفوان بخراسان فوقع في الجبر ونشأ عنه مذهب الجبرية، وكان الحسن البصري من جلة التابعين وممن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يوما أناس من رعاع الرواة ولما تكلموا بالسقط عنده قال ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أي جانبها
الجزء 1 · صفحة 12
قسموا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة، وكان واصل بن عطاء بعد أن أخذ الاعتزال عن أبي هاشم السابق ذكره يحضر في مجلس الحسن، وقد ذكرت مسألة الإيمان في المجلس قيادر واصل إلى القول بأن الكافر المجاهر والمؤمن المطيع لا خلاف في تسميتهما كافرا ومؤمنا، ومرتكب الكبيرة حيث كان موضع اختلاف في إطلاق أحدهما عليه نأبى إطلاق هذا وذاك عليه ونقول فيه أنه فاسق أخذا بما اتفقوا وهجرا لما اختلفوا، وكأنه يريد التوسط بين الخلافين واستمالة الفريقين إلى رأيه، لكنه في المعنى مع الخوارج لأنه يرى الخلود في النار لمرتكب الكبيرة فلم يرتض الحسن كلامه.
فانسحب واصل من المجلس وأخذ ينشر مذهب الاعتزال والأصول الخمسة مع صاحبيه عمرو بن بشر بن سعيد وعنهما أخذ بشر بن المعتمر وأبو الهذيل وبالثاني تخرج أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم وإبراهيم النظام وهشام الفوطي وعلي بن محمد الشحام وعن النظام أخذ الجاحظ وابن أبي دؤاد - ولم يدرك واصلا كما ظن -.
وعن الأول انتشر الاعتزال ببغداد حيث أخذ منه أبو موسى بن صبيح وعنه جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر وعنهما محمد بن عبدالله الاسكافي وعن الشحام أخذ الجبائي وعنه ابنه أبو هاشم، وأخذ عن الفوطي عباد بن سليمان فهؤلاء هم قادة الاعتزال في البصرة وبغداد.
وأول من عرف بالقول بخلق القرآن الجعد بن درهم بدمشق، وكان جهم أخذ ذلك القول من الجعد وضمه إلى بدعه التي قام بإذاعتها ومن
الجزء 1 · صفحة 13
جملتها نفي الخلود، ولما قام الحارث بن سريج بخراسان ضد الأموية الكتاب والسنة اعتضد بجهم، وكان مقاتل بن سليمان ينشر هناك نحلته في التجسيم فأخذ جهم يرد عليه وينفي ما يثبته مقاتل فأفرط في النفي حتى قال أن الله لا يوصف بما يوصف به العباد ولم يفرق بين الاشتراك في الاسم والاشتراك في المعنى، والممنوع هو الثاني دون الأول بشرط كونه واردا في الشرع، لأن العلم مثلا مما ورد وصف الخالق به والمخلوق مع أنه ليس بمشترك بينهما في المعنى لأن علم الله حضوري وعلم المخلوق حصولي، وكذلك بقية الصفات.
وتنسب لجهم آراء وليس له فرقة تنتمي إليه بعده، ونسبة غالب من نسب إليه من قبيل النبذ بالألقاب تهويلا لسوء سمعه الرجل بين الفرق وآراؤه توزعت بينهم بعد تمحيصها على حسب أنظارهم لا على ما ارتاه جهم شأن كل رأي يشيع في الناس.
وبعد أن ابتدأ يطرأ بعض فتور على الفتوح ازداد الناس تفرغا لتلك الآراء المبثوثة، وتغلب على عقولهم شهوة التعمق فيها وأخذ أمثال ابن المقفع وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وعبدالكريم بن أبي العوجاء (1) يواصلون السعي في نشر الإلحاد بين المسلمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية من الفرس حتى استفحل أمرهم، فأمر المهدي علماء الجدل من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين، فأقاموا البراهين وأزالوا الشبه وأوضحوا الحق وخدموا الدين.
