الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة براهين الكتاب والسنة الناطقة
على وقوع الطلقات المجموعة منجزة أو معلقة
و يليه البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة
تأليف
صاحب الفضيلة العلامة المدقق المحدث الفقيه
الصوفي الحائز للرشاد والقائم بالإرشاد الشيخ
سلامة القضاعي العزامي الشافعي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله أجمعين.
أما بعد فإن هذا الكتاب من الأعلاق المختارة التي اطلعت عليها عند الأستاذ الجليل الشيخ محمد زاهد الكوثري - نزيل القاهرة – ولقد رأيت أن في نشره - ومؤلفه ممن لهم غوص في دقائق علم السنة، وأقلام تجري في غير تقليد – خدمة لعلم الحديث النبوي، فطلبت من يسمح لي بذلك بعد أن يتفضل بالتعليق عليه وترجمة، مصنفه، فأصبت منه سؤلي أدامه الله للعلم ذخرا.
الناشر
مقدمة البراهين الساطعة
وأما الكتاب الثاني (1): فهو (البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة ففيه تمهيد ومدخل، ومعيار يتعرف به أهل الابتداع، وبيان شدة خطورة الخلاف في أصول الدين، ثم ذكر الحكمة في وفاق الجماعة على أصول الدين والاجتهاد في الفروع وعذر القائلين بإغلاق باب الاجتهاد، والفرقة الناجية وموقف الصحابة رضي الله عنهم من المبتدعة في أول حدوث بدعهم.
وتكلم على علم الكلام وأئمة السنة فيه والفرق بين كلام أهل الحق وكلام أهل الباطل والمشبهة والمجسمة، وسير هذه البدعة في منصة التاريخ، ودعاة هذه البدعة، وبيان شطحات ابن تيمية الخطرة في باب الاعتقاد بتوسع، وإبطال التشبيه والتجسيم، والكتب الداعية إلى التشبيه والكتب الرادة عليها،
الجزء 1 · صفحة 7
ودلالة كتاب الله على التنزيه من التجسيم والتشبيه والكشف عن شبه أهل التشبيه والاستواء، والنزول، وحديث الجارية في السؤال ب (أين) وبراءة الإمام أحمد من القول بالتجسيم والجهة ونحوهما والرد على إنكار خلود الكفار في النار، والرد على من يزعم سقوط القضاء عمن ترك الصلاة عمدا بأوضح حجة والرد على من أنكر الزيارة النبوية بأوسع معاني الرد، وبيان مخالفة ذلك لإجماع أئمة الهدى.
وخطأ ابن تيمية في فهم حديث: (لا تشد الرحال) وحديث اتخاذ القبور مساجد وحديث لا تتخذوا قبري عيدا). وقول البيضاوي في بناء المساجد في جوار الصالحين وإقرار الحافظ ابن حجر ذلك.
وفيه التوسل بالأنبياء والصالحين بتوسع وحكم النذر في مذهب الشافعي رضي الله عنه، حكم إهداء ثواب الأعمال على اختلاف المذاهب، والتوسع في بيان صفات الله العليا، وفيما يجب اعتقاده في ذاته وصفاته وأفعاله جل جلاله، والإفاضة في أن القدر لا يزيل مسؤولية العبد إفاضة تكتسح الشكوك والكلام المتين في الإيمان بالملائكة الكرام على خلاف نزغات بعض العصريين، وبسط القول في النبوة، وأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه خاتم ا الأنبياء والمرسلين وأحوال البعث إلى غير ذلك من مباحث كثر النقاش فيها في المدة الأخيرة.
ويرى ابن تيمية فرقا بين حياته عليه السلام وبين انتقاله إلى الرفيق الأعلى في جواز التوسل به، وهذا رأي باطل، يدل على بطلانه حديث عثمان بن حنيف عند الترمذي وغيره، بل قال النقي الحصني في (دفع الشبه) (ص 64) إن هذا الفرق بين الحياة والممات أحدثة غلاة المنافقين من اليهود)، فأطال وأطاب وتأيد بما نقله عن قاضي القضاة أبي الحسن علي القونوي الشافعي في شرح التعرف)
الجزء 1 · صفحة 8
وهو موجود في التيمورية.
والذي أخذه الشيخ الحراني من اليهود لا ينحصر في هذا الفرق، بل أخذ أيضا القول بتجويز حلول الحوادث في الله سبحانه من كتاب (المعتبر) (45/ 3 و71 و77 و (83) لأبي البركات بن ملكا فيلسوف اليهود المتمسلم وهو (1) احتاط في العبارة واقتصر على مثل العلم والإرادة، فجعله يتغير بالنظر إلى ما قبل حدوث الشيء وما بعد حدوثه، وعد أن هذا التغير غير ضار.
