الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة انتقاد المغني عن الحفظ والكتاب
بقولهم لم يصح شيء من الأحاديث في هذا الباب
قطفه
حسام الدين القدسي
من التنكيب والإفادة في تخريج أحاديث خاتمة سفر السعادة
للشيخ المسند ابن همات الدمشقي وغيره من كتب الحديث
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة (1)
حاول الحافظ ضياء الدين أبو حفص عمر بن بدر الموصلي أن يسهل سبيل الاطلاع على الأحاديث الموضوعة لمن لم يعن بعلم الحديث ولم يشتغل بدرسه؛ فأخذ يفحص السنن ويتصفح ما كتبه النقاد في الضعفاء والكذب وما دون في الموضوع من الأحاديث ليتنقي منها ما يمر به مما قيل فيه - لم يرد في هذا الباب شئ - ونحوه حتى يكون ما يتحصل لديه كضوابط كلية يستغني بها عن فحص كل حديث حديث.
ولكن فاته أن القول المذكور من قائله إنما يصح باعتبار ما بلغه من الأسانيد وله قول في كل سند من أسانيد بلغته إذا كان ما أبداه الجرح جرحا عند أهل هذا الشأن واقعا موقعه؛ فرب جرح لا يكون جرحا لدى المحققين من النقاد، أو يكون واقعا في غير محله ولو كان صادرا من أكبر ناقد قال إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين: "ربما نتكلم في الرجل وقد حط رحله في دار النعيم"!
ولعمري إنه أنصف غاية الأنصاف في قوله الذي يفيد أن الجرح باعتبار ما يظهر للمحدث الناقد لا باعتبار نفس الأمر، وهي نقطة دقيقة يكثر فيها العثار، وليس أدل على ذلك مما أخذ على أئمة الجرح والتعديل كشعبة وابن معين وابن مهدي ومن بعدهم على اختلاف طبقاتهم مما ليس هذا محل بسطه.
الجزء 1 · صفحة 7
ولا يلزم من عدم علم هذا القائل حديثا ثابتا في هذا المعنى أن لا يعلمه، آخرون وأن ينتفي ثبوته بتاتا إلا إذا سلم له الاستقراء التام، ومن يعلم مبلغ ما ألف في الحديث من صحاح وسنن وماكتب من الجوامع والمسانيد وما جمع من مشيخات ومعاجم، وما صنف من أجزاء وتواريخ على اختلاف القرون وتنائي البلدان، مما يخرج عن حد الإحصاء: يعلم أن الاستقراء التام في هذا الباب في غاية الندرة إن لم يكن محالا، ولم يسلم ذلك لجهابذة المتقدمين مع علو إسنادهم إلا لبعضهم في شيوخ لهم معينين وبلدان خاصة كالذهلي في حديث الزهري، ومالك في رجال المدينة. فكيف بالمتأخرين الذين ما بلغوا شأوهم وطال بهم المدى بنزول أسانيدهم.
على أن قول المحدث: (لا يصح في هذا الباب شيء قد يكون مراده به الباب الذي ترجمه في كتابه لا بمعنى: لا يصح في هذا المعنى شيء كما وقع للترمذي في (سننه) على ما ذكره الحافظ المنذري.
فيتين مما تقدم أن فحص ابن بدر أمثال هذا اللفظ من أسفار الحديث: سعي غير منتج وعناء بلا غناء، ولقد يغتر بقوله البسطاء، فينفون أحاديث ثابتة فيكون الوبال عليه؛ فيضر وهو يريد نفعا، بل ربما يحسن الظن به بعض الخاصة فيثق بقوله فيكون الحال عندها أطم! قال عبدالرحمن بن مهدي: (خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث).
و قد وقع ذلك فعلا لجماعة منهم، فهذا المجد صاحب (القاموس) قد قلد ابن بدر في خاتمة كتابه (سفر السعادة) إن لم نقل: سلك موطئ قدمه حذو النعل بالنعل، والحافظ زين الدين العراقي مع جلالته وإمامته، وكذلك العلامة عز
الجزء 1 · صفحة 8
الدين محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى اليماني في العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم"، بل ابن تيمية ومن أخذ أخذها.