#
الجزء 1 · صفحة 14
(1) كان ربيب حماد بن سلمة، وكان اعترف أنه وضع أربعة آلاف حديث، وقد راج ما دس منها في كتب أبيه لأمه بعدما خَرفَ بين كثير من الرواة، ثم صارت حججاً يتمسك بها الحشوية في معتقدهم (ز).
وكان القائمون بأعباء تلك المدافعات طائفة من المعتزلة فأصبحوا بين عدوين عدو محمال من خارج الملة له آراء وفلسفة تدرب عليها من عهد قديم، وعدو مجاف في داخل الأمة كاد السواد أن ينحاز إليه لتقشفه وهو بعيد عن قضايا العقول راجت عليه تمويهات المضلين من اليهود والتنوية قصارى عمله الوقيعة في أهل النظر لا يفرق بين العدو والحميم ولو وكل إليه الأمر لما أمكن أن يدافع ساعة من نهار فاشتغل هؤلاء النظار بالأول وتعاضوا عن الثاني حتى أتموا الرد على الزنادقة وكشفوا عن تمويهاتهم، ثم نقضوا كلام الحشوية وأظهروا سخف آرائهم، وقد علق بنفوس هؤلاء النظار ما لا يستهان به من أمراض عقلية عدت إليهم من مناظريهم، وكان غالب الفقهاء وحملة السنة طول هذه المكافحات يأبون الخوض في تلك المسائل ويجرون على ما عليه الصحابة وخيار التابعين من الاقتصار على ما ثبت من الدين بالضرورة، مع أن خصماء الدين كان لهم من الأسلحة ما لا يمكن مقابلته إلا بمثل أسنتهم وجروا مع المسلمين على طريق التدرج في مراحل العداء والجمهور في غفلة من ذلك ومشوا بهم إلى مرحلة لو ترك الأمر وشأنه لكاد أن تتسرب شكوكهم إلى قلوب جماعة المسلمين فيطم الخطب.
ففي هذه الظروف تولى المأمون وأخذ يشايع المعتزلة ويقربهم حتى حمل الناس على القول بخلق القرآن والتنزيه حسبما يوحي! إليه عقله
الجزء 1 · صفحة 15
وعقل خلطانه، ودام الامتحان طول خلافة المعتصم والواثق وزاد الأخير مسألة نفي الرؤية (1)، فلقي خصوم المعتزلة شداند استمرت إلى أن رفع المتوكل المحنة وأظهر الإمام أحمد فيها من الثبات ما رفع شأنه.
#
و لمجاهد بن جبير المكي على جلالة قدره في العلم قولان باطلان باتفاق أهل العلم بالسنة أحدهما ما يقوله في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} من نفي الرؤية وبه أخذت المعتزلة وثانيهما قوله في المقام المحمود وبه أخذت الحشوية وهما رأيان متهاتران وغريب كيف يجتمعان عند مثل مجاهد؟ وكيف يثيتان عنه وقد تواتر معنى تفسير المقام المحمود في الحديث بالشفاعة الكبرى كما تواترت أحاديث الرؤية كذلك. (ز)
ولم يكن للمتوكل ما يحمد عليه غير رفعه المحنة ومنعه الناس عن المناظرات في الآراء والمذاهب. وكان ناصبيا يبغض عليا كرم الله وجهه وله من الأفعال ما لا يخطر بالبال. ثم ابتدأ رد الفعل يأخذ سيره الطبيعي من ارتفاع شأن الحشوية والنواصب وانقماع أهل النظر والمعتزلة وأهل السنة من الفقهاء والمحدثين يواصلون العمل في علومهم من غير جلبة ولا ضوضاء.