وابن تيمية وسع دائرة هذا الكلام فجعله يشمل الضحك والحد والحركة والمجيء والمس والكلام بحرف وصوت، وما إلى ذلك من عوارض الأجسام، كما تجد جراءته البالغة على إثباتها له في (منهاجه) و (معقوله) ورده على أساس التقديس)، مع أن ذلك يسد باب القول بحدوث الأجسام بدليل حلول الحوادث فيها، وهذا يؤدي إلى نفي وجود الصانع جل جلاله.
وهذا الخزي ناشئ من قياس الغائب على الشاهد، لأننا نرى الشخص شابا، ثم كهلا، ثم شائبا، فيتغير علمنا تبعا لتغير الشخص المعلوم، فلو قسنا علم الله بهذا الشخص في أطواره بعلمنا به، يتوهم التغير في علم الله! فحاشاه من ذلك!
لأن علم الله لا يشبه علم المخلوق بوجه من الوجوه في غير مجرد الاسم، وكذا سائر الأسماء والصفات، بل علم الله حضوري ثابت غير متغير وعلم العبد بالمتجددات حصولي ارتسامي متغير.
فلتقريب الأمر إلى الأذهان نضرب مثلا فنقول: إذا فرضنا اسطوانة كبيرة عليها ألوان من الأعلام العريضة المتوازية، من أسود وأبيض وأحمر، إلى غير
الجزء 1 · صفحة 9
ذلك، فلا شك أن باصرتنا لقوتها ترى تلك الأعلام ملونة بمرة واحدة بدون ماض ولا استقبال ومن غير تقدم لون على لون، بخلاف النملة، فإننا إذا وضعناها على العلم الأسود مثلا ترى باصرتها لضعفها أنها تمشي في صحراء من السواد ثم في البياض، ثم في صحراء من الحمرة، وهكذا، وإبصارها يتغير من سواد إلى بياض إلى حمرة، وهكذا، وما ذلك إلا من ضعف باصرتها بالنظر إلى باصرتنا التي تبصر جميع تلك الأعلام الملونة بمرة واحدة.
وكذلك علمنا يتغير من حال إلى حال من ضعف علمنا بأطوار هذا الشخص بخلاف علم علام الغيوب الذي لا يتقيد بزمان ولا بمكان، وما ضربنا ذلك المثل إلا لمجرد التقريب في التصور، وإلا فأين هذا من ذاك؟!!
وقد استدل المتكلمون على نفي الجسمية والمكان بأن المقدار الخاص لا بد له من مخصص، وكذلك المكان، والتخصيص ينافي الوجوب وفيلسوف اليهود موسى بن ميمون يمضي في دلالة الحائرين على تنزيه الله تعالى من التجسيم اتباعا لما تلقاه من فلاسفة الإسلام، وينفي الجسمية بأدلة يسوقها، لكن يرى دليل المتكلمين السابق ذكره غير مجد – في زعمه - حيث يدعي أن المقدار الخاص يكون واجبا، فلا يتصور أن يزيد أو ينقص، حتى يرد ما أورده المتكلمون بكلامه هذا، لكن غفل هذا اليهودي عن أن ادعاء وجوب هذا المقدار الخاص لا يغني فتيلا في هذا الباب، لأن مدعي قدم أي جسم من الأجسام يمكنه أن يدعي أن هذا المقدار واجب له، فيفتح على نفسه باب قدم أجسام مستغنية عن الصانع، وليس هذا بمذهبه.
و من الغريب أن يأخذ منه هذا الرأي الساقط في نقض دليل المتكلمين مع
الجزء 1 · صفحة 10
ظهور انتقاضه كما ذكرناه، تاركا لمقدماته الخمس والعشرين فيها المحتمة لنفي الجسمية عنه تعالى، كما فعل في (معقوله في هامش (منهاجه)، حينما حاول الرد على الآمدي في ادعائه تخصيصه بمقدار أو مكان والشيء لا يكون فاعلا وقابلا في آن واحد إلا وهو حادث فليعتبر بصنع ابن تيمية في الموضعين.
فإذن لا يتحاشى أن يأخذ أسوأ ما عند اليهود عندما يحتاج إلى دليل عقلي في تأييد معتقده في التجسيم، وهذا غاية في الخذلان، فيرثى لضياع مواهب هذا المبتدع ولو تلفع بالتقوى وتورع من مخالفة الجماعة لما وقع فيما وقع نسأل الله السلامة وليس كل ما يصدر من كل فيلسوف دليلا عقليا ناهضا كما رأيت.
وصفوة القول: أن المؤلف العلامة العزامي حفظه الله، وفي تلك البحوث حقها من التمحيص على تناسق وجودة بيان، تتسابق معاني المباحث إلى أذهان سامعيها بنبرة قوية فتستقر فيها، وتحول دون تسر التشكيكات إلى أذهان المستمعين، فجزاه الله عن العلم خيرا، ولا أراه ضرا ولا ضيرا، وكافأ فضيلة الأستاذ الناشر السيد نجم الدين نجل الولي العارف الشيخ محمد أمين الكردي مكافأة المحسنين.
في 14 رجب سنة 1366 هـ.
محمد زاهد الكوثري