و حيث كان هذا الكتاب منتقدا لدى حملة العلم بقي مهجورا في زوايا الإهمال قاصر الضر، ومن أذاعه بنشره فقد أذاع بشر مستطير بالنظر إلى غالب أبوابه ونفي الحديث الثابت ليس أقل خطرا من الاغترار بالمكذوب منه.
قال الحافظ ابن حجر في (اللآلئ المنثورة والنافي له كمن نفى أصلا من أصول الدين ومنشأ ذلك على الأكثر إما من غرابة موضع الحديث أو لذكره في غير مظنته؛ فيتسارع إلى نفيه من استشعر في نفسه السعة في الحديث اتكالا على حفظه وقد خانه والشهادة على النفس ليس بالأمر الذي تنهض به الحجج في كل موقف.
هذا ولقد تابع المصنف ابن الجوزي في جل أبواب كتابه وإن لم يصرح باسمه إلا في بعضها، مع أن ابن الجوزي بينا نراه ينفي حديثا في (موضوعاته) أو (علله) بالنظر لما قيل في رجل من رواته نراه يوثق ذلك الرجل بعينه، ويقبل روايته في حديث آخر له حين يصادف ذلك هواه أو يوافق مذهبه ومثال ذلك ما وقع له في جابر الجعفي.
وربما اشتبه عليه الاسم بالاسم فيجعل الثقة كذابا كما جرى له في محمد بن مهاجر، وكثيرا ما يستدل في جرح الرجال بأقوال أبي الفتح الأزدي ثم يرد قوله فيمن لا يروقه جرحه كمهنى وغيره فيصير الأزدي إذ ذاك رافضيا لا ينزل على رأيه، وله كثير من أمثال ذلك.
وقد أخذ عليه النقاد رده البات في جملة أحاديث بمجرد النظر لما وصل
الجزء 1 · صفحة 9
إليه من السند مع أن الحديث مروي بأسانيد لم ينته إليها علمه، وإن كان الرجل بعد تصنيفه (جامع المسانيد رأى من نفسه أنه أحاط خيرا بالأحاديث والآثار، ولكن أين هو من ذاك؟!.
ويقول السخاوي في شرح الألفية ربما أدرج ابن الجوزي في الموضوعات الحسن والصحيح مما هو في الصحيحين، فضلا عن غيرهما، وهو توسع منكر ينشأ عنه غاية الضرر من ظن ما ليس بموضوع موضوعا، مما يقلد فيه، تحسينا للظن به، والموقع له: استفاده غالبا بضعف راويه الذي رمي بالكذب مثلا، غافلا عن مجيئه من وجه آخر، وربما يكون اعتماده في التفرد قول غيره ممن يكون كلامه محمولا على النسبي، هذا مع أن تفرد الكذاب بل الوضاع ولو كان بعد الاستقصاء في التفتيش من حافظ متبحر تام الاستقراء: غير مستلزم لذلك. اهـ.
وقد أكثر ابن بدر العزو في مغنية إلى العقيلي والإمام أحمد، فأما الأول فهو من أكبر المتعنتين في الجرح كثير الحكم بالنفي، وهذا ما حمل الذهبي على التنكيت عليه في (ميزانه) مع أنه كبير الدفاع عن الرواة من الحنابلة فقال: أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تكلم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات توردهم في كتابك.
ونقم عليه أن يتكلم في ابن المديني وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وعثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن سعد وعفان وأبان العطار وإسرائيل وأزهر السمان وبهز بن أسد وثابت البناني وجرير بن عبد الحميد، وقال لو ترك حديث هؤلاء لغلقنا الباب وانقطع الخطاب ولماتت الآثار). اهـ.
وجرح في كتابه (الضعفاء) كثيرين من رجال الصحيحين وأئمة الفقه
الجزء 1 · صفحة 10
وحملة الآثار، مما رد بعضها ابن عبد البر في (انتقائه)، وكان من ينفخ في بوق التعصب من الرواة يثيرون بكتابه فتنا، كما وقع لصاحب (الكمال) في الموصل على أنه كثيرا ما يتصحف اسم الرجل عليه، فيجهله ويرد حديثه، وربما يقول لا يصح في هذا الباب شيء بمجرد النظر إلى سند مختلق، وإن صح المتن بطريق أخرى، فيكون ظاهر كلامه موقعا في الغلط للآخذين به. وحيث كان كتابه في الضعفاء يتبادر من قوله لا يصح) أو (لا يثبت) كونه مكذوبا، كما قال المسند الأوحد ابن همات الدمشقي، على أن ما نقله عنه ابن بدر ليس فيه ما ينحط عن درجة الضعف بل ويدور جله بين صحيح وحسن وه منجبر، نعم لو حملنا قوله على معنى الصحة الاصطلاحية - مع إباء المقام عنه – لا نجير بعض ما أفسده.