والحشوية يجرون على طيشهم وعمايتهم واستنباعهم الرعاع والغوغاء ويتقولون في الله ما لا يجوزه الشرع ولا العقل من إثبات الحركة له والنقلة والحد والجهة والقعود والإقعاد والاستلقاء والاستقرار، إلى نحوها مما تلقوه بالقبول من دجاجلة المليسين من التنوية وأهل الكتاب،
الجزء 1 · صفحة 16
ومما ورثوه من أمم قد خلت ويؤلفون في ذلك كتبا يملأونها بالوقيعة في الآخرين ويخرقون حجاب الهيبة في الإكفار متبرقعين بالسنة ومعتزين إلى السلف يستغلون ما ينقل عن بعض السلف من الأقوال المجملة التي لا حجة فيها. نهم لهم سلف ولكن من غير هذه الأمة وهم على سنة ولكن على من سنها الأوزار إلى يوم القيامة.
و ليس هذا محل بسط مخازيهم. وكانت المعتزلة تتغلب على عقول المفكرين من العلماء ويسعون في استعادة سلطانهم على الأمة وأصناف الملاحدة والقرامطة توغلوا في الفساد واحتلوا البلاد حيث لم يبق في ثغور الدفاع عن الدين من يرابط بحجج دامغة تمحق مخرفتهم لانشغالهم بنفوسهم بما جد من الأحوال.
ففي مثل هذه الظروف غار الإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه على ما حل بالمسلمين من ضروب النكال وقام لنصرة السنة وقمع البدعة فسعى أولا للإصلاح بين الفريقين من الأمة بإرجاعهما عن تطرفهما إلى الوسط العدل قائلا للأولين أنتم على الحق إذا كنتم تريدون بخلق القرآن اللفظ والتلاوة والرسم وللآخرين أنتم مصيبون إذا كان مقصودكم بالقديم الصفة القائمة بذات الباري غير البائنة منه كما يقول ابن المبارك يعني الكلام النفسي وليس لكم مجال أن تنكروا لفظ اللافظ وتلاوة التالي.
كما أن ليس للألين نفي الصفة القائمة به تعالى من غير لفظ ولا صوت، وقائلا للأولين أيضا: نفي المحاذاة والصورة صواب غير أنه يجب
الجزء 1 · صفحة 17
عليكم الاعتراف بالتجلي من غير كيف. وللآخرين: إياكم من إثبات الصورة والمحاذاة وكل ما يفيد الحدوث وأنتم على صواب إن اقتصرتم على إثبات الرؤية للمؤمنين في الآخرة من غير كيف. وهكذا حتى وفقه الله لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وقمع المعاندين وكسر تطرفهم وتواردت عليه المسائل من أقطار العالم فأجاب عنها فطبق ذكره الآفاق وملأ العالم بكتبه وكتب أصحابه في السنة والرد على أصناف المبتدعة والملاحدة وأهل الكتاب، وتفرق أصحابه في بلاد العراق وخراسان والشام وبلاد المغرب ومضى لسبيله.
وبعد وفاته بيسير استعاد المعتزلة بعض قوتهم في عهد بني بويه لكن الإمام ناصر السنة أبا بكر الباقلاني قام في وجههم وقمعهم بحججه ودانت للسنة على الطريقة الأشعرية أهل البسيطة إلى أقصى بلاد إفريقية وقد بعث ابن الباقلاني في جملة من بعث من أصحابه إلى البلاد أبا عبدالله الحسين بن عبد الله بن حاتم الأزدي إلى الشام، ثم إلى قيروان وبلاد المغرب فدان له أهل العلم من أئمة المغاربة وانتشر المذهب إلى صقلية والأندلس، ولابن أبي زيد وأبي عمران الفاسي وأبي الحسن القابسي وأبي الوليد الباجي وأبي بكر بن العربي وتلامذتهم أياد بيضاء في ذلك.
وقام بنشر المذهب في الحجاز راوية الجامع الصحيح الحافظ أبو ذر الهروي وأخذ عنه من ارتحل إليه من علماء الآفاق، وكان انتشاره بالشام قبل ذلك بواسطة صاحب الأشعري أبي الحسن عبدالعزيز الطبري راوية تفسير ابن جرير عن مؤلفه، وكان أهل الشام يجتليون كبار الأئمة من المذهب الأشعري حينا بعد حين كالإمام قطب الدين النيسابوري اجتلبه
الجزء 1 · صفحة 18
نور الدين الشهيد على طلب العلماء. وكان جماعة من المقادسة الحنابلة ممن ورثوا بعض آراء ابن كرام الذي كان عشش بالقدس وباض وترك أصحابا له متقشفين يتوارثها منهم من بعدهم هاجروا منها لما احتلها النصارى وجملوا بدع التشبيه إلى الشام وكان بها شيء من تلك البدع من عهد عبدالواحد الشيرازي صاحب أبي يعلى.
وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يرعى خاطرهم لكونهم مهاجرين زهادا ويتغاضى عن معتقدهم، ولم يكن يحمل الناس على المذهب الأشعري كما ظن بل كان الواعظ ابن نجية الحنبلي المشهور مقربا عنده، ومجافاته القاسية مع الإمام الشهاب الطوسي القائم بنصرة الأشعري بمصر تجري على منظر منه ومسمع ويسكت عن ذلك بل كاد آله أن ينحازوا إليهم في المعتقد لولا وقفة الإمام عز الدين بن عبد السلام في هذه المسألة وقفة عالم يقوم بواجبه فتضاءلت أصواتهم وانجمعوا في ديورهم واقتصروا على الروايات، فيظهر من جميع ذلك أن انتشار المذهب الأشعري في البلاد بسلطان العلم لا بشوكة السلاطين، وما وقع ببغداد وغيرها من التشدد على الحشوية بين حين وآخر فلإخلالهم الأمن وإحداثهم القلاقل.
وفقهاء المذاهب يتجاذبون الأشعري إلى مذاهبهم ويترجمونه في طبقاتهم، والحنابلة أحق بذلك حيث يصرح الأشعري في مناظراته معهم أنه على مذهب أحمد لكنهم لا يترجمونه في لا يعدونه منهم بل يمقته الحشوية منهم فوق مقت المعتزلة فالمالكية كافة وثلاثة أرباع الشافعية وثلث الحنفية وقسم من الحنابلة على هذه الطريقة من الكلام من عهد
الجزء 1 · صفحة 19
الباقلاني والقلقان من الحنفية على الطريقة المتريدية في ديار ما وراء النهر وبلاد الترك والأفغان والهند والصين وما والاها إلا من انحاز منهم إلى الاعتزال كبعض الشافعية.
ومن خصائص مذهب عالم المدينة كونه ينفي حيث البدع عن أهل مذهبه فلا تجد بين المالكية بدع الاعتزال والتشبيه ومما أفاد في ذلك على ما أحسبه منع مالك رواية أخبار الصفات كما كان أحمد يمنع عن رواية أحاديث الخروج على ظلمة الولاة فأفاده في تغاضي خلفاء بغداد عن الحنابلة مهما عملوا بل في تقريبهم، نعم يوجد عند بعض المالكية نوع غلو في التصوف من عهد ابن تومرت وبعض الحنابلة على مسلك السلف في التفويض وترك الخوض وبعضهم انحاز إلى المعتزلة، وكان غالبهم على تعاقب القرون حشوية على الطريقة السالمية والكرامية إلى أن جعل الظاهر بيبرس قضاء القضاة في المذاهب الأربعة لأول مرة فاتصلوا بعلماء أهل السنة يفاوضونهم في العلم فأخذت تزول أمراضهم البدعية وكاد أن لا يبقى بينهم حشوي لولا جالية حران بعد نكبة بغداد حطوا رحلهم بالشام.
ونبغ من بينهم رجل حسنت نشأته في الطلب على ذكاء وحافظة وسمت وتمكن من اجتلاب ثقة شيوخ العلم إلى نفسه وثنائهم عليه وكان واعظا طلق اللسان فإذا هو يجري على خطة مديرة في إحلال المذهب الحشوي تحت ستار مذهب السلف محل مذهب أهل السنة ولم يعلم أن مذهب أهل السنة من الأشاعرة والمتريدية بلغ من التمحيص العلمي على تعاقب القرون بأيدي نوابغ أهل النظر والفقه في الدين ممن لا يعد هذا
الجزء 1 · صفحة 20
الحشوي من صغار تلامذتهم إلى مستوى من قوة الحجج بحيث إذا حاول مثله أن يصطدم بها لا يقع إلا على أم رأسه فيردي ولا يودي وحيث لم يكن له شيخ يرشده في العلوم النظرية أصبح علمه لا يرتكن على شيء وثيق خليطا كثير التناقض توزعت مواهبه في الهواء متعبة ثم أفضى إلى ما عمل وزالت فتنه برد العلماء عليه.