وأما الإمام أحمد فإمام المحدثين بلا نزاع إلا أن ما نقله عنه في (المغني) لا يسلم له إلا ما ندر، وقد اختلفت الروايات عنه في أكثرها، فحديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم): صححه السيوطي، و (كتم العلم) صححه الحاكم وحسنه الترمذي وأخرجه هو في (مسنده)، و (التسمية على الوضوء) لم يكن لفظ أحمد فيها ما ذكره المصنف وإنما قال: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد) كما في الترمذي. يقول ابن حجر في تخريج الأذكار) لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم، وعلى التنزل: لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة فلا ينتفي الحسن، وعلى التنزل: لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع. ا هـ.
وما نقله في أربعة أحاديث لا يسلم له إلا في اثنين منها، فحديث (من آذى): صالح عند أبي داود من أكابر أصحاب أحمد، و (للسائل حق): أخرجه هو في مسنده بسند جيد رجاله ثقات.
الجزء 1 · صفحة 11
وقوله: (لم يثبت في الشهادة في النكاح شيء)، برده حديث عائشة وهو صحيح عند الأئمة، وإن أعله أحمد بمخالفته لمذهب عائشة، كما حكى الحافظ ابن رجب في شرح الترمذي) وغالبا ما نقله عنه من هذا القبيل.
وجملة القول: أن ما حشده ابن بدر في كتابه هذا من الأقوال - وإن سبقه بها محدثون - لكن تتفاوت معانيها باعتبار تفاوت المقامات، نعم لابن بدر أن يتخلص من كثير مما أورد عليه بحمل الصحة على المعنى الاصطلاحي، ولكن يفوت إذ ذاك قصده.
والرجل وإن كان يعد في الحفاظ، كما ذكره جماعة من المحدثين، لكن دعوى كونه ناقدا: باطلة لا يظاهرها دليل.
قال الحافظ ابن حجر في القول (المسدد عند قول الزين العراقي: أورده) عمر بن بدر الموصلي لا اعتداد بذلك فإنه لم يكن من النقاد، إنما أخرجه من كتاب ابن الجوزي فلخصه ولم يزد من قبله شيئا. ا هـ.
وبالغ السيوطي في الحط من مقداره حتى قال في شرح التقريب وليس هو من الحفاظ وعليه في كثير مما ذكره انتقاد. اهـ.
وقال الحافظ السخاوي في شرح ألفية الحديث) وعليه فيه مؤاخذات كثيرة، وإن كان له في كل باب من أبوابه سلف المتقدمين). ا هـ.
وقد لخص (المغني) الحافظ سراج الدين بن الملقن في جزء وتعقبه بابا بابا وأقره في بعض الأبواب، وبين (المغنى) فرق في بعض المواضيع، فليراجع.
تنبيه: يقول صاحب (التنكيت: اعلم أن البخاري وكل من صنف في
الجزء 1 · صفحة 12
الأحكام يريد بقوله (لم يصح الصحة الاصطلاحية، ومن صنف في الموضوعات والضعفاء يريد بقوله: (لم يصح) أو (لم يثبت المعنى الأعم ولا يلزم من الأول نفي الحسن أو الضعف، ويلزم من الثاني البطلان. (1)
#
(1) أوضح هذه القاعدة بالأدلة وبالشواهد، وقررها، وبين وهم من وهم فيها من العلماء، تلميذ المؤلف ووارث علومه العلامة الأستاذ الشيخ عبدالفتاح أبو غدة حفظه الله – في مقدمته لكتاب المصنوع في معرفة الحديث الموضوع للعلامة علي القاري - رحمه الله.
وفي تعليقاته على الرفع والتكميل للإلمام اللكنوي ص 191 - 195، وتعليقاته على قواعد في علوم (الحديث للعلامة ظفر أحمد العثماني ص 282.286 -