و من الجلي أنه لا دخل للعلم في نشأة الخوارج والشيعة بل ولدتهما العاطفة السياسية ثم اندس فيها خصوم الدين من الزنادقة فتطورنا أطورا شائنة واتجاههما الأصلي نحو خصومة الحكومة القائمة والمرجئة وليدة نوع من البحث العلمي اتجاهها نحو معاكسة الخوارج في المعتقد ثم تشعبت منها آراء بعيدة عن الدين والعلم أورثت التهاون فيف العمل.
والجبرية دعاة الخمود ونذير الدمار نتجت عن بحث غير علمي علوقها من مجاورة السمنية والبراهمة من فرق الإباحة والخمول والقدرية نشأت من بحث علمي ووجهتها نحو خصومه الكسل والتواكل وباعتبار ما تطور إليها متأثرة ببعض آراء الثنوية والحشوية أسقطها الجهل والجمود ترتني آراء جاهلية ورثتها من نحل كانوا عليها قبل الإسلام وراجت عليهم تمويهات المموهين من الثنوية وأهل الكتاب والصائبة لهم تقشف يخدعون به العامة وجهالات لا يتصورها عاقل وهو غلاظ الطباع قساة جفاة يتحينون الفرص لإحداث القلاقل لا يظهر لهم قول إلا عند ضعف الإسلام ويستفحل أمر الإلحاد مع ظهور قولهم هكذا في جميع أدوار التاريخ، خصومتهم متوجهة نحو العقل والعلوم النظرية وكل فرقة قائمة.
الجزء 1 · صفحة 21
والمعتزلة على ضد الحشوية بخط مستقيم أنتجها البحث العلمي، ساقهم شره عقولهم إلى محاولة اكتناه كل شيء وعداؤهم الأصلي نحو الجمود وخطتهم دفع الآراء المتسربة من الخارج إلى الإسلام دامعة وأدلة عقلية مفحمة ولهم مواقف شريفة في الدفاع عن الدين الإسلامي إزاء الدهريين ومنكري النبوة والثنوية والنصارى واليهود والصابئة وأصناف الملاحدة وترى الذهبي يترحم على الجاحظ في سير أعلام النبلاء حين يذكر كتابه في النبوة، ولم نر ما يقارب بحجج كتب (تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبدالجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المشككين وليس بجيد الإعراض الكلي عن كتبهم وكم فيها من الفوائد التي لا تزال في أثوابها القشيبة لم تبل بكرور الزمن عليها.
وكم كان الأستاذ الإمام يجد فيها ما يدفع به خصوم العصر ولا يتحاشى عن الأخذ به من غير بخس لحقهم إلا أنهم لكثرة اشتغالهم بمناظرة الأخصام عدت منهم إلى عقولهم آراء ابتعدوا بها عن الصواب وانغمسوا في بدع ردها الأصحاب، قال الخطابي صاحب معالم السنن كانت المعتزلة في الزمان الأول على خلاف هذه الأهواء وإنما أحدثها بعضهم في الزمان المتأخر.
و الأشعرية هم العدل الوسط بين المعتزلة والحشوية لا ابتعدوا عن العقل كما فعل المعتزلة ولا عن العقل كعادة الحشوية، ورثوا خير من تقدمهم وهجروا باطل كل فرقة، حافظوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وملأوا العالم علما، يوجد بينهم من ينتمي إلى التصوف من مناصرة بعض الأئمة من الصوفية للسنة على الطريقة
الجزء 1 · صفحة 22
الأشعرية منذ القرن الخامس. ولا يوجد من يوازن الأشعري بين المتكلمين بالنظر لما قام به من العمل العظيم ومع ذلك لا تخلو آراؤه من بعض ما يؤخذ كنوع ابتعاد عن العقل مرة وعن النقل أخرى في حسيان الناظر في كلامه في مسائل نظرية معدودة كقوله في التحسين والتقبيح والتعليل وما يفيده الدليل النقلي ونحو ذلك لأن من طال جداله مع أصناف المعتزلة والحشوية مثله لا بد وأن يحصل في كلامه شيء من هذا القبيل. وإنما لم يقع مثل ذلك في معاصرة إمام الهدى أبي منصور الماتريدي شيخ السنة بما وراء النهر لتغلب السنة هناك على أصناف المبتدعة تغليا تاما لا تظهر مشاغباتهم معه، فتمكن من الجري على الاعتدال التام في أنظاره فأعطى النقل حقه والعقل حكمه والماتريدية هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة وقلما يوجد بينهم متصوف.
فالأشعري والماتريدي هما إماما أهل السنة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها لهم كتب لا تحصى وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل الخلاف اللفظي، وقد دونت عدة كتب في ذلك، وقد أحسن تلخيصها البياضي في إشارات المرام في عبارات الإمام ونقل نصه الزبيدي في شرح الإحياء على أغلاط مطبعية كثيرة، والبياضي هذا ضليع في علم الكلام وإن تأخر زمنه حتى إن المقبلي صاحب العلم الشامخ على جموحه وصعوبة انقياده للعلماء كبير العناية بإشارات البياضي اعترافا منه بسعة دائرة بحثه.
و لم نتعرض هنا إلا لأصول الفرق من أهل البدع ولها فروع تتشعب منها على حسب ما يقع فيها من تداخل في الآراء وتجدد في الأهواء
الجزء 1 · صفحة 23
وهي لا تنتهي عند عدد محدود إلى انتهاء تاريخ البشر وفي العدد المأثور للعلماء خلاف مشهور، وقد قام العلماء في كل طبقة بتفصيل ما جد إلى عصرهم من أصحاب النحل ورد الباطل من آرائهم.
ومقالات تلك الطوائف مبسوطة في مقالات الإسلاميين) للأشعري و (المقالات) لأبي منصور الماتريدي ورد أهل الأهواء والبدع لأبي الحسين الطرائفي والملل والنحل) لأبي المظفر الأسفراييني [في مكتبة علي باشا الشهيد، الآستانة] إلى غير ذلك مما لا يحصى.
وكثيرا ما يعزى إلى الفرق أقوال لا توجد في كتبهم إما توليدا وإلزاما ونقل من كتب غير الثقات من الخصوم كما يقع لعبد القاهر البغدادي في (الفرق بين الفرق والملل والنحل) له [مكتبة عاشر افندي بالآستانة].
وكما يفعل ابن حزم في (الفصل) ومن هذا القبيل الاعتماد على مثل أي عيسى محمد بن هرون الوراق وأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي صاحب الآراء والديانات ومحمد بن إسحق صاحب الفهرست وعلى كتب الحشوية فإنها مملوءة بالمختلقات فشأن الباحث أن يحتاط في نسبة قول إلى قاتل حتى يجده في كتاب مستفيض عنه، وقد نبه على بعض ما تقدم الرازي عند ذكر كتاب الشهرستاني ولسنا في صدد المقارنة بين كتب الملل والنحل.
وفي كلام المتقدمين من المتكلمين ما يجب أن يسترشد به القائمون بالدفاع عن الدين في كل عصر ومن البين أن طرق الدفاع عن عقائد
الجزء 1 · صفحة 24
الإسلام ووسائل الوقاية عن تسرب الفساد إلى الأخلاق والأحكام مما يتجدد في كل عصر بتجدد أساليب الأخصام، وهي في نفسها ثابتة عند ما حده الشرع لا تتبدل حقائقها، فجيب على المسلمين في جميع أدوار بقائهم أن يتفرغ منهم جماعة لتتبع أنواع الآراء السائدة في طوائف البشر والعلوم المنتشرة بينهم وفحص كل ما يمكن أن يأتي من قبله ضرر للمسلمين ولا سيما في المعتقد الذي لا يزال ينبوع كل خير ما دام راسخا رصينا، ويصير منشأكل فساد أن استحال واهنا واهيا.
فيدرسون هذه الآراء والعلوم دراسة أصحابها أو فوق دراستهم ليجدوا فيها ما يدفعون به الشكوك التي يستثيرها أعداء الدين بوسائط عصرية حتى إذا فوق متقصد سهاما منها نحو التعاليم الإسلامية من معتقد وأحكام وأخلاق ردوها إلى نحره اعتمادا على حقائق تلك العلوم وتجاربها استنادا على إبداء نظريات تقضي على نظريات المشككين – وجل الدين الإسلامي أن يصطدم مع حقائق العلوم - وأقاموا دون تسريب تلبيساتهم سورا حصينا واقيا وعبأوا حزب الله على أنظمة يتطلبها الزمن في غير هوادة ولا توان ودونوا ما استخلصوه من تلك العلوم من طرائق الدفاع في كتب خاصة بأسلوب يعلق بالخاطر وتستسيغه العامة ليكون سدا محكما مدى الدهر دون مفاجأة جوارف الشكوك.
وإن لم يفعلوا ذلك يسهل على الأعداء أن يجدوا سبيلا إلى مراتع خصبة بين المسلمين تنبت فيها بذور تلبيساتهم بحيث يعصب اجتناث عروقها الفوضوية بل تسري سموم الإلحاد في قلوب خالية تتمكن فيها فيهلك الحرث والنسل وقانا الله شر ذلك وأيقظنا من رقدتنا.
الجزء 1 · صفحة 25
و أحسن من قام بترجمة الإمام الأشعري وبتاريخ حياته العلمية وبيان سيرته في الدفاع عن السنة ورد ما اختلقه خصومه عليه من ذكر تراجم مشاهير الأشاعرة الذين طبق ذكرهم الأرض من قرون متطاولة على طبقاتهم هو الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر الدمشقي في كتابه (تبيين كذب المفتري في ما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري فله على الأشاعرة أكبر منة بذلك، ولا يزال العلماء من سالف الدهر يشكرون له هذا العمل، وشهرة كتابه تغني عن كل وصف.
ولا يؤخذ بشيء سوى إكثاره من ذكر رؤيا الصالحين في الموضوعات العلمية، فلعل الحشوية هم الذين اضطروه إلى ذلك لأنهم إذا أعوزتهم الحجة في اليقظة يلجأون إلى النوم فيجدون ما يتطلبونه من الحجج في المنام فيملأون كتبهم بالرؤى، وكان الأجدر به أن لا يعبأ بهؤلاء في ذلك، وقد كفانا مالنا من الحجج في اليقظة.
وقد ذيل عليه العلامة ابن المعلم في (نجم المهتدي ورجم المعتدي) في القرن الثامن بعد أن رد على أهوازي عصره وهو كتاب حافل واختصر العفيف اليافعي كتاب ابن عساكر في كتابه «الشاش المعلم ذيل المرهم» (1) وألف بعدهم كمال الدين أبو محمد بن إمام الكاملية - صاحب الشمس القاياتي تلميذ العلاء البخاري كتابة (طبقات الأشاعرة).
#
(1) لليافعي كتاب مرهم العلل المعضلة في الرد على أهل الأهواء والبدع المعطلة، مطبوع في كلكتة بالهند سنة 1910م بعناية
الجزء 1 · صفحة 26
دنيسون روز.
ولا أمل فى استيفائهم جميعا فى كتاب لكثرة القائلين بمناصرة السنة على طريقة الإمام الأشعري من أهل مذاهب الأئمة الفقهاء والله الهادي.